إقليميتقدير موقف

واقع الصراع ومآلات الحَرب الجِيُوسياسِيّة في اليَمن

ليس للحرب في اليمن تعريف وتوصيف محدد، ويصعب الإتيان بتعريفٍ شامل لكثرة العوامل والمدخلات، وتعدد الأطراف المشاركة والمنخرطة فيها، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فليست بالحرب الأهلية، ولا الحرب الدولية، وفي نفس الوقت أطرافها أصبحوا كثر. ويجتمع في حرب اليمن أوصاف عديدة، فهي حرب مختلطة مركبة “هجينة”. وستسجل ضمن أغرب الحروُب، إن لم تكن كأغرب حربٍ على الإطلاق.

وتثير الأزمة الحالية في اليمن، الكثير من التساؤلات حول طبيعة وماهية الحرب، خلفيتها وواقعها وأسبابها وجذورها وأبعادها والأهداف المرسومة لها، وكيفية الخروج من الأزمة المعقدة، المتعددة الأطراف، والسيناريوهات المحتملة. هذا ما ستجيب، عنه هذه الورقة التحليلية، في قراءة معمقة ومركزة، التي تبحث في ثناياها واقع الصراع ومسارات الحرب، وتستقرئ سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية، وآفاق مشاورات السويد، والسقف المتوقع لها، وأمد الحرب، وفُرص السلام في اليمن.

مقدمة:

ثمَّة أسباب موضوعية لحالة عدم الاستقرار وديمومة الصراع ونشوب الحروب في اليمن أهمها شحة الموارد، والتضاريس الوعرة، وضعف الهوية السياسية الجامعة، والتي أفرزها تاريخ طويل من انقسام سياسي مزمن. فعلى مدار التاريخ الطويل، لم يعرف اليمن الحكومات المركزية التي تبسط سيطرتها الفعلية على جميع أراضيه، إلا في حالات نادرة جدًا. وهي حالات لم تكن تشمل جميع المناطق التي تتبع حاليا للجمهورية اليمنية.

وقد ساهم الموقع الجغرافي، والتضاريس والمناخ في صياغة ذلك التاريخ؛ فمن ناحية ساهمت الجبال والتضاريس الوعرة في عزله عن العالم، وهو ما أدى إلى تخلّفه عن التطوّرات التي كانت تحدث في العالم، وتقوية كيانات ما دون الدولة (قبائل، مشيخات، سلطنات، وغيرها). كما جلب الموقع الجغرافي القوى الخارجية لاحتلال سواحله ذات الموقع الاستراتيجي، وهو ما ساهم أيضاً في إضعاف السلطات المركزية المحلية (1).

 

 

تعريف وتوصيف:

ليس للحرب في اليمن تعريف وتوصيف محدد؛ وإذا ما نظرنا في واقع الحرب والظروف والأسباب التي قادت إليها، فسوف يتأتى لنا تقديم بعض التوصيفات، والخروج بالتعريف الإجرائي لها في أكثر من سياق ونطاق محلي وإقليمي ودولي، يختلف فيه هذا التعريف والتوصيف المراد عن التعريف الشائع للحرب (2).

فالحرب في سياقها المحلي تتشابه مع حروب لبنان الأهلية والطائفية، والحرب التي شهدتها العراق إثر سقوط نظام صدام حسين؛ ولايعني هنا تماثلها فالحرب الجارية مصنوعة إقليمًا ودوليًا ومدفوعة بإرادة خارجية وإن وجدت لها بعض النتوءات والجواذب في البيئة المحلية، وهي في جوهرها عنوان لحروب ومشاكل وأزمات متعددة جاءت بعد تحوُّلات ومخاضات سياسية متعثرة بين عام 90و94 وبين2011 و2015م؛ ولها خلفياتها وجذورها العميقة التي تتمثل في الغياب التاريخي للدولة الحقيقية، والاستقرار السياسي للبلد.

وفي الإطار الإقليمي والدولي تعتبر حرب جيوسياسية ذات صلة بالجغرافيا وتأثير السياسة عليها، والحروب الجيوسياسية من أعقد الحروب على الإطلاق، وأبعدها مدى واستراتيجية، ففي الضفة الأخرى من مضيق باب المندب توجد قواعد أمريكية وفرنسية وإسرائيلية وإيرانية، استعدادًا لأي تطورات عربية محتملة (3).

وتتنوّع التعريفات المقدمة وفق البعد الذي يتم التركيز عليه في التعريف، وما يحدث في اليمن نجد له ارتباط بسياقات الربيع العربي، مُتمثلاً: في إبقاء الأزمة وتفاعلاتها في إطار الثورة والثورة المضادة؛ فالحروب الجارية منذ سنوات في اليمن وسوريا وليبيا يبدو أنها صُممّت خصيصًا ضد ثورات الربيع العربي والشعوب العربية، التي تطّلعت للحرية والمشاركة السياسية والتغيير، تختلف فقط في التفاصيل والخلاصة واحدة، مؤداها التخييّر بين الأنظمة العربية المستبدة أو الحروب الطائفية والأهلية (4).

والتعريف المحكم، الذي يمكن الخروج به، ويُستشف من التعريفات السابقة، هو أن الحرب ليست يمنية يمنية؛ بل حرب إقليمية دولية في اليمن، ذات روافع سياسية وحمُولات طائفية دينية مذهبية، جرى فيها توظيف المصالح وتنفيذ الأجندات، لتحقيق أهداف وغايات القوى والدول المنخرطة والمشاركة في الحرب.

 

أسباب الحرب: (محلية – خارجية).

 للصراع القائم في اليمن محركاته ودوافعه، وللحرب جذورها وأسبابها المختلفة منها ما هو داخلي ومنها خارجي له علاقة بتنفيذ الأجندات الإقليمية وتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية، وذو صلة وعلى علاقة بالأهداف والمخططات الدولية، التي سوف نوردها بشيء من الإيجاز والإجمال وفقًا للتصنيفات الآنفة الذكر.

 

أولاً: الأسباب المحلية

على المستوى المحلي، للحرب في اليمن جذورها وأسبابها المختلفة، منها ما هو مباشر وغير مباشر، وسواء كانت الأسباب والعوامل الماثلة لها في الواقع سياسية واقتصادية، أو ثقافية واجتماعية، وأمنية وعسكرية، يأتي في مقدمة الأسباب الموقع الجغرافي الذي يثير غريزة وشهية القوى الطامعة في السيطرة على اليمن، وعدم وجود صيغة ملائمة ومتوفرة للحكم تدار من خلاله شؤون البلاد، وأزمة الشرعية لأنظمة الحكم المتعاقبة، وهشاشة النظام السياسي القائم، وغياب الهوية السياسية الجامعة، وطريقة الوصول غير المشروعة للحكم، وتتم بقوة الغلبة والسلطة الغاشمة والتأييد الخارجي.

وثمة أسباب كثيرة من أهمها وأبرزها التاريخ السياسي القريب في اليمن شماله وجنوبه، والتركيبة الاجتماعية، وانعدام الولاء الوطني، والارتهان السياسي للقوى الخارجية، وانعدام المساواة وغياب التوزيع العادل للسلطة والثروة. والتمثيل العصبوي الفئوي والمناطقي في مؤسسات الدولة وقطاعاتها المدنية والعسكرية، والأزمة السياسية بين السلطة والمعارضة، وتردي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدل البطالة، والصراع على السلطة والثروة بين أقطاب الحكم وحلفاؤه، وتوريث السلطة، واحتجاجات الجنوب، وحروب صعدة الست، وسقوط منظومة الحكم وتحالفاته أعقاب ثورة 11 فبراير 2011م، وفشل الانتقال السلمي والتحوّل السياسي، وتصاعد أعمال العنف والتفجيرات والاغتيالات السياسية، والانقسام الحاصل في مؤسسة الجيش والأمن، والخلاف والنزاع حول مسودة الدستور ونظام الأقاليم، وحدث الانقلاب العسكري في 21 سبتمبر 2014م، واستيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء، ونشر المليشيات المسلحة في المدن، وإعلانهم الحرب والتعبئة العامة في (5)، علاوة على مشاكل الحدود مع دول الجوار ومناورة الحوثيين على الحدود السعودية (6) .

 

ثانيًا: الأسباب الخارجية (إقليمية ودولية)

 لم تكن اليمن يوماً في معزل عن التأثر والتأثير في محيطها الجغرافي، فقد أدى موقعها الإستراتيجي (7) دوراً بارزاً في تطوّرها السياسي الداخلي، وحكم علاقاتها بدول الجوار وبالقوى الدولية الكبرى. كما مثل الموقع أحد الأسباب التي أدت لأن تكون البلاد ساحة للصراعات الدولية وتصفية الحسابات الإقليمية، والمجال الحيوّي لحروب الهيمنة وصراع المصالح والنفوذ والاستقطاب في المنطقة والعالم.

ووفقًا لماسبق من بيان حالة العلاقة والتأثر والتأثير، فإن للحرب الجارية في اليمن جذورها وأسبابها الإقليمية والدولية، من أهم وأبرز الأسباب على المستوى الإقليمي الطموحات المثيرة للقلق التي كان اليمن يرغب في الوصول إليها، والموقع الجغرافي والأهمية الجيوسياسية للموانئ والممرات التي تحكم مصالح القوى الإقليمية والدولية، وموجة رياح التغيير العربي، والمفاهيم السياسية الجديدة، والمتغيرات الجيوسياسية في عمق البحر الاحمر وشرق أفريقيا بما يحويه من ثروات وموانئ، واختلال حالة التوازن السياسية والاستقرار في المنطقة والعالم.

وثمة أسباب عدِّة للحرب، من أبرزها سباق التسلَّح النووي، وانتهاج حروب الهيمنة والسيطرة على الموارد والثروات ومقدرات الشعوب، وإذكاء وصناعة حروب الغير والمصالح (حروب بالوكالة)، وتدافع الاستراتيجيات والتحالفات في المنطقة والعالم الخارجي، والتحوّلات السياسية للدول الكبرى في التعامل مع الدول والأنظمة والحكومات في المنطقة، وصراع النفوذ والتقاسم متعدد الأقطاب في المنطقة والعالم الخارجي.

وتكمن الأسباب الجوهرية وأوضحها في السياق الإقليمي والدولي، في الأطماع الدولية الرامية الى السيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي، والجزر والموانئ، والثروات الطبيعية لليمن، التي منها النفط والغاز، والاستنفار الأمني الدولي لكثير من الدول في بناء القواعد العسكرية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وقيام اقتصاد الدول على مبيعات الأسلحة وأعمال التهريب والقرصنة في البحر، والمصالح والاستثمارات الأجنبية في القطاعات النفطية وغيرها داخل اليمن، وحاصل التهديدات الماثلة في باب المندب وعمق البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتعاظم أعمال القرصنة في الصومال والحاجة الماثلة لحماية الشركات العسكرية والاقتصادية، وإدارة الصراع عن طريق الحرب للوصول لأهداف أخرى، والأجندات الدولية الرامية الى إعادة تشكيل الخريطة السياسية اليمنية.

طبيعة الحرب:

دخلت الحرب اليمنية مرحلة مستعصية على الحل؛ فليس هناك في المستقبل المنظور حسم عسكري، وليست هناك إمكانية لتسوية سياسية تنهيها، أو حتى هدنة شاملة أو جزئية تخفف من حدتها. ويرجع أسباب ذلك إلى طبيعة الحرب، والتي هي خليط غير متوازن من الحرب الأهلية والحرب الدولية (8). فالصراع القائم في اليمن والعمليات العسكرية والمبادرات الديبلوماسية الجارية حاليًا ليست تعبيرًا عن صراع مستقل قائمًا بذاته، وإنما يمثل وجهًا من وجوه صراع مركب متعدد الأطراف، تتداخل فيه مصالح إيرانية وأمريكية وإسرائيلية وسعودية وإماراتية وقطرية تركية وأوربية. كما تتدخل في هذا الصراع عوامل طائفية وثقافية وسياسية (9).

 

أهداف وأبعاد الحرب:

وللحرب في اليمن أبعادها الأمنية والجيوسياسية، حيث تكمن مصالح إقليمية ودولية كبرى، تعد هذه المصالح سببًا رئيسيًا من أسباب الصراع الدائم في المنطقة، سواء كان هذا الصراع بين العرب وإسرائيل، والمسلمين مع الغرب والعرب والمسلمين مع بعضهم البعض؛ وهذا ما يفسر إلى حد كبير عدم استقرار هذه المنطقة منذ عقود، حيث تعتمد المصالح الدولية على إذكاء الصراعات بأشكالها المختلفة، لاستمرار تلك المصالح الإقليمية والدولية.

وتكمن أبعاد حرب اليمن، في سياقاتها الأمنية والجيوسياسية وجملة المعطيات والشواهد من أوضحها:

 

  • التحوّلات الجيوسياسية نحو عالم متعدد الأقطاب، في الماضي كان الشرق والغرب (الحرب الباردة)، وفي الحاضر المشرقين الروسي والصيني، والمغربين الأوروبي والأمريكي، والمستقبل المشارق والمغارب.
  • صعود فاعلين جدد مؤثرين في البيئة السياسية والأمنية المحلية والإقليمية (كحركات المقاومة وجماعات الهوية والجماهير العربية)، نتيجة لتراجع قوة الدولة القطرية العربية، وعدم قدرتها على ممارسة المهام المنوطة بها في البيئات الدولية والإقليمية والمحلية.
  • اختلال التوازنات الإقليمية والدولية، فالحرب والصراع الدائر في اليمن، وفقًا لكل المعطيات والشواهد تحركه قوتان إقليميتان هما المملكة العربية السعودية وإيران.
  • صراع الإرادات وتدافع الاستراتيجيات، وأنظمة مشاريع الحكم التي استثمرت في مشروع “تغيير النظام في العالم العربي”، لصالح مشروعاتها القطرية والدينية والمدنية الديمقراطية.
  • المتغيرات الجيوسياسية في البحر الاحمر وشرق أفريقيا بما يحويه من ثروات وموانئ وقدرة على التواصل مع البر الافريقي تزداد أهميته وثقله السياسي في رسم معالم المرحلة المقبلة؛ وصياغة علاقات الدول الاقتصادية والسياسية ومصالحها في الأمد المتوسط والبعيد.

 

 أطراف الحرب: (القوى الفاعلة والمؤثرة)

 ثمَّة تمظهرات عِدّة للحرب في اليمن، يعتبر المستوى الخارجي فيها أبرز المستويات الذي يزداد حدة في الصراع اليمني، وهي في حقيقتها وجوهرها اللعبة الكبرى في العالم اليوم، بفعل المصالح المتشابكة والمتباينة لأطراف وقوى عدة دولية وإقليمية ومحلية.

قوى وأطراف دولية:

تبدو الأطراف الدولية فاعلة بشكل رئيسي في بقاء الحرب، سواء بالدعم أو التجاهل على الأقل، فيما يصبح الدعم والتسليح العسكري أمراً حيوياً؛ واللافت فيها هو السيطرة الأمريكية الواضحة، على قرار الحرب في اليمن، سواء على صعيد انتهاج واشنطن أسلوب الضبط واستخدامه مع الحلفاء والخصوم في آن واحد، أو عن طريق ممارسة التأثير على القرار اليمني، والوضع العسكري في اليمن، من خلال عمليات التنسيق المشتركة مع التحالف أو عن طريق هجمات طائرات الدرونز (10).

 

وتملك كل من فرنسا وبريطانيا على المستوى الدولي نفوذاً سياسياً أكبر، خاصة وأنهما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، فقد استطاعت إلى جانب مبيعات الأسلحة من توظيف ثقلها السياسي في مجلس الأمن الدولي لاستصدار عدة قرارات أممية لصالح دول التحالف وحربها في اليمن (11)، وأرسلت باريس تعزيزات عسكرية ولوجستية إلى السواحل الشرقية والجنوبية لليمن. وهو الأمر الذي تم تفسيره حينها باستخدام دول التحالف لـ “باريس” لتأمين الغطاء السياسي الغربي المطلوب لمواقفها الإقليمية، يأتي ذلك في الوقت الذي تُجرى فيه تحركات سياسية مكثفة، داخل اليمن وفي محيطة الجغرافي والدولي (12).

 

قوى وأطراف إقليمية ومحلية:

يتفاوت دور وتأثير الأطراف الاقليمية في اليمن، وذلك باختلاف سلوك الفاعلين الإقليميين وكل طرف منهما من حيث لعب الدور والمكانة في المنطقة، بين كل من إيران والسعودية والامارات، فالسعودية التي كان لها المكانة الإقليمية صارت إثر موجة المتغيرّات والتحوّلات التي عصفت بالمنطقة، وفي ظلّ القيادة الحالية تضطلع بنفسها دون الاعتماد على وكلاء إقليميين وحلفاء رسميين ودون رسميين، على عكس التوجه الذي تسعى له كل من طهران وأبو ظبي في لعب وممارسة المكانة في الاعتماد على حلفاء ووكلاء لهما على نحو ما هو قائم حالياً في حرب اليمن؛ التي يتصاعد فيها دور وتأثير إيران والإمارات على حساب اليمن والسعودية .

ويتضاءل دور وتأثير القوى الإقليمية، مقارنة بدور وتأثير القوى الكبرى، الذي يتعاظم في حرب اليمن، ويعتبر حاكم وفاعل، ومؤثر على دور القوى والأطراف الإقليمية والمحلية وتأثيرها المتداخل والمتشابك، الذي قد يصعب تمييزه، ولكن نتيجته ماثلة في صعود نفوذ الوكلاء والأدوات في الداخل على حساب القوى الرئيسة؛ فالحكومة الشرعية ومعظم القوى الفعلية في اليمن معزولة عن دائرة القرار والتأثير، فيما الحوثيُّون الذين يحاربون كوكلاء لإيران يتحكّمون في الشمال، والمجلس الانتقالي والأحزمة الأمنية التابعة للإمارات تتحكم في الجنوب.

 

مصالح وأجندات:  

 تشهد اليمن في ظل الحرب الجارية حالة من تشابُك المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية، فالموقع الجغرافي والبيئة السياسية اليمنية، هي في الأساس، بيئة نشطة لكثير من الأطراف الاقليمية والدولية، بحكم جغرافيتها التي تتقاطع فيها المصالح الدولية، وترى أنه من المهم اللعب في هذه المساحة، ومن المهم أن يكون هناك تحرك وحضور، وعيون الجميع على البحر والممّرات الدولية.

ومن الواضح أن إطالة أمد الحرب قد خدم كل الأطراف بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوربية المصدّرة والمنتجة للسلاح بمختلف أنواعه، حيث أمكنها من إعادة تشكيل الفضاء المجتمعي والسياسي في اليمن، ضمن إطار منطقة الشرق الأوسط، علاوة على الأموال الطائلة المتأتية من بيع السلاح علاوة على رفع منسوب الضغط السياسي في وجه دول التحالف بفعل انتهاكات حقوق الانسان والتفاوض على ذلك لتحقيق مزيد من المكتسبات.

مصالح وأجندات القوى الكبرى

 تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط، وموقفها الثابت في المنطقة واليمن ليس على الضد من إيران بل في عودة قوية لها للمنطقة، يقودها في ذلك تحقيق جملة من الأهداف والمصالح من أهمها تثبيت الواقع الجيوستراتيجي، وتأمين خطوط الملاحة الدولية، وإنعاش اقتصادها الميت من خلال صفقات السلاح، والسيطرة على منفذ باب المندب كـ ممر بديل لـ هرمز، وجعل اليمن ساحة خلفية للحرب على ما يسمى الإرهاب والقاعدة و(داعش)، في حال فشلها في سوريا والعراق وليبيا، وفرض سيطرتها على حلفائها الغربيين، وتوسيع قواعدها العسكرية في المنطقة، والحفاظ على أمن ربيبتها إسرائيل (13).

وتبحث المملكة المتحدة عن طريق للعودة إلى مستعمراتها القديمة، من مدخل الحروب الأهلية، ومنها حرب اليمن، الذي تشترك وتتبادل فيه مع الولايات المتحدة الأمريكية نفس الدور والأهداف والمصالح، وثمة جهود بريطانية ونشاط قائم بهدف استعادة نفوذها في المنطقة، فللمملكة أطماعها الخاصة في اليمن، وتتمثل في فصل الجنوب عن الشمال وتقسيم اليمن، ضمن مشاريعها التفكيكية الأولى على مستوى المنطقة العربية، خلاف تقاطع مصالحها السياسية والاقتصادية مع دول التحالف العربي (14).

وتعد فرنسا من القوى الفاعلة في حرب اليمن، فقد وجدت باريس فيها سبيلاً لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية، والمجال الذي لا بد منه للتأثير في مدى أبعد من الخليج العربي والوصول إلى موارد جديدة، تعزز من نفوذها في المنطقة ومن تراجع دورها في أفريقيا، ومشروع إقامة قواعد بحرية في القارة السمراء.

 

   مصالح وأجندات الأطراف الإقليمية 

 تتبنى إيران استراتيجية واضحة في شأن الشرق الأوسط، تهدف إلى بناء ما يسميه الملالي في طهران “الشرق الأوسط الإسلامي” أو “منطقة الخليج الفارسي الكبير”. ويمثل “الشرق الأوسط الإسلامي” أو “الخليج الفارسي الكبير” من وجهة النظر الإيرانية النموذج السياسي الإيراني في صورته الإقليمية. من مشتقات هذه الاستراتيجية وأوضحها السيطرة على بعض الأماكن الإستراتيجية، فإيران لديها مخطط للسيطرة على الممرات البحرية والتجارية الإستراتيجية وتحكمهم فيها لأغراض تخدم مصالحها ومنها مضيق باب المندب والذي يعد شريانًا للملاحة والتجارة الدولية. وهذا ما يمثل تهديد للأمن القومي العربي، ومصالح الدول الإقليمية والدولية (15).

وتقف المملكة العربية السعودية على الضد من توجهات طهران، ولها استراتيجيتها الثابتة في لعب دور مهيمن في النظام الاقليمي الفرعي، تحمل في ظاهرها لواء زعامة ما يسمى العالم الاسلامي، وفي ثناياها وقف المد الشيعي الايراني، ومنع القوى الخارجية من تكوين أي قواعد للنفوذ في اليمن، التي لطالما شكلت عنصرًا مهمًا للأمن الداخلي السعودي، ومن هنا يأتي تفسير موقفها وحربها على القائمة اليمن، المتمثل في وجوب نزع سلاح الحوثيين وإعادة الحكم للسلطة الشرعية المعترف بها دوليًا وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2216.

وتسعى السعودية بدرجة أساسية في تأمين حدودها الجنوبية، ولديها طموحها في الحصول على متنفس على بحر العرب والمحيط الهندي لتصدير منتجاتها النفطية إلى الصين وآسيا شرقاً دون قلق من تهديدات إيران بالسيطرة على مضيق هرمز في الخليج العربي، وتعمل الرياض جاهدة الآن لإنشاء ميناء نفطي في المهرة على ساحل البحر العربي، وتحويل محافظة (خرخير) – الواقعة في منطقة نجران جنوبي السعودية – بإجلاء سكانها إلى مخزن للنفط الخام،  الذي يمكنها من مد أنبوب نفطي وإنشاء ميناء في المهرة بتكاليف أقل، وفي وقت قياسي مقارنة بميناء المكلا الذي كان ضمن استراتيجيتها القديمة (16).

وتعمل الإمارات على ترسيخ نفوذها وديمومته من خلال ضمان التأثير على صناع القرار في اليمن؛ فالسياسية الخارجية المتبعة لأبو ظبي في الوقت الراهن تكمن في الجمع بين الأهداف العسكرية والتجارية المتداخلة، بهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب الخاصة، وعلى نحو مطلق، بما يعزِّز طموحها السياسي، والاقتصادي، والعسكري، ودورها كقوة متنامية، ذات تطلع إقليمي، تسابق منافسيها نحو مرحلة جديدة (17).

ويتسم دور الأمارات بالنزوع نحو الهيمنة وغلبة الجانب الصراعي والتدخل الكثيف في الدول الأخرى من خلال التخطيط وتوفر الدعم والإسناد لإزاحة قوى وتيارات سياسية من السلطة وإحلال أخرى محلها كان حصيلة لتحوّلات مواتية في البيئة الإماراتية الداخلية بالتزامن مع تحوّلات في البيئتين الإقليمية والدولية، حيث يتركّز نفوذ الإمارات جغرافياً في جنوب اليمن، الذي يمكن أن تنطلق منه لتعزيز نفوذها الجيوسياسي المتنامي فيما وراء بحر العرب، حتى خليج السويس، وفي خليج عدن، وغربي المحيط الهندي (18) .

 

مصالح وأجندة القوى المحلية:

تسعى كافة الأطراف ومختلف القوى المحلية في اليمن، لأن تكون القوة الرئيسة الفاعلة الحاكمة في البلاد، فالحوثيُّون يسعون لإقامة جمهورية إسلامية في اليمن، تختلط فيها السلطة الزمنية بالسلطة الدينية في المرحلة الانتقالية تمهيدًا لتذويب السلطة الزمنية تدريجيًا في السلطة الدينية وذلك على غرار التجربة الإيرانية (مرحلة شهبور بختيار وأبو الحسن بني صدر) أو على غرار التجربة العراقية (سيطرة حزب الدعوة)، والحكومة الشرعية تسعى لاستعادة السلطة التي أسقطها الحوثيُّون. ويشترك في هذا الهدف الاستراتيجي عناصر وجماعات السلطة في النظام القديم التي أزاحها الحوثيُّون، بالإضافة إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي كان يرى في نفسه البديل لنظام الحكم الحالي في اليمن.

ويلقى مشروع الانفصال وإعادة بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية المستقلة رواجًا في الجنوب، ويحظى هذا التوجه بدعم خارجي متعدد الجهات والأطراف، المحلية والإقليمية والدولية، ويتصادم مع مشروع المحافظة على وحدة اليمن مع إصلاح النظام السياسي، الذي تدعمه وتتبنّاه معظم ومختلف القوى السياسية والدينية والمجتمعية في اليمن، ومعظم رجال المال والأعمال، ولكن على خلاف فيما بينها في التصوُّر والكيفية. ولكن هذا التوجه والمشروع الاستراتيجي يعاني من حالة تمزق سياسي ومن ضياع الإرادة الوطنية الجمعية، كما يواجه حالة مستعرة من الاستقطاب الحادة الإقليمية والدولية التي تغلَّب وتقدم مصالحها على مصلحة اليمن (19) .

 

الوضع السياسي والميداني:

تتصف الحياة السياسية اليمنية بالحضور الكثيف والتاريخي للقوى الخارجية، وقد زاد هذا الحضور منذ تفاقم الأزمة مطلع 2011م والتطوُّرات التي شهدتها اليمن في 2014م، واكتسب إطاراً قانونيّاً (قرارات مجلس الأمن الدولي)، ومؤسسيًا (الدول الراعية للمبادرة الخليجية)، إلى جانب دور الأمم المتحدة (23). تحوَّلت معه الأزمة اليمنية بكل مكوناتها وأبعادها المختلفة شأنًا إقليمياً ودوليًا أكثر منه محلي وداخلي، فقد صارت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالوضع العام السائد في المنطقة، ارتباطًا عضويًا، أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، أبرز صور هذا الارتباط ما يجري من تدويل وإطالة في عمر الأزمة.

فقد بدأت معظم الدوائر السياسية الغربية تصنف اليمن بحالة اللادولة stateless، والمنظور الغربي الرسمي وغير الرسمي بدا يتجه فعليًا نحو البعد الإنساني للحرب، وهذا تطور ينم عن وجود متغيرات، فاليمن في المحافل الدولية الغربية منها على وجه التحديد ليست أكثر من قضية إنسانية، ما يعني أن هناك ضمور واضمحلال للبعد السياسي على المستوى الخارجي والدولي في واقع الأزمة اليمنية.

على المستوى السياسي والعسكري، تعتبر الحكومة الشرعية مرتهنة ارتهانًا كليًا لخيارات التحالف، والحكومة لا تملك قررا ولاتبدي أي ممانعة، ومن يتخذ قرار الحرب ليس هو بالضرورة الذي يقرر نهايتها إذ تنتهي الحروب عادة بالتفاوض. وهذا يعني فساد الارتكان إلى ثنائية “الحل العسكري” في مقابل “الحل السياسي”، إذ الحل العسكري يجب أن يكون سياسيًا وفي نفس الوقت تسنده وتحميه القوة العسكرية. ومن ثمّ فإن الحل يجب ولابد وأن يكون شاملًا. والاحتراز من عدم الخلط بين “الحل الدبلوماسي” وبين “الحل السياسي” للأزمات المسلحة، فالدبلوماسية مثلها مثل الحرب تعد إحدى وسائل السياسة.

ورغم مراهنة السلطة الشرعية على الاعتراف الدولي بها، وتمسكّها بالمرجعيات الثلاث؛ المبادرة الخليجية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216، فإن ممارسات كل من الدولتين الرئيستين في التحالف العربي، قد أدت إلى إضعاف الحكومة الشرعية وهو ما ذهب إليه تقرير الخبراء المعني باليمن (20)؛ إذ سعت الإمارات إلى تشكيل نخب مسلحة في معظم المحافظات الجنوبية لا تخضع للحكومة الشرعية، وحاولت فرض وجود عسكري لها في جزيرة سقطرى.

سياسيًا لم يمثّل اتساع دائرة العداء للحركة الحوثية عامل قوة للحكومة الشرعية، خصوصًا بعد مقتل الرئيس السابق، علي عبد الله صالح؛ فجناح المؤتمر الشعبي العام الموالي له انقسم على نفسه بين مؤتمر الداخل الذي لا يملك من أمره شيئًا، ومؤتمر الخارج الذي لم يحسم قراره بتأييد السلطة الشرعية. وتواجه الحكومة الشرعية في الوقت نفسه تحديًا آخر في المحافظات الجنوبية يعوق وجودها في العاصمة المؤقتة، عدن، والذي يتمثل بتنامي نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات العربية المتحدة.

سياسيًا لا توجد مؤشرات قوية تؤكد حرص دول التحالف على دعم الحكومة الشرعية في ممارسة سيادتها على المحافظات المحررة، وتحديدًا المحافظات الجنوبية، يتجلى ذلك في عدم قدرة الحكومة على البقاء على نحو دائم في العاصمة المؤقتة، عدن. ولم تستطع الحكومة الشرعية اتخاذ موقف واضح سوى ما صدر عن رئيس الوزراء السابق، أحمد عبيد بن دغر، بعدم اعترافها بأي تشكيلات عسكرية خارج إطار وزارة الدفاع والأمن.

ورغم اقتراب قوات الحكومة الشرعية من معقل الحوثيّين في صعده شمالًا وتمكّن التحالف العربي من التمدد على الساحل الغربي في يونيو/حزيران 2018 م، والتقدم النسبي في الجبهات، فإن الحوثييّن مازالوا يحكمون سيطرتهم على المحافظات الشمالية الكثيفة السكان والوعرة التضاريس، وهو ما يمنحها ميزة نسبية.

وتمثل المتغيرّات السياسية وهيمنة المجتمع الدولي وسيطرته على قرار الحرب، ذات تأثير بشكل مباشر في مسار حرب اليمن وسير المعارك في الجبهات، فقد أدت جريمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي إلى انشغال السعودية بأزمتها الداخلية، ومواجهة الضغوط التي مورست عليها، ووقف معركة الحديدة والتحفظ عن بعض الجبهات، وإيقاف الدعم عن الجبهات الأخرى التي تشهد مواجهات متقطعة وتتوزع معظم مناطق ومحافظات اليمن، من أبرزها جبهة نِهم، شرقي صنعاء، وجبهة صرواح، غربي مأرب، وجبهات تعز التي تشهد مناوشات على أكثر من منطقة، بين أطراف المدينة وريفها والجزء الخاص بمناطق الساحل الغربي ومواقع حدودية مع محافظة لحج.

وفي الجنوب أيضًا هناك جبهة بيحان في محافظة شبوة، وهي من أبرز الجبهات التي تجري فيها المواجهات بشكل متقطع منذ أكثر من عامين، بالإضافة لجبهة مريس في الضالع، وجبهات أقل حِدة في محافظة إب والبيضاء، وسط اليمن، وجبهة الحدود المشتعلة في صعدة وصولاً إلى حجة الواقعة أقصى الشمال الغربي لليمن، التي تصدرت نهاية العام 2018م، وتطورات المعارك في الحديدة، وتقدم القوات اليمنية الموالية للشرعية في ميدي وحرض وأجزاء من مديريات أخرى في محافظة صعدة وحجة (21).

ويستميت الحوثيوُّن في معركة مدينة الحديدة بوصفها خطًا دفاعيًا أولَ لإبقاء سيطرتها على العاصمة صنعاء، وبما يمكّنهم من الاحتفاظ بموقف تفاوضي قوي في أي تسوية قادمة. وتراوح معركة الحديدة مكانها مع التحديات والفشل المرتقب لمشاورات السويد. ويعكس التأخير في حسم معركة الحديدة تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية المعنيّة بالصراع في اليمن، وهو ما سيؤثر في مسار الحرب والتسوية السياسية التي ستنهيها.

وتتوزع الجغرافيا اليمنية على تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات، وتسعى قوى سياسية وحزبية داخلية للسيطرة عليها، وهناك تشكيلات عسكرية ولاؤها لدولة الإمارات العربية المتحدة، كالأحزمة الأمنية وقوات النخب المشكّلة من أبناء المحافظات الجنوبية، وتشكيلات “المجلس الانتقالي الجنوبي”، و”قوات العمالقة” التي كان لها دور بارز وحاسم في إبعاد الحوثييّن عن الساحل الغربي لليمن. وتشاركها قوات بمسمى من أفراد الحرس الجمهوري بقيادة ابن شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وهذه الأخيرة لا تدين بالولاء للسلطة الشرعية. ولا تخضع جميع تلك التشكيلات لقيادة مشتركة وغرفة عمليات موحدة، وتبدو السلطة الشرعية مغيّبة عن سير العمليات العسكرية (22).

 

المبادرات والحلول السياسية:

تتمحور المبادرات الدبلوماسية المقدمة لحل الأزمة ووقف حرب اليمن، في مسارين: الأول، ويبدأ من اتخاذ قرار مجلس الأمن 2216 ومخرجات الحوار والمبادرة الخليجية أساسًا للانطلاق. وهذا المسار تتمسك به الحكومة الشرعية ومختلف فصائل المقاومة وتتبناه رسميًا دول المملكة العربية السعودية، وهو ما أكد عليه بيان مؤتمر الرياض. ويتضمن هذا المسار وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين وانسحاب الحوثيّين وقواتهم من المدن الرئيسية وتسليم السلاح للسلطة الشرعية، وبحث طرق تنفيذ قرارات الأمم المتحددة المتعلقة باليمن.

والمسار الثاني، يبدأ من وقف عمليات التحالف العربي وفك الحصار الجوي والبحري عن اليمن ووقف القتال من جانب جميع الأطراف بما في ذلك أعمال المقاومة وإعادة الحياة إلى طبيعتها في اليمن، وتشكيل حكومة انتقالية استعدادًا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في اليمن ومحاكمة من تسببوا في الحرب. ترعى هذا المسار طهران ويتبناه الحوثيوُّن، وتؤيده معظم الدول التي تدعو للحل السياسي ومنها الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة.

ومن الواضح أن المسارين يفترق كل واحد منهما عن الآخر منذ نقطة البداية، ويتمسك كل طرف بموقفه الذي تبناه على الرغم من أن المضي في تنفيذ أحدهما تبدو متعذرة وغير ممكنة على الأقل في الوقت الحالي، كما لم يترشح عن جولات التفاوض التي تمت أي مسارات وحلول أخرى، سوى مبادرات ملغومة تقدمت بها الولايات المتحدة وفق ما تريد ويحقق لها مصالحها؛ ويمكن القول بأن لكل طرف تقديراته وحساباته فالسعودية والإمارات مستفيدة من بقاء الساحة في اليمن مغلقة عليهما، والحوثيوُّن وإيران يستفيدون فيما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية تضييع الوقت”، لإعادة توزيع قواتهم وتموضعهم على الأرض وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية في مواجهة دول التحالف وقوات الحكومة الشرعية والمقاومة.

 

أفق مشاورات السويد:

تتزايد المخاوف في اليمن من احتمال انهيار التفاهمات التي جرى التوصل إليها بين الفرقاء اليمنيين في مشاورات السويد، التي فتحت الباب حول إمكانية وقف الحرب التي أخذت تفقد أي مبرر لاستمرارها. لكن أهداف اجتماعات السويد تبدو بعيدة تمامًا عن الواقع، ذلك أن نتائجها تسير وفق ما أراده الفاعلون وليس المجتمعون، فاتفاقات السلام الجزئية التكتيكية تبدو وكأنها ظلاً متقطعًا للحرب، لتعود مرة أخرى، وليس لانتهائها بل خفض وتيرتها وتدويل ميناء الحديدة.

 

والسقف المتوقع للمشاورات، هو أن تدفع باتجاه تنظيم الحرب وفقا للقانون الدولي، فالاهتمام الذي يبديه العالم الخارجي بـحرب اليمن لضمان إبطال خطورتها على المصالح الدولية والأمن الإقليمي والدولي، نتيجة ضعف إمكانيات الحل السياسي، وعدم التقدم في المفاوضات، فأغلب النقاط متعلقة بتحسين الوضع الإنساني والتوقف عن سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجتها أطراف الحرب ضد المدنيين. ما يعني أن المفاوضات تدور حول تحسين شروط الحرب لا حول إيقاف الحرب (23).

 

سيناريوهات ومآلات:

 من الصعوبة التكّهن بطبيعة مسار الحرب في اليمن الذي يزداد تعقيدًا، والسيناريوهات المحتملة والمتوقعة لها، إذ لا يبدو، في الوقت الراهن، أن اتفاقات السويد التي جاءت نتيجة للضغوط الدولية ستوصل إلى إنهاء الحرب المفروضة على اليمن، إلا أنها في الوقت نفسه تُعدّ خرقاً مهماً للأفق المسدود منذ اندلاع الحرب، فيما أبقى جهود السلام على مفترق الطرق.

وعطفًا على ما سبق من معطيات وشواهد يمكن تقدير مآلات الحرب، كما يمكن النظر إلى مستقبل عملية السلام في اليمن، من خلال السيناريوهات التالية:

 

  • السيناريو الأول: استمرار الحرب وإنتاج الحلول المؤقتة.
  • السيناريو الثاني: وقف الحرب بقرار أممي وضغط دولي.
  • السيناريو الثالث: التقسيم والتفتيت.

 

السيناريو الأول: (استمرار الحرب وإنتاج الحلول المؤقتة).

 يعكس هذا السيناريو استمرار المسار القائم مع تغيرّات محدودة وغير مؤثرة (المراوحة في ذات المكان). فاستمرار الحرب وبقاء الضغوط الميدانية وإنتاج الحلول المؤقتة، يبدو السيناريو الأرجح في المشهد والثابت عمليًا على أرض الواقع في المستوى المنظور، وعلى المدى المتوسط والبعيد، كما هو عليه الحال بعد الربيع العربي منذ المبادرة الخليجية و(اتفاق السلم والشراكة)، لكن إنتاج الحلول المؤقتة قد يؤدي إلى نشوب حرب أكبر مستقبلًا.

والضغط الأمريكي هو ما سيحدد بقاء هذا السيناريو، فإذا ما قررت الولايات المتحدة إيقاف العمليات العسكرية داخل اليمن، فمن الصعب أن نجد هذا الاستمرار الحقيقي للصراع والحرب على هذا النحو. لكن إذا فشلت في إيجاد حلول توافقية كماتريد هي، فمن المحتمل أن يستمر الصراع بهذا الشكل.

يستند هذا السيناريو إلى أن نواة الحل السياسي لم تتشكل بعد، ومعادلة صنع السلام في اليمن مازالت بعيدة المنال، ولم تنضج بعد نتيجة تراخي الدور الأممي وعدم توافر الظروف الملائمة لوقف الحرب. وما يفرض وقوع هذا السيناريو هو فشل مشاورات السويد في تثبيت الهدنة في الحديدة، وحالة السيولة للمصالح التي تجنيها الأطراف والقوى المحلية والإقليمية والدولية من وراء الحرب، والتصلّب والتشدَّد في المواقف والتمسك بالأهداف الاستراتيجية والمكاسب السياسية، والأبعاد الجيوسياسية للحرب.

وما يعزز فرضية سيناريو استمرار الحرب هو وجود حسابات ومصالح دولية وإقليمية متداخلة، تندرج تحت مشروع تقوده الإمارات والسعودية لإعادة تشكيل المنطقة على مستوى الهياكل، حيث نرى أن هناك انقلابًا على مستوى المرجعيات السياسية والفكرية والثقافية في المنطقة، وهو ما يرمي إلى تفكيك هياكل السلطة القائمة في اليمن، فالمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية تم تسليمها لأطراف وقوى جديدة.

ولكن استمرار الصراع بمثل هذه الصورة يخدم مصلحة إيران بشكل مباشر، ويرتد سلبًا على السعودية والوضع في اليمن. كما يوفر للإمارات مساحة أكبر من خلال السيطرة على موارد واقتصاد اليمن، وبناء حالة من التوافق المجتمعي، لصالحها، وشراء المواقف السياسية، وتعضيد وجودها وتثبيت نفوذها في اليمن قبل أي نهاية للحرب.

 

السيناريو الثاني: (وقف الحرب باتفاق أوقرار أممي وضغط دولي).

 يعكس هذا السيناريو بلوغ حالة من التأزم والتصعيد، وربما وصولاً إلى المواجهة. يكون التصعيد العسكري هو المسار السائد، وبشكل عنيف، خصوصًا في مدينة الحديدة، وتشهد اليمن، حالة من تصاعد المواجهات العسكرية الحاسمة بين الطرفين، يتخللها فترات من الهدوء دون التوصل إلى أي حل سلمي أو عسكري.

يستند هذا السيناريو إلى طبيعة الحرب وتعقيداتها وتأثيراتها على حركة الملاحة ومصالح الدول وارتداداتها على الأمن الإقليمي والعالمي، وإلى تفاقم الوضع الإنساني في اليمن، والمتوقع أن ينشأ في ظل هذه الحالة ضغط دولي وقرار أممي باتجاه وقف الحرب في اليمن سلمًا أوحربًا. وذلك من خلال مسارين وأحد احتمالين للضغوط، الأول: انسحاب التحالف وهزيمته في اليمن، والثاني: سقوط حكم الحوثيين، وهزيمة إيران في اليمن.

المسار الأول: انسحاب التحالف وهزيمته في اليمن.

وهذا المسار، يعتبر من أبرز السيناريوهات المتوقعة لوقف الحرب، نتيجة تزايد الضغوط الدولية والإقليمية على التحالف، الذي يهدف إلى وقف عملياته في اليمن، وبسبب ضغط أمريكي دولي، وهذا الأمر أصبح واقعًا إلى حد ما. فالولايات المتحدة الأمريكية أمهلت السعودية لفترة محددة. ولكن هذه المهلة انتهت مدتها واتضح أن الضغوطات التي مورست على التحالف نتيجة تعرض إدارة ترامب والحكومة البريطانية و”ماكرون” لضغوطات من قبل القوى السياسية المعارضة لإنهاء الدعم العسكري للتحالف في اليمن.

وقد يحدث الانسحاب نتيجة للضغوط السياسية والاقتصادية المتوالية (الضغط المالي) والكلفة الباهظة للحرب، فالسعودية تختنق ماليًا، ليس بسبب الحرب، بل نتيجة لأسباب وعوامل كثيرة، منها عدم استقرار الوضع الداخلي، وهو أمر مرشح مع تداعيات مقتل خاشقجي، وغيرها من القضايا التي تشهد فيها السعودية حالة انكماش إقليمي.

كما يحدث الانسحاب نتيجة نشوء وتشكل دولة للحوثييّن شمال اليمن، وهذا الأمر لم يعد مستحيلاً أن يكون الحوثيوُّن في اليمن على غرار حزب الله في لبنان، فقد تقدموا بعرض عبر الأمم المتحدة للقبول بحكومة مدنية لا يرأسونها، وفي حال حصل توافق أممي على بقاء السلاح في أيديدهم، فإنهم يشاكلون نموذج الحالة اللبنانية التي لا يتدخل فيها الحوثييّن سياسيًا بل عسكريًا عند حاجتهم لذلك، ووفق ما يحقق لهم مصالحهم.

وقد يحدث انسحاب شكلي للتحالف من اليمن، وذلك في أن يكون هناك نوع من التوافق تحت الطاولة بين الإمارات والحوثييَّن، يؤدي إلى انسحاب غير مباشر للإمارات من المناطق الواقعة تحت نفوذ الحوثييّن غرب اليمن، مقابل سيادة إماراتية على الموانئ في الحديدة الذي يترافق مع وقف السعودية للعمليات في اليمن، مع تعهد الحوثييّن بوقف استهداف السفن والموانئ واستخدام الصواريخ الباليستية والعمليات العسكرية على الحدود. وهو الوضع الذي قد يتناسب مع مصلحة الإمارات وإيران في اليمن.

والسيناريوهات المحتملة للضغوط تجاه دول التحالف هو تمكين طهران من التوصل عبر وكيلهم المحلي إلى التحكم بطرق تدفق النفط والتجارة العالمية وتطويق المملكة السعودية من الجنوب، ودفع الحوثييّن باتجاه السيطرة الكاملة على اليمن وإنشاء حكم كونفدرالي مع إيران، مع الحفاظ على حقوق الأقليات الأخرى.

 

 المسار الثاني: سقوط حكم الحوثيين، وهزيمة إيران في اليمن.

وسقوط حكم الحوثيين، وهزيمة إيران في اليمن، يعتبر من أبرز السيناريوهات المتوقعة، الذي قد يحدث نتيجة دعم أمريكي أكبر للتحالف، يسمح للسعودية بالتمدد شمالاً ورفع وتيرة عملياته العسكرية في اليمن، ومن خلال تزايد الضغوط الاقتصادية على إيران، ودفعها للتوقف عن دعم الحوثييّن، والانسحاب من ساحة اليمن؛ الأمر الذي قد يدفع الحوثييّن للسلام والهزيمة. وهذا الاحتمال يبدو ضعيف في الوقت الحالي، نظرًا لإخفاقات السعودية في استثمار لعبة التوازنات الدولية. والضغوط الاقتصادية قد تحدث شيء من هذا القبيل، لكن في ظل الظروف الحالية يبدو صعب، لكن إذا استمرت الضغوط وبدأت تؤتي الضغوط ثمارها على الاقتصاد الإيراني، فإن الوضع سيختلف تمامًا، فقد تصبح اليمن ضمن بطاقات التفاوض بين واشنطن وطهران.

كما قد يحدث هذا السيناريو نتيجة تراجع دور الحوثيين في اليمن وأداءهم العسكري، وعدم قدرة طهران على الاستفادة من الحوثيين في تعزيز موقفها التفاوضي، الأمر الذي قد يترشح عنه فقدان الحوثييّن للسند الخارجي ويدفعهم للقبول بدور سياسي للرئيس الانتقالي هادي أوشخص آخر بديلاً عنه، لرئاسة اليمن من الداخل، وقبولهم بإلقاء السلاح نظريًا. وهذا ما قد يحدث على المستوى الرسمي عن طريق ترحيبهم بذلك، مع تفكيك لمليشيا تهم، لكن يبقى هذا السلاح بشكل أو بآخر. وبالتالي: يكون هناك نوع من القبول بحكومة تميل إلى السعودية أكثر، ويكون دور الحوثييّن محصورًا في نطاق نفوذهم وتواجدهم الجغرافي، شمال اليمن، وهذا الاحتمال وارد وغير مستبعد، ولكن يتوقف على من يكون لديه الاستعداد في هذه الحالة لإجراء مفاوضات من تحت الطاولة بين السعودية وإيران بدرجة رئيسية.

وتوجد مؤشرات عديدة على إمكانية حدوث سقوط حكم الحوثيّين وهزيمة إيران في اليمن، وتتمثل في جنوح الجماعة إلى الاستفراد بالسلطة والنفوذ والاستحواذ، والسياسات القمعية المتبعة في التعامل مع المخالفين والخصوم والمعارضين لهم. وتصدّع بنية تحالف الحوثييّن مع حزب المؤتمر الشعبي العام، ودخول الحوثيّين في صراعات مُحتدّة مع القبائل في مناطق مختلفة من اليمن، وتطويق السعودية والقوات الحكومية لهم في صعدة والقوات المشتركة في الحديدة، وتفكك بنية معظم تحالفاتهم السياسية والمجتمعية في الداخل مع معظم الأطراف والقوى المحلية، ورغبة طهران في حلحلة ملف اليمن، ودفعها بوساطات متعددة من تحت الطاولة.

وما يعزز سيناريو سقوط حكم الحوثييّن، وهزيمة إيران في اليمن، هو أن استيلاء الحوثييّن على السلطة في صنعاء وصعودهم في المشهد اليمني فرضته عوامل ومؤثرات سياسية ورغبات إقليمية ودولية، وسوف ينتهي بانتهائها، وكون بقاء الحوثييّن لم يعد عسكري وإنما سياسي بالدرجة الأولى لأن القوى والأطراف المنخرطة في الحرب تنظر له كورقة وذريعة تستخدمه أما على المستوى العسكري فقد تم طحن قدراته وتدمير قوته العسكرية.

 

المسار الثالث: اتفاق دولي وتفاهم إقليمي ومحلي.

ويعكس هذا المسار حالة من الانفراج والتهدئة ونزع فتيل الأزمة والوصول إلى حلّ.

وتتوفر فرص للسلام في اليمن، من خلال إبرام وعقد اتفاق دولي، وإصدار قرار أممي ينص على وقف الأعمال الحربية في اليمن، بالتوازي مع حدوث تفاهم إقليمي ومحلي بين الأطراف على مختلف القضايا، يقضي بانسحاب التحالف، وتوقف إيران عن دعم الحوثييّن، مع تسليم الموانئ لقوات مراقبة دولية و بشكل مؤقت، وعقد هدنة لمدة قصيرة قابلة للتجديد، تكون الأولوية للإغاثة الانسانية، وإعادة النازحين، وإعمار البنية التحتية، ثم التمهيد لعقد انتخابات برقابة دولية ومن ثم اجراء استفتاء للشعب لتقرير مصير اليمن، سواء عن طريق تطبيق مخرجات الحوار الوطني، وقيام دولة اتحادية من ست أقاليم، أومن خلال إقليمين شمال وجنوب، وثلاثة أقاليم شمال ووسط وجنوب، بحيث تصبح تلك الأقاليم متمتعة باستقلالية في إدارة نفسها إداريًّا وسياسيًّا .

وهذا السيناريو من السيناريوهات المحتملة، الذي قد تتوقف من خلاله حرب اليمن، ولكن لا توجد مؤشرات على الأقل في الوقت الحالي لإمكانية حدوث هذا السيناريو، ويتوقف على تحقق السيناريو وسريانه شروط ليس من بينها انسحاب التحالف من اليمن، وتوقف طهران عن دعم الحوثييَّن؛ بل قد يحدث نتيجة تراجع دور أمريكا في المنطقة وتوقف الفاعلين واللاعبين الدوليين عن ممارسة اللعبة الكبرى، وإنتاج حروب الهيمنة وإذكاء صراع المصالح في المنطقة والعالم، وتجارة الأسلحة.

 

السيناريو الثالث: (التقسيم والتفتيت).

ويحضر سيناريو التقسيم، في ضوء التطوَّرات السياسية والميدانية الماثلة في تنامي دور فاعل من غير الدولة في العاصمة صنعاء وعدن، يضع اليمن للمرة الأولى منذ توحيد شطري البلاد عام 1990م، بين حكومتين، وعاصمتين، وهي خطوة إضافية في واقع تعززت فيه عوامل وصور التقسيم، فالقوات التي تسيطر على المحافظات الشمالية تابعة للحوثيّين والمحافظات الجنوبية تتألف من جنوبيين بشكل شبه كلي. وما يفرض تحقق سيناريو التقسيم هو استحالة عودة الدولة المركزية واليمن الموحد وتطبيع الأوضاع لماكانت عليه قبل الحرب، ورغبة قوى وأطراف عديدة في استمرار دورة الصراع والاقتتال الداخلي، وبقاء اليمن غير مستقرًا.

وهو السيناريو الذي يطرح نفسه بقوة في ظِلّ عدم القدرة على التوصل لحلول ترضي جميع الأطراف في اليمن، وتداخل الأبعاد الإقليمية والدولية في الأزمة، خصوصًا السعودية والإمارات وإيران، حيث تمانع الرياض من قيام دولة يقودها الحوثيّين الشيعة على حدودها، كما ترفض أبو ظبي العدول عن بسط نفوذها لتحقيق مصالحها، في الوقت الذي لن تتنازل فيه طهران عن نفوذها ومصالحها وفك ارتباطها بوكلائها في اليمن.

وفي ظِلّ الوضع القائم الذي يعزز خيار التقسيم، فإنه قد يتخذ عِدّة صيغ، فقد تؤدي الحرب إلى ولادة قسرية لـتطبيق خيار “الأقاليم”، التي تشجع السعودية والحكومة الشرعية على المضي بها وفقاً لخطة التحوّل من دولة بسيطة إلى دولة اتحادية جرى إقرارها في مؤتمر الحوار. غير أن حدود الأقاليم هنا قد تفرض عبر سيطرة الأطراف المتنازعة على الأجزاء المتفرقة. وفي حال توجه البلاد نحو التقسيم، فإن الحرب قد تستمر بصورة أو بأخرى، وقد يجري التوافق على تهدئة محكومة بالتوجه الدولي والإقليمي ونوايا الأطراف المحلية تجاه السلام.

وسيناريو تقسيم اليمن إلى عدة دويلات شمالية وجنوبية، وليس إلى شمال وجنوب، بات أمراً غير مستبعد، وإن كان لا يمكن تحديد الوقت المنتظر لذلك، فهو السيناريو الأوفر حظاً في المستقبل مالم تحدث مفاجآت داخلية أو إقليمية ودولية مستجدة، فالوقائع على الأرض وما يدور من كر وفر وتحركات سياسية مرتبكة، توحي بأن هناك مخطط لإقامة ونشوء دويلات ومناطق حكم ذاتي، ويمكن أن يزداد عددها في المستقبل طبقاً لتطورات الأحداث. وسيناريو التقسيم المتوقع هو السيناريو الذي يعني تقسيمًا بالمعنى العام. والتجزئة والتفتيت من أبرز ملامح السيناريو الذي تختلط فيه الاعتبارات الجيوسياسية والعشائرية والدينية المذهبية، ولكن هذا قد يتطلب وقتاً أطول لترسيخه. كما سيتطلب هذا السيناريو انخراط أطراف دولية في الصراع لمصلحة الأطراف المتصارعة محلياً وإقليمياً، وهو أمر غير متحقق ومستبعد حتى اللحظة، وممكن على المدى المتوسط والبعيد.

ختاماً: السيناريوهات كلها مبنية على الوقائع اليوم، وإذا حدثت أي متغيرات سياسية في المنطقة والإقليم، فسوف يكون له الأثر المباشر على هذه السيناريوهات.

 

الهوامش:

  1. ناصر المودع: الأزمة اليمنية في ضوء تمدد الحوثيين، الجذور والسيناريوهات المحتملة، مجلة دراسات شرق أوسطية، الأردن. 2015م.
  2. أنّها عبارة عن نزاع مسلّح بين فريقين من دولتين مختلفتين؛ إذ تُدافع فيها الدول المتحاربة عن مصالحها وأهدافها وحقوقها، ولا تكون الحرب إلّا بين الدول، أمّا النّزاع الذي يقع ين جماعتين من نفس الدولة، أو النزاع الذي يقوم به مجموعة من الأشخاص ضد دولة أجنبية ما، أو ثورة مجموعة من الأشخاص ضد حكومة الدولة التي يقيمون فيها، فلا يعد حرباً ولا علاقة للقانون الدولي به وإنما يخضع للقانون الجنائي، أما التعريف الحديث للحرب فقد تم توسيعه ليشتمل على أي نزاع مسلح ولو تم تتوافر فيه عناصر التعريف التقليدي من امتلاك الجماعة المسلحة لصفة الدولة، وإن كان النزاع قائم من قِبَل دولة لحسابها الخاص وليس لغرض جماعي، كما أصبحت النزاعات الأهلية التي تحدث في نفس الدولة تندرج تحت مسمى الحرب.[٢] ينظر: وهبة الزحيلي (2013)، آثار الحرب: دراسة فقهية مقارنة (الطبعة الخامسة)، دمشق، بيروت: دار الفكر، دار الفكر المعاصر، صفحة 45-49. بتصرف.
  3. فيصل علي: “اليمن والحرب الجيوسياسية”، الموقع بوست، إبريل 2016م. https://almawqeapost.net/news.php?id=7334&fbclid=IwAR39TwH3USLsYLQjqlLO0KoOwkXCRzjJsOXV4U2BpikizwoBnLwhcPzFyXk
  4. ينظر: سلمان العمَّاري: “اليمن من الثورة الشعبية إلى الحرب الأهلية”، مجلة البيان، العدد: 348، مايو 2016م.
  5. انظر: “اللجنة الثورية” للحوثيين تعلن التعبئة العامة، موقع العربي الجديد، عادل الأحمدي، في 21 مارس 2015م، على الرابط: https://www.alaraby.co.uk/politics/2015/3/21/%  . ينظر نص الإعلان والبيان في موقع الجماعة على الرابط: http://www.ansarollah.com/archives/8666
  6. انظر: تقرير مناورات عسكرية للحوثيين قرب الحدود مع السعودية، موقع فرنس 24، في 13 مارس 2015م، نص التقرير ويتضمن تصريحات المتحدث باسم الحوثيين، محمد عبدالسلام على الرابط: https://www.france24.com/ar/20150313
  7. تقع على الزاوية الجنوبية للجزيرة العربية، وتطل من جهة على القرن الإفريقي عند باب المندب الذي يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر؛ وتتواصل من جهة أخرى مع الجزيرة عبر الحدود المشتركة التي تربطها بالسعودية وعُمان. لذلك تبدو على تخوم الثروة النفطية، وتشرف في الوقت نفسه على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
  8. ينظر: ناصر المودع: ” الحرب الهجينة في اليمن، تتعقد مساراتها وفرص تسويتها”، القدس العربي، ديسمبر 2018م. على الرابط: https://www.alquds.co.uk
  9. ينظر: إبراهيم نوار، صراع الحرب والدبلوماسية وسيناريوهات حل الأزمة في اليمن: آفاق سياسية – المركز العربي للبحوث والدراسات – مصر، أغسطس 2015م.
  10. انظر: بول بيلر، جرائم الحرب في اليمن، موقع لوب، لوغ في سبتمبر 2018م، على الرابط: https://lobelog.com/war-crimes-in-yemen/
  11. ينظر: إسماعيل أبو جلال: “بريطانيا والملف اليمني التفكيك وإدارة الصراع”، موقع العربي، ديسمبر 2018م، على الرابط: https://www.al-arabi.com/Read/28949.
  12. ينظر: فارس الجلال: “فرنسا تعزّز أسطولها في اليمن لحماية مصالحها”، العربي الجديد، فبراير 2015م. على الرابط: https://www.alaraby.co.uk/politics/2015/2/6/
  13. ينظر: الصحافة الألمانية، “لماذا تتجاهل وسائل الإعلام العالمية حرب اليمن”؟ شبكة رؤية ديسمبر ٢٠١٨م.http://www.roayahnews.com/translations/2018/12/11/721/
  14. معاذ منصر: ” بريطانيا في اليمن بين إنجاح جريفيث والعودة للبحار الدافئة”، نوفمبر 2018 م. على الرابط: https://www.al-arabi.com/Read/27735
  15. ينظر: إبراهيم نوار، صراع الحرب والدبلوماسية وسيناريوهات حل الأزمة في اليمن: آفاق سياسية – المركز العربي للبحوث والدراسات – مصر، أغسطس 2015م.
  16. ينظر: تقرير أبعاد “عاصفة الحزم في عامها الرابع.. هل يريد الخليج الانتصار على إيران أم لديه أطماع في اليمن؟ تقرير مركز أبعاد الاستراتيجي، إبريل 2018م. على الرابط: http://www.abaadstudies.org/news-59778.html
  17. ينظر: إليونورا أردماني: “تشابُك المصالح الأمنية والاقتصادية للإمارات في اليمن”، موقع صدى، تحاليل عن الشرق الأوسط، في يوليو 2018م، على الرابط: https://carnegieendowment.org/sada/76877
  18. ينظر: وتقرير مركز أبعاد: “النفوذ الإماراتي في اليمن.. المرتكزات والحصاد”، تقرير أغسطس 2018م، على الرابط: http://abaadstudies.org/news.php?id=59790
  19. ينظر (بتصرف): إبراهيم نوار، صراع الحرب والدبلوماسية وسيناريوهات حل الأزمة في اليمن: آفاق سياسية – المركز العربي للبحوث والدراسات – مصر، أغسطس 2015م.
  20. ينظر: “التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن”، مجلس الأمن، 26 / 1/ 2018م، شوهد في 18 / 10 / 2018 م، على الرابط: https://goo.gl/ZbQagw
  21. ينظر: جبهات الحرب الداخلية في اليمن 2018.. مد وجزر تبعا لعوامل عديدة، الموقع بوست، في يناير 2019م، على الرابط: https://almawqeapost.net/reports/37203
  22. ينظر: عدنان ياسين المقطري: “مآلات التدخل العسكري في اليمن وانسداد أفق المفاوضات”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أكتوبر 2018م. على الرابط: https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/The-Outcomes-of-Military-Intervention-in-Yemen-and-Obstacles-to-Negotiation.aspx
  23. ينظر: هل سقط اتفاق ستوكهولم في اليمن؟ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أكتوبر 2018م. على الرابط: https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/Has-the-Stockholm-Agreement-Collapsed-in-Yemen.aspx

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق