كتبمراجعات

مراجعة كتاب “المهمة الإنجليزية: فهم إيران والسبب وراء عدم ثقتها في بريطانيا”

تأليف: جاك سترو

 

عرض: د. محمد هشام راغب

 

 

إيران قاسم مشترك في الأزمات الحالية أو المتوقعة في الشرق الأوسط، ومع ذلك يفتقد العالم العربي إلى استراتيجية واضحة للتعامل مع إيران. تشتكي العديد من الدول العربية من “المشروع الإيراني” الذي يتمدد في المنطقة وهو بالفعل مشروع يمثل تهديدا حقيقيا للأمن القومي العربي، ومع ذلك لا تسعى لبلورة مشروع عربي يواجه هذا التمدد، بل ربما تبنت سياسات تصب في صالح المشروع الإيراني. وأخطر من ذلك اندفاع بعض الدول العربية للتصالح مع الخطر الصهيوني واستبدال الخطر الإيراني به حصريا، بل وتصور إمكانية التحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران. كل هذا التخبط يفاقم من النزاع العربي الإيراني، ويتغافل عن الحقائق الجيوسياسية التي تضع إيران جارا إقليميا مهما.

ثم في غياب “مشروع إسلامي” جامع، ستسعى إيران – في أحسن أحوالها – وغيرها إلى الانكفاء على مشروعاتها القومية الخاصة. إن أولى خطوات التعامل مع إيران هو فهمها، فهم تاريخها ودوافعها وأهدافها الاستراتيجية. من أجل ذلك يقدم مركز رؤيا هذه القراءة في كتاب “المهمة الإنجليزية” الذي يعد إضافة مهمة لفهم أعمق لإيران ونخبتها الحاكمة وعلاقاتها المعقدة مع الغرب.

 

تمهيد

في عام ٢٠١٥ سافر وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو في إجازة مع زوجته واثنين من أصدقائه إلى إيران، حيث خاض تجربة أطلق عليها “التجنيد الإجباري في قصة مثيرة”؛ ذلك لأنه عند زيارة شجرة السرو في أبرقوه، وهي شجرة عمرها تقريبا ٥٠٠٠ عام، واجه هؤلاء الأربعة مجموعة من الرجال يرتدون ملابس دينية سوداء، كانوا أعضاء في قوات الباسيج، وهي فرقة من المتطوعين للحرس الثوري الإيراني. أمسك رجال الباسيج بمذكرة من صفحتين، ثم قال أحدهم:

“بالرغم أنه من عاداتنا الترحيب بالضيوف، لكن هذا لا ينطبق عليك. لدينا ذاكرة قوية عنك وعن النظام البريطاني، وأنت تعلم أكثر منا الجرائم والمؤامرات التي نظمتها بلادك ضد الشعب الإيراني”.

 

كانت المذكرة تذكر بالتفصيل الفظائع التي ارتكبتها بريطانيا في إيران منذ اتفاقية باريس عام ١٨٥٧ ومرورا بالحرب الأنجلو فارسية، كما تفصل سجل بريطانيا الخائن في القرنين التاسع عشر والعشرين في إيران، وادعت أن سترو المتقاعد حديثا كان عميلا تخريبيا لبريطانيا، مستخدما زيارته لنشر الفوضى. بعد ذلك، اتبع الباسيج المجموعة في كل مكان حتى تدخلت الشرطة الإيرانية لحمايتهم.  كان أفراد الشرطة مسلحين وسريين، وقاموا بحشر سترو وأصدقائه في سيارة، وكأنهم مخطوفون، ونقلوهم بعيدا لإخفائهم.

وكما علق سترو بشكل جاف، أن توفير الشرطة للحماية من المجرمين والإرهابيين شيء، وتوفيرها الحماية من جماعات أخرى من الدولة شيء مختلف تماما. وكتب “لا أظن أن هذا يحدث في أي دولة أخرى في العالم”.

 

فكرة الكتاب

وجد سترو أن تفاصيل كثيرة في مذكرة الباسيج لا يعرف شيئا عنها (مثلا اتفاقية باريس عام ١٨٥٧) برغم ما اكتشف أنه سجل حاضر في عقول الإيرانيين وكأنه حدث بالأمس. شكلت هذه المذكرة الإطار العام لكتاب سترو في محاولة لفهم إيران من الداخل، ومن خلال تاريخها في القرنين الأخيرين، والذي شكل – على الأقل – عقول النخبة الحاكمة. يرى المؤلف أنه بدون الفهم الكافي للنفسية والعقلية الإيرانية سيكون من الصعب الوصول لحلول سياسية للنزاعات القائمة مع إيران، وستصبح أي مفاوضات معها أشبه بحوار طرشان، ويرى أن كتابه يسهم في فهم إيران، وفهم هواجسها وشكوكها تجاه الغرب عموما والولايات المتحدة وبريطانيا على وجه الخصوص.

 

 

المؤلف

جاك سترو (من مواليد ١٩٤٦) سياسي بريطاني مخضرم، ظل نائبا عن حزب العمال في البرلمان لأكثر من ٣٥ عاما (من ١٩٧٩ – ٢٠١٥) كما كان وزيرا لأكثر من ١٤ عاما، حمل خلالها حقائب وزارات الداخلية والخارجية والعدل. كان سترو مخلصا لسياسات حزبه طوال مسيرته السياسية، لكن طالته اتهامات بضلوعه في عمليات “التسليم والتعذيب” لمعارضي أنظمة دكتاتورية، وخاصة في قضية المعارض الليبي عبد الحكيم بلحاج الذي ثبت أن المخابرات البريطانية تعاونت مع المخابرات الأمريكية في إلقاء القبض عليه وتعذيبه ثم تسليمه لنظام معمر القذافي عام ٢٠٠٤، وهي القضية التي انتهت التحقيقات فيها عام ٢٠١٧ بتقديم الحكومة البريطانية اعتذارا رسميا لبلحاج عما اقترفته في حقه. أكد سترو مرارا أنه لم تكن له علاقة بتلك العمليات القذرة.

نشر سترو مذكراته عام ٢٠١٢ في كتاب بعنوان “آخر الرجال الثابتين: مذكرات أحد الناجين السياسيين Last Man Standing”، كما ألف كتاب ” السياسة والأيديولوجية Policy and Ideology” عام ١٩٩٣.

 

 

وصف الكتاب وأهم أفكاره وقضاياه

 

كتاب “المهمة الإنجليزية: فهم إيران والسبب وراء عدم ثقتها في بريطانيا”، هو رد على هذه التجربة الغريبة والادعاءات الموجودة داخل مذكرة الباسيج. الكتاب سهل القراءة، مليء بالتاريخ الحي، والحكايات الدبلوماسية والتأملات الشخصية. يحاول الكتاب تفسير الظروف الغريبة لبلد متوازن بدقة بين أن يصبح قوة نووية وأن يخاطر بالعزلة الدولية. حاول المؤلف أن يخرج بكتابه بطريقة متزنة، ونزيهة وودية بالنسبة للشعب الإيراني، لكنه يحتوي على عدة مغالطات وأخطاء تاريخية وسياسية كما سيأتي لاحقا في هذا العرض.

 

صدر الكتاب في يوليو ٢٠١٩ ويقع في ٣٣٦ صفحة ويتألف من مقدمة و٢١ فصلا وخلاصة بعنوان “مستقبل إيران”، وملحق به مذكرة الباسيج بالفارسية والإنجليزية.

جاءت عناوين الفصول كالتالي:

  1. الإنجليز ليسوا هم العدو
  2. إنها دائما المهمة الإنجليزية
  3. من عبادة النار إلى عبادة الله
  4. الشاه إسماعيل الأول هو هنري الثامن الإيراني
  5. الاحتكارات البريطانية التي أشعلت شرارة الديمقراطية
  6. كيف تغلب النفط على الديمقراطية
  7. رقيب على الشاه بمساعدة الإنجليز
  8. استيلاء البريطانيين والسوفييت على إيران
  9. إهانة بريطانيا في عبدان
  10. الأشباح والانقلابات
  11. الشاه في أصالته
  12. عودة الخميني
  13. الحرب المفروضة
  14. ما بعد الفوضى: العنف والآيات الشيطانية
  15. خروج الإصلاحيين
  16. ١١ سبتمبر والبرنامج النووي
  17. الشيكولاتة
  18. هالة الضوء
  19. فتنة الـ ٨٨
  20. الراقد في سماعة أذنك
  21. الدولة العميقة وأمن إيران

 

افتتح سترو كتابه بالتذكير بالأهمية الاستراتيجية لإيران، ثم كرر هذا كثيرا في ثنايا كتابه، فقال:

((مساحة إيران ضخمة وفي موقع استراتيجي لا يسمح بعدم فهمها سواء من السياسيين أو العامة. عدد سكانها ٨٠ مليون مثل ألمانيا وأكثر من بريطانيا، تملك احتياطات هائلة من الهايدروكاربون، وتملك دخلا قوميا متوسطا. اقتصادها أظهر صلابة مدهشة برغم سنوات طويلة من العقوبات والحصار الاقتصادي، وهي العقوبات التي جعلت إيران تعتمد ذاتيا على نفسها في ميادين عديدة.

لإيران تاريخ طويل يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، وورثت ثقافة راقية تركت آثارها على الهند وتركيا وعلى العلوم الإسلامية، كما كان لها صلات وثيقة بالحضارة والفلسفة الأوروبية إلا أنها عانت طويلا من الهيمنة الأجنبية وتعاني حاليا من عدم الاحترام الدولي وعدم الاعتراف بمكانتها الإقليمية. برغم حالة التمزق الطائفي والديني في الشرق الأوسط تبدو إيران في وضع مستقر برغم وجود اضطرابات دفينة تحت السطح قابلة للانفجار. لإيران تأثير قوي على أفغانستان ولبنان وسوريا والعراق واليمن وبعض دول الخليج.

منذ ثورة ١٩٧٩ سلك النظام الحاكم أحيانا سياسات قمعية أكثر من الشاه، ومع ذلك ظل الدستور الإيراني يوفر ميدانا للجدل والتنافس السياسي الحر، بعكس ما يظنه كثيرون خارج إيران.

لا أخفي إعجابي الشديد بسحر هذا البلد وقد سعيت لفهمه عبر سنوات طويلة، وكنت في عام ٢٠٠١ أول وزير خارجية بريطاني يزور إيران منذ ثورة ١٩٧٩، وزرتها بعد ذلك مرات عديدة)).

الغرض من هذا الكتاب هو إضافة إضاءة مهمة لفهم إيران، وبيان أن التدخل البريطاني امتد لأكثر من خمسة قرون في الشأن الإيراني الداخلي. الإيرانيون مسلمون شيعة ولم يكونوا عربا يوما ما، وعند الإيرانيين شعور بالتميز والقومية الطاغية، كما تضم حكومتهم نظاما فريدا يمكن أن يضم عناصر من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

يقدر سترو في كتابه حجم ومبررات الغضب الإيراني المتأصل من بريطانيا بسبب المظالم التاريخية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لكنه لا يخفي دهشته – بل وسخريته – من استمرار شكوك الإيرانيين ونظرتهم لبريطانيا وكأنها لا زالت قوة عظمى قادرة على التأثير الشديد الممتد أبعد من سواحلها. هناك سبب لذلك، فقد كانت بريطانيا بهذا التأثير فعلا في الماضي، وهو التأثير الذي شعرت به دول عديدة باستياء ومرارة أكثر من إيران.

 

الإيرانيون لم ينسوا الماضي المرير

يعتقد سترو أن عدم فهم الإيرانيين سيعقد المشاكل القائمة أكثر.

لم تكن إيران مستعمرة بريطانية في يوم من الأيام، ومع ذلك لم تكف بريطانيا عن السعي لنهب مواردها والتأثير على حكامها. المستعمرات البريطانية على الأقل حصلت على بعض البنى التحتية من الطرق والصرف الصحي وخطوط السكة الحديد، أما إيران فلم تحصل إلا على جانب الاستغلال الاستعماري البريطاني. كانت بريطانيا وروسيا تتنافسان على النفوذ في إيران، ولكنهما عقدا اتفاقا بينهما لحصار إيران والضغط عليها مما اضطرها لوقف كل إنشاءات خطوط السكك الحديدية حتى عام ١٩٢٠. كان الاتفاق السري بين بريطانيا وروسيا طعنة مؤلمة للإيرانيين، وقد تضمن بندا يعطي لكل من بريطانيا وروسيا حق الفيتو لتطوير أي بنية تحتية في إيران!

يقول سترو:

((لقد ضغطنا على إيران بالرشاوي والمداهنة لتنفيذ ما نريد طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وقمنا بإنزال قواتنا هناك عندما لم تفلح تلك الأساليب معهم. لقد قمنا باجتياح إيران في الحرب العالمية الأولى، وتسببنا في مجاعة كارثية هناك. اشتركنا مع الروس في الحرب العالمية الثانية، في احتلال إيران معًا لمدة خمس سنوات من عام ١٩٤١ حتى عام ١٩٤٦.

أسقطنا شاه في عام ١٩٤١ وقمنا بتنصيب ابنه الأضعف والأكثر انصياعا لنا.

عندما خاض البرلمان الإيراني صراعًا دام ثماني سنوات من أجل تأميم مصفاة شركة النفط البريطانية BP الضخمة وشبكة آبار النفط الضخمة، ردت المخابرات البريطانية والأمريكية  MI6 و CIA بتنظيم انقلاب ناجح ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق في أغسطس ١٩٥٣.

لقد ساعدنا في دعم الشاه في منتصف وأواخر سبعينيات القرن الماضي، حتى عندما كان من الواضح أنه فقد الدعم الشعبي. كارثية دعمنا للشاه ظهرت عام ١٩٧٩ بالإطاحة بمحمد رضا بهلوي في ثورة بقيادة آية الله الخميني، وهذا بدوره أدى مباشرة إلى بداية جمهورية إيران الإسلامية التي نعرفها اليوم.

الأسوأ من ذلك كله كان عام ١٩٨٠ عندما قرر الرئيس العراقي الجديد صدام حسين غزو إيران دون أي مبرر، واستمرت الحرب المريرة ٨ سنوات وأوقعت ملايين القتلى من الطرفين. كانت إيران وحيدة خلال ٨ سنوات، وساند الغرب كله وروسيا صدام حسين. نجحت إيران في تجنب هزيمة ماحقة، لكن تلك الحرب شكلت العقلية الإيرانية وعداءها ومخاوفها من الغرب حتى يومنا هذا.

الزعيم الإيراني آية الله خامنئي منذ عام ١٩٨٩ يصر في كل خطاب له أن يقول “لا يمكن لنا أن نثق في الغرب”. كان خامنئي قد تعرض لمحاولة اغتيال عام ١٩٨٠ دبرتها جماعة “مجاهدي خلق” التي كان يدعمها صدام حسين في السابق، ويدعمها الآن جون بولتون مستشار ترامب للأمن القومي. أدت محاولة الاغتيال تلك إلى فقدان خامنئي لقدرته على استخدام ذراعه اليمنى.

الشخصية العسكرية الأقوى في إيران الآن هي اللواء قاسم سليماني، الرجل الذي يقف وراء احتجاز الحرس الثوري للناقلة التي ترفع العلم البريطاني. نظرته للعالم أيضًا شُكّلت في بوتقة الحرب مع صدام. خامنئي وسليماني يتحكمان لحد بعيد في القرار الإيراني، وكلاهما يرى أن إيران تقاتل الآن من أجل البقاء.

تُعد العلاقات البريطانية الإيرانية واحدة من أكثر العلاقات الدولية صعوبة وسحرًا، وعاطفية للغاية بسبب دور بريطانيا شبه الاستعماري السابق في إيران برغم أنه لم يمكن استعمار إيران أبدًا، إلا أن فترة طويلة من التراجع القومي لمعظم القرن التاسع عشر جعلت البلاد عرضة بشكل فريد لما يسمى “اللعبة الدولية الكبرى”. إذ كثفت بريطانيا وروسيا منافستهما في الربع الأخير من القرن التاسع عشر من أجل التأثير والسيطرة على آسيا الوسطى والمحيط، سلم الحكام الإيرانيون المحاصرون كثيرًا من سيادتهم للقوى العظمى المسيطرة في ذلك الوقت.

إن حقيقة أن البريطانيين كانوا أكثر نجاحًا من منافسيهم الروس في اختراق المجتمع الإيراني – والتلاعب بنخبة إيران المتصلبة – قد تركت انطباعًا دائمًا في النفسية الإيرانية، وجعلتها دائما متشككة في النوايا والسياسات البريطانية.

منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، حاولت طهران إعادة تشكيل سياستها الخارجية بالكامل. كان هدفها الأول هو إعادة التوازن في تلك العلاقات بشكل لا تعتمد معه على الولايات المتحدة وبريطانيا. بعد مرور أربعة عقود تبدو إيران قد حققت نجاحا كبيرا في هذا الصدد. نظرة على الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط في ٢٠١٩ يظهر إيران كقوة إقليمية رئيسية في المنطقة، استطاعت تخطي النفوذ الأمريكي وفي بعض الأحيان حلّت محله.

نضال إيران ضد النفوذ البريطاني لم يكن أقل ضراوة، وإن كان بشكل خفي غير ظاهر. دارت الجهود الإيرانية المعاصرة الرئيسية ضد بريطانيا حول تواصل لندن مع خصوم إيران في الخليج، بالإضافة إلى السعي البريطاني الذي لا أمل فيه لاستعادة ما يشبه النفوذ داخل إيران)).

في القرن التاسع عشر، منح الشاه الإيراني ناصر الدين بريطانيا ما أطلق عليه سترو “أكثر الامتيازات التجارية الغريبة والجشعة”. فقد فعل ذلك من ناحية لتجنيد الإمبراطورية البريطانية كمصد ضد الخطر الروسي، ومن ناحية أخرى من أجل تحقيق مكاسب شخصية، ولكن تأثيره كان إثبات الشك في أن البريطانيين “لديهم نوايا خبيثة فقط” لإيران. زاد هذا الشك وتأكد عام ١٩٥٣ مع دور بريطانيا الوضيع، مع الولايات المتحدة في خلع رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق في انقلاب منظم. وانتقلت السلطة بعد ذلك إلى الشاه محمد رضا بهلوي الذي أصبح استبداديا بشدة. وبسبب كره شعبه الشديد له، هرب من البلاد في ثورة ١٩٧٩”.

إن سترو، الذي أصبح عام ٢٠٠١ أول وزير بريطاني يزور إيران منذ ثورة ١٩٧٩ كان مطلعا ويدين بشدة دور بريطانيا في تمكين الشاه، لكنه في الوقت نفسه ينفي أن يكون مخدوعا بـ “التعديل التاريخي الفاضح الذي قامت به السلطات الدينية التي سيطرت على السلطة منذ أن اختطف آية الله الخميني الثورة”، على حد وصفه. وكتب سترو “إن الأسطورة في الجمهورية الإسلامية اليوم، هي وقفة رجال الدين بوضوح مع مصدق، ثم انقلابهم على هذه القيم إذ أصبح جُل همهم اليوم الحفاظ على سلطتهم ونفوذهم داخل إيران”.

وقد أدى هذا التصميم إلى أمة جديدة ذات إمكانات هائلة تخنقها دولة رجال الدين التي تعمل في الظل، وتحبط جميع محاولات التقدم السياسي. في الحقيقة في إيران نظام دولتين، الأولى هي لسياسيين منتخبين مع وزاراتهم ومظاهر ديمقراطية فعالة، والثانية هي الأكثر قوة، يديرها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وتضمن أن الديمقراطية مجرد عملية تجميلية إلى حد كبير.

 

صراع المحافظين والمعتدلين

كان هناك العديد من الرؤساء الإيرانيين من ذوي العقلية الإصلاحية الذين سعوا إلى القيام بسياسات أكثر تمثيلا للشعب في الداخل وبصورة أقل عدوانية في الخارج. كان عليهم جميعا أن يعملوا تحت قيادة خامنئي، ونادرا ما سارت الأمور بشكل جيد بالنسبة لهم. وإذا زادت الاحتجاجات الشعبية، فإن خامنئي لا يتردد في تزوير الانتخابات، كما فعل عام ٢٠٠٩، مما أثار احتجاجات ما عرف وقتها بـ “الحركة الخضراء”.

وضرب سترو بمحمد خاتمي مثالًا على ذلك، والذي كان رئيسا لإيران عندما كان سترو وزيرا للخارجية عام ٢٠٠١، ويرى أنه كان شخصا يمكن أن يتفاهم الغرب معه. فقد بدأ في دفع الإصلاحات وبعد أحداث ١١ سبتمبر كانت هناك مؤشرات على التعاون الدولي مع الولايات المتحدة. لقد قرر خاتمي وقتها أنها فرصة ذهبية لإيران من أجل التقارب مع الولايات المتحدة من جهة، ومن أجل اختبار مدى الثقة التي يمكن أن تعود للعلاقات معها. كان المحافظون معارضين لهذا التوجه ومتشككين دوما في نوايا الولايات المتحدة وبريطانيا، ولكنهم أعطوا الفرصة لخاتمي ليروا. قدم خاتمي للولايات المتحدة بعد أحداث ١١ سبتمبر تعاونا استخباراتيا قيما من أجل القضاء على تنظيم القاعدة في أفغانستان، وهو التعاون الذي يرى سترو وجهات أمريكية أمنية أنه لولاه لاستغرق الأمر سنوات طويلة حتى تحقق الولايات المتحدة ما حققته. ولكن ضاعت الفرصة عندما أدخل الرئيس جورج بوش الابن إيران في قائمة محور الشر. ويبدو أنه لا أحد يعرف كيف وصلت عبارة “محور الشر” إلى خطاب بوش، فقد وضعها مؤلفها الأصلي وهو يتوقع حذفها من الخطاب! كما يؤكد سترو.

 

ترامب وإيران

يعتقد سترو أن انسحاب دونالد ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) للصفقة النووية مع إيران هو خطأ كبير آخر ولكن أكثر تعمدا من موضوع محور الشر الذي سنه بوش الابن، ولكنه يرى مع ذلك أن القيادة الإيرانية، بقيادة خامنئي، لم تقم بالكثير لدعم الثقة في تصرفاتهم. لقد قاموا بلعبة سياسة “حافة الهاوية” لعدة عقود، وهي السياسة النابعة من خشية التدخل الأجنبي وأيضا من القلق بشأن التغيير الداخلي.

هذا هو الضغط الذي يصل إلى قلب أمة منقسمة بين الصالح العام والمصالح الخاصة. وفي عام ٢٠١١ قام أعضاء الباسيج -المجموعة التي حاولت تهديد سترو أثناء رحلته في إيران- بنهب مركبات تابعة للسفارة البريطانية. كسّروا كل شيء تقريبا ما عدا زجاجات كحول قاموا بسرقتها.

إن المواد النووية التي تعالجها إيران حاليا، هي نوع من النفاق الذي ستظهر حقيقته عاجلا أو آجلا. ربما كل ما يمنع الانتفاضة الشعبية المعارضة حاليا هي القومية الإيرانية التي يغذيها العداء الأمريكي. يعتقد مستشار ترامب للأمن القومي جون بولتون أن خنق إيران بالعقوبات الاقتصادية سيجعلها تنهار من الداخل وأن الرئيس روحاني سيتوسل من أجل إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة.

هذا الاعتقاد خاطئ ويعتمد على فهم خاطئ للنفسية الإيرانية. العقوبات الأمريكية بالفعل أسهمت في تقوية المتشددين أمثال خامنئي وسليماني، وأضعفت روحاني المعتدل، ووحدت خلف القيادة الإيرانية فصائل شعبية كانت متبرمة من نظام الحكم القائم. بعد قرنين من الإهانة تبحث إيران قبل أي شيء عن كرامتها واعتراف العالم بها.

 

ضرورة فهم إيران

يقول سترو: “بعد أن عملت ثلاث سنوات في المفاوضات مع الإيرانيين (٢٠٠٣ – ٢٠٠٦) خلال المرحلة الأولى من مفاوضات الاتفاق النووي، أؤكد أننا إذا أظهرنا احتراما كافيا للإيرانيين، سنتمكن دائما من عقد اتفاق معهم. وبدون هذا ستستمر لعبة القط والفأر في الخليج وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. قد لا نحب الطريقة التي تتصرف بها إيران، لكن فهم سبب قيامها بذلك مهم للغاية.

إن الإفراج عن ناقلة النفط الإيرانية بعد احتجازها في مضيق جبل طارق، سيخفف التوتر بين إيران وبريطانيا مؤقتا، لكن لن يستمر هذا الهدوء طويلا، فالعلاقات تتدهور بانتظام منذ ثمانية أشهر، وأخشى أن تنهار كليا كما حدث مرات ومرات في الماضي. تبدو بريطانيا وإيران حاليا متجهتين نحو صدام على خلفية النزاع الحاد المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران بامتداد الشرق الأوسط.

لقد كان القرار البريطاني باحتجاز ناقلة النفط الإيرانية مستفزا للغاية للإيرانيين، لأنهم رأوا بريطانيا تتصرف بالوكالة عن الولايات المتحدة مهما قدمت من ذرائع قانونية سخيفة. يأتي هذا أيضا على خلفية سياسة إيرانية متصلبة أمام الضغوط الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية. وفي ضوء المشاعر الإيرانية الملتهبة الآن، فإن انهيار العلاقات مع بريطانيا هذه المرة سيكون شديدا وسيبقى لسنوات أطول من الماضي”.

 

بين إيران وبريطانيا

كانت العلاقات الأنجلو-إيرانية متقلبة بطبيعتها منذ قرنين من الزمان، لكنها أصبحت أكثر هشاشة ولا يمكن التنبؤ بها في أعقاب الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩. واليوم، أصبحت إيران أقوى بكثير من أربعين عامًا مضت. على النقيض من ذلك، تواصل بريطانيا التراجع، على الأقل من الناحية الجيوسياسية، كما يتضح من الحجم المتقلص للبحرية الملكية واستنزاف القوة العسكرية على نطاق أوسع. تحولت المؤشرات الأوسع للقوة الوطنية أيضًا لتتقدم إيرانيا وتتراجع بريطانيا.

 

إيران مجتمع متماسك بشكل ملحوظ بقيادة دولة ذات دوافع عقائدية مصممة على عدم تغيير ميزان القوى الدولي فحسب، بل وعلى نفس القدر من الأهمية لتحل محل القيم المعيارية في العلاقات الدولية التي ضمنت الهيمنة الغربية لمدة قرنين.

على النقيض من ذلك، فإن بريطانيا مجتمع منقسم بقيادة نخبة مترددة وغير واثقة بشكل متزايد من مكانها في العالم. من المتوقع أن تزداد حدة الانقسامات والاستقطاب، وانحدار المؤسسة البريطانية، بعد خروج بريطانيا غير المنضبط من الاتحاد الأوروبي خلال ما يزيد قليلاً عن شهرين.

 

خلاصة القول إن إيران تسعى إلى إعادة تحديد العلاقة مع بريطانيا، وليس إلى حد وضعها على قدم المساواة، ولكن بناء رافعة كافية لردع المملكة المتحدة عن العمل عن كثب مع خصوم إيران الإقليميين لصالح إيران. ويمثل دعم بريطانيا القوي للدكتاتورية البحرينية ومشاركة لندن المستمرة في الصراع اليمني مثالين على ذلك.

إن التحول في ميزان القوى لصالح إيران الآن في بعض الجوانب الرئيسية – لا يعني أن البريطانيين سوف يصمتون مع استمرار إيران في إعادة تحديد العلاقة من خلال تحدي بريطانيا باستمرار. في الواقع، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قد تحاول بعض عناصر المؤسسة البريطانية تخفيف الضربات السياسية والاقتصادية من خلال اللجوء إلى الأوهام الاستعمارية القديمة.

لقد انهارت العلاقات الأنجلو-إيرانية بشكل كبير في مناسبتين على الأقل منذ عام ١٩٧٩. وقد حدث الانهيار الأول في عام ١٩٨٩ في أعقاب فتوى آية الله الخميني ضد الروائي البريطاني الهندي سلمان رشدي. أدى تدخل الخميني إلى حشد الجالية البريطانية المسلمة بطريقة غير مسبوقة يمكن عدها أول تدخل كبير لإيران في الشؤون الداخلية لبريطانيا. وقع الانهيار الثاني في نوفمبر ٢٠١١ بعد أن اقتحم الطلاب الإيرانيون السفارة البريطانية في طهران في أعقاب دور بريطانيا الرئيسي في فرض عقوبات ذات صلة بالبرنامج النووي الإيراني. الانهيار الرئيسي الثالث متوقع في أي وقت الآن، وقد يحدث ذلك عاجلاً وليس آجلاً بسبب القرب الأيديولوجي والسياسي الجديد لحكومة المحافظين البريطانيين بقيادة بوريس جونسون من إدارة ترامب في الولايات المتحدة. لكن هذه المرة نتوقع أن يكون الانهيار أعمق وأطول وأصعب بكثير، أو ما يمكن تسميته بالانهيار الكبير.

 

 

قراءة نقدية للكتاب

  • قد يكون الغرض المعلن لتأليف الكتاب صحيحا لكنه قد لا يكون الغرض الوحيد أو الأهم. زيادة الوعي والفهم للعقلية والنفسية الإيرانية جانب واضح في الكتاب كله، لكن وزراء الخارجية عادة لا يؤلفون كتبا لأغراض شخصية فقط. الكتاب محاولة مبكرة لمقاربة بريطانية جديدة لعلاقاتها الخارجية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، تحاول بها تضميد جراح الخروج الفوضوي من الاتحاد والتراجع المستمر في مكانتها وتأثيرها الدولي. إن الندية والتحدي اللذان ردت بهما إيران على احتجاز بريطانيا لناقلة نفط إيرانية، جاء تذكيرا إضافيا لبريطانيا بالواقع العالمي الجديد، وبأن “العلاقة الخاصة” مع الولايات المتحدة لم تعد كافية كمظلة للمصالح البريطانية خاصة في الشرق الأوسط.
  • لا بأس بغرام سترو بالتاريخ الإيراني، ولا بعدّه أول ملوك فارس كورش الكبير كأول مؤسس لإعلان حقوق الإنسان والتسامح السياسي والديني، لكن في سياق فهم إيران الحديثة، كان ينبغي مقارنة ذلك التاريخ البعيد بالواقع الدامي للمجازر التي شاركت فيها إيران ضد الشعب السوري الأعزل، وتسببت في مصرع مئات الألوف من أجل مساندة نظام حكم قمعي متوحش. الوقوف مع المظالم التي أصابت إيران والإيرانيين جراء حرب صدام حسين التي فرضها عليهم، لا يوازيها في الكتاب الدور الإيراني المدمر في سوريا واليمن، وهي مقارنة لا تغيب عن فهم سياسي مخضرم مثل سترو، ولكنها المصالح البريطانية التي تطيش بالنزاهة البحثية والعلمية للكتاب.
  • الفصلان الثالث والرابع يقدمان تحليلا سطحيا للغاية لفهم المذهب الشيعي، كما أن عزوه لأول حكام الدولة الصفوية الشاه إسماعيل الأول، فيه اختزال مخل لتاريخ فكر وحركة التشيع، كما أن محاولة قسره على إحياء التقاليد والثقافة الفارسية وتشبيهه بتأسيس الكنيسة الإنجيلية في بريطانيا، كلها مجازفات تتسم بالشطط التاريخي والعلمي، ويجعل من الكتاب “سوء فهم” لإيران بدلا من فهمها وفهم تاريخها وأصولها.
  • التفريق الحدي الذي سلكه سترو بين ما يعرف بالمتشددين (أو المحافظين) والإصلاحيين في إيران، هو تفريق لا يتسم بالدقة السياسية أو العلمية، وإنما ينساق مع الصورة الإعلامية الغربية لهذا التوصيف. هذا التصنيف ينكره الواقع السياسي والاجتماعي في إيران، فعدد الإعدامات والاعتقالات السياسية مثلا في عهد خاتمي وروحاني أكثر من فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد المفترض أنه “متشدد”. وفي الجهة المقابلة نجد الرئيس الحالي حسن روحاني (المعتدل) يقبل باستمرار وضع مرشحي الرئاسة السابقين (المعتدلين) مير حسين موسوي ومهدي كروبي تحت الإقامة الجبرية حتى يومنا هذا. كما أن تصنيف “المرشد الأعلى” آية الله علي خامنئي على أنه رأس الفصيل المتشدد، أيضا غير دقيق ويسبب “سوء فهم” للوضع الداخلي الإيراني، فخامنئي رأس النظام كله وصاحب الأمر المطاع على كافة التوجهات الفكرية والسياسية للنخبة الحاكمة.
  • تحليل سترو لموقف حكومة ترامب من إيران يبدو صحيحا ومنذرا بعواقب ربما تخرج عن السيطرة، كما أن مخاوفه من استمرار بوريس جونسون في حكم بريطانيا سيجعل من تحالفه مع ترامب سببا إضافيا لتدهور العلاقات مع إيران أكثر، يبدو صحيحا أيضا. حديث سترو يبدو صحيحا كذلك حول انتقاده للرئيس ترامب لرفضه الدبلوماسية السرية عندما يرى قادة طهران أن أي محاولة علنية للتقارب مهينة لنظامهم. كما أن اقتراحه بتكملة “الاتفاق النووي” بمزيد من المحادثات السرية حول قضايا أخرى تهم القوى الغربية، بما في ذلك تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول العربية يبدو مقنعا.

 

  • لا يتيح سترو – مع كونه دبلوماسيا مخضرما – حلولا وبدائل أكثر للخروج من النزاع الحالي مع إيران، ويكاد يجعل – فيما عدا الدبلوماسية السرية – التعامل مع إيران منحصرا في خيارين لا ثالث لهما: إما التسليم لما تقوم به إيران أو شن حرب كاملة ضدها. كنا ننتظر من سترو تقديم بدائل لسياسات أكثر واقعية إزاء إيران.
  • كلام سترو حول طبيعة تقسيم السلطات في النظام الإيراني بين المسؤولين المنتخبين وغير المنتخبين، كلام غير دقيق ويؤدي لنتائج خاطئة مثل عدّه خامنئي – كونه غير منتخب – يتمتع بشرعية أقل من روحاني، الذي انتُخب. إن الواقع خلاف ذلك، فالحقيقة أن هيئة الخبراء، التي تُنتخب بالاستفتاء الشعبي هي التي انتخبت خامنئي. في نفس الوقت، لم يتمكن روحاني، مثل من سبقوه، من أن يصبح رئيسا بدون حكم تنفيذي من “المرشد الأعلى”.
  • بعض تقديرات سترو لموازين القوى داخل إيران تحتاج لمزيد من التوثيق والفحص كقوله بأن مجتبى الابن الثاني لآية الله خامنئي لديه فرصة لخلافة “المرشد الأعلى” في ظل النظام القائم. كما يبالغ سترو في وضع آية الله ناصر مكارم الشيرازي وآية الله صادق لاريجاني، الذي يترأس الآن مجمع تشخيص مصلحة النظام، وربما يكون مقامهما أقل من هذه المكانة المفترضة وسط زعامات رجال الدين الشيعيين. كذلك تبدو بعض المعلومات التي أوردها سترو غريبة وتحتاج لتوثيق وفحص خاصة إذا كانت مخالفة للمعلن المشهور، كقوله بأن اللغة الأم لخامنئي ليست الفارسية وإنما الآذرية (القريبة من اللغة التركية) وأنه عند استقباله للرئيس التركي السابق عبد الله جول تحدثا معا بالتركية.
  • وأخيرا لا ينكر الكتاب وجود “مشروع إيراني” حقيقي للتمدد والسيطرة إقليميا، ومن المؤسف أنه لا الكتاب ولا السياسيون العرب يقدمون أي مشروع عربي مضاد لمواجهة هذا التمدد، بل إن الجهود العربية إما تنصب على مزيد من النزاعات العربية العربية أو الركون للحماية الأمريكية – بل والإسرائيلية – من أخطار التمدد الإيراني. الكتاب قدم رؤية من أجل الحفاظ على المصالح الأمريكية والبريطانية في نزاعها الحالي مع إيران، والأمة العربية التي تُعد ميدانا وساحةً لهذا الصراع لا تبالي بتكوين رؤية مشابهة للتعامل مع إيران حتى يومنا هذا.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى