تقدير موقفقراءة الحدث

قراءة سريعة في أسباب وتداعيات قانون تحصين القيادات العسكر

قانون تحصين القيادات العسكرية تمت مناقشته والموافقة عليه في مجلس النواب المصري في نصف ساعة من نهار، برغم خطورته على السلام الاجتماعي وترسيخه لعسكرة الدولة واستهانته بدماء آلاف المصريين.
ما هي البواعث الحقيقية لإصدار مثل هذا القانون؟
ولماذا في هذا التوقيت الذي استقرت فيه مقاليد الحكم بيد السيسي بلا منازع؟
وما تداعياته المنتظرة على المشهد المصري في ظل تبلور نخبة حاكمة شديدة السطوة؟
ثم ما هي البدائل المتاحة – إن وجدت – أمام المعارضة المصرية؟

بحسب الصحافة القومية المصرية – شبه الرسمية – فإن المادة الأولى للقانون تنص على أن “يستدعى الضباط من كبار قادة القوات المسلحة الذين يصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية، لخدمة القوات المسلحة مدى حياتهم، ويكون الاستدعاء لمن يشغل منهم منصباً أو وظيفة خارج القوات المسلحة فور انتهاء شغله لهذا المنصب أو تلك الوظيفة”.
وتنص المادة الثانية على أن “يعامل بالمعاملة المقررة للوزير كل من لم يشغل من كبار قادة القوات المسلحة المشار إليهم في المادة الأولى من هذا القانون منصب الوزير أو منصباً أعلى، ويتمتع بجميع المزايا والحقوق المقررة للوزراء في الحكومة”.
وتنص المادة الثالثة على أن “تحدد بقرار من رئيس الجمهورية المزايا والمخصصات الأخرى التي يتمتع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون. ويجوز الجمع بين المزايا والمخصصات المقررة بناء على أحكام هذا القانون وبين أي ميزة مقررة بموجب أي قانون آخر”.
وتنص المادة الرابعة على أن “يتم منح المشار إليهم في المادة الأولى، بقوة هذا القانون، الأوسمة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية”.
وتنص المادة الخامسة على أنه “لا يجوز مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي في مواجهة أي من المخاطبين بأحكام هذا القانون عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسببها، إلاّ بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة”.
وتنص المادة السادسة على أنه “يتمتع المخاطبون بأحكام هذا القانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات الخاصة المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة خدمتهم وكذا مدة استدعائهم، وعلى وزارة الخارجية اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لذلك”.

مرة أخرى يفاجئ السيسي الشعب المصري وخصومه بخطوة غير متوقعة لا في فجاجتها ولا في توقيتها. المادة الخامسة من القانون تعني صراحة مسئولية قيادات بالجيش المصري عن المذابح التي وقعت بعد تعليق الدستور (أي بعد ٣ يوليو ٢٠١٣). اللافت أن القانون يحصن ويمنع الملاحقة القضائية وفي نفس الوقت يمنح مزايا مادية وسياسية كبيرة، وهما أمران – على أقل تقدير – متناقضان. القراءة القانونية الحِرَفية لمواد القانون قد تكشف عن أغراض من صاغه بهذه الطريقة، لكنا هنا نقدم هذه القراءة السياسية السريعة لهذا الحدث المهم.

أولا: ما هي البواعث الحقيقية لإصدار مثل هذا القانون؟
إن معرفة الحالة السياسية للجيش المصري واتجاهات الرأي العام داخله هي أقرب للتكهنات والرجم بالغيب. المؤسسة العسكرية المصرية – خاصة في طبقتها العليا – أشبه بصندوق أسود قد أغلق على أسراره، وتلف المؤسسة حالة من الغموض فيما يخص مراكز القوى داخلها، ومراكز ثقل اتخاذ القرار فيها. ومع ذلك وقعت ثلاث حوادث ترسم في مجموعها صورة مؤكدة للحالة السياسية في أروقة قيادة الجيش المصري، وتعطينا مجتمعة معلومات صلبة يمكن الاعتماد عليها في قراءة بواعث قانون التحصين الجديد.
هذه الحوادث هي:
الأولى: تقدم لمنافسة السيسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ثلاث شخصيات من داخل المؤسسة العسكرية، اثنان منهم من العيار الثقيل (هما سامي عنان وأحمد شفيق) والثالث برتبة صغيرة (هشام قنصوة) وتظل رتبته الصغيرة تحمل دلالات قوية ومهمة. انتهى التنافس الانتخابي كأي صراع داخل مؤسسة عسكرية بأن كان البقاء للأقوى، وواجه السيسي هذه المنافسة (السياسية) على أنها صراع بين مراكز قوى لا يرحم بعضها بعضا، ولا مجال للتعايش بينها، فكانت مواجهته عاصفة حازمة حاسمة، وخرج من المنافسة الانتخابية – في ظاهر الأمر – وقد أحكم قبضته الحديدية على الجيش.
لنا أن نتصور أن لكل من عنان وشفيق مؤيدين وأنصارا داخل المؤسسة العسكرية (وخارجها أيضا) وإلا ما اتخذا هذا القرار بمنافسة السيسي وهم يعرفون قدر تمكنه ومستوى شراسته، ولنا أن نتصور أيضا أن حسم السيسي للانتخابات بهذه الطريقة الجراحية لا يعني القضاء على مؤيدي الرجلين داخل المؤسسة حتى لو كشف بعض قادتهم ونكل بهم. في حالة المرشح الثالث العقيد هشام قنصوة فالأمر يحمل تهديدا أضعف في مستواه، وأخطر في مداه الأفقي بين الرتب الوسيطة.

الثانية: في خطوة مفاجئة قام السيسي بعزل صهره رئيس أركان الجيش محمود حجازي، ثم رئيس جهاز المخابرات العامة (وكان يطلق عليه رجل السيسي أو حذاء السيسي) وأخيرا وزير الدفاع صدقي صبحي المحصن دستوريا والذي لا يمكن إقالته إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. حجازي كان رجل السيسي المقرب داخل المؤسسة ومحل ثقته، وصبحي كان شريكه الأول في انقلاب ٣ يوليو. الإطاحة بأعلى ثلاث رتب في الجيش في غضون شهور قليلة (قبل الانتخابات وبعدها) له دلالة مباشرة مهما حاول النظام الحاكم التهوين منها.

الثالثة: الأخبار المتواترة من مصادر غربية وعربية وإسرائيلية عديدة تشير كلها إلى تعاون أمني واستخباراتي وثيق بين مصر وإسرائيل لتمهيد الأرض لما يعرف بصفقة القرن. التفاصيل لا تهمنا هنا – برغم خطورتها وحديثها عن تنازل عن أراض في سيناء لتهجير بعض الفلسطينيين إليها – لكن ما يعنينا هنا هو معنى الاختراق الإسرائيلي الأمني والاستخباراتي – وإن كان عبر ملفات سياسية إقليمية – للمؤسسة العسكرية المصرية التي ما زالت غالبية قياداتها العليا والوسيطة تحمل عقيدة عسكرية تعتبر إسرائيل العدو الأول والأخطر. هذه الأخبار تجمع أيضا على أن ثمة “إعلان” سيقع قريبا وتعلن من خلاله تفاصيل محددة لهذه الصفقة، التي سبق للسيسي أن تحدث عنها بفخر وشعور بالإنجاز.

هذه الحوادث الثلاث مجتمعة تؤكد أن انقساما موجودا داخل الجيش المصري، وأن مستوى هذا الانقسام ليس محدودا أو صغيرا، وأن الارتباطات الإقليمية والدولية (= صفقة القرن) من الصعب أن تعول على الجانب المصري وبداخله هذا التهديد الكامن في المؤسسة الوحيدة المتماسكة في النظام الحاكم. يبدو أن “صفقة” داخلية ما تم التوافق عليها لتهدئة التهابات الانقسام القائم بحيث يتم التعامل مع “المعترضين” – ما ظهر منهم وما خفي – بسيف المعز وذهبه. السيف والذهب ظاهران بوضوح في مواد القانون الستة.
احتمال آخر أن تفكيك وتهدئة الانقسامات داخل الجيش لا علاقة له بصفقة القرن، وإنما هو شأن داخلي بامتياز، وأن السيسي القلق يريد مزيدا من التأمين والسيطرة للمؤسسة التي يعتمد عليها بالكامل في مشروعه السلطوي الاستبدادي. وأن ما قام به من خلال هذا القانون هو اجتهاد داخلي صِرف يمثل بادرة استباقية لوأد أي خطر قائم قبل انفجاره، ولتأمين مزيد من الولاء له.

ثانيا: لماذا في هذا التوقيت الذي استقرت فيه مقاليد الحكم بيد السياسي بلا منازع؟
توقع كثير من المراقبين أن يقوم السيسي بحملة استئصال وحشية ضد خصومه بعد الانتخابات، ورأى بعضهم أن الحملة ربما تكون دموية. لقد تم اعتقال معظم من تبقى من رموز المعارضة السياسية برغم أن أنشطتهم كانت محدودة جدا ومقتصرة على كتابات فردية على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد كان موقف السلطة مع د. عبد المنعم أبو الفتوح بعد تصريحات إعلامية بسيطة أدلى بها لقناة الجزيرة إشارة لا تُخطأ بأن السلطة لن تسمح بأي هامش – مهما كان ضئيلا – لمعارضة سياسية مهما كان هدوءها وتلطفها.
الشئون المعنوية للقوات المسلحة تجري استطلاعات رأي داخلية بشكل منتظم. يبدو أن ما قدم للسيسي منها جعل انتباهه يتوجه بالأساس إلى خطورة التحدي الكامن داخل الجيش وليس خارجه. إن ما تم تسريبه مؤخرا – عبر عدة قنوات – عن مصالحة متوقعة مع جماعة الإخوان ربما يكون أيضا ضمن حملة تخويف لهؤلاء الخصوم العسكريين، وأن مثل تلك المصالحة – الموهومة – سيكون ثمنها تقديم من تورطوا في إراقة الدماء بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، وعادة من تلوثت أيديهم بجرائم من هذا النوع أنهم يحسبون كل صيحة عليهم، وأن حديث المصالحة سيدفعهم لتقديم تنازلات، أو القبول بهذا العرض المغري في قانون التحصين الجديد. قد يكون حكم محكمة النقض الأخير برفع أسماء ١٤٠ – معظمهم من الإخوان – من قوائم الإرهاب، متماشيا مع هذه الرؤية وهذا التخويف.

ثالثا: ما تداعياته المنتظرة على المشهد المصري في ظل تبلور نخبة حاكمة شديدة السطوة؟
تداعيات القانون الجديد ستكون بالغة على النطاق الشعبي والسياسي. بالنسبة للشعب المصري، يعيد القانون تأكيد الطبقية الجديدة التي تشكلت في المجتمع المصري لطبقة حاكمة (من الجيش وحوارييه من الشرطة والقضاء والإعلام) تحكم وتملك وتسيطر، وطبقة محكومة يتم الضغط عليها باستمرار وبانتظام حتى تزداد استسلاما وقبولا بالقسمة الظالمة التي تشكلت ويراد لها الاستقرار والاستمرار. مثل هذا القانون ستكون له آثار بعيدة المدى على القيم الاجتماعية التي يتلقاها الشباب والنشأ والتي تجعل التميز والتفوق وثيق الصلة بالانتساب للطبقة الحاكمة الجديدة وليس للتعليم والمهارات والوطنية.
التجريف السياسي الواقع في مصر سيزداد، فالقانون الجديد مخالف لأبجديات الدستور ويعصف بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، بل إنه بشكل سافر يضع فئة فوق القانون مما يفقد الثقة في “وجود” نظام سياسي يمكن التعايش معه، أو العمل من خلاله. صورة البرلمان – الهزيلة أصلا – ستفقد كل قيمة لها حيث يقوم من يفترض أنهم نواب الشعب بإهانة الشعب وتعميق الفوارق الطبقية المذلة بين فئاته.
وأما بالنسبة للنظام الحاكم فإما تؤدي المبادرة الجديدة لما يريده السيسي من مزيد من الهيمنة، أو تغري – في المقابل – خصومه بمزيد من الابتزاز والمغامرة.

رابعا: ما هي البدائل المتاحة – إن وجدت – أمام المعارضة المصرية؟
المعارضة المصرية ضعيفة للغاية، ورموزها فاقدون لأي شعبية تقريبا، وهي تفتقد لأي كيان قوي يمثلها، أو قيادة تلم شعثها.
المعارضة إما أن تستمر على ما هي عليه من ممارسات باهتة من المناكفة السياسية بمردودها الضعيف، أو أن ترى في هذا الحدث اللافت فرصة سانحة لتتقدم بمشروع واعد تتجاوز فيه رموزها التقليديين وتتقدم بخطاب شعبي مباشر تجتذب به الشباب الثائر الحائر وتثق في قدراته وإمكانية توليه قيادة المعارضة.
المعارضة لابد أن ترى الآن بوضوح أهمية وضرورة ترسيم العلاقات المدنية العسكرية في أي تغيير قادم أو أي مرحلة انتقالية قادمة.
المعارضة أمام مشهد جديد ترى فيه ملامح انقسام داخل جسد المؤسسة العسكرية الحاكمة، فإما أن ترقى لهذا التحدي وإما أن تظل تتعيش على فتات المعارضة.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق