كتبمراجعات

كيف تتعرض الديمقراطية الأمريكية للخطر؟

الديمقراطية من المقدسات القليلة عند عموم الشعب الأمريكي.

في أعقاب انتخابات عام 2016 وخلال السنة الأولى الصاخبة من رئاسة ترامب، رأى المراقبون من جميع أنحاء الطيف السياسي أن أزمة كبيرة قد أخذت بخناق الديمقراطية الأمريكية. لم يحدث من قبل أن شكك رئيس أمريكي – أثناء حكمه –  بشدة في نزاهة الانتخابات، وتحدى الفصل بين السلطات، وهدد حرية الصحافة لفظيا. جاءت استطلاعات عديدة للرأي لتؤكد هذه المخاوف، إذ كشفت أن الاستقطاب الحزبي هو في أعلى مستوياته بينما الثقة الشعبية العامة في النظام السياسي القائم في أدنى مستوى تاريخي لها. بالنسبة للعديد من الأمريكيين، تبدو الديمقراطية أكثر عرضة للخطر من أي وقت آخر في الذاكرة الحية.

النظام السياسي الأمريكي يتمتع بمؤسسات قوية، وتتوزع فيه السلطات في توازن متين مما يمنحه مقاومة كبيرة للتقلبات العاصفة، ومع ذلك يبدو حكم ترامب وكأنه أحدث صدعا في بنية هذا النظام، وأنشأ حالة من الاستقطاب الحاد المرير، تتطاير فيه اتهامات التخوين وعداوة الشعب ونفي الوطنية. في هذه الأجواء المشحونة يهرع كثير من الأمريكيين إلى الديمقراطية التي يؤمنون بها وبجدوى حمايتها لهم فيرون تقاليد راسخة آخذة بدورها في التصدع والذبول.

نستعرض في هذا التعريف السريع أربعة كتب جديدة بارزة تناقش وضع الديمقراطية الأمريكية وآفاقها. مؤلفو الكتب الأربعة لهم مشارب وخلفيات متنوعة، لكن جمعهم قاسم مشترك هو وجود رئيس أمريكي يتعدى بشكل فريد المعايير الديمقراطية. يقدم كل كتاب نظرة فريدة خاصة حول كيفية وأسباب وصول أمريكا لهذه الحالة وكيف يمكن للبلاد أن تتحرك إلى الأمام بشكل أفضل، ومناقشة سبل التعامل مع التحديات المستمرة التي تواجه المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة.

سنقوم في مركز رؤيا لاحقا في هذا الشهر بعرض كتاب آخر في ذات الموضوع، ولكن بشيء من التفصيل وهو كتاب “كيف تموت الديمقراطية” لديفيد رانسمان وهو كتاب مهم وتأصيلي في بابه.

كيف تموت الديمقراطيات؟

تأليف/ ستيفن ليفيتسكي ودانيل زيبلت

يظن البعض أن الأنظمة الاستبدادية تبدأ بالاستيلاء على الجيش أو قصف قصر الرئاسة أو القيام بانقلاب ضد الحاكم أو السيطرة على الإعلام، لكنه عادة ما تختفي الديمقراطية في النور كما كتب كل من أستاذي العلوم السياسية في جامعة هارفارد ليفتيسكي وزيبلت في كتابهما الجديد الشامل المفيد والمقلق الذي صدر في الوقت المناسب. “قد تموت الديمقراطيات ليس بأيدي اللواءات ولكن بأيدي القادة المرشحين،” هكذا قال المؤلفان. لقد كانت الانقلابات الطريقة القديمة في قتل الديمقراطيات. بالعودة إلى الحرب الباردة، ماتت ثلاث ديمقراطيات من بين أربع ديمقراطيات على يد رجال يحملون بنادق، بانقلابات عسكرية، لكن منذ نهاية الحرب الباردة، حدثت الغالبية العظمى من الانهيارات الديمقراطية على أيدي قادة منتخبين.

ما دعا المؤلفين للتفكير في كتابة هذا الكتاب، هي الأشياء التي صدمتهما في خطاب ترامب إبان الحملة الرئاسية من استعداده لملاحقة ومهاجمة وسائل الإعلام، أو استعداده للطعن في نتائج الانتخابات، أو أنه هدد بذلك، واتهامه منافسه السياسي – هيلاري كلينتون – بأنها مجرمة مكانها الطبيعي وراء القضبان، ثم أهم من ذلك كله رغبته في التغاضي عن العنف في مسيراته السياسية. بعد مضي سنة من حكم ترامب شعر المؤلفان أن ما يشاهدانه هو فيلم قديم شاهداه من قبل، وأن هذا الفيلم تحديدا ستكون نهايته سيئة للغاية. يبدو أنهما كتبا وهما في حالة ضاغطة من العصبية والغضب.

وضع الكاتبان اختبارا من أربعة معايير لتحديد القادة المستبدين وهي:

  • رفض المؤسسات الديمقراطية،
  • إنكار شرعية المعارضين السياسيين،
  • التساهل أو تشجيع العنف السياسي
  • والحد من الحريات المدنية.

“باستثناء ريتشارد نيكسون، لم تتوفر أي واحدة من هذه المعايير الأربعة في أي مرشح رئاسي خلال القرن الماضي، ولكن دونالد ترامب توافرت فيه هذه المعايير الاستبدادية الأربعة كلها”.

يشرح الكاتبان أن ترامب لم يكن الأول في حزبه الذي يقوم بتحطيم المعايير الديمقراطية، فقد سلطا الضوء على تحركات نوت جينجريش لعزل بيل كلينتون وعرقلة ميتش مكونل لمريك جارلاند الذي رشحه الرئيس أوباما للمحكمة العليا.  ما يقلق الكاتبين أنه حتى إذا فشل ترامب فإن الشيء الذي لم يكن واردا حدوثه في السياسة الأمريكية أصبح الآن واردا.

أعطى الكاتبان نبذة عن مستقبل أمريكا أشارا فيها – كمثال صارخ – إلى ولاية كارولينا الشمالية حيث أقر المجلس التشريعي الجمهوري قوانين تحد من قوة أصوات الأمريكيين الأفارقة، فقاموا بتقسيم الولاية سياسيا بلا رحمة وقوضوا استقلال السلطة القضائية. ما يسميه المؤلفان “ديمقراطية بدون حراسة صلبة” يمكن أن يُطلق عليه أيضًا الاستبداد (الإصدار الثاني).

معارضة الانتخابات:

القضية الديمقراطية

تأليف/ ديفيد فان ريبروك

كتب المؤرخ الثقافي البلجيكي فان ريبروك أن الديمقراطية تشهد “أزمة شرعية” مستشهدا بانخفاض نسبة حضور الناخبين، وارتفاع معدل التردد (والتذبذب) في دعم الناخبين، وقلة ممثلي الأحزاب السياسية. المؤلف لا يرى هذا خطأ السياسيين ولا هيكل النظام الانتخابي بل خطأ الانتخابات نفسها. كما أضاف فان ريبروك “أصبحنا جميعا انتخابيين متعصبين!، نحتقر المنتَخَبين لكن نمجد الانتخابات”.

يُعتبر فان ريبروك مجادلا ماهرا ولكن حلوله لعلاج “الأزمة الديمقراطية” تبدو ساذجة وغير مجدية، فهو يكرر التطبيق اليوناني القديم لنظام القرعة، فيقترح استبدال مجلس النواب الأمريكي بعينة عشوائية من المواطنين مثل تجمع هيئة المحلفين. هذا الحل يبدو غير مناسب للحكم في العصر الحالي كما أنه يعكس شيطنة الخبرة السياسية التي قادت الشعب في عام ٢٠١٦ إلى تفضيل نجم تلفزيون لا خبرة له مطلقا بالسياسة على وزير خارجية سابق.

يقدس فان ريبروك الديمقراطية المباشرة مثل مجالس المواطنين ولكنه يتجاهل الطريقة التي يمكن أن تجعل المؤسسات الانتخابية أكثر استجابة للإرادة الشعبية من خلال الإصلاحات كالتمثيل النسبي أو إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية على أسس غير حزبية. إحباط المؤلف من أزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة جعلته وكأنه يهرب إلى حلول غير واقعية أو عملية.

إن الحل لأزمة ضعف الديمقراطية ليس التخلص من الانتخابات كلها بل جعلها أكثر ديمقراطية.

ديمقراطيتنا المُدمَرة:

نحن الشعب يجب أن نتحرك

تأليف/ جوزيف كاليفانو الابن

في يوم ٦ أغسطس من عام ١٩٦٥ وقع الرئيس ليندون جونسون قانون حقوق التصويت، وعرفه بأنه “أقوى أداة ابتكرها الإنسان لمحاربة الظلم“. ولكن بعد أكثر من خمسين عاما لم تكتمل نظريته للثورة السلمية كما خطط لها. كان كاليفانو كبير مساعدي جونسون للشؤون الداخلية وهو الآن في السادسة والثمانين من عمره، ومن العجيب أنه في هذه السن المتأخرة كتب “لم أكن يوما قلقا على مصير ديمقراطيتنا كما أشعر الآن”.

يقول كاليفانو “إن القوتين الأساسيتين في إضعاف قيمة وقوة صوت المواطن في أمريكا هما المال وتزوير الانتخابات”. ويتذكر إحدى القصص الطريفة عن الرئيس جونسون أنه كان يشكو من مدى الذل الذي كان يشعر به بسبب طلب أموال دعم من أناس يطلبون دائما شيئا في المقابل، فحثه كاليفانو على تقديم اقتراح بالتمويل العام للحملات الانتخابات الرئاسية وحملات الانتخابات في الكونجرس، ولكن جونسون أجابه قائلا “لن يوافق مجلس النواب على ذلك”، ثم أضاف “هناك حوالي ١٠٠ عضو في الكونجرس يترشحون بدون معارضة جدية. ولكن إذا كان هناك تمويل عام سيواجهون معارضة حقيقية في حالة إعادة الانتخابات. انس الأمر”.

كتب كاليفانو أنه يوجد اليوم ٤٠٢ مقعدا “آمنا” في مجلسي النواب مخصصين لأعضاء المجلس الذين فازوا بفارق عشر نقاط أو أكثر في عام ٢٠١٦ (= أمام معارضة ضعيفة أو غير جدية). من الصعب أن تختلف مع تحليلات المؤلف على الرغم من أن كتابه عبارة عن قائمة مليئة بالمشاكل من أول قصر الرئاسة إلى الكونجرس المختل إلى الشعب المستقطب. تُرى كيف كان سيكون رأي جونسون في ترامب؟ لم يخبرنا كاليفانو بذلك، ولكن نستطيع أن نتخيل الإجابة.

أعتقد أن هذا أهم الكتب الأربعة لأنه يقدم هذا التدقيق الموثوق (والعاطفي) لفروع الحكومة الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية عن التغييرات – السياسية والثقافية والدستورية والتكنولوجية والمؤسسية – التي تجعل الحكومة غير قادرة على العمل بشكل كامل، والحاجة الملحة لإصلاح الديمقراطية الأمريكية قبل فوات الأوان.

يرى المؤلف أن هناك تركيزا هائلا من السلطة في يد الرئاسة، وأن الكونجرس معاق بالصراع الحزبي والاعتماد على أموال المصالح الخاصة، كما أن المحكمة العليا والعديد من المحاكم الفيدرالية تتحكم فيها – إلى حد بعيد – المصالح السياسية. أضف إلى كل هذا وسائل الإعلام الهشة والممزقة سياسياً، وقوانين تمويل الحملات الانتخابية الضعيفة، وعدم المساواة في التعليم، والانقسامات المتعددة الثقافات، لترى من الطبيعي في ظل كل هذا أن قادة البلاد لا يمكنهم الاتفاق على أي شيء أو حشد أغلبية قوية من الأمريكيين خلفهم.

المؤلف جوزيف كاليفانو الابن مع عقود كموظف كبير في الحكومة، والقانون، والأعمال التجارية، لديه النضج ليكون محايدا في تقييمه ومنظوره لرؤية الصورة الكبيرة للديمقراطية الأمريكية. لقد قص عددا كبيرا من الحكايات والأمثلة التي تبرز كل رئيس وأعمال حديثة من كلا الحزبين. ربما يمثل كاليفانو “الحالة” التي تحتاجها أمريكا اليوم. الرجل لا يعترض على حجم الاختلافات القائمة، لكنه يناشد الجميع بقدر من الثقة فيما بينهم – برغم الاختلافات – من أجل إعادة أنظمة حكم تحمي الحرية وتشجع الإنصاف والعدالة. يرى كاليفانو أنه كلما طال انتظار إصلاح هذه المشاكل، أصبح الموقف أكثر خطورة، ويقول “ديمقراطيتنا التالفة هي صرخة التجمع التي نحتاجها لإعادة بلدنا إلى المسار الصحيح”.

الشعب مقابل الديمقراطية

لماذا تعد ديمقراطيتنا في خطر وكيف يمكن أن ننقذها؟

تأليف ياشا ماونك

كنا نظن لعقود أن الديمقراطية بانتخاباتها الحرة والنزيهة هي قرينة الليبرالية بحمايتها للحريات المدنية وحقوق الفرد. ولكن كما كتب ماونك أننا أصبحنا اليوم “نشهد صعود ديمقراطية غير ليبرالية، أو ديمقراطية بدون حقوق، وليبرالية غير ديمقراطية، أو حقوق بلا ديمقراطية”. وقد وضعت هذه الديمقراطية الجديدة الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تخاطب شريحة كبيرة من الناخبين وتقوم بتشويه صورة المهاجرين والأقليات، وتعادي المؤسسات التكنوقراطية مثل الاتحاد الأوربي، وتصطدم بالحرية الفردية باسم الحلول الجماعية.

يعتبر كتاب ماونك مكدسا بالموضوعات، لكنه في الواقع يميل في أسلوبه إلى التكرار، ولكنه يقدم فيه ثلاث نظريات مهمة حول الوضع السياسي الحالي. فقد ذكر ثلاثة أسباب وراء إضعاف الديمقراطية الليبرالية وهي:

  • صعود مواقع التواصل الاجتماعي التي تعطي سلطات للحركات والسياسيين المهمشين بطريقة جيدة ولكن في غالب الأحيان تكون سيئة،
  • الزيادة في التفاوت الاقتصادي الذي أطلق عليه “ثراء بدون نمو”،
  • والسبب الثالث هو رد الفعل السلبي العنيف ضد الارتفاع المفاجئ للهجرة والتنوع العرقي الذي استغله كل من دونالد ترامب، ومارين لوبان في فرنسا، وفيكتور أوربان في المجر.

وكتب ماونك أنه من أجل المحافظة على الديمقراطية “نحتاج إلى توحيد المواطنين حول هدف مشترك بخصوص أمتهم، ومنحهم أملا حقيقيا لمستقبلهم الاقتصادي، وجعلهم أكثر قدرة على مقاومة الأكاذيب التي يواجهونها على مواقع التواصل الاجتماعي كل يوم”.

من السهل ترديد هذا الكلام، ولكن تنفيذه يبدو صعبا كما يشرح ماونك في كتابه.

تقديم/ د. محمد هشام راغب

ترجمة/ الأستاذة يسرا وليد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق