Warning: Error while sending QUERY packet. PID=19307 in /home/ccruyaa/public_html/wp-includes/class-wpdb.php on line 2187
شل مؤسسات الفاعلية وشبكة أعصاب الحالة الإسلامية – المسجد – رؤيا للبحوث والدراسات
اختطاف الإسلامملفـات

شل مؤسسات الفاعلية وشبكة أعصاب الحالة الإسلامية – المسجد

 

عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة نزل أولا في قباء قريبا من المدينة، ومكث فيها أياما، وكان من اللافت أنه في تلك الأيام القليلة بنى مسجدا في قباء، ثم لما تحول إلى المدينة كان أول عمل أقامه فيها بناء المسجد أيضا. نشأت دولة الإسلام الأولى في المدينة، وكان للمسجد دور محوري فيها.

لم يقتصر دور المسجد على اجتماع الناس للصلاة، بل كانت تعقد فيه مجالس الشورى بين رسول الله وأصحابه، وتعقد فيه ألوية الجهاد لقادة الجيوش، وكان مقرا للقضاء ومواساة للفقراء والمساكين ومأوى للغرباء وعابري السبيل. كان رسول الله يستقبل في المسجد الوفود القادمة من أرجاء الجزيرة، ويتباحث معهم فيما أتوا من أجله، كما كان يرسل من المسجد سفراءه للدول المجاورة لجزيرة العرب. كما كان رسول الله يأمر فينادى على الناس فيجتمعوا في المسجد في الأمور الطارئة والأحداث المهمة التي تخص الشأن العام، حتى لو كان الحدث فرديا طالما أن معناه وحكمه يخص عموم المسلمين.

ظل المسجد بعد ذلك على امتداد القرون معقد أفئدة المسلمين، وساحة تربية أبنائهم وتزكية نفوسهم، ومحل أنشطتهم المجتمعية في كافة شعب الحياة بمواساة مستدامة ولحمة اجتماعية قوية. وفي العصر الحديث، ألحقت بالمسجد مرافق لتؤدي تلك الأهداف العظيمة لدور المسجد، كالمرافق التربوية والثقافية والاجتماعية والإغاثية، كما ألحقت به مكتبات عامة وقاعات للمحاضرات والاجتماعات ومدارس علمية، ودور لضيافة الغرباء.

انتبه خصوم الإسلام لدور المسجد الجوهري للمجتمع المسلم، فلم يجرؤوا على إغلاقه أو تجميده، نظرا للعاطفة الهائلة التي في نفوس المسلمين نحو مساجدهم، حتى إنك لترى في البلدات الفقيرة، لا يبخل أهلها على أي احتياجات للمسجد، ويقومون على شئونه بأفضل مما يقومون على بيوتهم. لجأ خصوم الإسلام لطريق بديلة، وهي اختطاف رسالة المسجد مع الإبقاء على بنائه ومرافقه وملحقاته، بحيث يضعفون أو يشلون فاعلية المسجد وينهون دوره الحيوي في مفاصل المجتمع.

 

الأسباب والبواعث

ظهر لخصوم الإسلام دور المسجد وفاعليته خلال القرنين الأخيرين في الأحداث الكبرى، فكان للمسجد دور عظيم في الثورة ضد الحملة الفرنسية على مصر، وإبان حقبة الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين وكان مركزا لكثير من أعمال المقاومة العسكرية والسياسية. ظهر للمسجد أيضا دور هائل فيما عرف بالصحوة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي، وكان مشهدا مألوفا أن ترى المساجد داخل الجامعات والأندية الرياضية ومقرات العمل الحكومية والمطارات والمقرات الأمنية والعسكرية وغيرها وقد امتلأت بالمصلين من الرجال والنساء، وكانت مشاهد غير مسبوقة، بل كانت معظم هذه الأماكن العامة خالية أصلا من المصليات والمساجد قبل ذلك. كما انتشرت دور الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية كملاحق للمساجد ونشطت مؤسسات المجتمع المدني المرتبطة بأنشطة ذات علاقة بالمسجد، بل ومثلت غالبية الجمعيات الأهلية.

كل ذلك أغرى خصوم الإسلام بالسعي لاختطاف دور المسجد وتغيير بوصلته، أو على الأقل إفراغ أنشطته من بعدها الإسلامي ودوافعها الإيمانية.

 

القوى والجهات الفاعلة

تقف جهات عديدة خلف ظاهرة اختطاف دور المسجد وشل فاعليته، منها:

  • الغرب: تارة بالتضييق على بناء المساجد وتصويرها على أنها مكامن للإرهاب، وترهيب المسلمين من عمارتها وتفعيل أنشطتها ببث الأخبار عن وضع المساجد تحت المراقبة الأمنية وتصوير روادها، وتارة أخرى بحظر كل خطاب ديني يشرح معاني الإسلام للمسلمين إذا كانت تخالف ما استجد في ثقافة الغرب، فيحظر مثلا إصدار فتاوى أو إلقاء دروس ضد الشذوذ الجنسي، أو ضد التطرف الصهيوني. كما شجع الغرب المجامع الكبيرة التي تقام في بعض الاحتفالات الصوفية في المساجد الكبرى، وقد رأينا في مصر كيف كان السفير الأمريكي بها يحرص على حضور مولد السيد البدوي في محافظة الغربية المصرية، ويقضي فيه أياما وليالي، ويصدر بذلك بيانات صحفية لسفارته، في ترويج لنوع المساجد التي يرغبون أن تكون اجتماعات المسلمين على شاكلتها.

 

  • الغلاة: حولوا بعض المساجد إلى ما يشبه المقرات الحزبية، فلا يسمح فيها بغير فكرهم، ولا يتكلم فيها إلا من يمثلهم، وأصبح عامة المسلمين ينفرون منها ويرونها تعبر عن “إسلام خاص” بهؤلاء. وقد فرح خصوم الإسلام بهذه المساجد وركزوا الأضواء عليها وعلى أئمتها لتثبيت الصورة الذهنية بوصفهم لبيوت الله أنها أوكار لتفريخ الإرهاب، وملاجئ آمنة للفكر الإرهابي. وقد ثبت في عدة حالات – خاصة في الغرب – أن تلك المساجد كانت تدار على عين الأجهزة الاستخباراتية الرسمية.
  • الحكومات المستبدة في بلاد المسلمين: وهذه قامت عمليا بتأميم المساجد وجعلها إحدى مرافق الدولة، تتكلم بلسانها وتمجد حاكمها وتبرر سياساتها وتقوم بترضية وإقناع المسلمين باستبدادها. وسمحت تلك الحكومات للفساد أن يتغلغل في كل طبقات إدارة المساجد، حتى يقوم على إمامتها وصيانتها إما فاسدون، أو من دفعوا رشاوي كبيرة ليتم تعيينهم، فهم ينظرون للمساجد على أنها غنيمة باردة وليست رسالة ودعوة، والاستبداد دائما قرين الفساد أو هو الراعي الرسمي له. صادرت الحكومات المستبدة الجهود الأهلية الإغاثية من المساجد أو حاصرتها وضيقت الخناق عليها، كما أغلقت نوافذ التعليم الشرعي في المساجد مما أوجد حالة عامة من تغييب الوعي الشرعي حتى في العبادات وفروض الإسلام. وكثيرا ما تستنفر الحكومات المستبدة في بلاد المسلمين باستنفار الغرب وتحريضه على المساجد في بلاده، كما فعل الرئيس المصري عندما طالب – خلال مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير ٢٠١٩ – بضرورة الانتباه جيدا لما يتم نشره في دور العبادة ومراقبة أنشطتها، بدعوى أن الجماعات الارهابية تتخذ من المساجد منابر لها؛ لترويج أفكارها المتطرفة وتجنيد عناصر جديدة في صفوفها.
  • الصهيونية العالمية: كان لها دور إعلامي بارز في إشاعة التخويف من المساجد ونسجوا حولها عشرات الأفلام والمسلسلات التي تصور المساجد مقار تخطيط المؤامرات الشريرة ضد الأبرياء وضد الحضارة الغربية، بل ومؤامرات كونية ضد الإنسانية. هذه الحملة وفرت تمهيدا للرأي العام وقبولا لأي قمع أو تنكيل أو حصار للمساجد خاصة في الغرب.
  • بعض من يسمون “العقلانيون التنويريون“: كثير من هؤلاء وجدوا في حملة اختطاف المساجد فرصة لتأكيد ما يعتقدونه من ضرورة عزل المساجد عن الشأن العام وجعلها حصريا للعبادات، لكنهم في الوقت نفسه سكتوا عن استغلال المستبدين للمساجد كأذرع ترويج وتبرير لطغيانهم، وهي مفارقة لافتة. وقد رأينا مثلا انتفاضة بعضهم وصياحهم محذرين من “خطورة المساجد” في المؤسسات الرسمية للدولة التونسية[1]، وذلك بعد أن سمحت وزارة الدفاع التونسية بفتح مصليات في الثكنات التابعة للجيش الوطني باعتبار حاجة عديد الجنود وأفراد القوات المسلحة إلى القيام بصلواتهم مثل غيرهم من المواطنين، وهو قرار بسيط يتماشى مع توفير الحريات العامة للمواطنين، ولكن كثيرا من هؤلاء التنويريين صدمهم القرار وناشدوا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مراجعة “خطورة مثل هذا القرار وانعكاساته الخطرة على أوضاع القوات المسلحة”.، كما شددوا على أن “تنفيذ هذا القرار الخطر سيفتح الباب على مصراعيه لأجل تعميمه على كافة مؤسسات الدولة بما في ذلك المؤسسات الأمنية والمؤسسات العمومية الكبرى كالوزارات والدواوين وأيضا المؤسسات التربوية من مدارس ومعاهد وكليات”!

 

الاستراتيجيات والأهداف

استراتيجيا، يريد خصوم الإسلام أن تصبح مساجد المسلمين تدريجيا صورة طبق الأصل من الكنائس الغربية، كيانات ميتة معزولة عن المجتمع، يحرم عليها التدخل في الشأن العام، وتلزم بطاعة القانون ولو عارض أصول الدين وثوابته. والعجيب أن هذا يأتي في وقت بدأت الحركات المسيحية في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة تنتفض أمام عزل الكنيسة عن الحياة، حتى قال أحد كبار دعاة الكنيسة الإنجيلية رالف درولينجر[2] “أنا أؤمن بفصل الدين عن الدولة كما ينص الدستور، لكني أؤمن أيضًا بسلطة الدين على الدولة” .، بل وبلغ الأمر أن يصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسومًا رئاسيًا يأمر المؤسسات الحكومية بألا تتخذ أي إجراء يضر أو يتعرض لدور العبادة والمنظمات الدينية إذا أيدت أو عارضت أو ناقشت من فوق منابرها أي مرشحين سياسيين أو أفكارًا سياسية.

أما الأهداف المرحلية لهذا الاختطاف فتشمل تضييق حركة بناء المساجد، والتضييق عليها وإغلاق أبوابها بعد الصلوات بحيث يقل عدد روادها وتذبل أنشطتها ويزول أثرها وفاعليتها.

 

الأدوات والآليات

  • الأدوات الخشنة باستخدام سلطة الدولة وعصاها الغليظة في تمرير عملية الاختطاف، فقد رأينا على سبيل المثال في مصر قيام الحكومة بتسريح خمسة وخمسين ألف إمام مسجد[3] ، كما أيدت المحاكم هذا الإغلاق بدعوى “حماية النشء من التشدد والتطرف، ولمواجهة الفكر الشيطاني التكفيري”، على حد وصفها. وفي السعودية تشهد تقارير عديدة على حالة الإهمال الشديد في صيانة وخدمات الحرمين الشريفين، وهي إشارة دالة على حال باقي المساجد التي ليس لها هذا القدر من القدسية، وقد أعدت جريدة الرياض السعودية تقريرا عن حالة الإهمال المزرية لمساجد مكة المكرمة[4] يعبر عن نسق عام. كذلك أغلقت الحكومة الفرنسية عشرات المساجد بدعوى مخالفتها لشروط السلامة[5]، كما قررت النمسا إغلاق ٧ مساجد وترحيل عشرات الأئمة في إطار “مكافحة الإسلام السياسي”[6]. ويلاحظ تزامن هذا النهج في الغرب والدول العربية، وكأن الحكومات الغربية قد شجعها الموقف العربي الرسمي على الجرأة في اتخاذ هذه الإجراءات القمعية، والتي كانت تتحسس منها في السابق. من جهة أخرى استخدمت الحكومات قبضتها الرسمية في تجفيف منابع وروافد التعليم الشرعي في المسجد، وتم ذلك على خطوتين: الأولى بمنع إلقاء الدروس في المساجد إلا من قبل المصرح لهم رسميا والثانية منع الدروس حتى ممن مصرح لهم إلا بإذن رسمي بعنوان وزمن الدرس، وهو ما قلص حجم التعليم الشرعي في المساجد لدرجة كبيرة وأصبحت الدورات العلمية والدروس حدثا نادرا. يحدث ويقنن هذا الحظر الجائر مع أن الحاكم المسلم لا يملك المساجد، وليس له أن يمنع أحداً من إقامة الدروس فيها أو العبادات أو الأنشطة التربوية أو غير ذلك، وإن فعل ذلك كان معتدياً آثماً داخلاً في الوعيد المذكور في قوله تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).

 

  • الإعلام الموجه والدعاية السوداء لرسم صورة قاتمة لطبيعة المساجد وإثارة المخاوف منها. من ذلك أعمال درامية ضخمة، مثل الوثائقي “المساجد السرية Undercover Mosque” للقناة الرابعة البريطانية، وفيلم “الهوس Obsession” الذي يختلق حرب الإسلام الراديكالي ضد الغرب ويشبهه بحملة النازي ضد الإنسانية! . فيلم “بين المؤمنين Among the Believers” الذي أنتجته البي بي سي يحذر بدوره من خطر التعليم الديني في المساجد وتنشئته لكوادر الإرهاب الدولي. بعض الأفلام والمسلسلات المصرية أيضا لعبت دورا في عملية الاختطاف بتصوير المساجد دورا للمنتفعين ورجال الدين الذين يرون في المساجد لقمة عيشهم بلا مبادئ أو قيم، ويتتبع محمود قاسم في كتابه “الأديان على شاشة السينما المصرية” صورة المساجد وعلاقات الناس بها من خلال أفلام عديدة، وهي في مجموعها صورة سلبية للغاية.
  • قطع التمويل الحكومي عن المؤسسات التي أقيمت من أجل قيام المسجد برسالته، ومنع الجمعيات الأهلية من المساهمة في ذلك وتضييق الخناق عليها. نضرب لهذا مثلا لافتا، فقد أنشأت رابطة العالم الإسلامي “المجلس الأعلى العالمي للمساجد”، وهو هيئة اعتبارية، يؤدي ما يقوم بتفعيل عمارة المسجد وترشيدها، بحيث يعود المسجد منطلقا حيويّاً لجميع ما يتعلق بحياة المسلمين الدينية والدنيوية، ويؤدي وظيفته التي كان يقوم بها في صدر الإسلام. وحماية المساجد والأوقاف الإسلامية من الاعتداء عليها وعلى ممتلكاتها، والمحافظة على قدسيتها وطهارتها، وصيانتها، والعناية بها. وقد أنشئ بنــاءً عــلى قرار مؤتمر رسالة المسجد الذي عقد بمكة المـكرمة عام ١٩٧٥ بدعــوة من الرابطة، ويتكون من أربعين عضوا يمثلون الشعوب والتجمعات الإسلامية في العالم، والعمل فيه تطوعي، لا يتقاضى أعضاؤه راتباً ولا مكافأة. وقد نص قرار التأسيس على أن أهداف المجلس[7] هي:
  1. تكوين رأي عام اسلامي في مختلف القضايا والموضوعات الاسلامية في ضوء الكتاب والسنة .
  2. محاربة الغزو الفكري والسلوك المنحرف .
  3. العمل على حرية الدعوة الى الله .
  4. حماية المساجد من كل اعتداء يقع عليها أو على ممتلكاتها .
  5. المحافظة على الأوقاف الإسلامية .
  6. الدفاع عن حقوق الأقليات الإسلامية .

وهي أهداف عظيمة، لكنها حبر على ورق، والمجلس معطل تماما وآخر بيان له كان منذ أكثر من عشر سنوات. حال هذا المجلس يعكس التدهور الشديد الذي وقع في العقود الأخيرة لموقف حكومات الدول العربية من المسجد ورسالته.

 

العلاقات والمؤسسات

وجدت الجهات الفاعلة في السيطرة على المنظمات الإسلامية ومن ثم توجيهها أو على الأقل شل فاعليتها، أداة مؤثرة وناجزة، وقامت ببناء العلاقات مع تلك المنظمات القائمة من أجل هذا الغرض. ولعل أظهر مثال على هذا رابطة العالم الإسلامي، التي اتجهت في السنوات الأخيرة لتصبح أداة طيعة في حصار الدعوة الإسلامية وتفريغ المسجد من رسالته. أصبحت الرابطة تتبنى خطابا ليبراليا علمانيا فجا، وأصبحت في واقع الأمر خصما من رصيد العمل الإسلامي، وفي الوقت الذي تصرخ فيه بالتحذير من أخطار “الإسلام السياسي”، أصبحت الرابطة نفسها أداة سياسية بيد حكومات عربية، لتمرير سياساتها وتزيين ممارساتها.

فاعلية المجتمع المسلم تنبع من العمل الأهلي التطوعي بحيويته وطاقته الكبيرة، لكن مختطفي الإسلام يريدون مؤسسات يسهل عليهم ترويضها وتسييسها. نضرب مثلا على ذلك بالمسلمين في ألمانيا، الذين يمثلون ٦٪ من سكان البلاد. للمسلمين الألمان حوالي ألفي جمعية أهلية تقوم على خدمة هذه الجالية الإسلامية الكبيرة، لكن هذا “التنوع” تراه الحكومة الألمانية عائقا لتفاهم الدولة معهم، وتريد كيانا واحدا جامعا يمثل المسلمين! مع أن الجمعيات المسيحية واليهودية لها نفس التنوع. اللافت هنا أن في الاجتماع السنوي لمسلمي ألمانيا العام الماضي حضره من الحكومة الألمانية ممثلا عنها وزير الداخلية! ليعطي انطباعا مباشرا أن النظرة للمسلمين ومساجدهم وجمعياتهم نظرة أمنية بالمقام الأول. وقد طلب الوزير من الجمعيات أن يكون عام ٢٠١٩ بداية لمنع وصول أي مساعدات مالية للمساجد من خارج ألمانيا، وكذلك أئمة المساجد بحيث يكتفى بالأئمة المحليين[8]. هذه المعايير لا تطبق على الأديان الأخرى، بل إن هيئات مسيحية أمريكية ترسل مبعوثين تبشيريين لها لألمانيا وتعمل بأريحية كاملة وعلى أعلى المستويات، حتى أن لها دروسا دعوية داخل البرلمان الألماني!

أصبحت المؤسسات الأمنية هي رأس الحربة في حملة خصوم الإسلام على المساجد. هذه الصورة وحدها كافية لتعطي ظلالا من الخوف والقلق في قلوب العامة تجاه المساجد. وإذا كان الحال هكذا في البلاد الإسلامية الكبيرة مثل مصر والسعودية وسوريا والعراق، فإن استنساخها في بلاد غير المسلمين سيكون من باب أولى. وحتى في فلسطين المحتلة، نشر الموقع الرسمي[9] للحكومة الإسرائيلية تفاصيل مؤتمر للشرطة وأئمة المساجد لتوطيد الثقة والتعاون!

 

نماذج نجاح فاعلة – حالات وخبرات

نجحت الحكومات المستبدة في مساعيها لاختطاف رسالة المسجد وشل فاعليته، وبرغم أننا لا نملك إحصائيات أو مسوحا دقيقة، فإن المشاهد واضح في انخفاض أعداد رواد المساجد في تلك البلاد، وخلو المساجد تقريبا من أي أنشطة دعوية أو علمية أو تربوية أو خدمية. الحكومات الغربية أصبحت أكثر جرأة على الاستهانة بحرمات المساجد وأكثر استعلانا بحصارها ورقابتها والتضييق عليها.

في الجهة الأخرى، هناك حالات نجاح لافتة في استعادة دور المسجد وفاعليته في المجتمع، نرصد منها ثلاث حالات:

الجمعية الشرعية في مصر: ولها عناية فائقة بالمساجد عمارة وصيانة وتقديما لبرامج دعوية وتعليمية وتأهيلية ضخمة. وقد نجحت الجمعية في إلحاق مرافق خدمية وإغاثية بالمساجد[10]، أعطت حيوية فائقة لدور المسجد في البيئات المحيطة. ومن إنجازات الجمعية على سبيل المثال:

  • مشروع كفالة ورعاية الأيتام ويعنى برعاية الأطفال الأيتام وأسرهم رعاية منظمة وكريمة في مجالات الغذاء والكساء والعلاج مع ربط الطفل اليتيم بالمجتمع المسلم ربطا صحيحا، وتكفل الجمعية حاليا أكثر من ٣١٦ ألف طفلا يتيما في عشرين محافظة يمثلون أكثر من ١٤٠ ألف أسرة، وشمل المشروع أيضا تيسير زواج الفتيات اليتيمات لأكثر من ثمانية آلاف فتاة
  • برنامج علاج مرضى الفشل الكلوي حيث تم إنشاء مركز لعلاج مرضى الفشل الكلوي بمجمع الاستقامة الإسلامي بالجيزة، ويعتبر أحدث وأكبر وأرقى الوحدات في مصر، حيث أنها تحتوي على أحدث أجهزة الغسيل الكلوي في العالم، ويتلقى المريض فيها خدمة طبية على أعلى مستوى بإشراف كبار الأساتذة الجامعيين المتخصصين. يعامل المريض معاملة كريمة، حيث يمنح أربعين جلسة مجانية بكامل احتياجاتها من تحاليل وغيرها، ويعطى وجبتين غذائيتين أثناء وبعد الجلسة ومصروفات الرجوع إلى منزله
  • مستشفى الجمعية الشرعية للحروق والأورام
  • المراكز الطبية لحضانات الأطفال المبتسرين، وصلت إلى أكثر من ألف حضانة فى ٢٧ مركز طبي منتشرة بكافة المحافظات
  • مراكز الأشعة، ومناظير الجهاز الهضمي، وتشخيص وعلاج العيون بالليزر
  • المؤتمر الطبي الدوري للأطفال الذي يقدم الدعم التدريبي لشباب الأطباء
  • مراكز “ذوي الاحتياجات الخاصة”، وتضم كافة فروع الإعاقات الحركية والذهنية
  • مشروع رعاية الفقراء ويشتمل هذا المشروع على تقديم العون المادي والعيني لعشرات الآلاف من الفقراء والمحتاجين .. وغيرها

 

رئاسة الشؤون الدينية التركية: تنظم حملات دورية للأطفال والشباب لتقوية ارتباطهم بالمسجد، من خلال برامج متنوعة وحوافز تشجيعية، تحت شعارات جذابة مثل (هيا يا أطفال وشباب تركيا لنلتقي بالقرآن في مساجدنا). البرامج تشمل تعليم الأطفال القرآن والأحاديث النبوية الشريفة وتعاليم الأخلاق الإسلامية، وإشراك الأطفال في صلوات الجماعة كي يتعلّموا آداب الجماعة وينخرطوا داخل المجتمع الإسلامي من خلال مخالطة الكبار. وقد أثمرت تلك الجهود في السنوات الأخيرة أعدادا متزايدة من الشباب بعلاقات وثيقة بالمسجد.

المجلس الإسلامي البریطاني: له مؤتمر سنوي لمناقشة ومتابعة أحوال الجالية المسلمة في بريطانيا، وقد قرر أن يكون مؤتمره هذا العام بعنوان “مساجدنا ومستقبلنا: سبل إقبال الشباب على المساجد”. المجلس هيئة جامعة لحوالي ٥٠٠ مسجد ومدرسة ورابطة سنية في بريطانيا، وهو يشمل منظمات ومؤسسات إسلامية وطنية وإقليمية ومحلية ومتخصصة من مختلف الخلفيات الإثنية والطائفية داخل المجتمع الإسلامي البريطاني.

 

استراتيجيات المواجهة ووسائلها ونماذجها

  • التأكيد في الخطب والمحاضرات والدروس على رسالة المسجد، وتأصيل دوره الحيوي في الحفاظ على المجتمع المسلم ديانة وسلوكا وتماسكا. ويكون ذلك تارة بالتذكير بدور المسجد النبوي المحوري في دولة الإسلام الأولى، وتارة بدور المسجد المركزي في حركات التحرر ومقاومة الغزو والاحتلال خلال القرنين الأخيرين. ولقد شهدت ثورات الربيع العربي انطلاق كثير من فعالياتها من المساجد عقب صلاة الجمعة، وحتى رموز العلمانيين العرب تماهوا مع هذه الظاهرة وشاركوا فيها.
  • أن تكون المساجد أولا وقبل كل شيء منارات للدعوة إلى الله وأن تكون رسالتها واضحة لعودة المسلمين لدينهم، ولبسط الدعوة لغير المسلمين ليدخلوا في رحمة هذا الدين الخاتم (في بيوت أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه). ثم تكون للمسجد مرافق اجتماعية تلبي حاجات المجتمع الخدمية والإغاثية والتعليمية، ويكون في هذا كله المسجد النبوي قدوة ومثلا يحتذى به.
  • كشف محاولات اختطاف رسالة المسجد وتفنيدها ورد شبهاتها، ويقوم بذلك علماء الشريعة والإعلاميون، على أن يتحلى خطابهم بالموضوعية والتوثيق وألا يكتفي بالتناول الحماسي العاطفي.
  • تقديم الأعمال الفنية المقروءة والمسموعة والمرئية، التي تضع في حبكتها دور المسجد ونعمة وجمال الارتباط به، وكونه منبع الخير للفرد والجماعة.
  • حل أي خلافات تقع في المساجد داخليا، وعدم الخوض فيها إعلاميا، وحبذا لو تكونت في كل بلد هيئات مصالحة عرفية، تكون مرجعية لفض تلك النزاعات والحكم فيها في مهدها وقبل أن تخرج عن السيطرة، وتكون سببا في تشويه العمل الإسلامي عموما، ودور المسجد خصوصا.

د. محمد هشام راغب

 

 

 

 

 

 

 

[1] http://www.tunisiefocus.com/%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%83%D9%86%D8%A7%D8%AA-122989/

[2] https://www.youtube.com/watch?v=lTuEjK096ws

[3] https://www.youtube.com/watch?v=vxJnuHWvzf4

[4] http://www.alriyadh.com/793484#

[5] https://www.alaraby.co.uk/society/2017/8/5/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%A3%D8%BA%D9%84%D9%82%D8%AA-%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%85-%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82%D9%87%D8%A7-%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9

[6] https://www.aa.com.tr/ar/%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D8%B1-%D8%A5%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%82-7-%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A6%D9%85%D8%A9/1169231

[7] https://themwl.org/ar/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-0

[8] https://www.dw.com/ar/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%87%D9%8A-%D8%A8%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF/a-46513459

[9] https://www.gov.il/ar/departments/news/1to_police_21-05-19_police_arab

[10] http://www.alshareya-matarya.com/?cat=6

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق