إقليميتقارير

إعلام الموت.. مليون قتيل والفاعل معلوم

رواندا.. وإعلام الإبادة

مليون قتيل فى ١٠٠ يوم

لم تكن حرب الإبادة التي تعرض لها شعب الروهينجا هي الحرب الأولى التي ساهم الإعلام بتأجيجها وإشعالها حتى راح ضحيتها عشرات الآلاف من الضحايا.. فقد سبقتها حرب البوسنة والهرسك، والتي ما زالت حديث العالم حتى اليوم، ومع كل ذكرى تمر، تتحدث صحف عالمية عن فظائعها[1] ومجزرة سربرنيتشا[2] التي قتل فيها عشرات الآلآف وبتحريض من وسائل الإعلام الصربية على القتل والإبادة العرقية، ولكن يبقى النموذج الأكبر والموثق حتى الآن دولياً على قيام الإعلام بدور المحرض على الكراهية بل القتل..هو نموذج حرب الإبادة في رواندا..

ففي عام 1959، أطاحت قبيلة الهوتو، التي تمثل أغلبية السكان في رواندا حوالي %85، بالحكم الملكي الذي كان في يد أقلية التوتسي، فيما يعرف بـ«ثورة فلاحي الهوتو» ليفر الآلاف من التوتسي إلى أوغندا والبلدان المجاورة.

شكلت المجموعة الفارة جماعة سياسية عسكرية في منفاها تحت اسم «الجبهة الوطنية الرواندية»، وبدأت تشن هجمات على رواندا عام 1990، من أجل تأمين عودة الروانديين المنفيين من التوتسي وإعادة تشكيل الحكومة الرواندية.

استمرت الحرب بين الجبهة الوطنية الرواندية، التابعة للتوتسي، والجيش الرواندي، ثلاث سنوات، لينتهي القتال باتفاق سلام عام 1993 ليدخل الإعلام الرواندي على الخط ليشعل نار الكراهية في نفوس الشعب الرواندي.

فإذاعة رواندا التي بدأت في البث عام 1964 وبحكم أن غالبية الروانديين آنذاك كانوا أمّيين لا يستطيعون قراءة الصحف، كان الاستماع الدائم للإذاعة أسهل الطرق للحصول على الأخبار، وظلت الإذاعة هي الوسيلة الإعلامية الأولى المسيطرة على الشعب الرواندي، وكانت بمثابة عنوان الحقيقة؛ فكل ما يبث عبر أثير هذه الإذاعة يمثل الحقيقة بعينها، وعندما اشتد الصراع استُغلت هذه الإذاعة بصورة مرعبة لبث الحقد والكراهية تجاه “التوتسي“ وبحسب “اسبمواه آرثر” مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون الرواندية ” كان خطاب الإذاعة خطاباً واضحاً يبث الشر والكراهية طوال الوقت.[3]

وجاءت إذاعة الألف تلّة لتكمل دور الإذاعة الرسمية، فقد بدأت هذه الإذاعة في جلب المستمعين من خلال برامجها الخفيفة التي اختيرت بعناية، وما كانت تبثه من موسيقى، والأغاني الحديثة، والبرامج الكوميدية التي تستميل الجمهور، وكان أسلوبها في التقديم ممتعًا وجذاباً ونجحت في استقطاب عدد ضخم من الجمهور، وكان ذلك تمهيدا لواحدة من أكثر المجازر الجماعية كارثية في التاريخ الإنساني على الإطلاق.

قامت إذاعة الألف تلّة منذ عام 1993 بنشر ثقافة الكراهية بصورة متصاعدة، وفي أوج الأزمة السياسية التي كانت تعصف برواندا توصلت إلى اتفاق أروشا الشهير، والذي يقضي بإدماج عناصر الجبهة الوطنية في الجيش الرواندي لإنهاء الحرب، ومن جديد تضاعف خطاب الكراهية في الإعلام وخاصة إذاعة “الألف تلة” حتى رفضت الأغلبية الحاكمة هذا الاتفاق ناظرة إليه على أنه يمنح امتيازات كبيرة لهؤلاء المتمردين “أعداء الوطن” الممثلين في قبيلة “التوتسي”.

كان إعلامي شاب يدعي حسن انجيزي يقوم بدور المحرض الأكبر وروج آنذاك أنه إذا قبل الرئيس هذه الاتفاقية فالأفضل له أن يترك السلطة، لأنه بذلك لم يعد رئيسًا للأغلبية بل لم يعد من الهوتو! ووقتها حرضت إذاعة “الألف تلة” الناس على حمل السكاكين و”المناجل” للقضاء على التوتسي أعداء الوطن.[4]

وكانت الإذاعة أيضاً تواصل حث الناس على القيام بعمليات القتل ليس من خلال التحريض المباشر فقط ولكن أيضاً من خلال الأغاني التي كانت تبثها، والتي تحرض الميليشيات على مواصلة إبادتهم للتوتسي واصفة إياهم بالصراصير، وكان المذيع يغني في حماس: “دعونا نغنِّي.. دعونا نفرح أيها الأصدقاء.. الصراصير ليسوا كثيرين.. دعونا نفرح إن الله رحيم.. لو أبدنا كل الصراصير فلن يحكمنا أحد.. سنكون المنتصرين..

ووصف “الصراصير” له دلالته الشعبية في العرف الاجتماعي؛ فالفرد الرواندي يقدّر الحليب وأكثر ما يكدّره هو سقوط صرصار فيه، فكان يعمد إلى قتله حيثما وجد، وكانت الحكومة الرواندية آنذاك تحرض الناس على مواصلة إبادة التوتسي، ورفعت عن الميليشيات الشعبية كل أشكال المساءلة القضائية، لقد صار المواطن “التوتسي” أقل قدراً من الحشرة، فلم يكن القاتل يرى أنه قتل نفسًا بشرية لها نفس قداسة الروح الإنسانية.

وكانت الإذاعة لا تحرض فحسب لكن تبث أسماء الشخصيات المستهدفة من أقلية التوتسي والأماكن التي يتواجدون بها بدعم من الحكومة.

وفى نفس الوقت الذى قامت فيه الإذاعة بدورها في نشر الكراهية كانت صحيفة “كيناماتيكا” تبذل جهدها للتعبئة العرقية والتحريض على الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، ومعها أكثر من ٢٠ صحيفة صدرت ما بين أعوام ١٩٩١ و١٩٩٣ في فترة ما عرف بفوضى الحريات وإن كانت “كيناماتيكا” صاحبة الدور الأكبر وبدأت تبث الكراهية في نفوس الشعب الرواندي تجاه قبائل التوتسي، حتى أن هذه الصحيفة بدأت تشبه التوتسي بالثعابين وتنشر رسومات لهم على هذه الهيئة وهو ما يعني أنهم يستحقون القتل، فكانت الإذاعة تروج أنهم صراصير يجب سحقهم والصحافة تروج أنهم ثعابين، يجب قتلهم، وبحسب ” جاكي عبد الجبار” المذيع في إذاعة صوت أفريقيا كانت الإذاعة تبث خطاب الكراهية ضد التوتسي وكما يصف أميري مروانا شاكا المحاضر في جامعة رواندا في دراسات السلام أن الصحفيين والإعلاميين لم يكونوا محترفين فأي شخص في ذلك الوقت يستطيع أن يكتب ما يريد بشرط أن تكون كتاباته تحريضية ضد التوتسي..وهذا يكفى لتنشر !! [5]

وفي ليلة السادس من أبريل 1994، وبعد سقوط الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي آنذاك جوفينال هابياريمانا ونظيره البوروندي سيبريان نتارياميرا، على إثر هجوم صاروخي، وقتل جميع من كانوا على متنها. حملت الهوتو خلالها جماعة «الجبهة الوطنية الرواندية»، مسؤولية إسقاط الطائرة، وقررت الانتقام من التوتسي جميعهم، وليضاعف الإعلام من خلال إذاعة الألف تلة وصحيفة كيناماتيكا نشر خطاب الكراهية والتحريض على القتل ضد ما أسمتهم “الشعب الوضيع” في إشارة للتوتسي، وضاعف حسن انجيزى من نشر الكراهية حتى أنه كان أول من روج لمقولة “التوتسي أعداء يجب القضاء عليهم”، وبحسب الإعلامي الرواندي سام جودي سيماماتا تضاعف دور الإعلام في التحريض فصور التوتسي بالثعابين الواجب قتلهم والقضاء عليهم، ولا عقاب على قتل الثعابين، وأفضل طريقة للتعامل مع التوتسي هو أن تقتلهم وتلقى بهم خارج حدود الدولة..

وتبدأ حرب الإبادة ليقتل ٨٠٠ ألف شخص في ١٠٠ يوم فقط كنتيجة مباشرة لإعلام الكراهية كما وثقت ذلك المحكمة الجنائية الدولية إبان إصدار حكم على ٣٣ بينهم اثنان من الصحفيين كان بينهما حسن انجيزى المحرض الأول عبر الإعلام.

وتبدأ حرب الإبادة ليقتل ٨٠٠ ألف شخص في ١٠٠ يوم فقط كنتيجة مباشرة لإعلام الكراهية كما وثقت ذلك المحكمة الجنائية الدولية

الإعلام العربي وحرب الكراهية

بقيت قصة رواندا وإعلامها النموذج الأكبر على إعلام الكراهية، وظل الإعلام العربي يعاني من مشاكله ولكن لم يكن بينها بشكل لافت، التحريض على القتل والعنف حتى اندلعت ما سميت بثورات الربيع العربي، فبدأ خطاب الكراهية يزحف إلى الصحف والفضائيات والإذاعات العربية، وبالتأكيد ليس بشكل مطلق أو معمم، وهو ما دفع مؤسسات، إعلامية وبحثية، وحقوقية، إلى محاولة البحث عن هذه الظاهرة الآخذة في الانتشار، فخرجت العديد من الدراسات التي ترصد الصحف العربية، ونقترب من بعض هذه النماذج في محاولة للبحث عن المشكلة والحل.

البحرين.. كبار الصحفيين وإنتاج “الكراهية”

بالنظر إلى رصد الصحف البحرينية في تقرير إقليمي تعرض لرصد لـ ٥ صحف يومية هي: الأيام،وأخبار الخليج، والوسط، والبلاد، والوطن، فتبين وفقاً للتقرير أن أكثر من ٦٠٪ من خطابات الكراهية بين صحيفتي الوطن والأيام، منها ٤٢٪ في صحيفة الوطن وحدها بحسب التقرير، وأن ٤٣٪ من هذه الخطابات، هي خطابات محرضة على الكراهية بصورها المختلفة من وصم وشتم وعنف، وأن ٤٢٪ من خطابات الكراهية تتمثل في المقالات وأن الصحفيين المعروفين هم أول منتجي خطابات الكراهية بأكثر من ٣٣٪ وأن المعارضين هم أكثر المستهدفين من هذه الخطابات، ، ووصل عدد خطابات الحقد والكراهية في الفترة المرصودة ٤٩٢ خطابا بمعدل ١٢٤ خطابا في ثلاثة أسابيع أي ٦ خطابات كراهية يومياً تقريباً، وتعد الصحف البحرينية أعلى معدل في استخدام عبارات الوصم والشتم في الصحف العربية المرصودة وفقاً للتقرير.[6]

واذا كان هذا التقرير قد انصب في الأساس على بث الكراهية داخل الدولة بين مواطنيها، فيمكن أن نرصد خطاب كراهية جديد في دول الأزمة الخليجية، ويمكن أن نأخذ مثالاً.

ففي قراءة سريعة لصحف البحرين فى يوم واحد فقط بعد تصاعد الخلاف مع دولة قطر يمكن رصد صور عديدة لخطاب الكراهية، ووفقاً لوكالة الأنباء البحرينية نفسها في تقرير لها فقد أجمعت الصحف المحلية في البحرين على أن قطر دولة راعية إرهاب بامتياز، حيث حاولت بشكل أو آخر ضرب أركان الدولة الخليجية، من خلال فتح خطوط خلفية مع إيران “راعية الإرهاب الأولى في المنطقة”، فضلا عن إسهامها المتكرر في زعزعة الأمن والاستقرار في البحرين على وجه الخصوص ودعمها الأنشطة الإرهابية المسلحة في مختلف دول المنطقة، وتقديمها لهم الغطاء الإعلامي عبر قناتها “الساقطة” مهنياً “الجزيرة” بحسب نص تقرير الوكالة.. ويمكن أن نرصد هذا الخطاب في محتوى صحف الوطن والأيام والبلاد.[7]

وهذا مجرد نموذج لخطاب الكراهية المتصاعد منذ بداية أزمة الخليج، والذى عمق هذه الأزمة، وكان سبباً رئيساً في تصعيدها بحسب تقرير منشور للكاتب.[8]

وإن كان هناك الكثيرون من الكتاب والخبراء في دول خليجية كثيرة تعرضوا لها الخطاب[9].

وبمعرض الحديث عن البحرين ، وبعض دول الخليج ، وخطاب الكراهية ، فقد رصد خبراء ، وباحثون، تغيراً وصف بالصادم ، في الخطاب الإعلامي السعودي ، فعلى الرغم من وجود انتقادات تقليدية في الماضي لهذا الخطاب ، فيما يخص الأقليات الدينية ، وخطاب الكراهية ، هذا الخطاب الذى تجددت الانتقادات له كما في تقرير هيومان رايتس ووتش ، [10] إلا أن هذا الخطاب التقليدي ، تطور ، وتغيير تغيراً شاملاً ، ليصبح خطابا هجوميا تجاه الوافدين، و “الصحوة الإسلامية، وجماعات الإسلام السياسي ،إلى جانب دولة قطر منذ الأزمة الخليجية الأخيرة ، وتم تدشين سياسة إعلامية يصفها مراقبون بأنها صادمة ، ولم يقتصر الأمر على إعلام الدولة الرسمي ، ولكن امتد إلى الإعلام الخاص ،وأيضاً الإعلام الجديد ،  فتم تعيين مسؤول عن ماسمي بالجيوش الإلكترونية التي تقوم بالحملات الإلكترونية المنظمة وتدير عشرات الحسابات الإخبارية التي تملك ملايين المتابعين، وهي سياسة جديدة في ،الإعلام السعودي لم تكن موجودة من قبل.[11]هذا الخطاب المتصاعد في تأجيج  مشاعر الكراهية ، وهو يتصاعد بالتزامن من بروز تغيرات في البنية السياسية السعودية ،وهو بحسب خبراء بات بمثل خطراً شديداً على المجتمع وتألفه . .

تونس. التحريض الجماعي على الكراهية

وفقاً لتقرير لمرصد الإعلام في شمال أفريقيا والشرق الأوسط والذي رصد صحف تونسية، أول دولة اندلعت فيها شرارة الربيع العربي ولذا نتعرض لها بتفاصيل أكثر، فأكثر من ٦٠٪ من خطابات الكراهية في عينة الصحف اليومية التونسية تتوزع بين صحيفتي الصريح والتونسية، و٤٣٪ من هذه الخطابات تحرض على الكراهية، تليها عبارات الوصم والسب بأكثر من ٣٥ ٪ وأما دعاوى القتل والعنف فأكثر من ١٤٪، و٤٢٪ من هذه الخطابات تنحصر في الأخبار والتقارير الإخبارية و٢٨٪ منها تحمل توقيع وكالات أنباء.

٢٥٪ من هذه الخطابات تستهدف السياسيين والأحزاب و٧٠٪ منها في محوري السياسة والأمن.

أما بالنسبة للصحف الأسبوعية، المساء والضمير وآخر خبر، فأكثر من ٥٢٪ من الصحف التي تحتوي على خطابات كراهية كانت من نصيب “آخر خبر” تليها “المساء” ٤٨٪ منها عبارات سب ووصم ٣٣٪ و٣٥ ٪ من خطابهم عبارة عن تحريض على الكره، ٦٥٪ من الخطابات ترتبط بقضايا أمنية وسياسية وكان لكتاب الأعمدة ٣٨٪ من هذه الخطابات[12].

وفي تقرير آخر للمجموعة العربية لرصد الإعلام، فإلى جانب عدة صحف يومية وهي الشروق والمغرب والصريح والتونسية وصحيفتان ناطقتان بالفرنسية، و٣ صحف أسبوعية هي المساء والضمير وآخر خبر، إلى جانب الصحف فقد رصد التقرير ٥ قنوات إذاعية هي موازيك واكسبراس، إف إم وراديو كله وراديو ٠٦ والإذاعة التونسية إلى جانب ٤ قنوات تلفزيونية هي “حنبعل تي في” و”نسمة” و”التونسية وطنية ١”.

وفيما يخص الإذاعة فقد أكد التقرير أن المحطات الإذاعية الخاصة احتلت الصدارة في نسب خطابات الكراهية بـ ٩٨٪، وأكدت النتائج أن ٦٧٪ من خطابات الكراهية تتضمن سب وقذف بخلاف دعوات صريحة للقتل والعنف، وأكد التقرير أن ٥٢٪ من خطاب الكراهية كان موجهاً إلى الأحزاب والدين والمؤسسات الانتقالية، وأكد التقرير أن ٥٦٫٦٪ من خطابات الكراهية في الإذاعة كانت من إنتاج الصحفيين و٣٤٪ من هذه الخطابات موجهة للتيار السياسي الإسلامي وفي القلب منها حزب النهضة.

وفيما يخص المحطات التلفزيونية، يقول التقرير إن الكراهية موجودة في المحطات التلفزيونية الخاصة وحدها بنسبة ١٠٠٪ ، وفي المقدمة “حنبعل “تليها “نسمة” ثم “التونسية”، وإن ٧٣٪ من خطابات الكراهية في التلفزيون كان في إطار السب والقذف، ٥٠٪ سب و٢٣٪ قذف و٩٪ دعوات للقتل والعنف، و٧٣٪ من محتوى خطاب الكراهية موجه إلى الأحزاب والدين، وأكد التقرير أن ٥٩٫٥٪ من خطابات الكراهية موجه إلى حركة النهضة.

ظاهرة إعلامية – سياسية !

وخلص تقرير ثان حول رصد خطابات الحقد والكراهية في الإعلام التونسي إلى أن الكراهية في الإعلام التونسي تحولت إلى ظاهرة إعلامية وسياسية حقيقية، وهي ظاهرة وليدة – بحسب التقرير- منظومة سياسية وأيدلوجية وثقافية واجتماعية وثقافية، ويوضح الرصد الكمي والكيفي لوسائل الإعلام التونسية وجود مؤشرات على أزمة مهنية تعيشها وسائل الإعلام في تونس من سيطرة بعض رجال الأعمال على الحقل الإعلامي، ارتبطت مصالحهم بحسب التقرير بغرس مشاعر الكراهية واستمرارها وتغذية الحقد في المجتمع التونسي من أجل تفادى فتح نقاش مجتمعي حول دولة الحق، وأيضاً زادت حدة هذه الأزمة بحسب التقرير لغياب التأطير المهني لا في مواجهة الاستقطاب الأيديولوجي والدعائي الضاغط على الصحفيين والمعرقل لأدائهم المهني إلى جانب ضعف أدوات الضبط المهني. [13]

ومن خلال خطابات الكراهية في الإعلام صدر ما سمي قاموس الحقد والكراهية في وسائل الإعلام التونسية [14].

وتضمن شرح المفردات التي شملها خطاب الكراهية منها كلمات “ابتذال – استكراش – أعداء – أزلام – باندي – بلعط – جرثوم – جرذان – حثالة – حربوشة- خساسة- خيانة – دجال – دعر – رخيص – سفهاء- سمسار- شاذ – شوشو- ضبع- صعلوك – طرطور- عار- عميل – عاهرة – قذر – كلاب – لعين – مخنث “ .

اليمن.. الصحف الخاصة وخطاب العنف الأسود

ومن البحرين وتونس إلى اليمن، حيث تعرض تقرير إقليمي شارك فيه من اليمن مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان[15] لخطاب الكراهية وتعرض للصحافة اليومية اليمنية وأشار إلى أن الصحف اليومية الخاصة هي الأكثر احتواء لخطاب الكراهية بالمقارنة بالصحف اليومية الحكومية، ٨٢٪ في الصحف الخاصة مقابل ١٨٪ الصحف الحكومية، وكان النصيب الأكبر لصحيفة أخبار اليوم، إلى جانب أن ٦٨٪ من خطاب الكراهية تمركز حول التحريض السياسي و١٦٪ منها عبارات سب وقذف، وجاء ٦٠٪ من التحريض في مقالات الرأي وكان ٧٩٪ من خطابات الكراهية حول قضايا سياسية في حين ١٢ ٪ قضايا أمنية.

أما فيما يخص الصحف الأسبوعية فـ٣٨٪ جاءت في صحيفة الوسط تليها صحيفة الناس ٣٧٪ ثم الأهالي ٢٥٪ و٥٥٪ في الصحف الأسبوعية تمحورت حول التحريض السياسي و ٤١٪ من هذه الخطابات جاءت في مقالات الرأي و٥٦٪ من التحريض كان من إنتاج الصحفيين وتركزت ٥٨٪ من خطابات الكراهية حول قضايا سياسية.

ويخلص خبراء[16] إلى أن استخدام وسائل الإعلام اليمنية لأطر واتجاهات محددة في تغطيتها لقضايا الصراع السياسي، قد يكون بغرض توجيه الرأي العام خاصة القواعد الحزبية لتبنى اتجاهات محددة نحو هذه القضايا تتوافق مع الممارسات الحزبية. وعن تأثير وسائل الإعلام اليمنية يتضح من نتاج الدراسة أن الوسائل الإعلامية خاصة المكتوبة ومن خلال استخدامها في تغطية قضايا الصراع السياسي لأطر واتجاهات محددة قد يكون بغرض توجيه الرأي العام، وخاصة القواعد الحزبية لتبني اتجاهات محددة نحو تلك القضايا.

العراق.. السياسيون في مرمى خطاب التحريض

فيما يخص العراق فقد رصد أحد التقارير أن ٥٠٪ من خطابات الكراهية تتوزع بين صحيفتي “المشرق” و”المدى”، وتحتوي المشرق على أعلى نسبة من خطاب الكراهية في الصحف اليومية المرصودة بأكثر من ٢٦٪ وتركزت خطابات الكراهية في السب والوصف بالعمالة، وكانت الأخبار والتقارير الإخبارية تحتوي على ٤٠٪ من خطابات الكراهية في الصحف اليومية العراقية تليها مقالات الرأي بأكثر من ٣٠٪، وكان الصحفيون هم أول منتجي خطابات الكراهية بأكثر من ٤٠٪ من الصحافة اليومية العراقية يليهم كتاب المقالات ٣٥٪ والسياسيون والبرلمانيون والساسة هم المستهدفون من خطابات الكراهية، ٦٠٪ منهم تتركز حول محوري السياسة والأمن وهو ما ذهبت إليه دراسة صناعة الخطاب الإعلامي وتأثيره على المجتمع العراقي[17].

بأن وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، والمستقلة وغير المستقلة، تعيش حالة من الانفلات الإعلامي تبتعد فيه عن المعايير المهنية، والإعلامية، وانتهاك متكرر ومستمر لقواعد ومواثيق وقوانين العمل الإعلامي من خلال عدم الالتزام بالمصداقية والشفافية والنزاهة، والحيادية والموضوعية والتوازن في التغطية الإعلامية والإساءة الشخصية وانتهاك الخصوصية وتبادل الألفاظ المسيئة وأرجعت ذلك إلى دخول أعداد كبيرة من الهواة وما أسمتهم “الطارئين غير المدربين” وغير المؤهلين للعمل الإعلامي.

وهو ما دعا إلى صياغة ما سمي “قاموس الكراهية” والذى تناول ما أسماه مصطلحات تضرب السلم الاجتماعي في العراق[18]، وعَدّد عشرات الألفاظ المستخدمة في الإعلام العراقي ومعانيها مثل “السنة النواصب- أبناء المتعة- أبناء النكاح- الأكراد الخونة- البشطرقة – الشروكيه – جيش أبو دشداشة – الميلشياوى – دين النجس – دين الجنس – حمير اليهود – الحشد النجس – سبعة في سبعة – السرطان الشيعي –الغدر- الخيانة – عبيد الفرس – إبن المتعة – الانداس وغيرها ، هذا القاموس نرى أن تتجه مؤسسات فى دول أخرى لإعداد قواميس مشابهة ، فى محاولة لتنقية خطاباتنا الإعلامية من هذه المفردات ..

الصحافة العربية وطوفان الكراهية

أما تقرير رصد خطابات الحقد والكراهية، في عينة من الصحافة الليبية المكتوبة، والذى شمل رصد ٣ صحف يومية هي الناس وفبراير والوقت خلال ثلاثة أسابيع، ورُصد ٣١٣ تكرار لخطابات الكراهية، ٧٦٪ منها كان عبارة عن تحريض وسب، و٦٨٪ منها تدور حول محور السياسة و٦١٪ من خطابات الكراهية من إنتاج كتاب المقالات[19]

ويبدو أن الأمر لا يختلف كثيراً في الإعلام المرئي فوفقاً للمركز الليبي لحرية الصحافة،[20]رصد التقرير ٩ قنوات ليبية وهى “النبأ ١” و”ليبيا” ٢٤ “ليبيا الحدث” “ليبيا كل الأحرار” “التناصح” “ليبيا اتش دي “”بانوراما” و “الرائد”.

وشهدت الكثير من الاختلالات المهنية بالقنوات المرصودة، من اتهامات دون حجج وتحريض ودعوة إلى العنف وسب وقذف وتهديد ودعوة للانتقام والإقصاء والتحقير، وعدم احترام كرامة الإنسان، وجاءت خطابات الكراهية في ٤٦٫٩٪ من البرامج السياسية و١٩٫٣٪ في التغطية الإخبارية للأحداث الأمنية والسياسية والباقي في نشرات الأخبار والبرامج الساخرة والبرومهات وأكدت الدراسة أن مقدمي البرامج الأكثر إخلالاً بنسبة ٣١٫٣٪ فيما يحل الناشطون ٢٤٫٣٪ ثم المحللون السياسيون والجمهور العام.

وسارت العديد من الدول على نفس النهج من التحريض ونشر خطاب الكراهية وإن كان بنسب ودرجات مختلفة ومتفاوتة كالأردن[21] .ولبنان [22] والمغرب لقراءة نص تقریر رصد خطاب الحقد والكراھیة في عینة من الصحافة المغربیة المكتوبة 23].

 

الحالة المصرية..الهرولة لما بعد الكراهية ؟

فيما يخص الحالة المصرية، فالوضع لا يختلف كثيراً، وإن كانت مصر ينظر إليها في مجال الإعلام على أنها في الطليعة، ففيما يخص الصحف المطبوعة في العينة المرصودة في التقرير الإقليمي “رصد خطاب الكراهية في الصحف المكتوبة، والذي شارك فيه من مصر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ففي الصحف المطبوعة اليومية، جاء السب والإهانة والتحريض على العنف من أكثر فئات خطابات الكراهية المرصودة و٥٧ ٪ من خطابات الكراهية في الصحف اليومية كانت في مقالات الرأي والأعمدة، وكُتاب المقالات هم أول منتجي خطابات الكراهية بنسبة أكثر من ٧٠٪، و٩٠٪ من هذه الخطابات في محور السياسة.

أما الصحف الأسبوعية، فأكثر من ٣٥٪ من خطابات الكراهية في الصحافة المصرية الأسبوعية تتركز في فئة التحريض على العداء و٨٥٪ جاءت في أبواب الآراء وأكثر من ٨٧٪ من منتجي خطابات الكراهية في الصحف الأسبوعية المصرية المرصودة من كتاب المقالات.[24]

هذا فيما يخص الصحافة المطبوعة، ويمكن أن نتعرض لنموذج واحد يدلل إلى أي مدى ما وصل إليه الإعلام المصري المرئي في نشر خطاب الكراهية، ومدى تقاربه مع النموذج الرواندي مع اختلاف كم الضحايا.

فض اعتصامي رابعة والنهضة. نموذجاً

تبقى التغطية الإعلامية المصرية أثناء التمهيد لعملية فض رابعة، ثم أثناء عملية الفض [25] وأيضاً بعدها النموذج الأكثر وضوحاً على نشر ثقافة الكراهية بكل صورها، من تبرير للقتل وتحريض على جزء من الشعب، فهذا نموذج قناة سي بي سي والمذيعة لميس الحديدي في 18أغسطس 2013[26] من نشر للكراهية وتحريض على العنف، ونموذج آخر، من عشرات النماذج على التحريض على الكراهية والعنف والقتل من النماذج التي سبقت عملية الفض[27].

ومسجل عشرات من خطابات التحريض في هذه المرحلة مثل هذه الخطابات التحريضية في 30 يوليو2013 والذي روج أن الاعتصامات بؤر مسلحة وسكان رابعة والنهضة أسرى في أيديهم”[28].

ومثل هذه الخطابات والتي أذيعت بتاريخ 27 يوليو 2013 قبل عملية الفض والذي تضمن كل صور خطابات الكراهية من حض على العنف وحض على القتل والتمييز والسب والقذف [29].

ولم يكن تعامل جانب من الإعلام المصري مع فض رابعة هو النموذج الوحيد لنشر الكراهية، وإن كان الأكثر وضوحاً، فهناك عشرات النماذج سبقتها،خاصة مع بداية أحداث 25 يناير 2011 والأيام الـ18 للثورة أيضاً التعامل مع ما عرف بمجزرة ماسبيرو، والتي قتل خلالها 28 شخصاً، وكانت تصريحات مذيعة التلفزيون المصري في ذلك الوقت النموذج الأكثر وضوحاً على التحريض على الكراهية والقتل خاصة ضد المنتمين إلى الدين المسيحي[30] واستخدمت وقتها نشرات الأخبار والتقارير الإخبارية المختلفة لنشر مزيد من خطابات العنف والكراهية[31] .

ويمكن أن نوثق عشرات من صور الحض على الكراهية والعنف من خلال تغطية الإعلام المصري لأحداث “موقعة الجمل” و”محمد محمود “و”مجلس الوزراء” و”الحرس الجمهوري” و”المنصة “و”رمسيس الأولى” والثانية “والذكرى الخامسة لثورة يناير، حتى أن هناك تصريحا شهير لأحد الإعلاميين وقتها يقول فيها “كان نفسي الشرطة تقتل النهاردة 400 إرهابي” في إشارة للمتظاهرين.[32]

وعشرات من النماذج يمكن رصدها بسهولة من خلال رصد الأداء الإعلامي في هذه الفترة، وعلى الجانب الآخر لا يخلو الإعلام المصري المعارض الذى يبث من الخارج من خطاب التحريض على الكراهية، وإن كان بالتأكيد ب “كم” و “كيف” مختلف حتى أن أحد مقدمي البرامج حرض بشكل مباشر على القتل.[33]

 

وكان قد سبق ذلك وقوع جريمة قتل أربعة من المنتمين إلى الشيعة فى يونيه 2013 وقالت منظمة هيومان رايتس ووتش أن الجريمة ارتكبت بسبب تحريض القنوات الدينية فى ذلك الوقت.[34]

خطاب الكراهية في الصحف العربية

طبيعة خطابات الكراهية فى ٥ دول عربية -المصدر مرصد الإعلام في شمال أفريقيا والشرق الأوسط

إذن الإعلام العربي عموماً والصحافة العربية في الخصوص، تنتج باستمرار خطاب الكراهية لجمهورها بلا هوادة، كما سبق وأوضحنا في دول مثل اليمن والبحرين وليبيا والعراق وتونس ومصر والمغرب ولبنان وغيرها، وكما أكد تقرير رصد عينات من الصحف ل٥ دول عربية هي تونس ومصر والعراق والبحرين واليمن أن هناك ٣٠٨٦ خطاب كراهية في ٢٥ صحيفة يومية، رُصدت لثلاثة أسابيع، أي ما يقرب من ٦ خطابات يومياً، وهو ما يراه التقرير خطرا مُحدقا بالممارسة الصحفية في الصحافة العربية، وبالتالي خطر محدق بالمجتمع المتقبل لهذه المادة الصحفية المشحونة بالحقد والكراهية، وأكد التقرير أن الصحافة في فترات الأزمات الأمنية والسياسية تتحول إلى مسارح ومنابر يعيد المتصارعون والمتضادون إنتاج كراهيتهم وحقدهم من خلالها، وتتحول الصحف إلى مضخم صوت يستعمله هؤلاء لضخ ثقافة الكراهية، كما في اليمن فنجد ٣٩٪ من مجمل تكرار خطابات الكراهية كانت من نصيب صحافتها، وتتنوع خطابات الكراهية في الصحف اليومية العربية، بين التمييز والدعوة للعنف والدعوة للقتل والسب والوصم، ففي العينة المرصودة وصلت الدعوة للقتل إلى ١٠٦ حالة معظمهم في تونس والعراق ومصر وبلغت خطابات الدعوة للعنف ٢٩١ خطاب معظمها في العراق واليمن ووصل التحريض إلى ١٥٠٣ حالة منها ٨٤٣ حالة في اليمن وحدها، ليمثل التحريض ٤٨٫٧٪ والسب ١٦٫٤٪ والوصم ١٣٫٩٪ والدعوة للعنف ٩٫٤٪ والدعوة للقتل ٣٫٤٪.

مصادر خطابات الكراهية في الصحف العربية (٥ دول) المصدر – مرصد الإعلام في شمال أفريقيا والشرق الأوسط

وتأتى المقالات الافتتاحية والأعمدة والآراء بنسبة ٤٩٫٣٪ يليها الأخبار والتقارير الإخبارية ٣٢٫٧٪ ثم باقي الفنون الصحفية.

ولا يختلف الأمر كثيراً في الصحف الأسبوعية ففي رصد ل٩ صحف أسبوعية عربية، رُصد ٧٤٠ تكرار لخطابات الكراهية، أي متوسط ٢٨ تكرار لخطاب الكراهية في كل عدد، واحتلت القضايا السياسية والأمنية أيضاً في الصحف الأسبوعية، ووصل محور السياسة في الصحف المصرية إلى ٩٦٪ من خطابات الكراهية.[35]

والإعلام المرئي لا يختلف كثيراً بل على العكس وهو ما يؤكد أن الإعلام العربي تحول إلى إعلام ينشر ثقافة الحقد والكراهية بصورة تحولت كما يؤكد خبراء إلى خطر كبير. [36]

المساعي الدولية “تهذيب” الخطاب” أم “تأجيجه” ؟

حاول القانون الدولي من خلال المواثيق الدولية التعامل مع خطاب الكراهية في العموم، كما في المادة ١٩ و٢٠ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وأيضاً الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، والتي تعد وثيقة تتضمن بشكل مباشر التزامات وضوابط فيما يخص التمييز وخطاب الكراهية [37]

وأيضاً توجد وثيقة الامم المتحدة لمنع التحريض إقرأ نص الوثيقة [38]بما تضمنته من ضوابط في هذا الإطار، وكذلك مبادئ “كامدن “والمادة ١٩، هذه المبادىْ التي تعد تفسيراً تقدمياً للقانون الدولي [39]، أما خطة عمل الرباط[40]والخاصة بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز والعداوة أو العنف فقد قطعت شوطاً كبيراً في هذا الإطار. ونستطيع أن نلمح ذلك من خلال وثيقة خطة عمل الرباط وأيضاً تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عن حلقات عمل الخبراء بشأن حظر التحريض على الكراهية القومية أو العرقية أو الدينية[41]

وهناك محاذير طوال الوقت ومخاوف من أن تطغى التدابير على حرية التعبير

ولكن، بقى تحرك المجتمع الدولي، والمتمثل في الأساس، في الأمم المتحدة ومؤسساتها، بطيئاً وانتقائيا ونظرياً، وباستثناء محاكمات الإعلاميين عن مذبحة رواندا أمام المحكمة الجنائية الدولية، لا توجد خطوات إيجابية في هذا الإطار، بل غض الطرف تماماً عن هذه الجرائم في العديد من الدول، وهو ما يعني، إعطاء المجال للاستمرار في هذا الخطاب، وبالتالي الاستمرار في تأجيج جذوة الصراع من خلال السماح باستمرار هذا الخطاب، حتى أنه عندما قامت الأمم المتحدة بعمل مؤتمر لمكافحة الكراهية في الإعلام، كان معظم المشاركين فيه من الإعلاميين من منتجي هذا الخطاب.[42]!!

التجربة الرواندية في “المصالحة وإقرار العدالة “

وكانت المصالحة بمعناها الإيجابي والتي بدأت بمعاقبة المجرمين وتعويض المتضررين.وتكريس العدالة وسيادة القانون

وكما أكدنا أن رواندا كانت النموذج، الأكثر بشاعة على خطاب الكراهية بل والقتل في العالم، فنستطيع النظر بجدية إلى تجربتها أيضاً، في الانتصار على هذا الخطاب، وعودة الوئام والسلام إلى المجتمع الرواندي، حتي انتشرت ثقافة التسامح، بين الجميع، وذوي الضحايا، لتكون النتيجة الطبيعية بعد ما يقرب من ربع قرن من المذبحة المروعة، وهي تجربة أشاد بها العالم، ولكنها قامت في الأساس، على الاعتراف بالأخطاء، والعقاب العادل وفقاً للقوانين، ثم تغيير لغة الخطاب، ليكون خطاباً متسامحاً، قائماً على قيم المودة والعدل والسلام حتى، وصف توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق رواندا وتجربتها بمنارة الأمل في مقال شهير في صحيفة الجارديان ” ، لقراءة المقال بعد 20 عاماً من الإبادة الجماعية. رواندا منارة الأمل ” [43] لتصبح بحسب وسائل إعلام عالمية “سنغافورة أفريقيا”[44] في التقدم والتنمية بعد الكراهية والدم ولكن كيف وصلت رواندا إلى هذه النتيجة ؟

بعد أن وضعت الإبادة الجماعية أوزارها، والتي أدت إلى إبادة مليون شخص في ثلاثة أشهر، استطاع المواطنون أن يتفقوا على حلّ الخلافات بطريقة: (لا غالب ولا مغلوب)، بمعنى أنّ الخسارة كانت لجميع الأطراف، من الاعتراف بهذه النتيجة استطاعت رواندا أن تداوي جراحاتها.

وكانت المصالحة بمعناها الإيجابي والتي بدأت بمعاقبة المجرمين وتعويض المتضررين.وتكريس العدالة وسيادة القانون.

يُضاف إلى ذلك تجربة رواندا في المصالحة، السياسية، باتفاق الأحزاب في الحكومة والمعارضة، على نقاطٍ، هي بمثابة خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها مهما كانت حدة الخلاف.

كما قامت رواندا بتشكيل (لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية)، ومهمتها الأساسية عملية التصالح والتسامح، بدءاً من تحقيق العدالة، وعرض الحقيقة، ومن ثم يأتي التصالح، وهذا يعتبر حقّاً طبيعيّاً لضمان حقوق المظلومين وعدم إهدارها، وقد رأى الروانديون هذه الطريقة مفيدة للمصالحة الوطنية، كما ساهمت في إخراج البلاد من أتون حرب أهلية كادت تقضي على كيان الدولة، وبفضل الوحدة والمصالحة تمكّنت رواندا من الخروج من تمزّق النسيج الاجتماعي الناجم عن عواقب الإبادة الجماعية.

كما شرعت الحكومة الرواندية في تطبيق نظامٍ تشاركيٍّ للعدالة، يُعرف باسم: (غاتش اتشا) (ينطق هذا الاسم هكذا: غا- تشا- تشا)، وذلك في عام 2001م، من أجل مواجهة ذلك الكم العظيم من القضايا المتراكمة في النظام القضائي، وفي هذا النظام يقوم القضاة المنتخبون على الصعيد المجتمعي بالاستماع إلى محاكمات المشتبه في مشاركتهم في الإبادة الجماعية والمتهمين بأية جريمة من الجرائم، باستثناء التخطيط لعمليات الإبادة أو الاغتصاب، وحاكمت هذه المحاكم الأهلية المتورطين في أعمال عنصرية بالسجن، وحكمت على الذين أدينوا بأن يقضوا نصف المدة بالسجن والنصف الآخر بتقديم خدمات اجتماعية

فشكّلت الحكومة لجنة باسم: (المفوضية الوطنية للوحدة والمصالحة)، التي تُعنى بلمّ شعث المجتمع الذي عانى كثيراً ويلات الإبادة الجماعية، كما أعادت الحكومة النظر في القيم المحلية الراسخة في ثقافة الروانديين، والتي يمكن أن تسهم في تقديم الحلول الناجحة، وفي إعادة بناء الوطن والمواطن.

وكانت الخطوة الأساسية محاكمات جماعية إلى جانب المحاكمات التقليدية التي تعرف باسم غاشاتا وتعنى في اللغة الرواندية “الحديقة “، حيث يتجمع شيوخ القرية لحلّ مشكلة ما، ومن هنا فإنّ محاكم جاتشاتشا تتوافق مع محاكم القرى التقليدية القائمة، حيث كان يتم استدعاء المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية إلى القرى، وتوجّه التهم مباشرة من قِبل المشتكين، ويشرف على المحاكمات قضاة مؤهلون، ولكن من السكان المحليين.

ثم جاءت المبادرات المجتمعية الجادة، مثل مبادرة (أوموغاندا ‪Umuganda): ويمكن ترجمتها: (الهدف المشترك)، في الثقافة الرواندية التقليدية كان أعضاء المجتمع يدعون أسرهم وأصدقاءهم وجيرانهم لمساعدتهم على إكمال المهمة الصعبة، فكانت هذه المبادرة جزءاً من الجهود الرامية إلى إعادة بناء رواندا، وتعزيز الهوية الوطنية المشتركة

وأيضاً مبادرة (أوبوديهي ‪Ubudehe): وتشير إلى ثقافة العمل الجماعي، والدعم المتبادل من أجل حلّ المشكلات داخل المجتمع،

وكذلك مبادرة (جيرينكا ‪Girinkaوتعني (ليكن لديك البقرة)، وتصف الكلمة- على مرّ القرون- الممارسة الثقافية القديمة في رواندا، حيث كان الشخص يعطي بقرة لشخص آخر، إما باعتبارها علامة على الاحترام والامتنان أو كمهر للزواج. وكجزء من الجهود الرامية إلى إعادة بناء رواندا وتعزيز الهوية الوطنية المشتركة؛ كانت مبادرة جيرينكا التي تُدار بين الأسر الفقيرة واحدة من هذه الجهود.

،وغيرها من المبادرات بحسب يونس موشونبا الكاتب والباحث الرواندي .[45]

رواندا الجديدة..العدالة طريق التصالح والتسامح ..الصورة وكالات

قبل فوات الأوان

إذن.. خطاب الكراهية حاضر بقوة في الإعلام العربي بصورة المختلفة.. وكما رصد الخبراء يتزايد ويتمدد بلا أى رادع أو حتى مقاومة ملموسة ولذلك نرى:

  • ضرورة البدء في في نشر ثقافة التربية الإعلامية وتعميمها على طلاب المدارس العربية في المراحل الدراسية المختلفة، كل دولة بحسب ظروفها التعليمية، وإضافة محتوى جديد خاص بمقاومة خطاب الكراهية.
  • تفعيل القوانين المحلية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي لحقوق الإنسان للنص في القوانين المحلية على تجريم الحض على العنف والقتل والكراهية صراحة، مع الأخذ بضوابط المادة ١٩ من العهد الدولي للحقوق السياسية والاجتماعية، حتى لا يستغل ذلك في الافتئات على حرية الرأي والتعبير.
  • النص صراحة في مواثيق الشرف العربية في النقابات والأجهزة والمؤسسة المسؤولة عن تنظيم الإعلام في كل دولة على تجريم هذا الخطاب، بعد وضع تعريف محدد له.
  • قيام المؤسسات الرسمية المعنية بالصحافة والإعلام بنشر ثقافة “تنقية الخطاب الإعلامي من الكراهية والحض على العنف، واستبداله بخطابات تحض على السلام الاجتماعي والعيش المشترك.
  • إعادة النظر في ميثاق الشرف الإعلامي الخاص بجامعة الدول العربية ليواجه صراحة هذه الظاهرة.
  • تدريب الصحفيين والإعلاميين على القواعد المهنية والأخلاقية وفي القلب منها عدم التحريض على الكراهية والعنف.
  • الفصل بين التحرير والملكية في وسائل الإعلام لأنه في الغالب منتجو خطاب التحريض هم ملاك هذه المؤسسات.
  • إعادة النظر في الرسائل الإعلامية المقدمة من الوسائل الإعلامية للجمهور للتأكد من خلوها من خطاب الكراهية.
  • قيام نقابات الصحفيين والإعلاميين وتنظيمات الصحافة بمراجعة المنتمين إليها فيما يخص خطاب الكراهية.
  • تشكيل مجالس مستقلة لأخلاقيات المهنة، تكون لها صلاحيات واضحة للتعامل مع خطابات الكراهية.
  • قيام المؤسسات المعنية، بعمليات رصد لحظية مستمرة في كل دولة عربية لخطابات الكراهية، وتوثيقها، لملاحقة مرتكبيها في المستقبل.
  • قيام منظمات المجتمع المدني، بتحريك دعاوي قضائية أمام المحاكم الدولية، للتعامل مع خطابات الكراهية التي تستوفي الشروط، كما حدث مع المتهمين في مذابح رواندا.
  • كما في تجربة رواندا وغيرها من التجارب، فالاستبداد هو طريق أساس إلى خطاب الكراهية في الإعلام، فالإعلام الحر المسؤول يحمي المجتمعات من خطابات الكراهية.

في النهاية وقبل  أن تصبح بلادنا العربية مثل رواندا 1994.. فهل نستوعب التجربة لنكون على خطى رواندا الجديدة التي حولت ” الدماء والنار ” إلى “ورود ونور وتسامح” بالعدالة والمكاشفة؟!!

[1] https://goo.gl/ohr2Ns

[2] https://goo.gl/LKnd84

[3] https://goo.gl/Y2rWWs

[4] https://goo.gl/teyyM7

[5] https://goo.gl/Di3TC7 مرجع سابق

[6] https://goo.gl/zj8xAC

[7] https://goo.gl/sfGHWy

[8]

http://ruyaa.cc/Page/351

[9] https://goo.gl/xCCL2R

[10] https://goo.gl/G1gseh

[11] https://goo.gl/oUnv2R

[12]https://goo.gl/zj8xAC

[13] https://goo.gl/mU8JbY

[14] https://goo.gl/DaUH74

[15] https://goo.gl/oNtHrh

[16] https://goo.gl/TVpkgb

[17] https://goo.gl/GDatY3

[18] https://goo.gl/9CKiGV

[19] https://goo.gl/EkHLmY

[20] http://lcfp.org.ly/report/#install

[21] https://goo.gl/tmWZAs

[22] https://goo.gl/AdMoFx

[23] https://goo.gl/LKnAvn

[24] https://goo.gl/mcMuJ8 مرجع سابق

[25] goo.gl/f6eqLT

[26] https://goo.gl/jL1pLs

[27] https://goo.gl/kXPVkt

[28] https://goo.gl/kjaxoJ

[29] https://goo.gl/PUmrQR

[30] https://goo.gl/Xx4PTe

[31] https://goo.gl/5dRbSs

[32] https://goo.gl/FGm6gP

[33] https://goo.gl/4xUtSR

[34] https://goo.gl/VkS2Gk

[35] https://goo.gl/sZkM1M

[36] https://goo.gl/mh4QNt

[37] https://goo.gl/xdUpWc

[38] https://goo.gl/732wiD

[39] https://goo.gl/mZgYwn

[40] https://goo.gl/YWBPjM

[41] https://goo.gl/JF4wMY

[42] https://goo.gl/hmgY51

[43] https://goo.gl/Y8vqtC

[44] https://goo.gl/x6KySQ

[45] https://goo.gl/HAP4iv

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق