إقليميتقدير موقفدولي

العقوبات الأمريكية، وأثرها على: فاعلية الدور الإيراني في المنطقة، وفي مستقبل النظام الدولي

بسم الله الرحمن الرحيم

يمتد الاهتمام الأمريكي بإيران-التي اعترفت بإسرائيل سنة 1950-لمطلع أربعينيات القرن العشرين، ودفعت له أسباب؛ يتصل أعلاها: بدور إيران، بوصفها دولةً أقرب ما تكون عازلةً، أمام التمدد السوفيتي: الأيديولوجي، والاستراتيجي، بوصوله”المياه الدافئة”، بما يهدد مصالح الأمريكان-والغرب عموماً-في الخليج، وحلفاءها، وما تستأثر به؛ اقتصادياً وتجارياً واستراتيجياً.

شهدت العلاقات الأمريكية/الإيرانية تأزماً واضحاً، عقب الثورة الإسلامية 1979، التي رفعت شعار”الموت لأمريكا” واقتحمت السفارة الأمريكية بطهران نوفمبر1979، واحتجز 52، موظفاً منهم؛ فقطعت أمريكا علاقاتها الدبلوماسية بإيران في7 أبريل1980، فترة رئاسة “كارتر”؛ وأغلقت السفارة الإسرائيلية بطهران.

وأول مظاهر العقوبات الأمريكية على إيران، تمثل في الحظر التجاري، وحظر السفر؛ وحاولت إيران-وقتها-تطبيع العلاقة مع أمريكا، فأطلقتهم في 20 يناير 1981، يوم تولي “رونالد ريغان”الرئاسة؛ وفي1986 استغلت إدارته حاجة إيران للأسلحة-فتم إبرام صفقة بوساطة إسرائيلية-لحل أزمة الرهائن الأمريكان بلبنان سراً،[1] لكسب موقف يحسب لإدارة”ريغان”؛ خلال ولايته الثانية-أمام الرأي العام الأمريكي-ولحزبه؛ لكن الصفقة كشفت، وتحولت لفضيحة، عرفت “بإيران كيت”.

توالت العقوبات الأمريكية على إيران، وشهد يوليو1988مصرع290من ركاب طائرة الخطوط الجوية الإيرانية، بإصابتها بصاروخ السفينة الحربية الأمريكية”USS”فينسين، وفي نوفمبر1989،[2] رفعت الولايات المتحدة الحظر عن 567 مليون دولار، من أرصدة إيران المجمدة.

ثم فرض حظر اقتصادي شامل، للحؤول دون تزود إيران بلوازم الأسلحة النووية، ولدعمها الإرهاب-وفق الأمريكان-عهد”كلينتون”أبريل1995، وفي1996 فرضت عقوبات على شركات استثمار النفط والغاز الإيراني؛ وأدرجت إيران في عهد “جورج بوش الإبن”، ضمن دول”محور الشر” الداعمة للإرهاب؛ ومن بين أبرز ما اتهمت به إيران، كان في 2 يونيو2016، فقد عدت الخارجية الأمريكية في تقريرها السنوي”أن إيران تتصدر قائمة الدول الراعية للإرهاب”[3].

أثر البرنامج النووي الإيراني في تأزيم العلاقة الأمريكية بإيران:

مع ما كان من العقوبات الأمريكية-لاسيما في 2002-المفروضة؛ إلا أن إيران شرعت في سبتمبر 2002 بإنشاء أول مفاعل نووي لها في “بوشهر”، وعارضته الولايات المتحدة؛ وعقب صفقة مع الاتحاد الأوربي، وافقت إيران على تعليق كافة عمليات تخصيب اليورانيوم، في نوفمبر2004؛ وفي أغسطس-سبتمبر2005 أعلنت إيران”استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم” “بمنشأة أصفهان”، وأنه مدني الأهداف؛ ومع ذلك رأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أنه انتهاك لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية؛ وفي يناير 2006 فكت إيران أختام الوكالة الدولية، بمنشأة للأبحاث النووية؛ وفي إبريل2006 أعلنت إيران نجاح تخصيب اليورانيوم.[4]

نهاية أغسطس 2006 انتهت مهلة مجلس الأمن الدولي، لتوقف إيران تطوير برنامجها النووي؛ مع اتهام الوكالة الدولية، بعدم تعليق إيران برنامجها النووي؛ فصوت مجلس الأمن على فرض عقوبات تجارية عليها، تتعلق باستيراد أليات وتقنيات نوويةً، لاقى استنكار إيران؛ فتعهدت بتسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم؛([5]) ثم كشفت الوكالة في مايو2007 قدرة إيران على تطوير سلاح نووي، خلال مدة تتراوح بين 3-8 سنوات، بعد أن أعلنت عدم التزامها بإيقاف التخصيب؛ ولم تلبث إيران أن توافق، على السماح للمفتشين الدوليين بزيارة منشأة آراك النووية، بعد مفاوضات مع الوكالة الدولية.

أما الولايات المتحدة فقد فرضت عقوبات على إيران، في أكتوب 2007، عدت الأقسى منذ ثلاثين سنةً؛ ثم صدر في ديسمبر2007 تقرير للاستخبارات الأمريكية، مؤكداً أن البرنامج النووي الإيراني ليس بالخطورة التي أظهر فيها؛ وهو ما فتح الباب أمام احتواء الأزمة بوسائل ناعمة؛ ففي يونيو 2008 قدم منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي”خافيير سولانا” عرضاً بميزات تجارية لإيران، مقابل تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم”؛ لكن إيران بدت منهمكةً في تجارب تطوير صواريخها: بعيدة المدى”شهاب3″، وصاروخ يمكنه حمل قمر صناعي، خلال المهلة الممنوحة لإيران لقبول عرض”سولانا”؛ أدت التجربتان لإصدار مجلس الأمن سبتمبر2008 قراراً يطالب إيران بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم، دون عقوبات جديدة لسببين:

الأول: تصريح روسيا بأنها لن تقبل فرض عقوبات جديدةً على إيران.

الثاني: لم يجد المعنيون بالبرنامج النووي الإيراني خطورةً فادحةً، خاصةً على المدى القريب؛ وقد نوه عنه قبلاً.

الاتفاق النووي وآثاره في تجاوز الأزمة مع إيران:

عد الاتفاق النووي إنجازاً ذا أهمية كبيرة، لتجاوزه أزمةً، تسببت في عقوبات، وقرارات دولية، وبيانات للوكالة الدولية، وما توعدت به الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أظهرت الدبلوماسية الإيرانية طول أناة، وإدارةً مقدرةً لسلسلة مفاوضات، دامت لسنوات، بدت إيران طويلة النفس، حتى عرفت”بمشارفتها “حافة الهاوية”؛ لإصرارها على تحقيق مكاسب، أولها استمرار تخصيب اليورانيوم، لكن بمستوى لا يبلغ حاجة استخدامه لأغراض عسكرية-وفق المعايير الفنية-والأهم لإيران استمرار برنامجها النووي، في ظل شرعية دولية؛ فقد تركزت ابرز بنود الاتفاق النووي، على: رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران،  والإفراج عن أرصدتها المجمدة، وفرض قيود وضوابط على برنامجها النووي؛ والحد من عدد أجهزة الطرد المركزي، إلى الثلثين بنحو5060 جهاز طرد؛ مقابل السماح لمفتشي الوكالة الدولية، بتفتيش كل المواقع، لاسيما المشتبه بها؛ وفتح آفاق التعاون في مجالات تطوير الطاقة والتكنولوجيا.([6])

ولعل من أبرز ما يسجل على الاتفاق النووي”5+1″، أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن على نفس درجة الرضا، الذي حازه الاتفاق النووي، من لدن الدول الأوربية المعنية بالتفاوض عليه؛ وهو أمر يبرر-وفق الرؤية الأمريكية-مطالبتها بإعادة التفاوض، حول البرنامج النووي الإيراني؛ بل وأدى إلى انسحابها منه؛ وبرر ما أعقب ذلك الانسحاب، ما أفرز الأزمة الحالية، التي تواجهها إيران، من لدن الولايات المتحدة الأمريكية.

من محددات بواعث الأزمة ومآلاتها:

يراد بهذه: الشروط المفروضة على  إيران، لتجنب العقوبات الأمريكية “الأشد في التأريخ”، وفق وصف التصريحات الأمريكية، على لسان وزير خارجيتها”مايك بومبيو”؛ الذي حددها في اثنتي عشرة نقطةً؛ تفصح عن “الأسباب غير المباشرة”، التي دعت الأمريكان للتلويح بفرض عقوبات على إيران، زيادةً على ما حدد من قبل، بوصفه “سبباً مباشراً”، للأزمة الأمريكية/الإيرانية، المحدد في “رغبة الولايات المتحدة بإعادة صياغة الاتفاق النووي”-وعدم قبول المقترح الأوربي بإضافة فقرات إليه-الذي برر انسحابها منه، خلافاً للأطراف الخمسة المستمسكة بصيغته؛ وتجمل تلكم الشروط في”:

  1. على إيران تقديم جرد كامل لكل أنشطتها النووية العسكرية-للوكالة الدولية للطاقة الذرية-وأن تتوقف عنها بشكل نهائي إلى الأبد.
  2. على إيران وقف تخصيب اليورانيوم، وأن تتجنب محاولة معالجة البلوتونيوم، بما فيه ضرورة إغلاق مفاعلها للماء الثقيل.
  3. أن تضمن إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حق الوصول-غير المشروط-لكل المواقع في إيران.
  4. أن توقف إيران إنتاج الصواريخ البالستية، وأن توقف تطوير وإطلاق الصواريخ، القادرة على حمل رؤوس نووية.
  5. إطلاق سراح مواطني الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الشريكة والحليفة، المحتجزين بتهم ملفقة، والكشف عن المفقودين.
  6. وقف دعم المجموعات الإرهابية في الشرق الأوسط، بما فيهم “حزب الله”، “وحماس” “والجهاد” الفلسطينيتين.
  7. احترام سيادة الحكومة العراقية، وأن لا تعارض نزع سلاح المليشيات الشيعية، وإعادة دمجها.
  8. وقف الدعم العسكري لميليشيات الحوثيين، والعمل على دعم التسوية السياسية في اليمن.
  9. سحب كل القوات التي تقودها إيران من سوريا.
  10. وقف دعم حركة طالبان وغيرها من المجموعات الإرهابية في أفغانستان، وفي المنطقة، والامتناع عن إيواء قادة تنظيم القاعدة.
  11. وقف تقديم دعم فيلق القدس للإرهابيين، وللمليشيات الشريكة.
  12. أن توقف إيران نشاطاتها التي تهدد جيرانها، وأغلبهم حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، وفي مقدمتهم: تهديدها بتدمير إسرائيل، وإطلاق صواريخ على السعودية والإمارات؛ وكذلك تهديد الملاحة الدولية.”[7]

ومن تلكم النقاط، يمكن القول: أن مراد الولايات المتحدة، من تركيزها على إيران، يتركز في:”حصر إيران داخل حدودها”، وأن لا تتطلع لدور إقليمي بارز؛ يهدد ما تعنى به الاستراتيجية الأمريكية، ويمس ما يحقق مصالحها العليا، في المنطقة كلها؛ وأن لا تلعب إيران أي دور، يحقق مشروعها الاستراتيجي/الآيديولوجي، الذي يمكن أن  يعرقل ما هو مخطط له تنفيذه، في “عهد ترامب”بشأن الشرق الأوسط، وأن لا تعيق إعادة تفتيت المنطقة، التي تماهت في مسار خارطة طريق، رسمت بعناية للشرق الأوسط، ورتبت له صفقاته المشبوهة.

صدى الشروط الأمريكية والتلويح بعقوبات غير مسبوقة تأريخياً:

الموقف الإيراني تلقى تلك التهديدات، وبدء العقوبات الأمريكية، بشيء من التوتر، إزاء الشروط الأمريكية، أو مواجهة عقوباتها، أو حتى استهدافها؛ وقد بدا صدى الجانب الاقتصادي، ومنه المالي على وجه الخصوص، متأثراً بشكل كبير؛ أدى ابتداءً إلى انخفاض حاد بقيمة الريال الإيراني؛ بشكل جعل قطاعات من الشعب كثيرةً، تشكك في قدرة النظام السياسي، في الخروج من الأزمة، وفي معالجة آثارها؛ وقد حملت تلكم القطاعات الحكومة، بل والنظام السياسي ذا الصبغة الإسلامية، تبعات التضخم، وآثاره التي تستنفد قدراتهم المالية؛ وتهدد مستقبلهم الاقتصادي، قبل أن تبدأ العقوبات، وتأتي آثارها تباعاً.

سارع “الرئيس روحاني” في رده على دعوة”الرئيس ترامب”، للحوار دون شروط مسبقة مع طهران، واصفاً هدفها إما “الاستهلاك المحلي” أو “شن حرب نفسية على الشعب الإيراني”، وأن لا معنى للدعوة للحوار في ظل العقوبات؛ مؤكداً “فشل” ترامب، في تحويل الملف الإيراني لمجلس الأمن، نتيجة تمسك الدول الأوربية بالاتفاق النووي، ولم تنسحب منه؛ آملاً من أوروبا وروسيا والصين، اتخاذ مواقف “أكثر عملية”؛([8]) ثم أكد روحاني أن نهج إيران سلمي، وأنها تتعرض لمشروع “إيرانوفوبيا”، التي يروج له الأعداء، وأن إيران لم تنتقم من العراق، بعد تغيير نظامه، الذي قاتلها ثماني سنين، ولم تستغل انهيار الاتحاد السوفيتي، بل إن إيران قد “تطوعت” لقتال الإرهاب-والوصف لروحاني-ولها في ذلك دورها؛ واصفاً أعداءهم أنهم “لا مبادئ لهم”، وهم غير موثوق بهم؛ ولهم مشاكل مع حلفائهم: كندا، والأوربيين، ومشاكل مع روسيا والصين؛ لكن، لا بد من الاستفادة من نقاط تحسب لصالح إيران؛ فأمريكا تعرف كلفة الحرب على إيران، وأن ثمن ذلك باهض، ولهذا أصدر الكونكرس-حسب روحاني-قراراً يمنع الهجوم على إيران؛ تحمل كلمات روحاني هذه إشارات مهادنة، للولايات المتحدة الأمريكية، التي أعلنت أن “ما ادعته إيران من تصنيعها طائرةً مقاتلة”كوثر”، هي الطائرة الأمريكية”أف 5″، التي تمتلكها إيران من عهد الشاه؛ زيادةً على تجارب صاروخية أقل ما يقال عنها أنها مطورة، عن صواريخ روسية؛ ما كشف “محدودية البدائل”التسليحية”، لدى إيران للمرحلة المقبلة، في ظل تنامي العقوبات وتفاقم آثارها، واحتمال تحولها إلى أنشطة عسكرية أمريكية.

وحذر قاسم سليماني”ترامب”، مؤكداً إذا بدأت الحرب على إيران، فإيران من سيفرض نهايتها-في ظل الحرب الكلامية بين البلدين، في وقت تلوح فيه الولايات المتحدة الأمريكية، باستهداف إيران-وأكد أن الحرب بينهما ستكون”أم الحروب”، إذا ما جازفت بشنها أمريكا.([9])

وأكد وزير الخارجية الإيراني، أن لا حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل عقوباتها، مؤكداً أن ما تريده الولايات المتحدة-في سياساتها القائمة على العقوبات، وعلى التهديد، والوعيد، واتهام إيران بمساندة منظمات إرهابية- أمران: ([10])

الأول: وضع الشعب الإيراني مقابل النظام، لزعزعة الاستقرار الداخلي.

الثاني: تأزيم العلاقة بين إيران، والدول العربية، في ظل الترويج لفكرة إنشاء”ناتو عربي”، للتصدي لإيران؛ مؤكداً أن الجلوس للتفاوض، رهن بتغيير أمريكا سياساتها تلك؛ وأن تعيد قراءة ما يجري من أحداث في اليمن، وسواها، بتلمس التدخل السعودي والإماراتي فيها، وليس إيران؛ مقترحاً-ظريف-إنشاء منتدى أمني سياسي إقليمي، بعيداً عن القوى الوافدة من بعيد.

وفي أول مظاهر التصدع بين المحافظين والإصلاحيين، في ظل تفاقم القلق، من آثار الأزمة الاقتصادية، على أثر عزم أمريكا فرض عقوبات على إيران؛ استدعى البرلمان الإيراني-بطلب من أعضاء المحافظين-الرئيس حسن روحاني لاستجوابه-28أغسطس-حول كيفية التعامل مع المصاعب الاقتصادية المتراكمة.([11])

وألقى المرشد الأعلى الإيراني”علي خامنئي” باللائمة على”سوء الإدارة الاقتصادية”، التي أضرت بإيران أكثر من العقوبات الاقتصادية الأمريكية؛ وأنها بحاجة لتحسين أدائها بشكل أفضل، لمواجهة الأزمة الاقتصادية والعقوبات، التي فرضت على الإيرانيين تحمل أعباء وصعوبات كبيرةً، كما أنه  وجه تهماً بالفساد، طالت “صادق لاريجاني” رئيس السلطة القضائية، والرئيس روحاني، وقادة الحرس الثوري، وعدد من المسؤولين الحكوميين؛ واعتقل بعض الموظفين المسؤولين، ومنع عشرات الموظفين من السفر، فإقامة محاكم للمتهمين بجرائم اقتصادية.

احتمال توسيع أطراف الأزمة، وأثره في النظام الدولي:

إيران اليوم، باتت بحاجة ماسة ومستمرة لداعم دولي، يتمتع بحق النقض”الفيتو” في مجلس الأمن، وقد ألفت فائدته في الأزمة السورية، بالحؤول دون إصدار قرارات، تصاحبها عقوبات دولية، وتتصدى معها لأي خطر استراتيجي محدق بها؛ وهو أمر تستتبعه كلف، تترتب على إيران؛ وقد أثقلها اقتصادها المتردي، وفشل سياساتها الاقتصادية في تلبية حاجاتها، ضمن مشروعها الاستراتيجي الأيديولوجي الخارجي؛ أما الأطراف التي من الممكن أن تحتمي بهما إيران، وترتكز إليها لتلكم المهام الوقائية الدفاعية، فهي:

أولاً: روسيا: وهي حليف قائم لإيران، ولا سيما في سوريا، فمع كون سوريا حليفةً قديمةً، لم تجازف في الزج بنفسها، في مستنقع سوريا-وقد رجحه أغلب المحللين حينها-وقد عانى اقتصادها ما كان ينبئ بتراجع قوتها، في معايير السياسة الدولية بشكل واضح؛ إلا أن روسيا امتطت تعهدات إيران، في تمويل الحرب في سوريا، في إطار علاقاتها بحلفاء المذهب، والمشروع الاستراتيجي، المتصل بتصدير الثورة، ونسج “الهلال الشيعي” في المنطقة، كسوريا، وقوًى عراقية، وحزب الله، في ظل تصور لمستقبل، يدر عليها ما يعوضها ما تحملته إيران، وأثقل ميزانيتها، وموازناتها السنوية؛ لكنه أسهم في انتفاع روسيا من مشاركتها في الأزمة السورية، فعدها “بوتين” تمريناً قتالياً مجانياً لقواته؛ زيادةً على ما جنته روسيا بهيمنتها على الغاز السوري لسنوات تقارب الأربع لصالحها، وعليه؛ يكون أمام إيران اليوم، ضرورة تمويل حمايتها من روسيا لوحدها؛ مع آمالها في أن يسهم حلفاؤها في العراق وفي سوريا، وحتى في اليمن، في تحمل جزء من أعبائها؛ بوصف إيران العمق الاستراتيجي، الداعم لهم جميعاً، ولا “هلال” لهم  من غيرها.

ومع أن روسيا ليست بحاجة مباشرة للنفط الإيراني، إلا أنها قد تنتفع من تصديره بالمرور فوق أراضيها، وتسوقه إلى الصين وسواها؛ بما يحقق لها انتعاشاً ولاقتصادها قوةً، بعد ضعف؛ لكن النفع الأكبر لروسيا من إيران، سيكون تفرد روسيا بتقرير مستقبل سوريا ونظامها، على حساب دور إيران، الذي لم يعد ممكناً تصوره في ظل عقوبات أمريكية مطبقة؛ بل ستكون هيمنة روسيا في الحلف-الروسي، الإيراني، التركي-صاحبة شأن في تقرير شكله، ورسم آفاقه وتحديد سياسته، نيابةً عن إيران، إذا هي صارت تحت حمايتها.

ثانياً: الصين: وحظوظها تبدو أكبر من روسيا صديقتها؛ لتواجدها في الخليج مستثمرةً لجزر الكويت؛ ما يضغط تكاليف الحماية الروسية لإيران دولياً؛ المنوه عنها أعلاه؛ فالصين أحوج من روسيا للنفط الإيراني، في وقت لا تبلغ كلفة النفط-كونه مهرباً-سوى أقل من نصف سعره عالمياً، يوم عانت إيران من عقوبات متكررة.

ومن ناحية أخرى؛ فإن تواجد الشركات الاستثمارية الصينية في الخليج، واستئجارها بعضاً من جزر الكويت-في ظل محاولة كويتية، للتفلت من استنزاف أموالها من لدن أمريكا-يعني أن الخليج وأمنه بات ذا أهمية استراتيجية للصين؛ ويقلقها استهداف إيران بحرياً وبرياً.

الحديث عن النظام العالمي، ووصفه،وما سيؤول إليه، ما بين الأحادية القطبية أو تعددها؛ هو ما تحدده أدوار القوى الدولية، ومدى تأثيرها في الأحداث، وما تبديه مواقفها، وما يظهر من خلال ذلك قدراتها وإمكانياتها، مقارنةً بالقوى الأخرى، ومدى قدرة تلكم القوة بفرض إرادتها على مستوى السياسة الدولية، دون منازع ند لها؛ وهو أمر-وإن حاولت الولايات المتحدة فرضه-في سياساتها الخارجية-مع أعدائها، ومنافسيها، وحتى حلفائها؛ إلا أنه يبدي صعوبات كثيرة، قد لا تقوى على تجاوزها:

  • الولايات المتحدة الأمريكية.
  • ولا حتى الاتحاد الأوربي وبريطانيا.
  • ولا روسيا والصين، ومن ورائهما كوريا الشمالية، أو أي قوة بديلة عنها تلتحق بهما.

وبالنتيجة؛ فكل ما ذكر، فيما يتصل بمشاهد موضوع أزمة إيران ابتداءً؛ يرجح النزوع تجاه التعددية القطبية-لا على سبيل التوازن التام، ولا التعادل في القوى- في ظل تأثيرات خصوصيات، تحمل:

  • آثار واقع النظام الدولي.
  • ومقدار قوة أطرافه.
  • ونمط الغايات الاستراتيجية العليا للقوى.
  • وأثر التحالفات في النظام.

ومن بين ما يؤكد رغبة الولايات المتحدة في بروزها لتكون “القوة الأعظم”-وفق ما يصطلح عليه المعنيون-أمور، منها:

أولاً: ما بدا منها في إطار “إعادة النظر”في “حلف الناتو”، منها:

  1. سياساتها الضاغطة تجاه تركيا؛ مع كونها حليفاً مهماً في”الناتو”، ويتبوأ جيشها مرتبةً متقدمةً عدداً، ولكونها الأقرب لروسيا جغرافياً؛ وتشكل حاميةً لأعضاء”الناتو الأوربيين.
  2. دعواتها المتكررة لأعضاء”الناتو” الأوربيين، لتمويل الحلف، دون تلكؤهم في دفع المستحقات المترتبة عليهم؛ والدعوة من جهة أخرى، لزيادة تمويلهم “نشاطات الحلف”.

ثانياً: إبرام الولايات المتحدة صفقةً، عدتها الأهم، مع كوريا الشمالية؛ بما أضعف التكتل المرتقب: الروسي/الصيني/الكوري الشمالي؛ فقد تحقق للأمريكان في اتفاقهم مع الكوريين الشماليين:

  1. تحجيم القدرات النووية والصاروخية، ولا سيما أمام حلفاء الولايات المتحدة والمقربين منها: كوريا الجنوبية، واليابان.
  2. ربط كوريا الشمالية بالمساعدات الأمريكية، بما يحول دون تفلت كوريا عنها.

ثالثا: تبنيها سياسة العقوبات الاقتصادية، بشكل منفرد؛ يجعلها فاعلةً بشكل منفرد؛ يمكن أن يحد من فاعلية:

  1. المنظمات الدولية، وفي مقدمتها”مجلس الأمن”، فيهمش أهمية “فيتو” الأعضاء الآخرين.
  2. حلف الناتو؛ لتستأثر الولايات المتحدة الأمريكية بما تؤتيه ثمرات عقوباتها؛ مثلما فعلت مع إيران.

رابعاً: محاولة الولايات المتحدة إحكام الطوق على إيران، أو إسقاط نظامها، وهو أمر يحد أصداؤه:

  1. التمدد الروسي في سوريا، بتأييد وتشجيع إيرانيين، والدعوات التي تتعالى في اليمن من لدن الحوثيين، لتلعب روسيا دوراً فيها، وهو أمر يلبي لإيران بعضاً من تطلعاتها، في تدويل التصدي للعقوبات الأمريكية، لتوسيع فرص التفلت منها.
  2. تواجد الصين، في الخليج قريباً من إيران، وما تتيحه مصالحهما في تدعيم تحالف: روسي/صيني/تركي/إيراني؛ يخدم مصالحهم، ويتصدى لإمكانية التحول بالنظام الدولي، إلى “القطبية الأحادية”.
  3. الوجود التركي في قطر، وما يدعمه من كون تركيا المتنفس الأكبر لإيران، في العقوبات السابقة التي فرضت عليها: دوليةً كانت، أو أمريكيةً؛ وما لإيران في قطر حال حصارها المستمر من مواقف داعمة، تنتظر إيران من قطر ما يخفف عنهما العقوبات، وإن اختلف فارضوها.

ما تفعله الولايات المتحدة منفردةً، إزاء الملفات الإقليمية والدولية، وفي إطار حلف الناتو، يستدعي مواقف للقوى الأخرى-وفق مصالحها-من السياسات الأمريكية؛ سواء أكانوا مستهدفين بالسياسات الأمريكية، أو منافسين لها في قضايا محددة، أو حلفاء لها، مستهم التلويحات الأمريكية برفع الضرائب على صادراتهم لها؛ زيادةً على خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوربي، وما يعنيه من نسج سياساتها وفق مصلحتها هي، بعيداً عن الاتحاد الأوربي، وبتأثير محدود للناتو، وقد اقتربت نهايته، وفق إرادات أعضائه، وتوازنات القوى داخله؛ فلم يعد الحلف-في ظل تكاليفه الباهظة-ذا جدوى، بغياب الحلف المنافس له تقليدياً، في ظل: إقامة علاقات تجارية مع روسيا، وانفتاح الصين، والتفاهم مع كوريا الشمالية.

أبرز السيناريوهات المحتملة:

ابتداءً، لا بد من التنويه إلى حقيقة، تؤثر في خارطة الاحتمالات المتوقعة، في مجريات الأزمة بين أمريكا وإيران؛ يدعم توقع تحقيق ما تريده أمريكا بشكل راجح؛ فإيران لم تعد تمتلك قدراتها التفاوضية، التي عرفت بها، ولم يعد لها ذلك النفس، الذي عرفته الدول المعنية باتفاق”5+1″؛ والذي بولغ به، في وصف دبلوماسية إيران؛ لكن لهذا ما يبرره، ويخفف ذلك الوصف:

أولاً: أن إيران-وفق تقارير الوكالة الدولية-لم تكن مشارفةً على امتلاك سلاح نووي، وهو ما جعل ضغوط المفاوضين الأوربيين محدودةً في حينها.

ثانياً: ان إيران لم تكن أمام تحديات الدول الأوربية، تتسم بالجدية.

ثالثاً: لم يكن الوضع الداخلي الإيراني بهذه الدرجة من التدهور، يعكسها التخبط في التصدي للأزمة بشكل، يعكس قوة النظام السياسي الإيراني، وتماسكه.

رابعاً: كانت للولايات المتحدة مصالح من إيران، في العراق، وفي تهدئة الأوضاع واستقرارها فيه، وفي دفع الفصائل التي لها بإيران علاقة طيبة، للسير في مسار سياسي، تريده أمريكا؛ على عكس ما تتوجس منه أمريكا اليوم من الدور الإيراني في العراق.

أول السيناريوهات المحتملة: قبول إيران التفاوض؛ أمام ضغط التلويح بالعقوبات:

يتوقع من إيران، دعوة الأمريكان للتفاوض، وحصر تفاوضها “بشأن الاتفاق النووي فحسب”؛ بعد أن توالت الأحداث في إيران، في اتجاه يفاقم الأزمات الداخلية، ومن بين أهمها: الأزمة المالية، بسبب التلويح بالعقوبات، التي تهاوت-أمام ضغوطها-قيمة العملة الإيرانية؛ نتيجة الإجراءات المتعاقبة، من حزمة العقوبات الأمريكية، التي لاقت استجابةً فاقت التوقعات؛ وهي أمور تبرر هذا السيناريو، وتجره إلى التحقق؛ تؤيده حقائق وإجراءات، أبرزها:

  1. مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية، بتخيير الشركات، بين التعامل مع إيران، واستمرار استثمارها فيها، وبين العمل مع أمريكا، وشمل قطاعات مهمة؛ لقيت “توتال” الشركة المتخصصة في القطاع النفطي، إلى إعلان إنهاء عملها الاستثماري، في إيران، والبالغ ما يقرب من ستة مليارات دولار؛ يبرر توقفها:
  • العقوبات المفروضة بشكل مركز على القطاع النفطي: استخراجاً، وتكريراً، وتصديراً.
  • خشية الشركة استهداف مصالحها في العالم كله، من لدن الولايات المتحدة الأمريكية.
  • التشكيك في قدرة النظام الإيراني على الوفاء بمستحقاتها.
  • غياب الأمن والاستقرار، بسبب احتمال استهداف إيران ومواقعها الهامة وقد تكون النفطية من بينها.
  1. إعلان شركات طيران عالمية، من أبرزها “الخطوط الجوية البريطانية”، تعليق رحلاتها نهاية سبتمبر الجاري؛ والتي بررت ذلك بأسباب مباشرة، تتركز في صعود كلفة تذاكر السفر إلى ثلاثة أضعاف، مما أضعف جدوى تسيير رحلاتها إلى إيران ومنها؛ زيادةً على ما ذكر في النقطة السابقة من مبررات.
  2. ضعف الأداء الحكومي الإيراني في مواجهة الأزمة، ولد شكوكاً لدى النظام السياسي الإيراني بقلة حيلة الحكومة، في التصدي للأزمة المركبة:
  • داخلياً: المتمثلة بالأزمة المالية وآثارها، من جهة، والتذمر الشعبي، من جهة أخرى، وبوادر ما يبدو “مفاصلةً” بين: المحافظين، والإصلاحيين؛ وإن كان النظام السياسي، يحاول بهذا التصنيف، وبتعاقبهما على تسنم المهام الحكومية، امتصاص ردود الأفعال الغاضبة من الأداء الحكومي، داخلياً، وحتى دولياً.
  • خارجياً: قلة حيلة إيران في التصدي للعقوبات، ولما يحتمل من توجيه ضربات تستهدفها.

كل هذه الأمور، وسواها، ستدفع إيران إلى الموافقة على التفاوض بشأن البرنامج النووي،  بشكل قد يكون أسرع من سواه، وهو أمر سترفضه أمريكا؛ لأنها معنية بأمور كثيرةً، حددتها في النقاط الإثنتي عشرة، ولا سيما قد جرت الأمور مثل ما تشتهيه، وزيادة، على الأقل في المستقبل المنظور، ما لم تطرأ في الشأن الداخلي الأمريكي طوارئ؛ كتلك التي تتصل بالفضائح الانتخابية.

مبادرة إيران هذه، ستدفع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أمرين:

  • الترحيب بمبدأ قبول التفاوض.
  • اشتراط أن تكون المفاوضات مفتوحةً على كل القضايا.
  • التلويح بضربة جزئية لموقع أو أكثر، حتى ترضخ إيران فتنتقل الأمور إلى سيناريو آخر.

ثاني السيناريوهات: تسوية من طرف ثالث:

  1. من المهم الانتباه إلى كل من: قطر، والعراق؛ فهما يرتبطان بإيران بعلاقة طيبة؛ لكنهما لا يملكان التفلت عن الفلك الأمريكي”في الوقت الراهن على أقل تقدير”:
  • قطر: تعيش أزمةً خانقةً، وحصاراً من دول خليجية: السعودية، والإمارات، والبحرين، وتساندها دول غير خليجية أخرى؛ وقد لاقت قطر من إيران موقفاً يحسب لصالح علاقات البلدين، بالتصدي للأيام الأولى للحصار وذروته، إلى جانب تركيا؛ إذ لولا موقفهما، لما تمكنت قطر من مقاومة الحصار؛ حتى في ظل إرضائها للولايات المتحدة مالياً، بما حيد الموقف الأمريكي من حصارها، واعتبارها مشكلةً خليجيةً داخليةً؛ وهو موقف يعد مكسباً لقطر.
  • أما العراق: فإن علاقته بإيران، تحولت إلى علاقات متينة متميزة، فجل الأحزاب والشخصيات السياسية الشيعية، مثلت إيران لهم داعماً وحليفاً، وشريكاً في قضايا ومستويات كثيرة؛ ولإيران في العراق نفوذ ذو أثر بالغ، يمكن أن يتحكم بمستقبل العراق السياسي، وبتشكيل الحكومات، أظهر إيران منافساً لأمريكا، التي لها في العراق من التأثير ومن المصالح ما لا يخفى.
  • قطر والعراق إذن؛ في موقف محرج، أمام إيران وكذلك أمريكا، فهما يعولان على الدعم الأمريكي للخروج، من معاناتهما: فالعراق أمام إعادة إعمار، وتعافي من الحرب على الإرهاب، وقطر، تنتظر دوراً أمريكياً فاعلاً في حل أزمتها، وتسويتها مع السعودية والإمارات، ومع البحرين كذلك؛ وإيران تنتظر من قطر والعراق موقفاً داعماً، يجعل منهما رئةً تتنفس بهما، لتجاوز مرحلة إطباق الحصار عليها؛ وهو ما يدفعهما-بمشروع وساطة- بين إيران وأمريكا، لحل الأزمة سياسياً، وهو أمر تشتهيه إيران، وأعلنته أمريكا؛ وإن لم تثمر جهود قطر والعراق؛ فهو يمنحهما العذر أمام إيران، ويمنحهما بدائل من أمريكا، عن الدعم الإيراني لهما ولا سيما التبادل التجاري؛ وهو ما يكسر عن قطر عملياً طوق حصارها، وقد تلزم السعودية والإمارات بتوفير البديل لقطر تجارياً؛ يدعمه الرغبة الأمريكية في إغلاق الأبواب التجارية بوجه تركيا وتمددها التجاري خليجياً، بما يحقق ضربةً لتركيا، في حرمانها من التبادل التجاري مع قطر؛ وقد تدفع قطر إلى ضغط كثير من تعهداتها لتركيا، في دعمها مالياً، بأدوات استثمارية، ومصرفية؛ وذاك أمر يوفر للعراق-كذلك-بديلاً تجارياً عن إيران، من جهة، ويخفف هيمنتها على العملية السياسية العراقية، من جهة أخرى.
  • ولن تكون الكويت بعيدةً عن ذلك، فستركز عليها أمريكا، لتدفع فاتورة حماية أراضيها، من ناحية إيران، ومن ناحية العراق، وتسهم بفاعلية في تمويل الحملة الأمريكية، وجهود الردع، أو توجيه ضربات؛ وهو أمر تدفع إليه الأطراف الخليحية الأخرى، التي دفعت فواتيرها من قبل؛ بما يسهم في تخفيف ما سيكون عليهم من تبعات مالية لصالح نشاط أمريكا، بتحمل الكويت له؛ في خطوة، قد تسهم في إعادة وتنشيط مجلس التعاون لدول الخليج العربي.

ثالث السيناريوهات: توجيه ضربات مركزة ومحدودة لإيران:

يصعب على إيران، إيجاد بدائل عن التفاوض، وفق الشروط الأمريكية، مع أن أوربا، لم تزل تدرس إمكانية إنعاش الاتفاق النووي الإيراني، وتعديله، ليس لأجله وحسب، بل لإنعاش مصالحها الاقتصادية الاستثمارية مع إيران.

ومن ناحية أخرى؛ فإن ما تقوم به إيران من محاولة “تجريد الموقف الأمريكي منها، عن الشرعية الدولية”، باللجوء إلى المحكمة الدولية، وما قد يعقبها، كالتلويح بانسحاب إيران من الاتفاق النووي، لتحقيق ضغط على الدول الأوربية، المعنية به، ولتحميل أمريكا تبعات فشل الاستمرار في الاتفاق؛ لكن ذلك سيكون امتحاناً بالغ الأثر على إيران، إن هي تطاولت في اختبار صبر أمريكا؛ التي ستجد في محاولات إيران القانونية، والإعلامية، إلى جانب رفض إيران التفاوض، ما يدفع أمريكا بتوجيه ضربة مركزة سريعة، يرجح محللون أنها ستكون مشتركةً مع إسرائيل؛ التي تنتظر فرصةً كالتي أتيحت لها بضرب أهداف في سوريا، أو حتى في سيناء، لتدخل إسرائيل من بوابة التحالفات الدولية، والإقليمية المنتظر عقدها، ولتتحول إلى قوة، لا تنحصر في جغرافيتها، تحت غطاء أمريكي، وشراكة معها؛ وقد سجلت بوادر تكوين “ناتو شرق أوسطي”-على ذمة البحث، يتجاوز “الناتو العربي”؛ ومن بوادره كان إخراج القوات: الإماراتية، والأردنية، والمصرية، وسواها، في وقت سابق، ساحات متعددة، بطلعات تجاوزت جغرافيتها، بل تجاوزت دول جوارها.

وقد لا تكون الضربة الأولى في حدود إيران نفسها، بل قد تأتي في سوريا، بضرب أذرعها فيها، والنظام السوري، أو تحذيره بضرب القوات المعنية بالتوجيه الإيراني؛ لأن ضربها لا يحتاج إلى شرعية، فتواجدها نفسه لا شرعية له.

هذا يعني أن”احتمال توجيه ضربة مركزة لإيران، أو أذرعها” تدعمه لوازم تنفيذ خارطة الطريق، لصفقات القرن، المرسومة أمريكياً؛ وقد بدأت أمريكا وإسرائيل معها بتكسير عصي معوقاتها، التي تسير في هدي مصالح تتقاطع ومصالح إسرائيل، وأمركيا، وحلفائها في المنطقة.

وثمة ما يرجح احتمال توجيه ضربة عسكرية مركزة، تتلمس من الآتي:

  1. تصريح بعض المسؤولين العسكريين الإيرانيين، أن الكلمة الفصل ستكون بيد الحرس الثوري وجيش القدس الإيراني، وليس بيد روحاني ولا للساسة؛ وهو أمر يكشف رغبة إيران في الدفع بالولايات المتحدة الأمريكية، نحو الوسائل السياسية والقنوات الدبلوماسية، وأنه هو ما تشتهيه إيران؛ كذلك كان كلام روحاني، أن ما يجري من تهديد ووعيد لإيران، هو محض لعب بذيل الأسد، يكشف رغبة إيران الجامحة للتفاوض، ولكن بشرط تعليق العقوبات الأمريكية، إذ لا معنى للتفاوض في ظل العقوبات، وكأن إيقاف العقوبات”بات شرط إيران الوحيد، أو الأهم، للدخول في تفاوض مع أمريكا؛ وفق تصريحاتهم.
  2. ما دامت تقارير الوكالة الذرية، والتوقعات تشير إلى عدم امتلاك إيران، قدرات تصنيع قنبلة، فهذا يرجح احتمال توجيه ضربة بطائرات F35 أمريكية الصنع، التي تمتلكها إسرائيل، ويمكن أن تتقبله الدول الكبرى الفاعلة بما فيها: أوربا، وروسيا، والصين، بكون الضربة جاءت لمخاوف القوى الإقليمية، وهو أمر لا يتسبب لأمريكا بحرج، قد يستدعي القوى العالمية الأخرى، بحجة الدفاع عن مصالحها في المنطقة، أو الدفاع عن حلفائها الأقرب، أو التصدي للتلوث البيئي، والإضرار بالإنسان.
  3. أما إذا أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، وإعاقة الملاحة البحرية في الخليج، فإن مياهه لن تبقى راكدةً، أمام تواجد القطعات البحرية الأمريكية، إذ سيكون لها غطاء أممي هذه المرة، كالتي مهدت لضرب العراق لإخراجه من الكويت، بإمكانية استصدار قرار لتوجيه ضربة محدودة لإيران، غايته الكف عن عرقلة حركة الملاحة أمام السفن العالمية، ومصالح العالم الاقتصادية في الخليج والمنطقة، أو تمتد الضربات، لتشمل كل إمكانياتها، التي مكنتها، وتمكنها من الإقدام مرةً أخرى، على إغلاق المضيق، أو عرقلة الملاحة في عموم الخليج؛ وعند ذاك لا ينفع إيران فيتو صيني، أو روسي، فالصيني-إن استخدم- فلا يعيق كثيراً تنفيذ ضربة لإيران، لكون الصين دولة بعيدة ليس لها حدود مع إيران، ولا سواحل لها على الخليج، فسيكون دافعها للفيتو سياسياً، لا صلة وثيقة له بمصالحها الاستراتيجية العليا؛ وقد تتحول روسيا إلى الامتناع عن التصويت حينها، لأسباب استراتيجية، تجعل من توريط الولايات المتحدة بعمل عسكري، سبباً في خسارتها، أصدقاء قد يتجهون صوب الروس، وكذلك فإن ضرب إيران قد يحقق لروسيا مصالح كثيرة، من أبرزها ترك الساحة السورية، وتركيز مستقبل سوريا بيد الروس، إلا شمال سوريا الذي تتقاسم شأنه تركيا، وأمركيا عن طريق القوات الكردية التي تساندها.
  4. ومما يدفع الولايات المتحدة الأمريكية، لاستهداف مواقع محددة، بتوجيه ضربات مركزة، تجنب أمريكا دخول صراع مع الصين، تستهدف بها أمريكا مواقع إيرانية، تجمل في:
  • برنامجها النووي، ومواقعه معروفة للولايات المتحدة، من خلال فرق التفتيش، المتصلة بالوكالة الدولية.
  • مصانع الصواريخ البالستية، التي تهدد أمن إسرائيل؛ بل وحتى التي تهدد مضيق هرمز.
  • إصابة منصات إطلاق الصواريخ، القادرة على حمل أقمار صناعية.
  • ضرب بعض من مصانع الطائرات المسيرة، وهو أمر صعب بلوغ فاعلية ضربه، لإمكانية تمويه جل أماكن تصنيعها.
  • ضرب طائراتها الأكثر تطوراً، التي يمكنها بلوغ حلفاء أمريكا، والإضرار بمصالحها وبأمنهم.

ويعد هذا السيناريو ممهداً لواحد من الاحتمالين: الرابع والخامس، وفق الأفعال والمواقف.

رابع السيناريوهات: رضوخ إيران للتفاوض الشامل:

يشمل كل القضايا التي تريد أمريكا التفاوض بشأنها، ويمكنها من جني ثمراتها، واختطافها من إيران؛ أو بتحييد قدراتها الاستراتيجية، بما يسهم في تغيير”عقيدتها القتالية”، التي تحددها الأهداف الاستراتيجية العليا لإيران”الثورية الصبغة”؛ وترسم-كذلك-وسائل بلوغها، يدعم هذا السيناريو أمور، أبرزها:

  1. ما يتصل بأبرز دول الجوار: يأتي فيما دفعته السعودية، من فواتير تتصل بضرب إيران، أو بتحييدها، وتجريدها عن عناصر قوتها، التي تدفع بها خارج جغرافيتها، تحت غاية تصدير الثورة، وما يتسببه من إذكاء المذهبية، ونزوعها نحو الطائفية السياسية؛ كان ذلك ضمن ما دفعته السعودية لأمريكا، عقب زيارة “ترامب” للسعودية، وقد قاربت فواتيرها 500 مليار دولار، على شكل استثمارت، وشراكات اقتصادية، تحت غطاء الخطة التنموية الشاملة، وصولاً إلى غاياتها ببلوغ العام 2023.
  2. إخضاع إيران، بات أمراً من لوازم إتمام بعض شروط تنفيذ صفقة القرن، فلا يمكن تصور الاقتراب من تحقيق تمام الصفقة، إلا بأمور، أبرزها-ضمن هذا الموضوع- الآتي:
  • حشر إيران في حدود جغرافيتها، وتعطيل نشاطات”حزب الله” في سوريا، واليمن، وحتى في لبنان، وبالنتيجة إخلاء المنطقة من المليشيات المدعومة من إيران، والمسنودة من “حزب الله”.
  • لا بد من جر قطر بتصفير مشاكلها مع جيرانها، مقابل الضغط على من تدعمهم، نحو ما يلبي لوازم إتمام صفقة القرن، وكذلك العراق بإعانته على التخلص من داعش، ومن طائفيته السياسية، ومن تأثيرات إيران، ودول الجوار الأخرى، واليمن كذلك بعد تعافيه من الحوثيين، إلى جانب السعودية والإمارات، والبحرين، وسواها، بدعم مشروع صفقة القرن: بقبول التطبيع مع إسرائيل، بل بإعلان علاقات دبلوماسية وتجارية وشراكات استثمارية علنية معها.

وهذه تؤثر في توسيع التفاوض، إلى ما بعد الاتفاق النووي الإيراني؛ بما يلبي ما جاءت به الشروط المحددة في اثنتي عشرة نقطة.

خامس السيناريوهات: استهداف النظام السياسي الإيراني:

استهداف النظام السياسي الإيراني؛ احتمال وارد، وفق الآتي:

  1. ما يتصل بالغايات الأمريكية ونواياها: وجود تسريبات، لا يمكن التسليم لها، ولا إهمالها، لكنها انتشرت في أرجاء إيران، وفي إقليم كردستان؛ منذ بدايات العام الجاري، وسبق الحديث عنها، أي موقف صارم من أمريكا تجاهها؛ قد تمتد جذور تلكم التسريبات، إلى ما بعد استفتاء كردستان العراق في 25سبتمبر؛ التي نبهت إلى وجود نية أمريكية، بخصوص تغيير خارطة المنطقة؛ دل عليها الموقف الذي استهجنه الكرد منها، تجاه الاستفتاء، وما أعقبه من صمتها إزاء الإجراءات الثلاثية، لتركيا، وإيران، والعراق؛ والذي برر ساعتها، التفات أمريكا إلى سوريا، وإنشائها قوات كرديةً، تأتي في إطار مشروع كبير، يتجاوز التحالفات الأمريكية الثنائية التقليدية مع قوى المنطقة، ومنهم القوى السياسية الكردية.([12])
  2. أما ما يتصل بإيران، وبإدارتها الأزمة القائمة مع أمريكا، فيمكنها التطور إلى ما يستهدف النظام السياسي الإسلامي لإيران؛ في وقت ركز الخطاب الإعلامي الأمريكي الرسمي، على رغبة أمريكا، في قبول إيران على التفاوض بشأن الاتفاق النووي؛ لكنه-وهو أمر ملفت، قد يتجاوز الضغوط بالتلويح بالتصعيد بالمطالب التفاوضية-ليشمل كل ما يلبي أمن إسرائيل، وحلفاء أمريكا في المنطقة، ويضمن مصالحها.

فمن الممكن أن يتصاعد الاختلاف، إلى مستوى يدفع بإيران بالمجازفة، بإقدامها على أمور، تحاول إظهارها بالطرف القوي المستميت، دفاعاً عن مصالحه، وسياساته، وقضاياه؛ فتقدم إيران على ما يجعل أمريكا ملزمةً، وهي تريد أن ترتقي المكانة الأعلى في السياسة الدولية، إلى ضرورة المبالغة في معاقبة النظام الإيراني، بإنهاء وجوده؛ دفاعاً مرةً أخرى عن القيم الديمقراطية، وبما يأتي بمن يضمن لها المكانة الأولى في الشراكات الاستثمارية ولا سيما النفطية، التي تمد أمريكا بلوازم التفوق على المستوى الدولي، بالهيمنة على ضفتي الخليج.

  1. أما ما يتصل بحلفاء إيران: فلم تكن إيران أوفر حظاً، في الأزمة السورية، فمظاهر التصدع بين إيران وروسيا وسوريا، بدت واضحةً فيما يجعل استهداف النظام الإيراني أمراً وارداً، بتجريده من دعم حلفاء الأمس:
  • رغبة روسيا باستبعاد إيران من دورها في تحديد مستقبل سوريا، وما يعنيه من الهيمنة على كثير من مقدراتها “الغنية”، والاستراتيجية لا سيما البحرية، التي تجعل إطلالة روسيا على البحر الأبيض المتوسط أمراً مقبولاً واقعاً.
  • رغبة النظام السوري في البقاء في مشهد مستقبل سوريا، بضمانات إسرائيلية؛ تجعل النظام يقايض بقاءه، بأمن إسرائيل بقوات سورية، وبتكريس احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان؛ وليس البقاء بضمانات إيرانية، تقلق إسرائيل، وتزاحم النظام في سياسته؛ ومن جانب آخر، تضمن إسرائيل تعاون أذرع أمريكا، من القوات الكردية “قسد” بالعمل سويةً، بتفاهمات، على إدارات محلية، وبحجة التعاون في قتال داعش، وطرد فلوله؛ وهو أمر يتيح للأمريكان إقامة علاقات دبلوماسية مع سوريا مستقبلاً.

ويتقوى احتمال استهداف النظام الإيراني، في حال رفض إيران الانصياع للإرادة الأمريكية، إن أقدمت إيران على:

  • تعقيد المشهد العراقي.
  • تعقيد المشهد اليمني، بتوسيعه تجاه الخليج وزعزعة استقراره، وتجاه باب المندب.
  • تعقيد المشهد تجاه إسرائيل عن طريق”حزب الله”.
  • تقويض اتفاق النظام السوري، مع”قسد”، ومحاولة التأثير على النظام السوري، بتواجد إيران سياسياً فيها، لتحديد مستقبلها.
  • إغلاق مضيق هرمز وإعاقة الملاحة الدولية.
  • الإسهام في زعزعة استقرار دول الخليج، لا سيما المنطقة الشرقية من السعودية؛ والبحرين.
  • استهداف بعض القطعات البحرية الأمريكية، أو ما يوازيها من ردود الأفعال الإيرانية، غير المحسوبة عواقبها بدقة.

ويمكن أن يستعان بالقوى المعارضة، وتستثمر ردود الأفعال الشعبية، وآثار الأزمة الاقتصادية فيها، وخشية الدخول في حرب تأتي على بنى تحتية، ومنجزات كلفت الشعب الإيراني جهوداً مضنيةً لعقود، أعقبت الحرب العراقية الإيرانية، والتعافي من آثارها.

[1] “إيران غيت” أو”إيران كونترا”، من أشهر الفضائح السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة تمت في 1985، وقد خلصت لجان تحقيق أميركية إلى تورط الرئيس السابق رونالد ريغان فيها.العلاقات الإيرانية الأمريكي. من الخميني لترمب، موقع الجزيرة نت، www.aljazeera.net، 30/7/2017، تضمنت-الصفقة-صواريخ مضادة للدروع، وأخرى مضادة للطائرات. وهو أمر يؤكد الإرادة الأمريكية في إدامة حرب الاستنزاف بين العراق وإيران، بإعادة التوازن بينهما، كلما اختل.

[2]  موقع BBC، http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2009/06 .

[3]  موقع العربية CNN،  https://arabic.cnn.com/world/2016/06/03

[4]  المصدر السابق نفسه.

[5] بوصفه مما اسبغ عليها صفة النفس الطويل في إدارة الأزمات.

[6]  ينظر: https://www.noonpost.org (موقع ن بوست).

[7]  موقع قناة الحرة عراق؛ والبنود وردت صيغتها هذه وفق ترجمة الموقع، لبيان وزير الخارجية الأمريكي.

[8] “حسن روحاني: الدعوة للحوار في ظل العقوبات “لا معنى لها” CNN العربية، 06 اغسطس 2018، https://arabic.cnn.com.

[9]  “قاسم سليماني محذرا ترامب: إذا بدأت الحرب فنحن من سيفرض نهايتها”، رويتر، 26/7/2018، http://arabic.euronews.com .

[10] لقاء خاص بقناة الجزيرة،

[11]  https://arabic.rt.com .

[12]  ينظر الموضوعان المتصلان باستفتاء كردستان في هذا الموقع.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق