تقاريروطني

الخطاب الإعلامي بين “العشوائية” و”التخطيط”

دراسة الجمهور ضرورة لتحديد الرسالة والخطاب

الجمهور هو جزأ أساسي من عملية الاتصال، ولا يمكن بأي حال من الأحوال بناء خطاب إعلامي سليم إلا بتحديد الجمهور الذي تتوجه إليه بهذا الخطاب، وإذا لم تحدد الوسيلة الإعلامية جمهورها فلن تستطع تحديد رسالتها الإعلامية، وبالتالي لن يكون لديها خطاب إعلامي ناضج، تستطيع أن تصل به إلى الجمهور، وتؤثر فيه، وهناك تصنيفات كثيرة للجمهور بحسب المدارس المختلفة، ومعظمها يرتكز على العمر والجنس والمستوى التعليمي والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيرها من المعايير.[1]

فلا يمكن إذن لوسيلة إعلام مصرية على سبيل المثال أن تخاطب الجمهور المصري أياً كانت المدرسة التي تتبعها، دون أن تحدد هذا الجمهور تحديداً دقيقاً قدر الإمكان. ويمكن أن نتعرض لبعض الأمثلة لأهمية تحديد الجمهور.

لا يمكن لوسيلة إعلام أن تخاطب جمهورها أياً كانت المدرسة التي تتبعها دون أن تحدد هذا الجمهور تحديداً دقيقاً

نموذج 1 من حيث عدد السكان وتوزيعهم الجغرافي

فمن حيث عدد السكان على سبيل المثال عندما تعرف أن عدد سكان مصر في آخر إحصاء رسمي هو ٩٤٫٨مليون إنسان، وأن أكبر محافظات الجمهورية عدداً هي القاهرة ١٠٫١٪ والجيزة ٩٫١٪ والشرقية ٧٫٦٪ والدقهلية ٦٫٨٪؛ فتستطيع تحديد جانب من الجمهور، فهذا المعيار يمكن أن يساعدنا في تحديد الوسيلة المناسبة، وأيضاً تحديد نوعية الخطاب ومحتواه.

 

 نموذج ٢ من ناحية التركيب العمري

إذا عرفت أن ما يزيد عن ثلث السكان (٣٤٫٢٪) هم من الصبية والفتيات أقل من ١٥ سنة، وأن ٢٦٫٨٪ من عدد السكان من ١٥ إلى ٢٩سنة، وأن أقل من ٤٪ من السكان فوق ٦٥ عاماً، تستطيع أن تحدد بحسب الفئة العمرية جانباً من الخطاب الإعلامي وخصائصه ومحتواه، ونوعية المادة الإعلامية، وإطار البرامج وكيفيتها وكمها .

 

 نموذج ٣ من حيث الجنس والنوع

عندما نعرف أن ٥١٫٦٪ من السكان ذكور وأن ٤٨٫٤٪ إناث، أي أن النساء يقتربن من نصف عدد السكان يمكن أن نحدد جانب آخر من الخطاب، فلا يمكن أن تغفل في خطابك محتوى موجهاً لما يقرب من نصف المجتمع من النساء، ولذلك وفي نظرة سريعة على محتوى القنوات الفضائية الجديدة، سترصد محتوى برامجياً ورسائل ونوعية خطاب موجه بشكل مباشر أو غير مباشر للإناث.

 

نموذج ٤ من حيث مستوى التعليم

فإذا عرفنا أن ٢٧٫٢٪ من عدد السكان لم يلتحقوا بالتعليم على الإطلاق، وأن ١٢٫٤٪ فقط حاصلون على مؤهل جامعي وفوق الجامعي، وأن ٣٠٫٢٪ من عدد السكان حالياً في مراحل التعليم المختلفة، يمكن أن نحدد جانباً جديداً من الخطاب الإعلامي وتحديد مواصفات ومحتوى الرسالة التي تريد أن تصل بها إلى هذا الجمهور، ولذلك تجد هناك تنوعاً بين الوسائل الإعلامية من صحف مطبوعة وإلكترونية وإذاعات أرضية وإذاعات إف إم وقنوات محلية، وقنوات فضائية، أيضاً محتوى الرسالة أو الخطاب ستجده منوعاً بين غير المتعلمين على الإطلاق وأنصاف المتعلمين والمتعلمين تعليماً عالياً، وبدون تحديد الجمهور من هذه الناحية لن تستطيع بناء خطاب راشد مؤثر.

 

نموذج ٥ من حيث الحالة الاقتصادية

فعندما تعرف أن قيمة الأموال التي أودعها مواطنون مصريون في البنوك المصرية بالعملات المحلية ٣١٧٦ مليار جنيه مصري في إحصائية سبتمبر ٢٠١٧، وأن إجمالي ما يدخره المواطنون المصريون في مكاتب البريد ١١٤٫٩ مليار جنيه في عام ٢٠١٧، بخلاف ١٩٧٫٥ مليار جنية في الأرصدة الجارية، ستحدد جانباً من الخطاب والرسالة وحتى صياغة الخبر أو التقرير ومدى تأثيره على الجمهور بالسلب أو الإيجاب.

وهناك أكثر من ٢٠ معياراً لتصنيف الجمهور الذي تحدد بناءً عليه الرسالة والمحتوى والخطاب؛ بل حتى الوسيلة الأفضل لمخاطبته؛ كجمهور “المصالح” و”التكتلات” و”المفترض” و”الفعال” و”المستهلك” و”النشط”، والجمهور أيضاً من حيث التأثر بالتكنولوجيا والحالة السياسية وغيرها من معايير اختيار الجمهور [2] فإذا عرفنا أن ٢٧٫٢٪ من عدد السكان لم يلتحقوا بالتعليم على الإطلاق وأن ١٢٫٤٪ فقط حاصلون على مؤهل جامعي وفوق الجامعي وأن ٣٠٫٢٪ من عدد السكان حالياً في مراحل التعليم المختلفة، يمكن أن نحدد جانباً جديداً من الخطاب الإعلامي وتحديد مواصفات ومحتوى الرسالة التي تريد أن تصل بها إلى هذا الجمهور، ولذلك تجد هناك تنوع بين الوسائل الإعلامية من صحف مطبوعة وإلكترونية وإذاعات أرضية وإذاعات إف أم وقنوات محلية ، وقنوات فضائية ، ,ايضاً محتوي الرسالة أو الخطاب ستجده منوعاً بين غير المتعلمين على الاطلاق وأنصاف المتعلمين والمتعلمين تعليماً عالياً ، وبدون تحديد الجمهور من هذه الناحية لن تستطيع بناء خطاباً راشداً مؤثراً.

هناك أكثر من ٢٠ معيار لتصنيف الجمهور الذي تُحدد بناء عليه الرسالة والمحُتوى والخطاب بل حتى الوسيلة الأفضل لمخاطبته

 ملامح الخطاب الإعلامي” الراشد

  • أن يكون خطاباً موجهاً إلى جمهور محدد بعد دراسته واختياره بدقة، وبدون دراسة دقيقة بناء على معايير واضحة ومحددة لن يكون هناك خطاباً مؤثراً.
  • أن يكون خطاباً “مهنياً”، يعتمد معايير الجودة والعدالة والإنصاف والتوازن والنزاهة.
  • أن يحافظ الخطاب على الهوية الوطنية، والقيم والأخلاقيات الثابتة .
  • أن يفصل بين “الخبر” و”الرأي”، و”المعلومة” و”وجهة النظر”، في كل ما يقدم.
  • أن يكون الخطاب مبنياً على خطة استراتيجية إعلامية واضحة ومحددة، وليس خطاباً عشوائياً.
  • أن يكون خطاباً فاعلاً، وليس مبنياً على ردة الفعل التي يضطره إليها المنافسون.
  • أن ينوع بشكل ممنهج ومدروس ما بين فنون العملية الإعلامية، بين الأخبار والتقارير والتغطية والحوارات والبرامج والتحقيق بالنسبة للتلفزيون، وبين الخبر والتحقيق والحديث والحوار والكاريكاتير بالنسبة للصحف والمواقع الإلكترونية.
  • أن تكون التغطيات الإخبارية شاملة بأنواعها المختلفة “قبل الحدث” و”أثنائه” و”بعده”، وفقاً للقواعد المهنية المنظمة للتغطية والمتعارف عليها.
  • أن يراعي الخطاب احترام الجمهور وأنه أساس العملية الاتصالية برمتها، والانتباه من التعالي عليه في الخطاب أو التعامل معه بفوقية ممجوجة تدفعه إلى عقاب الوسيلة الإعلامية بالانصراف عنها وإعطاء ظهره لخطابها؛ بل العناد والذهاب إلى فعل مغاير ومعاكس لما يحتويه الخطاب.
  • ضرورة تخلي برامج “التوك شو” في خطابها عن أسلوب استعراض الرجل الواحد، الذي يعطي الجمهور كل مساء دروساً في الوطنية والشرف والصواب والخطأ، بخطاب مباشر حاد وعصبي أحياناً، وهو ما يؤدي إما إلى انصراف الجمهور، أو التأثير السلبي للخطاب عليه.
  • ترتيب أوليات الأخبار في النشرات والأخبار العاجلة وموجزات الأنباء وشريط الأخبار، وفقاً للقواعد المهنية، ولترتيب الجمهور المستهدف، لا لأسباب حزبية أو أيدولوجية أو خاصة.
  • أن يكون المحاور في الخطاب الإعلامي ممثل الجمهور في كل تساؤلاته دون تحيز، ويسعى إلى الوصول إلى الحقيقة، بعيداً عن الانتصار لأيدلوجية أو طرف سياسي من أطراف الصراع، وإحالة الحكم في النهاية إلى الجمهور.
  • تنقية الخطاب الإعلامي من مفردات الكراهية والحقد والتقسيم والتفتيت والعنف والاستقطاب.
  • التخلي عن الأخبار مجهولة المصادر، أو مجهلة المصادر، أو وهمية المصادر من الخطاب.
  • أن يكون الخطاب في البرامج خطاباً مهنياً خالصاً، لا خطاباً يعبر عن شخصية مقدم البرنامج أو بطولاته أو مغامراته.
  • تحليل مضمون الخطاب الإعلامي بشكل دوري، والوقوف على مكامن الضعف والقوة والصواب والخطأ فيه باستمرار؛ لتصويبه أولاً بأول.
  • تحليل الخطاب الإعلامي بشكل دوري للمنافسين، للوصول إلى مكامن القوة والضعف فيه والاستفادة من الإيجابيات ومعالجة السلبيات؛ بل وتصويبها في خطابك الإعلامي وكسب مزيد من الجمهور.
  • اعتماد إدارة للجودة لمراجعة الخطاب الإعلامي، ومدى موافقته لمعايير الجودة أو مخالفته أولاً بأول.
  • إعادة ضبط المصطلحات والمفاهيم بما يحقق الهدف من الخطاب، وبما لا يخالف القيم والأعراف والثوابت والقواعد المهنية الراسخة.
  • ألا يقتصر الخطاب على جودة الكلمة والخبر والحوار، ولكن يتعدى ذلك إلى جودة الصورة وتفاصيلها؛ لتكون أكثر تأثيراً في الجمهور، مع مراعاة عناصر الجودة والوضوح والارتباط.
  • أن يتجه الخطاب إلى منهج وأسلوب “المشاركة” و”التفاعل”، ولا يقتصر فقط على “التوجيه” و”التلقين المباشر”؛ حتى يُحدث الأثر الأكبر كواحدة من خصائص الخطاب “الفاعل” في الإعلام الحديث.
  • أن يعطي الخطاب المزيد للمعلومات والأرقام والإحصائيات والتوثيق، على حساب الكلام المرسل والخطاب العشوائي.
  • اعتماد قاعدة “الدقة مقدمة على السبق” في محتوى الخطاب الإعلامي.
  • الاهتمام بالخطاب النوعي والمتخصص، من خلال فنون العمل الإعلامي الموجه لجمهور بعينه، وفقاً للجمهور المستهدف كالمرأة والطفل والمسنين.. إلخ.
  • أن يتضمن الخطاب الإعلامي منهج “التوضيح” و”التفسير”، لا فقط “الإعلام” و”الأخبار”؛ لتوعية الجمهور وإقناعه والتأثير فيه.
  • مرسل الرسالة الإعلامية، عليه أن يراعي المسؤولية فيما يقدم للجمهور وفقاً للقواعد المهنية الثابتة؛ فالمرسل – وهو ضلع رئيس في عملية الاتصال – لا يمكن أن يتصف خطابه بالحرية المطلقة، ولكن هذه الحرية محكومة بمسؤولية ذاتية في الأساس تحافظ على الخطاب في منتجه النهائي.
  • وجود آليات لقياس أثر الخطاب على الجمهور؛ لتصحيحه وتطويره، وتقويمه، وهناك العديد من وسائل القياس، خاصة الإلكترونية.

وعلى سبيل المثال، فقد بثت القنوات المعارضة منذ يوليو ٢٠١٣ حوالي ١١٥ ألف ساعة إرسال تلفزيوني، أذاعت خلالها ١٨ ألف نشرة أخبار، و٢٢ألف و٥٠٠ ساعة من برامج التوك شو، و٤٨ ألف ساعة برامجية؛ فعندما تبث هذا الكم من ساعات الإرسال والبرامج والبرامج الحوارية، دون أن تحدد جمهورك بدقة، ودون أن تضبط خطابك الإعلامي وفقاً لعوامل نجاحه؛  فالنتيجة تكون أقل تحقيقاً للأهداف المرجوة، وعلى العكس لو أنتجت هذا الكم من المحتوى الإعلامي وفقاً لخطاب “راشد” و”ناضج” ستكون النتيجة مدهشة.

وأخيراً فالخطاب الإعلامي الناضج، الراشد، له قدرة كبيرة على التأثير في المتلقي، وتشكيل وعيه، ورسم رؤاه المستقبلية، وبلورة رأيه، وبدون خطاب واع ومهني، فخسائر الوسيلة الإعلامية حتمية، ولو كانت هناك مكاسب، فهي مكاسب وهمية ومؤقتة، ربما تزيد عدد المشاهدات، ولكن التأثير ودفع الجمهور إلى “الفعل” و”الإنجاز” وربما اتخاذ مواقف مُحددة تجاه أحداث أو قضايا بعينها، يكون باكتمال العناصر المهنية المطلوب توافرها متكاملة.

[1] للتفاصيل يمكن مراجعة: “تحليل الخطاب الإعلامي”، بشير إبرير. و”تحليل الخطاب الإعلامي”، د. محمد شومان، و”بلاغة الخطاب الإقناعي”، د. محمد العمري.

[2] للتفاصيل: تصنيفات وتعريفات دينيس هويت الباحث الأمريكي، هيريرت برومر العالم الأمريكي، جون ميلر الباحث البريطاني.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق