العقل اليهوديملفـات

الحملات الصليبية واليهود

مقدمة:

أصاب طوفان الأقصى الدولة الصهيونية في مقتل استراتيجي، جعل بعض رموزها وقادتها لأول مرة يتحدثون عن “حرب وجودية” وعن حقيقة كون دولتهم لا تتحمل إلا هزيمة واحدة، بعدها يكون زوالها، بل ذهب أحد كبارهم[1]  إلى القول بأن هزيمة إسرائيل في هذه الحرب سيعني أنه “لا ملاذ آمنا على وجه الأرض لليهود”!

ولأن الناس يتعلمون من حقائق التاريخ والجغرافيا، فقد رجع كثيرون لمقارنة ما يجري في فلسطين الآن، مع ما جرى فيها إبان الحروب الصليبية[2]. فأوجه الشبه بين الغزوين الصليبي والصهيوني كثيرة، ومتطابقة في بعض جوانبها:

  • كلا الغزوين استعماري استيطاني إحلالي.
  • كلا الغزوين صادف حالة تفكك وانقسام وضعف للمحيط العربي الإسلامي لفلسطين.
  • كلا الغزوين اعتمد على خونة وعملاء محليين من المسلمين والمسيحيين.
  • حاول قادة كلا الغزوين تكوين تحالفات مع قادة المنطقة المنقسمين على أنفسهم.
  • كلا الغزوين لم يفقد علاقته بالوطن الأم (الغرب)، وظل اعتماده عليه كليًّا ومستمرًّا.
  • كلا الغزوين احتل نفس الشريط الساحلي تقريبًا، ليبقى تأمين خط الدعم الغربي البحري.
  • كلا الغزوين تترَّس تحت راية دينية (الكاثوليكية للصليبيين، واليهودية وحلفاؤها من البروتستانت المتهودين للصهاينة).
  • كلا الغزوين استعان بحملة ضخمة من الأكاذيب المخلوطة بخيال وأساطير.

هدف البحث هو استدعاء الغزو الصليبي شديد الشبه بالغزو الصهيوني، ونخلص منه إلى نظرة نحو المستقبل وأهمية التموضع الإسلامي في الصراع الحالي الذي تشتبك فيه المصالح الغربية على أرض منطقة خامدة، لكنها تبدو مُهيَّأة لبعث جديد ومخاض مؤلم بعد طوفان الأقصى.

إسرائيل تدرك أهمية دراسة الحملات الصليبية نظرًا لأوجه الشبه السالفة، وبالتالي لتجنُّب مصير تلك الحملات وزوال احتلالها لفلسطين. شغلت الحروب الصليبية عددًا كبيرًا من العلماء والباحثين في إسرائيل حتى أصبحت الجامعة العبرية في إسرائيل من أهم مراكز الأبحاث الصليبية في العالم. إن الموقف اليهودي من الحركة الصليبية نابع من إدراكهم للوظيفة الحضارية للتاريخ كعلم، فهُم يدرسون تاريخ الحملات مع التركيز على الوجود الغربي فوق أرض فلسطين وعوامل النجاح التي حقَّقت للصليبيين النصر، ثم عوامل الفشل والإخفاق والزوال.

يدرس الصهاينة تلك الفترة دراسة تفصيلية خاصة ما قبل وبعد (حطين)، فيدرسون عناصرها وجذورها رغبة منهم في عدم الوقوع في أخطاء الصليبيين التي انتهت برحيلهم عن فلسطين. لذلك تجد لديهم مئات الكتب والدراسات ومراكز الأبحاث المنتشرة في جامعات العالم التي تتعمَّق في دراسة هذه الفترة، ويُركِّزون على معنى الجهاد ولماذا استيقظ المشرق الإسلامي بعد سنوات من التعايش والقبول، ويُحلِّلون أسباب انتصار المسلمين في (عين جالوت) بعد سنتين فقط من سقوط الخلافة العباسية.

إن انبعاث الشرق الإسلامي بعد أكثر من أربعين سنة من احتلال القدس، وخروجه تدريجيًّا من حالة التشظي والانقسام، حتى بلغ ذروته في جيش صلاح الدين الذي تألَّف من إحدى عشرة حاضرة إسلامية (موزعة في دول عصرنا الحالي على خمسة بلاد هي: مصر وسوريا والأردن والعراق وتركيا). هذا الانبعاث المذهل يثير قلق إسرائيل وتسعى جاهدة للحيلولة دون تكراره.

لقد بلغ الاهتمام الصهيوني بالحملات الصليبية إلى دراسة كل ما يخصها، بدءًا من التاريخ والجغرافيا والاجتماع والثقافة والعادات والتقاليد، إلى الدخول في تفاصيل الشعر وقصص التراث والنكات والأغاني وكتب فقه الجهاد وحتى أسماء المواليد التي انتشرت ووجدت في تلك الفترة.

وسط هذه التفاصيل التاريخية الكثيرة، يبرز سؤالان أساسيان أمام الفكر الصهيوني يدرسونهما بعمق لفهم تلك التحولات الحادة:

لماذا لم يُعلن الجهاد في القرن الحادي عشر في بداية الحملات الصليبية ولم يُناد في شعوب المنطقة للدفاع عن القدس ومسجدها؟ بل وكيف نسيت الأمة سريعًا إحدى أهم المعارك في تاريخها (ملاذكرد)[3] في العام 1071م، حيث أُسر إمبراطور بيزنطة لأول وآخر مرة.

ثم – وهذا يثير حيرة أكبر – كيف تحول الخمول والتعايش إلى جهاد، وكيف نهض المسلمون من نومهم العميق!

إن العرب والمسلمين من باب أولى، ينبغي أن يقفوا على عوامل تمكُّن الصليبيين من غزوهم واحتلالهم للقدس قرابة التسعين عامًا، ليتجنَّبوها، وليقفوا على عوامل النصر التي مكَّنت المسلمين من استرداد القدس وإنهاء تلك الحملات الغاشمة، لتكون دليلًا لهم للتعامل مع الاحتلال الصهيوني القائم.

إن القفز مباشرة على ما حقَّقه صلاح الدين في حطين، قد لا يكون مناسبًا للاستنارة به في الحرب الحالية، بل ربما يكون مدعاة للإحباط للبون الشاسع بين واقعنا، وما حقَّقه، لكن الحملات التي استمرت حوالي قرنين من الزمان بها محطات أخرى تستحق الاقتداء بها في ملابسات أشبه بواقعنا، وأخذت الأُمَّة خطوات كبيرة إلى الأمام. من ذلك مقاربات نور الدين زنكي، ووالده عماد الدين في الترميم الجزئي والتدريجي لشتات الأُمَّة في زمانهما، مع عدم غياب الهدف الأسمى بالتصدِّي للصليبيين وخططهم وطموحاتهم.

لم يكن هناك دافع ديني حقيقي، اللهم إلا في عقول جماهير الفلاحين! التي اندفعت تلبي نداء الربِّ (مُجسَّدًا في نداء أوربان) وهي تنشد إحدى حسنيين: إما نعيم ورخاء وأموال الشرق، وإما الموت والغفران الإلهي.

هناك أيضًا وجه اختلاف مهم بين الغزوين الصليبي والصهيوني، وهو الحالة الدينية، إذ كان الصليبيون (الكاثوليك) يكرهون اليهود ويعاملونهم بازدراء، وقد نكَّلوا بهم في مذابح عديدة سواء في أوروبا على طريق زحفهم نحو الشرق، أو من وجدوهم في فلسطين بعد احتلالها. بينما الداعم الأمريكي الحالي له تعاطف بروتستانتي تجاه اليهود، ما يوفر له غطاء أخلاقيًّا لأغراضه الحقيقية من السيطرة والنفوذ. هذا الاختلاف المهم بين الغزوين يستحق دراسة مستقلة حول أسباب هذا التحول الكبير في العلاقات اليهودية المسيحية التي سادها العداء لأكثر من ستة عشر قرنًا، ثم تحولت إلى ما يشبه التحالف الديني خلال القرن العشرين، وكيف استطاعوا تحويل الغزو الصليبي القديم لغزو صهيوني حديث؟

إن فهم طبيعة العلاقات اليهودية المسيحية أثناء الحملات الصليبية يساعد في فهم العلاقة المعاصرة، وفهم أسباب قوتها وأسباب التأثير فيها. لذلك لم يكن مستغربًا في الأيام الأولى بعد طوفان الأقصى أن يتوجَّه كثير من شباب الغرب نحو هذا التاريخ البعيد، في محاولة لتفكيك العلاقات اليهودية المسيحية، وتبني موقفًا مبدئيًّا منها.

وجه اختلاف آخر مهم بين الغَزوَين، أن اليهود إبان الحملات الصليبية كانوا “جماعات يهودية” تعيش منعزلة عن البيئات التي تعيش فيها، أما الآن فلهم دولة تمثلهم، وتوفر مأوًى آمنًا لهم أمام أي تهديدات دولية محتملة. هذا الاختلاف أيضًا أصبح محلَّ نظر في جدواه بعد طوفان الأقصى!

هذا البحث يركز على وضع اليهود في أوروبا قبيل وأثناء الحملات الصليبية. إن علاقة اليهود بأوروبا المسيحية قبل الحملات الصليبية، كاشفة لعمق الخلافات الدينية والاجتماعية بعيدًا عن أجواء الحراك الدولي الضخم بداية الحملات الصليبية.

يتناول البحث أيضًا الأسباب والدوافع لمذابح الصليبيين بحقِّ اليهود، برغم أنهم لم يكونوا هدفًا سياسيًّا ولا اقتصاديًّا لتلك الحملات. وفي المقابل يفند البحث موقف اليهود من الحملات الصليبية دينيًّا وسياسيًّا، ومن خلالها نتبين متى التقت المصالح الصليبية واليهودية؟ ومتى افترقت؟

هدف البحث هو استدعاء الغزو الصليبي شديد الشبه بالغزو الصهيوني، ونخلص منه إلى نظرة نحو المستقبل وأهمية التموضع الإسلامي في الصراع الحالي الذي تشتبك فيه المصالح الغربية على أرض منطقة خامدة، لكنها تبدو مُهيَّأة لبعث جديد ومخاض مؤلم بعد طوفان الأقصى.

 

تعريف بالحملات الصليبية (حملات الفرنجة):

هي سلسلة من الحملات العسكرية الأوروبية تحت غطاء ديني، استمرت نحو قرنين من الزمان، بين عامي 1096 و1291 م، شملت 8 حملات رئيسة، تفاوتت في حجمها وقوتها ومقدار نجاحها، وكان مقصدها الأساسي بلاد المشرق الإسلامي.

انطلقت الحملات بدعوة من الكنيسة الكاثوليكية تحت شعار الصليب، بهدف تحرير الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين واستعادة القدس، مع دوافع أخرى مركبة، استعمارية واقتصادية غير معلنة، قصدت توسيع نفوذ الفرنجة عالميًّا وإيقاف التمدُّد الإسلامي نحو أوروبا، وخدمة مصالح أطراف أوروبية شتى تحت غطاء ديني.

الدوافع والأسباب:

أثبت الواقع التاريخي للحملات الصليبية وجود دوافع عديدة اختبأت خلف الدافع الديني المُعلَن، فهناك أيضًا الدافع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى مصالح شخصية للأفراد والجماعات المختلفة، ويمكن إجمال أسباب تلك الحروب كالآتي:

  • الدافع الديني:

تخليص القدس من أيدي المسلمين، وإعطاء الأمان للحجَّاج المسيحيين في الأراضي المقدسة، وقد أعلنه البابا أوربان الثاني[3]، عندما ألقى في مدينة كليرمون الفرنسية عام 1095م خطابًا حماسيًّا مطولًا، حضره جمع غفير من رجال الدين والفرسان والنبلاء وعامة الناس، حرَّض فيه على ما سماه “الحرب المقدسة” وحثَّ على الزحف إلى المشرق الإسلامي لتحرير القدس، على خلفية ما ادَّعاه من “اضطهاد يتعرَّض له الحجَّاج المسيحيون في بيت المقدس”، ووعد جموع الحاضرين وجميع المشاركين بالحرب بتقديم الغفران الإلهي عن جميع خطاياهم. وقد بلغ تأثير خطابه الحماسي، أن انطلقت حناجر الحاضرين بشعار تلقائي “إنها إرادة الربِّ”.

لم يكن هناك دافع ديني حقيقي، اللهم إلا في عقول جماهير الفلاحين! التي اندفعت تلبي نداء الربِّ (مُجسَّدًا في نداء أوربان) وهي تنشد إحدى حسنيين: إما نعيم ورخاء وأموال الشرق، وإما الموت والغفران الإلهي.

لكن كان هناك دافع كنسي، تمثل في رغبة عميقة في انتصار السلطة الكنسية على السلطة السياسية في أوروبا، وأي انتصار يمكن أن يكون أقوى من امتثال جيوش أوروبا لخطة البابا وأوامره.

كما كان هناك دافع كهنوتي، تمثل في طموح أوربان الثاني بتوحيد الكنيستين الغربية (الكاثوليكية) والشرقية (الأرثوذكسية)، بحيث يصبح هو الزعيم الأكبر والأوحد للمسيحيين جميعًا في العالم.

ومما يشير إلى سيطرة الكنيسة على الحياة العامة بعد بدء الحملات الصليبية، أن آخر مجمع كنسي كبير كان قد انعقد عام ٨٦٩ م في القسطنطينية، ثم تزامنت الحروب الصليبية مع ستة مجامع كبرى، هي المجامع اللاترانية الأربعة في أعوام 1123، 1139، 1179، 1215 م على التوالي، ثم مجمعي ليونز عامي ١٢٤٥ و١٢٧٤ وهي المجامع التي بيَّنت موقف الكنيسة من عدة قضايا، منها تحريم الربا وتحديد وضع اليهود وكثير من علاقات الكنيسة بالسلطة الدنيوية، ولعبت الكنيسة دورًا أكثر نشاطًا في الحياة الدنيوية، وأخذت تؤكد نفسها بشكل أكثر جرأة، وقد أُعيدت صياغة البنية الكهنوتية وهو ما سمح للبابوات بأن يلعبوا دورًا أكثر فعالية.

  • الدافع السياسي:

كانت أوروبا تعاني من اضطرابات داخلية هائلة قبيل الحملات الصليبية. ففي الشرق، تعرَّضت الإمبراطورية البيزنطية لهجمات مستمرة من قبل الأتراك السلاجقة، وفي الغرب وخصوصًا في شمال فرنسا وغرب ألمانيا،  كانت الأوضاع في تلك الأوقات سلسلة من المجاعات والفقر والفيضانات، وخلال سنة 1089م كان الخوف والقلق يمتلك السكان في تلك المناطق من ذلك الوباء الغامض الذي كان سائدًا في تلك الأوقات فلا يصيب إحدى المدن إلا وقد قضى على أغلبية سكانها[9] ، وقد عانت معظم أراضي غرب أوروبا من خراب من غزوات القراصنة (الفايكنج) مما جعل كثيرًا من أهالي الغرب الأوروبي يعيشون في فقر وحرمان وخوف[10] ؛ ونتيجة لهذه الأوضاع التي عاشتها أوروبا قبيل الحروب الصليبية؛ فقد اشترك في هذه الحروب مختلف الفئات في المجتمع الأوروبي من الفرسان والعامة ورجال الدين، واختلفت دوافع كل فئة من هذه الفئات.

لقد أصبحت فكرة استعادة بعض أمجاد الحضارة المسيحية والتخلُّص من بؤس هذه القرون المظلمة من خلال توسيع النفوذ الأوروبي السياسي، وتأسيس إمارات في بلاد المشرق، هو أحد البواعث القوية التي ضغطت على الكنيسة لإنفاذ تلك الحملات.

أما طبقة النبلاء، فطمعوا في تأسيس إمارات (إقطاعيات) لهم في مناطق أخرى بعد أن ضاقت أوروبا بالصراعات الإقطاعية، وتلهف الفرسان للمشاركة، التي وسعت آمالهم في إمكانية الحصول على أراض جديدة ومكاسب مادية وألقاب رفيعة.

لقد حاول بعض المؤرخين أن يفتشوا عن الدوافع السياسية للحملات الصليبية في ثنايا خطاب أوربان الثاني الذي أطلق شرارة الحرب، ولم يجدوا ذلك صريحًا، إما لأن نص الخطاب لم يُوثَقَّ، أو لأن طبيعة الخطاب لم تكن تحتمل السياسة، وإنما شحن النفوس وتهييجها وإثارتها. لكنهم وجدوا في ثنايا بعض خطاباته لملوك أوروبا دوافع التوسُّع والسيطرة ظاهرة بلا رتوش، ومن ذلك رسائله إلى اللوردات الكاتالونيين في إسبانيا، يحثُّهم على عدم المشاركة في الحملات الصليبية، وبدلًا من ذلك ناشدهم مواصلة القتال ضد المغاربة المسلمين، مؤكدًا لهم أن القيام بذلك سيقدم لهم نفس الغفران الإلهي كالصراع ضد السلاجقة[4].

ولعل الهدف السياسي الأكثر شبهًا بالغزو الصهيوني، كان الرغبة في التخلُّص من أزمات أوروبية داخلية طاحنة من الحروب الداخلية التي لا تتوقف، والصراعات على موارد محدودة، ما جعل الهدف الأعلى للحملات هو مجرد الأرض، وليس الأرض المقدسة.

  • الدافع الاقتصادي:

كانت الأخبار تصل عن حالة الرخاء التي تتمتَّع بها بلاد المسلمين، والتي يُشار إليها في أكثر من آية في التوراة بأنها “أرض تفيض لبنًا وعسلًا”، فخرجت الحملات بهدف الحصول على خيرات وثروات بلاد المشرق، وتحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في أوروبا، التي عاشت حالة مزرية من الفقر والبطالة والجوع، وتُشكِّل الحروب والمشاريع الاستيطانية وسيلة تقليدية للتخلص من العناصر المشاغبة التي لا مكان لها في المجتمع (من نبلاء بلا أرض، إلى تجار يبحثون عن مزيد من الأرباح، وفلاحين جوعى ومجرمين ولصوص)؛ وذلك حتى يُحقِّق المجتمع الغازي استقرارًا اجتماعيًّا داخليًّا.

كما دعم تجار مدن جنوب أوروبا كالبُندقية وبيِزا وجنوَا ومرسيليا الحملات، بنقل المقاتلين بأساطيلهم، وتَوصيل الإمدادات لهم، بهدف الحصول على أرباح طائلة، والسيطرة على المراكز التجارية المهمة في بلاد المشرق، والاستفادة من الخدمات الإضافية التي تمنح لهم.

  • الدافع الاجتماعي:

عن طريق التخلص من نظام الإقطاع وتبعاته، فقد كان الفلاحون (أو الأقنان عبيد الأرض) يعانون من الطبقية في ظل نظام الإقطاع، ويعيشون حياة بائسة، تفتقر إلى الحقوق الأساسية، فضلًا عن الظلم والتسخير والفاقة وتدني مستوى المعيشة، فوجدت تلك الطبقة الفرصة سانحة للهرب، وتأسيس حياة جديدة في بلاد أخرى.

إن فكرة الاستيطان القائمة على إحلال شعب بلا أرض إلى أرض بلا شعب، أوجدت مخرجًا لتلك الأزمات الاجتماعية التي عانت منها أوروبا. لذلك كانت أول أراضٍ تم احتلالها في الحملة الصليبية الأولى، هي الرها وإنطاكية، وبدلًا من أن يتم تسليمها للإمبراطور البيزنطي كما عاهدوه عليه، تم الاستيلاء عليها وتكوين أول مملكتين صليبيتين فيهما، ثم تنصيب ملك على كل منهما.

  • السبب المباشر:

أما السبب المباشر فكان الانتصار الحاسم الذي حقَّقه السلاجقة بقيادة السلطان ألب أرسلان في معركة “ملاذ كرد” على الدولة البيزنطية عام 1071م، وما نجم عنه من الاستيلاء على العديد من المناطق التابعة للبيزنطيين.

فقد أرعب التوسُّع المطرد للسلاجقة الإمبراطور البيزنطي “أليكسيوس الأول”، فاستغاث بالبابا لمساندته في محاربة السلاجقة، بحجَّة تحرير الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، وقد استجاب البابا أوربان الثاني، ودعا إلى حرب دينية على المسلمين، واستجابت أوروبا، التي خشيت أن يفتح سقوط بيزنطة الطريق أمام سلاجقة الروم للتمدُّد إلى أوروبا.

ومع تمتعهم بحماية الإمبراطور المباشرة، أصبح اليهود جماعة وظيفية مالية تابعة للطبقة الحاكمة أساسًا، وتمتعوا معها ببعض الحقوق والمزايا التي وصلت أحيانًا لحقِّ تملك الأراضي الزراعية.

إذن الحروب الصليبية (أو حروب الفرنجة) حروب شَّنها المسيحيون الأوروبيون على الشرق الإسلامي، ظاهريًّا بغرض تحرير بيت المقدس وقبر المسيح، وحقيقةً من أجل السيطرة والنفوذ والتوسع، والتخلُّص من مشاكل داخلية مزمنة، وهي ذاتها دوافع الغزو الصهيوني المعاصر. وقد دعم هذا الهدف الكبير وساعد على قيامه وتمويله، ظروف اجتماعية وسياسية مناسبة سواء في الغرب أو الشرق هيأت المناخ لتلك الحملات ولاستمرارها لقرنين كاملين.

وبعيدا عن السفسطة السياسية، والتزوير الإعلامي، يبقى الغزوان الصليبي والصهيوني بلا أي دافع أخلاقي أو ديني. ومن العجيب بعد كل هذه القرون، ألا نرى أوروبا تعترف بتلك الجريمة النكراء التي أشعلت حربًا دامت فصولها مائتي عام كاملة، وسقط فيها ملايين الضحايا، منهم مئات الالاف على أرض القدس وحدها! ثم لا تجدهم يضعون البابا أوربان الثاني مثلًا في مصاف هتلر وموسوليني، بل إنهم يُعلون شأنه، حتى قام البابا لاون الثالث عشر بإعلان أوربان الثاني قديسًا في ظل الكنيسة الكاثوليكية في عام 1881!

علاقة اليهود بأوروبا المسيحية قبل الحملات الصليبية:

أصبح المجتمع الغربي بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، مُقسَّمًا إلى دول وإمارات مستقلة تفتقد إلى سلطة مركزية قوية. وكانت كل دولة وكل إمارة مكوَّنة من جماعات متماسكة منفصلة لكل منها قوانينها؛ فكان النبلاء والأقنان (الفلاحون أو عبيد الأرض) يشتغلون بالقتال والزراعة، وكان التجار وأعضاء النقابات الحرفية أعضاء في البلديات، وكان القساوسة وممثلو البيروقراطية الدينية تابعين للكنيسة، وقد تمتعت كل جماعة بدرجة من الاستقلال عن الجماعات الأخرى.

وهكذا أصبح اليهود أيضًا “جماعات يهودية” في أوروبا العصور الوسطى، وتنوعت لغاتهم وطقوسهم الدينية. وكانت أهم تلك الجماعات: الجماعة اليهودية في إسبانيا (السفارد) وفي جنوب فرنسا (يهود البروفنسال)، وفي إيطاليا (الإيطالياني)، وفي الإمبراطورية البيزنطية (الرومانيوت)، والجماعات اليهودية في ألمانيا ثم بولندا فيما بعد (الإشكناز).

هؤلاء اليهود لم يكونوا مواطنين في المدينة ولا فلاحين في الضياع الإقطاعية، ولم يكونوا من الفرسان المحاربين، كما أنهم لم يكونوا بطبيعة الحال منتمين إلى الكنيسة، وقد حُلَّت هذه المشكلة القانونية بالعودة إلى القانون أو العرف الألماني، وصُنِّفَ اليهود (غرباء) .

و(الغريب) في العرف الألماني كان يُعدُّ تابعًا للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح أعضاء الجماعة اليهودية كلها مسئولين مسئولية مباشرة أمام الملك أو الإمبراطور، يتبعونه ويوضعون تحت حمايته، بل كانوا يُعَدُّون ملكية خاصة له بالمعنى الحرفي (أقنان بلاط)[5]، الأمر الذي حولهم إلى ما يشبه أدوات الإنتاج، وكان الملك يفرض عليهم ضرائب كانت تصب في خزانته كما أنه كان يبيع لهم المواثيق والمزايا ويتربَّح من ذلك!

ومع أن مفهوم أقنان البلاط كان كامنًا في كثير من المواثيق والمراسيم منذ أيام شارلمان (٧٤٢ ـ ٨١٤)، فإنه استُخدم لأول مرة في مرسوم الملك فريدريك الأول عام ١١٥٧، ثمَّ أكَّده فريدريك الثاني عام ١٢٣٦ (كلاهما أثناء الحروب الصليبية) حين أصدر مرسومًا يشير إلى كل يهود ألمانيا باعتبارهم أقنان بلاط.

ومع تمتعهم بحماية الإمبراطور المباشرة، أصبح اليهود جماعة وظيفية مالية تابعة للطبقة الحاكمة أساسًا، وتمتعوا معها ببعض الحقوق والمزايا التي وصلت أحيانًا لحقِّ تملك الأراضي الزراعية.

أما تمييزهم بشارات وزيٍّ خاص، وسكنهم في مناطق معزولة (الجيتو) مغلقة عليهم، فكان تمييزًا عنصريًّا ضدهم، وإن كان اليهود راغبين في الانكفاء على أنفسهم في مناطق منعزلة، غالبًا بسبب معتقداتهم التي تُحرِّم عليهم كل اختلاط بغيرهم، والتي تصل إلى تحريم مس الغبار المتصاعد من خطوات غير اليهود من الأغيار!

وقد هيأ عمل اليهود بالربا والتجارة لهم مستوى معيشيًّا مرتفعًا ولذا، حينما حدث ما يشبه المجاعة في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، لا نجد لها أي صدى في المصادر اليهودية، وهو أمر متوقَّع بالنسبة لجماعة كانت تتمتَّع بشيء من الثراء.

ولكن ومع كل هذه الميزات، كان عضو الجماعة اليهودية الوظيفية لا حول له ولا قوة إذ إنه، رغم تبعيته للملك والنخبة الحاكمة، كان يعيش بين قوىً شعبية لا تضمر له حبًّا ولا تشعر نحوه بأي عطف، ويحيا في عزلة وغربة عنها، الأمر الذي زاد ارتباطه بالملك والنخبة الحاكمة وزاد اعتماده عليهم، وبذلك أصبحت الجماعة اليهودية في المجتمع الغربي جماعة وظيفية وسيطة تقوم بوظائف تتطلب الموضوعية والحياد، وأصبح وجودهم مرتبطًا بمدى نفعهم كأداة (على عكس وضع اليهود في المجتمعات الإسلامية حيث تحدَّدت مكانة اليهود، شأنهم شأن أعضاء الجماعات والطوائف الأخرى، باعتبارهم من أهل الذمَّة، وهو مفهوم لا علاقة له بمسألة مدى نفع الإنسان).[6]

ولعل أكبر ميزة تمتَّع بها أعضاء الجماعات اليهودية هي حرية الحركة، إذ أصبحوا العنصر البشري الوحيد المتحرك في المجتمع، ذلك أن الأقنان والفلاحين كانوا مرتبطين بالأرض وكان النبلاء لا سلطة لهم خارج إقطاعيتهم، ورجال الكنيسة يرتبط كل واحد منهم بكنيسته أو ديره، وكان التجار المسيحيون تقف في طريقهم حواجز كثيرة تعوق حركتهم مثل ضرائب المرور التي كان اليهود مُعْفَيْنَ منها.

ولكل هذا، تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى عنصر متحرك استيطاني تجاري وتَرسَّخ المفهوم تمامًا في الوجدان الغربي، وعلى سبيل المثال، قام شارلمان بتوطين بعض اليهود في جنوب فرنسا (كحاجز) على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي، وإذا كان أعضاء الجماعات اليهودية قد عملوا بالزراعة في هذه المنطقة، فإنهم في العادة كانوا يُدعون إلى الاستيطان للقيام بوظيفة التجارة باعتبارهم عنصرًا بشريًّا قادرًا على تنشيط التجارة بسبب خبراته وشبكة اتصالاته التجارية الواسعة وسهولة حركته.

وارتبط اليهود بالتجارة حيث سيطروا على التجارة الدولية والتجارة المحلية إلى أن ظهرت المدن البحرية الإيطالية، ولهذا، فبعد أن كانت كلمة (يهودي) تشير في الدولة الرومانية إلى (عضو في قوم إثنوس)[7]  ، أصبحت هذه الكلمة تدل على (التاجر) .

كان وجود الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي الوسيط يستند إلى مواثيق تمنحهم الكثير من المزايا باعتبارهم أقنانًا تابعين للخزانة الملكية. فهم، إذن، كانوا جزءًا من الطبقة الحاكمة أو جماعة ـ وظيفية ـ وسيطة تابعة للحاكم تُمتصُّ الأموال الزائدة في المجتمع عن طريقها.

ورغم أن اليهود لم يراكموا ثروات حقيقية إذ إن الأموال التي كانوا يجمعونها كانت تصب كلُّها في الخزانة الملكية (باعتبار أنهم وكل ما يملكون ملكية للملك)، إلا أن آليات الاستغلال في المجتمع الوسيط لم تكن واضحة، على الأقل بالنسبة إلى الجماهير الشعبية، وكان اليهودي هو الجزء الواضح والمباشر والمتعيِّن في عملية الاستغلال، كما أنه كان أحيانًا مباحًا، بمعنى أن الحماية الملكية كانت تُرفَع عنه ويُلقَى به كبش فداء للجماهير.

في الفترة التي سبقت خروج أولى الحملات الصليبية إلى الشرق العربي كانت الحاجة إلى المال قد تزايدت وظهر دور اليهود وخاصة المرابين منهم وتزايدت الحاجة إلى أموالهم تحت حماية التاج، وذلك في عهد الملوك النورمان (1066 – 1135م)، حتى أصبح لزامًا على اليهودي الإنجليزي في العصور الوسطى إما أن يكون رأسماليًّا مُقرضًا للمال في معظم الأحيان أو الرحيل عن البلاد.

وكان قد سبق الحملات الصليبية بعث اقتصادي في أوروبا وظهور قوى اقتصادية محلية ودولية بدأت تزاحم اليهود وتحاول الحدَّ من قوتهم.

فمنعت البندقية مثلًا، قبل حروب الفرنجة، نَقْل التجار اليهود على سفنها، وقبل أن يحلَّ القرن الثاني عشر الميلادي سُنَّت قوانين تحدُّ من نشاط اليهود التجاري في الداخل.

ومن الحقائق التي تستحق الذِّكر أن كبار المموِّلين اليهود قد اشتركوا في تمويل بعض حملات الفرنجة عن طريق إقراض الملوك أو النبلاء الإقطاعيين الذين اشتركوا في تلك الحملات أو قاموا بتجهيزها. وقد اضطر هؤلاء النبلاء إلى رهن ضياعهم لدى المرابين اليهود لتدبير الأموال اللازمة، كما أن كثيرًا من صغار النبلاء بل بعض الحرفيين والتجار كانوا مدينين لليهود.

بشكل عام كان اليهود في منزلة أدنى من المسيحيين في أوروبا، وكان يُنظر إليهم بدونية. كانت المجامع الكنسية الكبرى تنصُّ صراحة على هذا، بل وتنظر بريبة لمن أراد منهم أن يتحوَّل إلى المسيحية، حتى أصدر مجمع نيقية الثاني عام 787 م، في قراره الثامن: “بما أن بعض الذين يأتون من اليهود يظنون خطأً أنهم يستهزئون بالمسيح الذي هو الله، ويتظاهرون بأنهم أصبحوا مسيحيين، ولكنهم ينكرون المسيح سرًّا من خلال الاستمرار سرًّا في تحريم السبت والحفاظ على الممارسات اليهودية الأخرى، فإننا نأمر أنهم لن يُقبلوا في الصلاة أو في الكنيسة، بل دعهم يكونون يهودًا علانية حسب دينهم؛ فلن يُسمح لهم أن يُعمِّدوا أولادهم”.

وخلاصة الأمر أن اليهود عاشوا حياة غير مستقرة في أوروبا، وكانوا تحت تهديد متكرر ما دفعهم دائمًا للاحتماء في ظل الحكام، سواء من رجال الدين أو الأمراء. كانت النظرة الشعبية العامة لهم سلبية أو عنصرية، وكانت الصورة الذهنية النمطية عنهم تصفهم بالجشع واللؤم والخداع.

واللافت أنهم برغم كل هذا، لم تنشأ عندهم فكرة العودة “لأرض الميعاد”، ولا حتى بعد الدعوة إلى الحملات الصليبية المتجهة إلى فلسطين، وانتظروا حتى عام ١٢١٥م لتذهب بعض مجموعات من الحاخامات إلى القدس.

ومع هذا الوضع البائس، وجدوا أنفسهم أمام عواصف عاتية هبت عليهم مع بدء الحملة الصليبية الأولى، وكشأن أي جماعة وظيفية، إذا انشغل كفيلها عنها، فإنه يُخلى بينها وبين خصومها وجها لوجه!

 

مذابح الصليبيين بحقِّ اليهود: الأسباب والدوافع:

تعرَّض اليهود لمذابح عديدة سواء في أوروبا أو في فلسطين على يد الصليبيين برغم أنهم لم يكونوا هدفًا من أهداف الحملات الصليبية، ولم يأمر بهذا البابا أوربان الثاني ولا قادة الكنيسة ولا أحد من ملوك أوروبا.

كان لهجمات الصليبيين على اليهود دافعان أساسيان:

  • الدافع الاقتصادي (الأقوى والأهم):

كان الربا محظورًا على المسيحيين في العصور الوسطى، إذ حرَّمته الكنيسة الكاثوليكية؛ وبالتالي كان اليهود هم المنفذ المناسب للدولة لكسب الأموال من خلال المعاملات الربوية. ولأن التلمود يُجيز لليهود الربا مع (الأغيار)، بينما يحظره على أبناء دينهم فقد استفاد التجار والمصرفيون المسيحيون من هذه المزية وأحَالوا التعاملات الربوية للمرابين اليهود ليكونوا وكلاء عنهم.

وهناك قضية أخرى محورية (غير مباشرة) أثرت في تعامل الصليبيين مع اليهود بالعنف مع بدء الحملات الصليبية، وهو ارتباط اليهود بالمسلمين في الوجدان الغربي في ذلك الوقت، فأكثر من نصف يهود العالم كانوا موجودين حينها داخل التشكيل الحضاري الإسلامي.

كما اشترك بعض كبار المموِّلين اليهود في تمويل بعض حملات الفرنجة عن طريق إقراض الملوك أو النبلاء الإقطاعيين الذين اشتركوا في تلك الحملات أو قاموا بإطلاقها. وقد اضطر هؤلاء النبلاء إلى رهن ضياعهم لدى المرابين اليهود لتدبير الأموال اللازمة، كما أن كثيرًا من صغار النبلاء بل بعض الحرفيين والتجار كانوا مدينين لليهود.

لكل هذا، كان من مصلحة كثير من هذه القطاعات الهجوم على اليهود كوسيلة للتخلُّص من الأعباء المالية، ويرجع ذلك إلى أن الكنيسة كانت إما تجمد الفوائد على الديون أو تلغيها كليةً بالنسبة لمن يشترك في الحملة وذلك كنوع من المساهمة في عملية التعبئة.

  • الدافع الديني (مباشر وغير مباشر):

وصف الإنجيل اليهود بمختلف الأوصاف المستهجنة، منها أنهم قتلة الأنبياء (لوقا 13/34 والرسالة الأولى إلى مؤمني تسالونيكي 2/14-15)، وأبناء قتلة الأنبياء (متى 23/31)، وأنهم “أولاد الأفاعي”، (متَّى 12/34) (متى 23/33 ومرقس 3/7)، وأنهم أهل رياء وفسق (متى 15/7-8 ومرقس 77/6) وأنهم أهل جهل وعمى وضلالة (متى 23/17، 23/19، 23/24، 15/14)، وأنهم عديمو الإحساس بالعدل والرحمة والأمانة (متى 23/23، والرسالة إلى مؤمني روما 10/3).

غير أن الذنب الأكبر الذي يتهم به الإنجيل اليهود هو أنهم اضطهدوا المسيح عليه السلام، ثم قتلوه، وقد أفاض الإنجيل في شرح دور اليهود المناهض للمسيح من الإهانة والمضايقة (يوحنا 5:16، مرقس 14:65) إلى المطاردة والاعتقال (يوحنا 20:19) إلى الصلب والقتل (متّى 27:22-26).

ويسعى كُتَّاب الإنجيل إلى التأكيد على مسؤولية اليهود وتبرئة الرومان، حيث ورد في الإنجيل تعبير الحاكم الروماني عن اقتناعه ببراءة المسيح، وأن رجال الدين اليهود هم الذين دفعوه إلى اتخاذ قرار الصلب بعد أن حاول التملُّص منهم بكل حيلة، وقالوا له: “ليكن دمه علينا وعلى أولادنا” (متى 27:26).

وقد بقيت هذه العبارة ـ ليكن دمه علينا وعلى أولادنا ـ مغروسة في العقل المسيحي على مرِّ القرون، واعتبرها المسيحيون شهادة دامغة على أن اليهود في كل عصر يحملون في أعناقهم دم المسيح.

وبالإضافة إلى كل هذا، كان يُنظَر إلى كلٍّ من المسلم واليهودي، من منظور مسيحي مطلق، على أنهما كافران لأنهما يرفضان عقيدة التثليث.

ومن هنا سادت فكرة أنه إذا كان الهدف من الحملات هو استعادة القدس والقضاء على الكفرة في أقصى بلاد الأرض، فلم لا نبدأ بتنظيف منزلنا من قتلة المسيح؟

والسؤال هنا؛ لماذا ظل بعض اليهود في بيت المقدس ولم يهاجروا مثل باقي يهود المدن الإسلامية، وخاصة عندما علموا بما حدث لليهود على أيدي الصليبيين في الغرب الأوروبي؟

فقد أيقن المشاركون في الحملة الصليبية الأولى في اندفَاعهم وأمام تيار عام من الاعتقاد بأن قتل اليهودي سوف يؤدي إلى الحصول على الغفران من جميع الخطايا، أنه وإن كان المسلمون يَضطهدون أتباع المسيح في الشرق؛ فإن اليهود أشد عداء لاضطهَادهم وصلبهم المسيح نفسه، وفي ظل هذه الأجواء وعلى حد تعبير المؤرخ “جيسيل روت”:

لم يكن اليهود مستعدين لهذه العاصفة التي أوشكت على أن تهب فوق رؤوسهم بعد أن تعهَّد القادة الصليبيون بالانتقام لدماء المسيح من خلال إراقة دم اليهود، وعدم ترك العدو القديم واللدود للعقيدة المسيحية بدون عقاب؛ وبالتالي عدم جدوى مغامرتهم المقدسة.

وهناك قضية أخرى محورية (غير مباشرة) أثرت في تعامل الصليبيين مع اليهود بالعنف مع بدء الحملات الصليبية، وهو ارتباط اليهود بالمسلمين في الوجدان الغربي في ذلك الوقت، فأكثر من نصف يهود العالم كانوا موجودين حينها داخل التشكيل الحضاري الإسلامي.

كما أن ثقافة الجماعات اليهودية داخل هذا التشكيل كانت ثقافة عربية إسلامية، وكان الفكر العقلاني الإسلامي قد ترك أثرًا عميقًا في الفكر الديني اليهودي الذي وصل إلى قمته لاحقًا في أعمال “موسى بن ميمون”.

وقد وجدت هذه الأفكار طريقها إلى كتابات اليهود في الغرب ومنها إلى الفكر الديني المسيحي، وقامت مناظرات بشأنها حتى قبل موسى ابن ميمون، وقد اعتبرت الكنيسة أن هذه العقلانية تُهدِّد الإيمان الديني من أساسه، وبالتالي كان يُنظَر إلى اليهود على أنهم أداة الفكر الإسلامي.

كما أنه إبَّان عملية فَتْح الأندلس، ثم بعد ذلك إبَّان استردادها على يد الإسبان (وهي عملية بدأت قبل الحملات الصليبية واستمرت بعدها)، كانت هناك قطاعات كبيرة من الجماعة اليهودية تقف إلى جوار المسلمين، سواء مع الفتح الإسلامي أو ضد الغزو المسيحي، وتعمل كجواسيس لصالح المسلمين (والعكس صحيح أيضًا).

وانتشرت الشائعات والاتهامات بأن اليهود يخونون المسيحيين لصالح المسلمين منذ القرن التاسع الميلادي.

 

وضع اليهود أثناء الحملات الصليبية:

أولًا الوضع الاقتصادي:

تتَّسم هذه الفترة من العصور الوسطى بتدهور أحوال اليهود، ويمكن اعتبار الحملات الصليبية نقطةً حاسمة في تواريخ أعضاء الجماعات اليهودية، لا لأنها قامت بالهجوم عليهم فقط، ولكن لأنها تصادفت مع تحوُّل اقتصاديٍّ كبير في المجتمعات الغربية، تمثل في ظهور القوى الاقتصادية المسيحية، مثل اللومبارد في إيطاليا وفرسان الهيكل في فرنسا وغيرها من مناطق أوروبا، والمتمثِّل أيضًا في ظهور جماعات رجال المال المحلِّيين.

لقد حلَّت هذه القوى الجديدة محلَّ اليهود في التجارة الدولية أو في تجارة الجملة، وفي مجالات ونشاطات اقتصادية أخرى مثل إقراض المبالغ الكبيرة، الأمر الذي دفع اليهود إلى العمل في الربا والتجارة الصغيرة البدائية.

ويُعَدُّ يهود إنجلترا مثلًا جيدًا على صعود اليهود وتدهور حالهم ثم طردهم وتَحوُّلهم من التجارة إلى الربا ومن اعتماد الطبقة الحاكمة عليهم إلى استغنائها عنهم، فهم لم يتأثَّروا كثيرًا بالحروب الصليبية نفسها وإن شُنت بعض الهجمات عليهم، ولكنهم تأثَّروا بظهور القوى المالية غير اليهودية، الأمر الذي أدَّى إلى إفقارهم، وقد أصدر إدوارد الأول عام 1274م أمرًا بمنع اليهود من الاشتغال بالأعمال المالية، وفتح لهم أبواب الزراعة والحرف والتجارة، ولكنه لم يُوفَّق في مساعيه فطردهم عام 1290م، والظاهرة نفسها يمكن ملاحظتها بين يهود فرنسا الذين طُردوا من التجارة، حتى بلغ تدهورهم حدًّا كبيرًا تحت حكم لويس التاسع (1226 ـ 1270م) ثم تمَّ طردهم عام 1306م.

يقول المسيري في شرح أسباب تخلخل الوضع الاقتصادي لليهود[8]:

“ومما يجدر ذكره أن الرأسمالية الحديثة أو الرشيدة في الغرب وُلدت على يد هؤلاء التجار المسيحيين وداخل جدران هذه المدن المستقلة الجديدة لا بين صفوف أعضاء الجماعات اليهودية أو داخل الجيتو.

حيث قام هؤلاء التجار بالاستثمار بعيد المدى في إنتاج سلعة ما وتخصَّصوا فيها وفي تصنيعها وتسويقها، أي أن العملية الإنتاجية لم تَعُد تهدف إلى إشباع الرغبات كما هو الحال داخل النظام الإقطاعي، بل إلى إنتاج سلع بهدف بيعها. وقد قام هؤلاء التجار المسيحيون بتضييق الخناق على التجار اليهود بدرجات متفاوتة من النجاح.

وبدأت تسقط معاقل التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها حتى اختفت التجارة اليهودية تمامًا مع القرن السادس عشر الميلادي، باستثناء بعض الجيوب في إيطاليا ووسط ألمانيا حيث تَركَّز نشاطهم بالدرجة الأولى في الربا وأعمال الرهونات، وإن ظلوا يقومون بدور تجاري أيضًا.”

 

ثانيًا الوضع السياسي:

مع بداية الحملات وفي الحملة الصليبية الأولى قام الإقطاعيون والأساقفة بحماية يهود فرنسا باعتبارهم جزءًا من الممتلكات الملكية كما سبق الإشارة، أما في ألمانيا، فقد شعر أعضاء الجماعة اليهودية بالخطر المحدِق بهم وأرسلوا إلى الإمبراطور “هنري الرابع” الذي كان يزور روما آنذاك يستغيثون به، فأصدر أمره إلى الأَدواق والأساقفة في ألمانيا بحمايتهم، ومع هذا، استمرَّت الاضطرابات، ووقع الهجوم عليهم في عدة أماكن من بينها (مينز وورمز وكولونيا) وذبح المتظاهرون أحد عشر يهوديًّا في سبتمبر 1096م، فتدخَّل الأسقف واتخذ إجراءات مضادة.

ويُقال إن عدد اليهود الذين ذُبحوا في ألمانيا أساسًا، وكذلك في غيرها من بلاد أوربا إبّان هذه الحملة اثنا عشر ألف يهودي، وهو (رقم مبالغ فيه جدًّا)، وأنه تم تحطيم كثير من مراكز تَجمُّعهم ونُهبَت ممتلكاتهم، كما فُرض على كثير منهم التنصُّر في ألمانيا وبوهيميا.

حرص اليهود في القرون التالية لهذه الحملات على تهويد المسيحية وتبرئة أنفسهم من تهمة قتل المسيح، وقد سنحت لهم الفرصة في القرن الخامس عشر الميلادي حيث ظهرت تحوُّلات عميقة في الكنيسة المسيحية -الغربية على الأقل- مع ظهور ما عرف بحركة الإصلاح.

ولكن، حينما عاد الإمبراطور، فرض عقوبات على المشتركين في أحداث الشغب وعلى المسئولين الذين لم يزوِّدوا اليهود بالحماية الكافية، وسمح لمن عُمِّد من اليهود قسرًا بالعودة لدينه، وأعاد إليهم ممتلكاتهم، بل إنه اتخذ خطوة حاسمة حين أصدر قرارًا عام 1103م بأن عقوبة الهجوم على أعضاء الجماعات اليهودية أو ممتلكاتهم هي الإعدام، وأن هدنة الربِّ التي أُعلنت في ذلك الوقت تنطبق على اليهود انطباقها على المسيحيين، وأن اليهود يتمتَّعون بالحماية نفسها التي يتمتَّع بها القساوسة.

أما الحملة الثانية (1146 ـ 1147م) والتي بَشر بها القديس “برنارد” وقادها الإمبراطور “كونراد الثالث”، فقد بدأت بالهجوم على تجمعات اليهود في فرنسا، وأعلن البابا “إيوجنياس الثالث” إلغاء فوائد الديون على المتطوعين للقتال، الأمر الذي أضر بالوضع المالي لأعضاء الجماعات اليهودية. ولكن يمكن القول بأن الطبقة الحاكمة نجحت هذه المرة في تزويد الجماعات اليهودية بالحماية المطلوبة، ولم تقع سوى عدة مذابح قليلة راح ضحيتها أعداد قليلة.

وبعد الحملة الثانية، شهدت المنطقة فترة توازن استمرت طوال أعوام (1131 ـ 1174م).

أما الحملة الثالثة (1189 ـ 1192م) والتي كان على رأسها “فريدريك الأول” إمبراطور ألمانيا، و”فيليب الثاني” ملك فرنسا، و”ريتشارد قلب الأسد” ملك إنجلترا فقد شهدت تصاعد العنف مرة أخرى.

فبارتقاء “ريتشارد الأول” عام 1189م العرش، أصبح الوجود اليهودي في إنجلترا على شفى فترة حرجة من تاريخه؛ فقد كان اليهود يتمتَّعون بالحماية على ما مدى ما يقرب من قرن، وكانوا تحت تصرُّف الملك مباشرةً، ولأن “ريتشارد” كان من أول المشاركين في الحملة الصليبية الثالثة فإنه تمكَّن من استغلال الوضع المالي والقانوني لليهود وحصل على حقِّ وراثة ممتلكات وأموال اليهود الذين ذُبحوا في هجوم عيد الفصح عشية الاحتفال بتتويج ريتشارد ملكًا عام 1190م.

وأحداث هذا الهجوم جاءت نتيجة سريان شائعة ليلة تتويج الملك ريتشارد أنه أَمر بذبح اليهود فانطلقت الجموع بالهجوم على يهود لندن بالذبح والحرق.

حاول الملك إخماد هذا العنف ضد اليهود، وأصدر مرسومًا في مارس 1090م، منح اليهود امتيازات مالية وحقوقًا وسمح لهم بالانتقال كيفما يشاءون مع كل منقُولاتهم وحُرِّر اليهود من كل الضرائب والمكوس وضريبة النبيذ.

ولكن ما إن توجه الملك “ريتشارد” صوب الأرض المقدسة في الحملة الصليبية الثالثة حتى تآمر عدد كبير من الناس ضد اليهود وشجَّع على هذه الفتنة عدد من النبلاء الذين تأزَّم وضعهم المالي بسبب المرابين اليهود وهم على وشك الانطلاق إلى بيت المقدس، فقاموا بتحريض العامَّة للحصول على نفقات الرحلة إلى بيت المقدس، وقد حصل هؤلاء الصليبيون على صكوك الديون المثقلة بها كواهلهم والمودعة لدى المرابين اليهود وأحرقوها.

وأسفرت هذه الأحداث عن قتل العديد من اليهود في يورك، وهي من أكبر المدن التي شهدت المذابح ضد اليهود وهناك تقارير مختلفة حول أعداد اليهود الذين قتلوا في يورك تتراوح ما بين مئة وخمسين إلى ألف وخمسمائة.

أما بالنسبة إلى الحملات الأخرى التي خرج آخرها عام 1250م، فلم تُصب أعضاء الجماعات اليهودية بأذى كبير؛ ويعود هذا إلى تزايد سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصًا في زمن فريدريك الثاني، فنجحت في فرض سلطتها وحماية أعضاء الجماعات اليهودية.

وإن كانت حملة 1320م التي يُقال لها «حملة الرعاة» قد هاجمت اليهود في شمال إسبانيا وجنوب فرنسا، حيث نزل الفلاحون الشباب للحج من شمال فرنسا، بعد أن أقنعهم راهب مرتدٌّ وكاهن مطرود من الكنيسة بالذهاب لمحاربة الكفَّار في الأرض المقدسة، ليتحولوا بالتعزيزات التي لقوها إلى جيش من الآلاف، بين الرعاة والفلاحين الذين هجروا أراضيهم، والشباب واللصوص والمتشردِّين والفتيات، راسمين الصلبان على ثيابهم.

ومن تولوز ذهب جزء من هذه القوات إلى إسبانيا لمواصلة عمليات القتل هناك، في حين صعد جزء منهم في نهر غارون، إلى حيث أغلق نحو 500 يهودي على أنفسهم برج قلعة “فردان سور غارون”، وسرعان ما حاصروهم، فاضطر اليهود الذين اقتنعوا في النهاية بأن لا نجاة لهم، إلى ما يمكن عدّه انتحارًا جماعيًّا، فقرَّر المحاصَرون قتل أنفسهم بدلًا من الموت على يد هؤلاء الرعاة.

ومع أن ملك فرنسا أمر “المسيحيين الطيبين بحماية اليهود من عصابة البرابرة هذه، فإن كثيرًا من المسيحيين الذين كانوا سعداء بقتل اليهود رفضوا الانصياع لهذا الأمر، قائلين إنه ليس من العدل الوقوف إلى جانب الكفار أعداء الدين المسيحي في مواجهة إخوانهم الكاثوليك”.

وفي نهاية هذه الحملات لا يُعرَف على وجه الدقة عدد الضحايا من أعضاء الجماعات اليهودية لأن التقارير المعاصرة تميل إلى المبالغة والتهويل، ولكن يمكن القول بأنه كان بين خمسة آلاف واثني عشر ألفًا، وهو ليس بالعدد الذي يُستهان به برغم صغر حجمه بمقاييس أيامنا هذه.

ولكن من الثابت تاريخيًّا أن عُنْف الصليبيين لم يكن قط مقصورًا على اليهود، فقد قتلوا سبعين ألف مسلم في الحملة الأولى وحدها.

أما بالنسبة إلى المسيحيين الشرقيين الذين جاء الفرنجة لتحريرهم، فقد حوَّلهم الفرنجة إلى ما يشبه أرقاء أرض، وفرضوا عليهم سلطة إقطاعية أشد قسوة مما كان سائدًا وقتئذ في أوربا، حتى أخذ سكان البلاد المسيحيون ينظرون بعين الحسرة إلى حكم المسلمين ويعدُّونه من العصور الذهبية التي مرَّت بالبلاد!

ولم تَسلَم مدن أوربا المسيحية ذاتها من هجماتهم ونهبهم وانتهاكاتهم. بل نجد أن بعض الأوروبيين أنفسهم وقعوا ضحية العنف السائد في تلك الحقبة الزمنية، ففي حملة الأطفال عام 1212م (بعد الحملة الرابعة)، تطوع نحو ثلاثين ألف طفل، وتطوَّع تاجران من مارسيليا بنقلهم إلى الأرض المقدَّسة، ولكنهم بدلًا من ذلك باعوهم لتجار العبيد!

موقف الصليبيين من اليهود في الشرق:

وَضْعُ اليهود في المشرق قبل الحملات الصليبية:

تُرجح المصادر وجود اليهود في الأراضي المقدسة إلى فترة ما قبل الرومان، وقد عانى اليهود من اضطهاد الإمبراطورية الرومانية، خاصة بعد اعتراف الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول (306- 367م) بالديانة المسيحية في مرسوم ميلانو 313م، وأصبحت الكنيسة منذ القرن الرابع الميلادي تصدر قوانين ضد اليهود منها: (قانون ثيودوسيوس 430م)، كما تقرر حرمان اليهود من اعتلاء مناصب في كل من مجلس كليرمونت 535م، ومجلس طليطلة 579م.

ولقد اختلف تعامل الإمبراطورية الرومانية مع اليهود من وقت لآخر، وشهدت فلسطين نشاطًا مسيحيًّا، فأُنشئت كنائس وأديرة، حيث عاش اليهود هناك كمجتمع صغير جدًّا فقير وبلا حيثية أو نفوذ.

كما عانى اليهود من الاضطهاد البيزنطي على حدٍّ سواء، إلى أن كان الفتح الإسلامي لمدينة القدس سنة 638م، فأنهى هذا الاضطهاد.

فحين فتح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مدينة القدس، وتسلَّمها من البيزنطيين صُلحًا، أقرَّ أهل الذمة من اليهود والنصارى على حرية معتقداتهم ومعابدهم ووجودهم كما هي دون تغيير أو إقصاء أو قهر، وظل المسلمون من بعده طوال القرون التالية يتعاملون وفقًا لمبادئ “العُهدة العمرية” مع غير المسلمين من أهل بيت المقدس، وأن نصَّ (عدم سكنى اليهود) أثبت الكثير من علماء التحقيق والمرويات عدم صحته في شروط العُهدة، وأن الطبريَّ هو الوحيد الذي تفرَّد به دون إسناد.

 

وضع اليهود في المشرق أثناء الحملات الصليبية:

ظل اليهود طوال العصور التالية يُساكنون المسلمين والنصارى في بيت المقدس دون إقصاء، مؤّمَنين على حياتهم وممتلكاتهم ومعابدهم، لكن بقدوم الصليبيين إلى بيت المقدس فقد تغير كل شيء، فلم يُبقوا في المدينة المقدسة يهوديًّا واحدًا على قيد الحياة، فقد جمعوا اليهود في الكنيس الخاص بهم وأشعلوا النيران فيه وبمن فيه.

إن كانت الحملات الشعبية قد ركزت اهتمامها على قتل اليهود في الغرب، فإن حملة الأمراء قامت بنفس ذلك الدور ولكن ضد يهود الشرق، فما أن وصل إلى مسامع يهود الشرق أنباء ما فعله الصليبيون في حق اليهود في الغرب حتى انتابهم الخوف والقلق على مصيرهم وما قد يحدث لهم على أيدي الصليبيين خاصة بعد وصول الخطابات والرسائل إليهم تحذرهم من الجيش الصليبي.

وبِوصول تلك الأنباء المزعجة من الغرب والخطابات والرسائل وانتشار الشائعات أخذت أعداد غفيرة من اليهود في النزوح من مدنها خاصة على الساحل الشمالي وتتجه إلى عسقلان ومصر.

ومن ثمَّ فقد خلت بلاد الشام تقريبًا من وجود اليهود إلا في بيت المقدس، وهذا يُفسِّر لنا عدم ذكر المصادر سواء كانت عربية أو غربية أي أحداث تتعلَّق بالعلاقات بين الصليبيين واليهود في بلاد الشام إبان الاجتياح الصليبي لها، لأن اليهود كانوا قد تركوا مدنهم قبل وصول الصليبيين إلى بيت المقدس، وكانت الجماعات اليهودية قبل الحملات تعيش في حيٍّ خاص يُعرف بحيِّ اليهود في بيت المقدس، يقع بين بوابة دمشق في الشمال وما كان يسمى ببرج طيور الإستروكس في الركن الشمالي.

والسؤال هنا؛ لماذا ظل بعض اليهود في بيت المقدس ولم يهاجروا مثل باقي يهود المدن الإسلامية، وخاصة عندما علموا بما حدث لليهود على أيدي الصليبيين في الغرب الأوروبي؟

لعلَّ السبب في ذلك رغبتهم في عدم ترك تجارتهم وأعمالهم وأموالهم، وخاصة أنهم كانوا طائفة ذات شأن تجاري كبير، فضلًا عن ظنهم بأن إقامتهم في بيت المقدس واحِتمائهم به – هذا المكان المقدس بالنسبة للصليبيين – سوف يحميهم من بطش الجيش الصليبي، كما أن بيت المقدس في تلك الفترة كان يتبع الدولة الفاطمية وبالقرب من مصر فضلًا عن وجود حامية به لا بأس بها لصدِّ الصليبيين، وعليه اعتقدوا أنهم بأمان في بيت المقدس وليس من السهل سقوطها في أيدي الجيش الصليبي.

ولكن وفي عام 1099م شن “جود فري دي بويون” هجومًا على أسوار الحي اليهودي، والتحقت به جيوش “تانكريد” في الجهة الشمالية، و”ريموند السانجيلي” من جهة جبل صهيون في الجنوب.

ولعلَّ تقصي التفصيلات الدقيقة يتضح من كتاب “براور” عن “مملكة بيت المقدس” والاستيطان الصليبي فيها، إنه يغوص في أعماق التجربة، ويقلبها من جميع نواحيها وجوانبها، ويكاد يَستنطقها: تَحدثي، ماذا حدث؟

وتعرَّض يهود المنطقة إلى القتل وُسلبت أموالهم، فما كان عليهم للنجاة إلا اللجوء لمعابدهم، التي بدورها تعرَّضت للحرق، أما الذين نجوا من الحريق وهربوا فوقعوا في أسر القائد الصليبي “تانكريد” وبيعوا في أسواق النخاسة بإيطاليا حيث بيع ثلاثين يهوديًّا بدينار واحد.

وذَكر مؤرخ صليبي حضر تلك الأحداث أنه عندما زار الحرم الشريف بعد المذبحة الرهيبة التي أحدثها الصليبيون في حق المسلمين، لـم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء المسلمين إلا في صعوبة بالغة وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه، ويقول:”لم يكن اليهود أحسن حالًا من المسلمين إذ جُمع اليهود في الكنيسة وأُحرقت عليهم”[9]..

ولـم يكن هذا التنكيل خاص بيهود بيت المقدس فقط، حيث اضطر العديد منهم الفرار إلى البلاد المجاورة، كما يذكر الرحالة اليهودي “بن يامين التيطلي” والذي زار فلسطين عام 1173م أن المدن الفلسطينية تكاد تكون خالية من اليهود، فيقول بوجود ثلاثة يهود في راملة، وثلاثة من اليهود في بيت جبريل، واثني عشرة يهوديًّا في بيت لحم، ويهودي بمدينة نابلس، ومائتين من اليهود في برج داود يشتغلون بالصياغة كما يقول أنه مر على بعض مدن فلسطين لم يجد بها يهوديًّا واحدًا قط.

 

يهود أوروبا بعد الحملات الصليبية:

مع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات الغربية جماعة وظيفية وسيطة تُشكِّل جسمًا غريبًا بمعنى الكلمة وتعيش على هامش المجتمع، تؤمن بدين مُعادٍ للديانة الرسمية بل تقف منها موقف النقيض، فهم قتلة المسيح وفق التصوُّر المسيحي وهم يقرأون نفس الكتاب المقدَّس (العهد القديم) دون أن يعوا مضمونه، وهم بحسب القول المسيحي: ” أغبياء يحملون كتبًا ذكية “، كما أنهم يرجعون لكتاب ضخم من كتب التفسير يُسمَّى التلمود الذي هو موضع شكٍّ في العالم المسيحي، ويرتدون أزياء خاصة بهم، ويتسمَّون بأسماء يهودية، ويتحدَّثون برطَانَات غريبة وأحيانًا بلغة غير لغة أهل البلاد مثل الفرنسية في إنجلترا والألمانية في بولندا، ويعملون في وظائف هامشية مثل التجارة والربا، وقد أخذت عزلتهم تتزايد حتى تبلورت تمامًا داخل الجيتو خلال القرن الخامس عشر الميلادي.

ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي أيضًا أصدر الحكام الأوربيين قرارات جديدة، كقرار مجلس (افينون) عام 1209م الذي حرم استئجار اليهود لخدمة المسيحيين، وحذَّر المسيحيين من تبادل الخدمات مع اليهود، وأصبح موقف كنيسة روما أكثر قسوة تجاه اليهود، إذ حذرت كنيسة روما النصارى من خطر التعامل مع اليهود أو الاحتكاك بهم في مجمع (لتران الرابع) عام 1215م، ومجمع (فيينا) عام1311م، وأكد مجمع لتران على عدم إقامة علاقات مع اليهود باستثناء العلاقات ذات الطابع الاقتصادي.

كما أَوصى المجمع الكنسي بتجميع اليهود في أحياء خاصة (الجيتو)، وأمر البابا إينوسنت الثالث اليهود بوضع رمز مميز أو شارة مميزة بمجرد بلوغ الطفل اليهودي سن الثانية عشرة من عمره، واختاروا لون الشارة أصفر أو أحمر، كما منعهم من بناء معابد جديدة.

وفي إسبانيا التي استقر فيها أعضاء الجماعة اليهودية التي تُسمى السفارديم في إسبانيا والبرتغال، وعاشوا فيها ​​أيام الإمبراطورية الرومانية، كانت أهم فترة في تاريخهم هي الفترة التي كانت تحت حُكم المسلمين، حيث تعايشوا فيها مع المسلمين قرونًا من الزمن في سلام، وأصبحوا يتحدثون العربية ويكتبون بها.

ولم يعط ملوك إسبانيا أي أهمية لقرارت مجمع (لتران) إلا بعد مضي قرن من الزمان أي بعد انعقاد مجمع (زامورا) عام 1312م، وفيه ذكر بما جاء به مجمع (لتران الرابع) عام 1215م، وابتداء من مجمع (زامورا)، أصبح موقف الإسبان معاديًا لليهود، خاصة بعد تراجع المسلمين من الأندلس، وبدأ عدد اليهود في التناقص بقشتالة، كما تعرض هؤلاء إلى مجازر عديدة كمجزرة عام 1320م وعام 1321م، والمذابح، والتنصير الإجباري لعامي 1391 و1415م، حيث تعرض حي بالما الذي كان يسكنه اليهود في الجزيرة عام 1391م لهجوم وقُتل فيه ما بين 100 إلى 300 يهودي، ومع تصاعد سطوة محاكم التفتيش اضطر معظم اليهود إلى اعتناق المسيحية خوفًا على حياتهم بينما بقي البعض يمارس طقوس الديانة اليهودية سرًّا.

واستمر الحال على ذلك النحو إلى حدود عام 1492م، حيث أجبرهم الملوك الكاثوليك على التحول القسري إلى المسيحية أو الطرد، حين أمر الكاثوليكيان “إيزابيلا ملكة قشتالة” و”فرديناند ملك أراغون” بطرد كل من يرفض اعتناق الكاثوليكية، وهو القرار الذي تضررت منه أعداد كبيرة من المسلمين واليهود، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على التخلي عن الأراضي التي عاش فيها أجدادهم قرونًا من الزمن.

وفي نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، أي في عام 1492م، قرر الملكان الكاثوليكيان طرد اليهود نهائيًّا من شبه جزيرة إيبيريا رغـم قيام يهوديان بتمويل حرب الاسترداد التي أنهت الحكم الإسلامي بالمنطقة، كما أصدر الملك البرتغالي “مانويل الأول” مرسومًا عام 1496م ينصُّ على طرد ما تبقى من اليهود بمملكة البرتغال.

وخلاصة الأمر، أن أحوال اليهود الاقتصادية والسياسية تدهورت إلى حد بعيد بسبب الحملات الصليبية، وأصبحوا يواجهون واقعًا أكثر بؤسًا وانعزالية وعنصرية في أوروبا.

 

 متى التقت المصالح الصليبية واليهودية؟ ومتى افترقت؟

من خلال ما سبق سرده يتضح أن المصالح الصليبية واليهودية التقت فقط عند توافق المصالح وعند احتياج كل منهما للآخر، فكان الصليبي بحاجة لأموال اليهودي لتمويل وتخريج حملاته نحو الشرق؛ وذلك لأن الفارس الصليبي كان في حاجة إلى نفقات باهظة لتجهيز نفسه للاشتراك في الحملة الصليبية، فإذا لم يتوافر له من الأرض والأملاك ما يرهنه فلابد له أن يقترض المال من اليهود، وبالتالي وفَّروا لهم الحماية اللازمة ومَنحوهم الإذن للعمل بالربا وجعلوهم وسطاء بينهم وبين الشعب.

ولكن حين كانت تتعارض المصالح الدينية بين اليهود والغرب الصليبي في أوقات ثورات الغضب ضد اليهود واتهامهم بأنهم قتلة المسيح وأنهم السبب في عذابه؛ كانت الملوك والكنيسة وغيرهم يتخلَّوا جزئيًّا أو تمامًا عن حماية اليهود، ويُقدِّموا مصالح دينهم وشعبهم عليهم.

لإيضاح هذه المسألة أكثر، نحتاج أن نتذكر دائمًا أن اليهود ليسوا بشعب أو أُمَّة إنما هم أتباع طائفة دينية خارجة دائمًا عن النسيج الشعبي. هي جماعة كما سبق الذكر [وظيفية] حين الاحتياج إليها يُلجأ لها ولكن لم ولن تكون أبدًا جزءًا من الشعب والأُمَّة التي تعيش معها، وبالتالي يضحَّى بها بسهولة عند عدم الاحتياج والاستفادة منها، أو عندما يأتي الأمر للشؤون الدينية.

لذلك حرص اليهود في القرون التالية لهذه الحملات على تهويد المسيحية وتبرئة أنفسهم من تهمة قتل المسيح، وقد سنحت لهم الفرصة في القرن الخامس عشر الميلادي حيث ظهرت تحوُّلات عميقة في الكنيسة المسيحية -الغربية على الأقل- مع ظهور ما عرف بحركة الإصلاح، وما تبع ذلك من انشقاق سياسي وعقائدي داخل الديانة المسيحية بشكل عام، والكاثوليكية الغربية بشكل خاص.

كان من نتائج هذه التحولات أن أصبحت المسيحية الجديدة التي عرفت باسم البروتستانتية صديقة لليهودية: فقد أصبحت للتَوراة -أو العهد القديم- أهمية أكبر في نظر البروتستانت من الإنجيل أو العهد الجديد، وبدأت صورة الأُمَّة اليهودية تتغير تدريجيًّا تبعًا لذلك في أذهان المسيحيين الجدد.

وقد ظهر هذا التحوُّل في النظرة المسيحية إلى اليهود في كتابات رائد الإصلاح البروتستانتي، القس الفيلسوف “مارتن لوثر”، فقد كتب عام 1523م كتابًا عنوانه (المسيح ولد يهوديًّا) قدَّم فيه رؤية تأصيلية للعلاقات اليهودية المسيحية من منظور مختلف تمامًا لما اعتاده المسيحيون من قبل، فكان مما قال في كتابه:

“إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، إن اليهود هم أبناء الربِّ، ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها”.

لقد فتح “مارتن لوثر” ثغرة في تاريخ المسيحية ظلَّت تتَّسع حتى اليوم، ولذلك لا عجب أن نجد اليوم مقولة: (كون المسيح ولد يهوديًّا) من أكثر المقولات انتشارًا على ألسنة المسيحيين الصهاينة في أميركا اليوم!

أن اليهود (أبناء الربِّ) –هكذا يقول المسيحيون الصهاينة اليوم حرفيًّا– شأنهم شأن المسيح الذي هو ابن الله في اعتقاد المسيحيين. ويصر الصهاينة المسيحيون على أن اليهود هم الشعب المختار –كما يقولون عن أنفسهم– ولا بد من قبول ذلك، والقول بأن المسيحيين احتلوا تلك المكانة بمجيء المسيح قول مردود.

وتعني كل هذه المعاني أن المسيحية اتجهت من عبادة فرد يهودي واحد هو المسيح عليه السلام، إلى عبادة الشعب اليهودي بأسره!

وقد أدرك اليهود قيمة الفكرة وعرفوا أنها تحمل بذور انقلاب تاريخي في النظرة المسيحية إلى اليهود. لذلك يذكر  بعض مؤرخي المسيحية أن اليهود نشروا الكتيب ووزعوه على نطاق واسع في أوروبا، بل أوصلوه إلى فلسطين.

رغم هذا لم يقبل عامة المسيحيين الكاثوليك والأرثوذكس ما ذهب إليه “مارتن لوثر” وأتباعه من البروتستانت، وظلُّوا مُقاومين لتَهود المسيحية إلى منتصف القرن العشرين. ولذلك لم يبرئ الفاتيكان اليهود من دم المسيح إلا في (المجمع الثاني) المنعقد عام 1966م.

 

موقف اليهود من الحملات الصليبية دينيًّا وسياسيًّا:

  •   إبان الحملات الصليبية:                                                                                         

لقد اتخذ اليهود في الشرق خاصة موقفًا معاديًا للدعوة للحركة الصليبية ليس دفاعًا عن الإسلام، وانما بسبب موقف المسيحيين من اليهود أنفسهم وخوفًا على مصالحهم، فتبادلت مراسلات بين يهود شمال فرنسا، ويهود ألمانيا يوضحون فيها إعداد خطط لعرقلة الإعداد للحملة الصليبية بالتعاون مع اليهود المنتشرين في غرب أوروبا.

أما يهود أوروبا فلم تعارض فئة كبيرة منهم هذه الحروب من ناحية لأن اليهود كما ذكرنا سابقًا هم جماعة وظيفية تابعة للدولة وبالتالي ليس من مصلحتها الوقوف ضد الدولة التي يتمتَّعون بحمايتها؛ (هذه الحماية هي شيء أساسي وجوهري عند اليهود)، ومن ناحية أخرى كما سبق الإشارة كانت الجماعات اليهودية تعتمد بشكل أساسي في ثرواتها وارتباطها بالطبقة الحاكمة القائم على توفير الأموال لهم على الربا، وبالتالي كانت هذه الحروب فرصة ذهبية لكسب ثروة من خلال إقراض كل من يريد الاشتراك في هذه الحرب بالربا سواء كان من الأمراء والقادة أو الفلاحين.

  •   الوقت المعاصر: 

من المؤكد أن لليهود رؤيتهم وتقويمهم الخاص للحركة الصليبية، فقد اهتم اليهود منذ وقت مبكِّر بدراسة الحركة الصليبية، سعيًا لإثبات أنها ظاهرة غير قابلة للتكرار من ناحية، وبحثًا عن الأخطاء ونقاط الضعف في هذه الظاهرة كي يتجنّبوها، ونقاط القوة في الجانب العربي الإسلامي (في مواجهة الصليبيين) ليحولوا دون وقوعها، ظنًّا منهم أن هذا سيمنع من أن يلقوا مصير الصليبيين.

يقول البروفيسور “يوشع براور” هو أستاذ تاريخ (العصور الوسطى والحروب الصليبية) بالجامعة العبرية بالقدس المحتلة:

(ونحن الذين شُنت هذه الحروب ضدنا وجرت فوق أرضنا، ندرس هذه الحروب في إطار العصور الوسطى، ولا أعرف جامعة عربية تخصّص كرسيًا للعصور الوسطى والحروب الصليبية!).

إن هذا لا ينبع من فراغ، خاصة إذا تذكرنا أن “براور” هذا حصل في عام 1969م على أهم جوائز رئيس الدولة في إسرائيل لأنه أثبت أن السابقة الصليبية لن تُكرر مع “إسرائيل”.

وعلى الرغم من أن المكتبة العربية حول الحركة الصليبية شهدت في الربع الأخير من القرن الماضي وفرة في الدراسات والبحوث والكتب، إلا أنها لا تزال تفتقر حتى اليوم إلى دراسة عربية عن الكتابات الصهيونية والإسرائيلية حول الحركة الصليبية، وفي الدراستين المترجمتين إلى العربية والَّلتين كتبهما “يوشع براور” لا نجد إلا سطورًا تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة عن الرجل وعن الكتابات الإسرائيلية الأخرى.

 وهذه بعض النظرات والآراء الإسرائيلية للحركة الصليبية:

إسحاق رابين:

في احتفال أقيم بمناسبة الذكرى السبعين للمؤتمر الصهيوني الأول في بال، ألقى “رابين” في أيلول 1967م خطابًا أعرب فيه عن قلقه من أن السابقة الصليبية قد تتكرَّر، وبعد أن قارن الحركتين الصليبية والصهيونية، قال:

“إن أكثر ما أخشاه على إسرائيل هو أن تذبل، إذا أصابها جفاف في الهجرة، كما حصل مع الدولة الصليبية”.

وكان “رابين” عند إلقاء خطابه هذا لا يزال رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي، يحمل لقب (المنتصر) وحين يكون مهندس عدوان 1967م، وقائد نصره غير المستحَق مؤرقًا إلى هذا الحدِّ بالسابقة الصليبية، فإن هذا يُبيِّن مدى قلق الإسرائيليين على كيانهم، ومدى انزعاجهم من أن يلقوا المصير الذي لقيه الصليبيون من قبل!

بنيامين نتنياهو: 

ولد في عام 1949م في تل أبيب، عضو نشط في الليكود، وقد تولى رئاسة الحكومة في 1996م حين هزم “بيريز” بفارق ضئيل، وقد نافس “شارون” على زعامة (الليكود)، تولى رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني في 1996م، وعندئذ ذاع وانتشر كتابه الذي تُرجم إلى العربية بعنوان (مكان تحت الشمس)، يقول فيه:

“إن الانتصارات التي حققتها المسيحية الغربية وقدرتها على الصمود في وجه أحلام التوسع العربي ـ الإسلامي، جعلتها العدو الرئيس للعرب، طيلة أجيال عديدة، كما تلقّى العرب إهانة أخرى في عام 1099م، عندما سقطت القدس بأيدي الصليبيين الذين كانوا أقل منهم عددًا، لكنهم أكثر منهم تنظيمًا.

لكن “صلاح الدين” استطاع إلحاق الهزيمة بالصليبيين في معركة حطّين عام 1187م، تلك الهزيمة التي أنهت الوجود الصليبي في (أرض إسرائيل) لكن هذا النصر لم يعمَّر طويلًا، إذ سرعان ما احتلت المنطقة كلها من ـ قبل المماليك، ثم خضعت بعد ذلك لحكم العثمانيين مدة 400 سنة..”.

وبعد صفحات قليلة وفي الصفحتين “179 و180” يعود “نتنياهو” إلى حديث الحروب الصليبية و”صلاح الدين” ويقول:

“لقد اعتبر الزعماء العرب ـ المعادون للغرب دائمًا وأبدًا ـ الصهيونية معبرًا وممثلًا للثقافة الغربية، وغَرسة غربية تعمل على تقسيم العالم العربي، وما الصهاينة سوى صليبيين جدد”.

“وهناك نغمة سائدة في العالم العربي تقول: إن توحيد العرب تحت قيادة صلاح الدين جديد وقذف (دولة الصليبيين) الجديدة إلى البحر هي مسألة وقت فقط”.

“وحقيقة أن إسرائيل، ترى بعلاقتها الغربية هذه، يمكن أن نلمسها بوضوح بتكرار اسم “صلاح الدين” على ألسنة صدام حسين، والأسد، وعرفات فقد قال عرفات قبل فترة:

“إن منظمة التحرير الفلسطينية لا تطرح سلام الضعفاء، بل سلام صلاح الدين”، “إن ما لم يقله عرفات هنا بوضوح، ويعرفه الشعب العربي جيدًا، هو أن سلام “صلاح الدين” (أي الاتفاق الذي وقّعه مع الصليبيين)، لم يكن سوى خدعة، إذ بعد هذا الاتفاق استأنف المسلمون هجماتهم على الصليبيين، حتى طردوهم نهائيًا من الأرض المقدسة”.

إن فكرة طوفان الأقصى وطموحه لتحرير فلسطين كلها ليست ضربًا من الخيال، وإن ضربته الأولى في ٧ أكتوبر أحدثت زلزالًا سياسيًّا، وأبطلت نظرية الردع، وآذنت ببعث جديد يشبه ما وقع في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي.

“إن الرغبة في تكرار إنجازات صلاح الدين في الوقت الحالي، كانت دائمًا مصدر وحي للهجمات المتكررة على إسرائيل، والعمل المستمر ضد أنظمة الحكم الموالية للغرب، والمحاولات العديدة لإنهاء الوجود الغربي في الشرق الأوسط على غرار ما حاولت العراق عمله بالكويت عام 1991م، ومثلما نجحت سوريا في عمله بلبنان..”.

إن هذه قراءة صهيونية نموذجية للأحداث في الماضي، وفي الحاضر، وهي قراءة لا تُقدمها إلا عقلية عنصرية مثل عقلية “نتنياهو” الذي يتحدث عن فلسطين في زمن الحروب الصليبية على أنها (أرض إسرائيل)، ويفصح عن جهله بأبسط حقائق التاريخ في تلك الفترة فيجعل “صلاح الدين” هو الذي طرد آخر الصليبيين، ويرى أن العرب خرقوا الهدنة بعد اتفاق أبرمه “صلاح الدين” إلى أن تمكّنوا من طرد الصليبيين نهائيًّا!

 

يوري أفنيري[10]:

يُبدي اهتمامًا كبيرًا ومن وجهة نظر صهيونية، بقراءة الحروب الصليبية، وقد برز هذا بشكل خاص في كتابه (إسرائيل دون صهاينة) وكرَّس فيه فصلًا خاصًّا عنوانه (الصهيونية والصليبيون).

وهو يعالج هذا الموضوع بنظرة أقل التواء من “نتنياهو”، وأكثر استقامة من”بيريز”، ولكنها تظل معالجة صهيونية خالصة.

يستوقف التشابه بين الحركتين الصليبية والصهيونية أفنيري الذي يشير إلى أنه قرأ كتاب “ستيفَان رنسيمان” عن (تاريخ الحملات الصليبية)، وكان ذلك بعد سنوات من حرب تحرير إسرائيل، كما يذكر أنه حين وصل إلى الفصل الذي يتحدث عن تحصينات الصليبيين لحماية مملكة بيت المقدس من المصريين، مقابل قطاع غزة، أصيب باضطراب لأنه احتل المواقع نفسها عندما كان جنديًّا صغيرًا في الجيش الإسرائيلي.

إن”أفنيري”، مثل جميع الصهاينة الذين كتبوا عن الحروب الصليبية، تهزه أوجه التشابه بينها وبين الحملة الصهيونية، فيقول:

“خلال قراءتي، كانت تبرز في ذهني مئات التشابهات الصغيرة والكبيرة، قد يؤدي ذلك إلى محاصرة العقل، لم يكتف المرء بتقريب الأحداث المهمة والمؤسسات، إنما يرد الشخصيات المعاصرة إلى الملوك، والدوقات، والفرسان. فيتَساءل المرء أي إسرائيلي يطابق أمير الجليل؟ ومن هو دوق شرق الأردن؟”.

ويعلو صوته إلى حدِّ الصراخ، حين يصل إلى أن التشابه مثير للغاية خاصة وأن هذا التشابه يبدو واضحًا؛ إذ “كان الصليبيون يبرعون في لعبة الحرب، شأن الإسرائيليين، إذ كانوا يعون أن أمنهم يكمن في سُرعتهم في مقاومة هجوم العدو.

إن مملكة الصليب، كمملكة نجمة داوود، استمرت في التوسُّع بواسطة الحرب، ولفترة طويلة، بعد إقامتها، كان الصليبيون يسيطرون في أوج تَوسعهم على مساحة تفوق مساحة الأرض التي احتلتها إسرائيل بعد حرب الأيام الستة”.

ويقود هذا التحليل “أفنيري” إلى طرح السؤال الذي يثيره هذا التشابه، وهو: “هل انقراض الدولة الصليبية سيتبعه انقراض الدولة الإسرائيلية؟”.

ويجيب على ذلك قائلًا: “إن المقارنة بين الحملة الصليبية والغزو الصهيوني، بحدِّ ذاتها ليست مدهشة.. إذ إن الصليبيين فشلوا، فبعد أن حاربوا طيلة أجيال ثمانية، أُلقوا إلى البحر ـ بكل معنى الكلمة ـ من قبل العرب”.. إننا نفهم إذًا لماذا يخشى الإسرائيليون أن يبدو التشابه المتتابع إلى أقصى حدوده كإنذار بمقدور حتمي يؤدي في النهاية إلى التأثير الحقيقي على مستقبلهم التاريخي”.

وحين يسأل “أفنيري” نفسه: لماذا انقرضت الدولة الصليبية؟

يعود إلى العلاّمة “رنسيمان” و(تاريخ الحروب الصليبية)، ويقتبس منه: “ما وراء البحار، هكذا كان الأوروبيون يدعون الدول الصليبية، كان دائمًا مكبلًا بين احتمالين، لقد تأسس بفضل خليط من الحمية الدينية ومن العطش إلى الأرض والمغامرة، إنما إذا كان عليه أن يدوم بشكل سليم، ما كان بإمكانه أن يظل تابعًا للغرب من حيث المال والرجال كان يتوجب عليه أن يمكن وجوده الاقتصادي الخاص، وما كان بوسعه التوصل إلى هذه النتيجة إلا بشرط التفاهم مع جيرانه.. فإذا كانوا محبِّين وميمونين، هو أيضًا سيكون محبًّا وميمونًا.

غير أن ابتغاء صداقة المسلمين كان يبدو للصليبيين خيانة كاملة لتَصورهم المثالي: أما المسلمون، فما كان بمقدورهم قبول فكرة وجود دولة دخيلة وأجنبية، فيما كانوا يعتبرونه أرضهم، إن الصليبيين في الواقع كدَّسوا الأخطاء، كانت سياستهم متقلبة ومتورعة، ولكننا لا نستطيع إدانتهم لكونهم لم يجدوا حلًّا لمشكلة لم يكن لها حلٌّ في الواقع”!

إن كتابات “أفنيري” عن الحركة الصليبية هدفها تنبيه الصهاينة إلى عدم ارتكاب الأخطاء التي ارتكبها الصليبيون وأدت إلى نهايتهم.

إن هذا يبدو واضحًا من مقال كتبه عند غزو إسرائيل للبنان في حزيران، واستيلائها على قلعة الشقيف، إن دعوة “أفنيري” إلى الإسرائيليين تتلخَّص في الإقلاع عن استمرار الحروب والمعارك التي تَستنزِفهم، وعليهم بدلًا من ذلك أن يهتموا بالبحث عن السلام “الذي هو وحده يمكن أن يُحقِّق لهم عهدًا نظير عهد سليمان، عندها ستكون إسرائيل مندمجة في منطقتها وسَتتحالف مع جيرانها من أجل السلم، مثلما حصل أيام سليمان”، حسب قوله في “إسرائيل دون صهاينة”.

يبدو واضحًا أن “أفنيري” قدَّم لإسرائيل رؤية للشكل الذي يجب أن تكون عليه العلاقة بينها وبين العرب المحيطين بها في محيطها الخارجي ـ هذه الرؤية التي نَبعت من دراسته وتحليله للحروب الصليبية ومحاولة منه لتفادي نفس المصير ـ ونستطيع رؤية هذا بسهولة من خلال ما يحدث الآن من تطبيع مع الدول العربية، ولكن بالشكل الذي يناسب إسرائيل ومصالحها الخاصة، بحيث تكون لها علاقات اقتصادية وسياسية مع العرب مع خلق مناخ من (التعايش) بين الشعوب بشرط أن تكون لها دائمًا اليد العليا والقرار النهائي مع التفوق السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة.

 

ولعلَّ تقصي التفصيلات الدقيقة يتضح من كتاب “براور” عن “مملكة بيت المقدس” والاستيطان الصليبي فيها، إنه يغوص في أعماق التجربة، ويقلبها من جميع نواحيها وجوانبها، ويكاد يَستنطقها: تَحدثي، ماذا حدث؟”.

إن هذه الأمثلة الثلاثة لأفكار معاصرين مبرزين (رابين، نتنياهو وأفنيري) تشير إلى أن هواجس المقارنة بين مصير الصليبيين والصهاينة حاضرة في العقل اليهودي بقوة، وتثبت أن فكرة طوفان الأقصى وطموحه لتحرير فلسطين كلها ليست ضربًا من الخيال، وأن ضربته الأولى في ٧ أكتوبر أحدثت زلزالًا سياسيًّا، وأبطلت نظرية الردع، وآذنت ببعث جديد يشبه ما وقع في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي.

 

الخلاصة

الحملات الصليبية حروب كانت تساندها حركة سياسية واجتماعية ضخمة قادتها النخبة الحاكمة (الكنيسة والنبلاء)، ووجدت صدًى واسعًا لدى الجماهير الشعبية الأوروبية، نظرًا لأحوالها الاقتصادية البائسة بعد قرون من الجهل والفقر والمرض والقمع، وبسبب شحنهم بالعاطفة الدينية لتحرير أقدس الأماكن المسيحية. فاجأ التفاعل الشعبي الهائل مع الحرب، القائمين عليها، لدرجة أنهم حاولوا لجم الحشود المندفعة للقتال والسيطرة عليهم.

 

أرادت الحملات الصليبية التوجُّه للشرق واحتلال القدس والأماكن المقدسة، ولكنها ما لبثت أن توجَّهت إلى اليهود لأسباب دينية واقتصادية، وطال اليهودَ بطش وظلم الصليبيين على امتداد هذه الحملات وبعدها وإن كانوا قد مروا بفترات هدنة وسلام خلال هذه السنين. كانت نظرة الصليبيين لليهود نظرة انتقامية، ويرجع هذا إلى سببين:

أولهما: لأن اليهود بالنسبة لهم هم أعداء المسيحية وهم من صلبوا المسيح.

والثاني: هو إرجاع الشعوب المسيحية سوء الأزمة الاقتصادية وتعاظمها إلى اليهود، وأنهم هم الذين افتعلوا الأزمة حتى يحققوا لأنفسهم ثروة من خلال إقراض الأهالي والنبلاء الأموال.

أوجه الشبه بين الغزو الصليبي الاستيطاني والغزو الصهيوني لفلسطين، دفع كثيرًا من المفكرين والساسة لدراسة وفهم الحملات الصليبية لاستشراف مآلات ومستقبل دولة إسرائيل وتوسعها الاستيطاني.

جاء طوفان الأقصى ليعيد إلى الأذهان هذه الثنائية، ويقترح لأول مرة – بشكل عملي عسكري – فكرة إنهاء الاحتلال، ويفتح ثغرة مؤثرة في حاجز الخوف العربي، وهو ما أثار مخاوف غربية حقيقية، دفعها لتقديم دعم عسكري فوري بمستويات غير مسبوقة.

 

هناك جانبان يختلف فيهما الغزوان الصليبي والصهيوني:

الأول: العلاقات الدينية المسيحية اليهودية، إذ إن هناك فرقًا هائلًا بين حالة العداء والكراهية القديمة، وحالة الوئام والتعاطف الحديثة. واللافت أن هذه الحالة الجديدة نفسها بدأت تتزعزع بعد طوفان الأقصى، خاصة في أوساط الشباب الغربي.

الثاني: وجود دولة لليهود، بحيث تقيهم من خطر الاضطرابات الشعبية الغربية التي يمكن أن تثور ضدهم. هذه أيضًا تزعزعت في الغرب، سواء بالحراك الطلابي الأمريكي، أو بالاحتجاجات الشعبية الضخمة التي لم تهدأ منذ اندلاع الحرب، أو بانحياز أعداد متزايدة من المؤثرين الغربيين للحقوق الفلسطينية.

إن الخطر القائم على اليهود وقد أصبحت لهم دولة ربما يكون أكبر، لأن ما تعرضوا له إبان الحملات الصليبية من اضطهاد وأذى لأنهم جماعة وظيفية غير مندمجة في المجتمعات الأوروبية التي كانت تعيش فيها، كل هذا قد يكون الخطر منه متوقعاً حال تخلي الغرب عن “دولة وظيفية” إذا تضاربت المصالح الاستراتيجية، أو كانت مخاطر الكيان وأضراره تفوق ما يحققه للغرب. هذا الجدل السياسي بدأت أصواته خافتة، ثم بدأت تعلو مع استمرار الحرب، وارتفاع كلفتها السياسية والاستراتيجية.

 

[1] تشاك تشومر زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي في خطابه أمام مجلس الشيوخ في ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٣

[2] لم يُستخدم مصطلح “الحروب الصليبية” في التاريخ الإسلامي، وإنما استخدم المسلمون مصطلح “حروب الفرنجة” لوصف تلك الحملات العسكرية التي شنتها أوروبا على الشرق الإسلامي لنهبه، ولم تكن المسيحية أو شعار الصليب سوى ديباجة سطحية استخدمها الغزاة. وحيث استخدم كثير من العرب المحدثين وصف “الحروب الصليبية” حتى أصبح مصطلحًا شائعًا، فقمنا باستخدامه في هذا البحث، منعًا للالتباس عند القارئ المعاصر.

[3]  تعد معركة ملاذكرد واحدة من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي وأكثرها تأثيرًا شأنها شأن حطين وعين جالوت وغيرها من المعارك التي كانت لها نتائج وتأثيرات استمرت لقرون عدة بل حتى يومنا هذا، وهي المعركة التي دارت بين الإمبراطورية البيزنطية والسلاجقة في 1071 م بالقرب من ملاذكرد، لعبت الخسارة الحاسمة للجيش البيزنطي وأَسر الإمبراطور رومانوس الرابع دورًا مهما في ضعف الحكم البيزنطي في الأناضول وأرمينيا وتمكَّن السلاجقة من مدِ نفوذهم في الأناضول، وكانت من نتائج هذه المعركة قيام الحروب الصليبية.

 

[4] H.E.J. Cowdrey, “Pope Urban II’s Preaching of the First Crusade,” History, 55 (1970), pp. 185–187

[5] القن في اللغة هو رقيق على أرض سيد إقطاعي، وتنتقل ملكيته من هذا السيد إلى أيما سيد آخر قد تؤول ملكية تلك الأرض إليه

[6] عبد الوهاب المسيري: المرجع السابق ص 154.

[7]كلمة (إثنوس) هي كلمة يونانية وهي أصل لكلمة (الإثنية) وهي بمعنى قوم أو جماعة لها صفات مشتركة.

[8] المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الجزء ٤ – الصفحة ٢١١.

[9] ابن ثغري بردي: النجوم الزاهرة في معرفة ملوك مصر والقاهرة، القاهرة، مطبعة دار الكتب، 1929، ج 5، ص 150.

[10] صحفي إسرائيلي وأحد أشهر ناشطي اليسار في إسرائيل، كما أنه عضو كنيست سابق ومؤسس حركة كتلة السلام عام ١٩٩٣م.

زر الذهاب إلى الأعلى