حدث ورؤية

تمرد الساحل السوري

 تحركات فلول النظام وتدخلات خارجية ودروس مستفادة

ماذا حدث في الساحل؟

شنت مجموعات من فلول نظام الأسد في الساحل السوري هجمات دامية استهدفت قوى الأمن العام، وعناصر وزارة الدفاع السورية، إضافة إلى مدنيين، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا، ورغم أن هذه الاعتداءات لم تكن الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، إلا أنها اتسمت بكونها الأشد عنفًا والأكثر تنسيقا والأوسع انتشارًا من الناحية الجغرافية حتى الآن.

بدأت الأحداث مع تكثيف التحركات الأمنية الرامية لملاحقة بعض شخصيات عسكرية من فلول النظام السابق، حيث تعرضت قوة تابعة لقوات الأمن العام السورية لكمين محكم أثناء مغادرتها قرية بيت عانا في ريف اللاذقية، غرب البلاد، هذا الهجوم العنيف أودى بحياة نحو 16 عنصرًا من القوات الأمنية، ما أشعل اشتباكات واسعة امتدت إلى المناطق المحيطة، وقد برزت هذه المواجهات كأول صدام دموي بين قوات الأمن وفلول النظام السابق، الذين رفعوا السلاح في منطقة الساحل السوري، ولا سيما في طرطوس واللاذقية.

أكثر من 300 فرد من جهاز الأمن والجيش والأطباء والممرضين والمسافرين المدنيين قتلوا جراء تلك العمليات التي نفذها فلول النظام البائد رغم أن الدولة عملت منذ اليوم الأول لسقوط النظام، على التوسع في العفو العام عن أبناء الطائفة العلوية في الجيش وباقي الطوائف، ثم أجرت تسوية في طرطوس واللاذقية وجبلة لكل العساكر والضباط ومنحتهم أوراق تسوية.

ورغم تراجع حدة الاشتباكات وانحسار نطاقها مؤخرًا، فإن الأحداث الأخيرة تبرز مؤشرات بالغة الخطورة تستدعي من الدولة السورية التعامل معها بجدية، واتخاذ خطوات عملية لدعم استقرار منطقة الساحل، باعتبار ذلك جزءًا أساسياً من خارطة الطريق نحو استقرار سوريا برمتها.

اشتباك إقليمي معقد حول سوريا وتخادم إيراني-إسرائيلي

سبق أحداث الساحل السوري اشتباك إقليمي معقد حول سوريا، حيث تصاعد السجال بين تركيا المؤيدة للحكم الجديد وبين إيران، إضافة إلى عدوان “إسرائيل” التي تسعى للتوسع في الأراضي السورية على حساب السلطة المركزية في سوريا، مما يشي بوجود ملامح تخادم لتقارب المصالح بين إيران وإسرائيل في سوريا، حيث يسعى كلا الطرفين لتحقيق أهداف مشتركة تتعلق بتقسيم البلاد ودعم الحركات الانفصالية للأقليات فيها.

ومن يراقب بعناية لجان وإعلام إيران وأذرعها العسكرية، مثل ميليشيات الحشد الشيعي العراقي وحزب الله اللبناني، بالإضافة إلى الإعلام الإسرائيلي، يمكنه بسهولة ملاحظة تقارب المصالح والأهداف بين الجانبين، حيث يتقاطع اهتمامهما في إضعاف السلطة المركزية في سوريا وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ طائفية وعرقية.

وتتداخل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي دفعت نحو تفجر معارك الساحل السوري وعودة المواجهات بين فلول النظام المخلوع وقوات الحكومة الجديدة، في انعكاس واضح لحجم التحديات والمخاطر التي تحيط بسوريا واستقرارها بعد ثلاثة أشهر من الإطاحة بنظام بشار الأسد.

من جانبها تؤكد السلطات السورية أن الهجوم الذي بدأ منذ أيام يأتي في إطار مخطط كان يجري العمل عليه منذ فترة من قِبل فلول النظام المخلوع، بدعم من أطراف خارجية، وقد برزت أسماء قيادات في النظام المخلوع كأطراف أساسية في إشعال هذا الصراع وقيادته، ومنها تلك التابعة للعقيد السابق في جيش النظام، سهيل الحسن في اللاذقية.

بالطبع لا يمكن إغفال السرديات المتداولة حول مخطط في الساحل السوري لإشعال الأوضاع، خصوصاً بعد عودة غياث دلا، أحد قادة “الفرقة الرابعة”، وإعلانه عن تشكيل “المجلس العسكري لتحرير سوريا” وتنسيقه مع قيادات من جيش النظام السابق، وفي هذا السياق، توجهت أصابع الاتهام إلى إيران وأطراف أخرى بدعم هذه الأحداث بهدف إرباك الحكم الحالي وخلق عقبات أمام تثبيت سلطته، هناك أيضاً مخاوف من أن هذه الهجمات قد تؤدي إلى تأجيج حالة التمرد في باقي المناطق، خاصة في جنوبي البلاد بدعم من الاحتلال الصهيوني.

هذا السياق من تعدد العوامل المركبة، يُطرح معه تساؤل مهم:
هل كان فلول نظام الأسد، والذين تلقوا دعماً من أطراف خارجية، على علم بالجهود الجارية لإبرام اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)؟
وهل سعى هؤلاء إلى قطع الطريق على هذا المسار، فيكون هذا دافعا إضافيا أسهم في اختيار توقيت التمرد؟

الأخبار المفبركة حول الساحل السوري

في ظل هذه الأحداث المتصاعدة تزايدت الأخبار المفبركة المغلوطة حول أحداث الساحل السوري، التي تداولتها بشكل واسع منصات التواصل الاجتماعي، حيث استخدمت بعض الجهات العلوية الطائفية هذه الأخبار بهدف تضخيم الأحداث وزعزعة استقرار المنطقة، مما جعل من الضروري التحقق من صحة الصور والفيديوهات المتداولة فالكثير من هذه المواد لا تعكس الواقع، بل تُستَخدم لتحقيق أهداف سياسية وميدانية غير خافية.

تدخلات أجنبية محتملة تحت ستار حماية الأقليات:

في ظل التصعيد المستمر للأحداث في سوريا، جاء طلب الولايات المتحدة وروسيا من مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع مغلق لبحث تصاعد ما سموه “العنف” في سوريا كخطوة أولية قد تمهد لاحتمالات بداية التدخلات الأجنبية في الشأن السوري.

في هذا السياق، وافق مجلس الأمن الدولي على البيان المشترك الذي أعدته كل من الولايات المتحدة وروسيا، والذي أدان أعمال العنف في سوريا، مشيرًا إلى وقوع ” أعمال قتل جماعي للمدنيين وخاصة في صفوف الطائفة العلوية” دون ذكر لضحايا قوات الأمن العام، وهي صياغة تشوش على صورة الحكومة السورية الجديدة ما قد يمهد الطريق لفرض ضغوط سياسية عليها فيما بعد من قبل كل من أمريكا وروسيا.

هذه التحركات الأخيرة من كلا البلدين قد تحمل في طياتها أجندات تسعى لتحقيق أهداف استراتيجية على الأرض السورية، بحجة حماية الأقليات، فروسيا قد تروج لضرورة حماية الطائفة العلوية في الساحل السوري، بينما تدعي الولايات المتحدة اهتمامها بحماية المسيحيين، خاصة مع تصاعد مزاعم اضطهاد المسيحيين في وسائل الإعلام الأمريكية بشكل متزايد مؤخرًا، هذه التصريحات قد تفتح الباب لتدخلات جديدة تحت ستار حماية الأقليات.

دروس وفوائد من تمرد الساحل السوري

إن المعركة التي خاضتها قوات وزارة الدفاع السورية، والتي انتهت بقمع التمرد، لم تخل من دروس هامة وفوائد استراتيجيه.

أولها أن الرسالة التي وجّهتها هذه المعركة لجميع أبناء سوريا الحرة، هي أن معركة استعادة الدولة من قبضة آل الأسد وفلولهم لم تنته بعد وأن الثورة عليه مازالت مستمرة، ورغم التقدم المحرز، فإن الخطر ما يزال قائمًا، والمسؤولية الأمنية والعسكرية تبقى على رأس الأولويات لأنها الأساس الذي سيبنى عليه كل شيء في المرحلة المقبلة.

كما أظهرت الحادثة أهمية اليقظة المستمرة للمؤسسة العسكرية والأمنية في سوريا الجديدة، إذ يجب ألا يغيب عن الأذهان أن المتآمرين لن يستسلموا بسهولة، والمواجهة معهم ستتطلب المزيد من الحسم وعدم الاسترخاء.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى قرار الحكومة بتشكيل لجنة تقصي الحقائق للمحاسبة عن أي تجاوزات، وهو أمر من الطبيعي _على كل حال_ أن يحدث في مرحلة التأسيس، ولا غرابة معه في ظل حالة تمرد مناطقية طائفية، خصوصًا عندما تكون الدولة في مرحلة الانتقال من الحالة الفصائلية إلى حالة بناء المؤسسات.

ومن الدروس الأخرى المستفادة أن الثورة بحاجة إلى فرض هيبتها بشكل حاسم، خاصة في التعامل مع فلول عناصر جيش النظام السابق، فالتسويات السريعة أو العفو عن المتمردين في بعض المناطق كانت خطوة فيها توسع وتحتاج إلى مراجعة، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام تكرار مثل هذه المحاولات.

من الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة في الساحل السوري أهمية إعطاء اهتمام أكبر لهذه المنطقة، فقد أدت عمليات تسريح أعداد من الموظفين هناك لإحداث أثر كبير على الطبقات الاجتماعية ذات الدخل المحدود، في الوقت الذي يمكن استغلال هذا الوضع من فلول النظام عبر تقديم إغراءات مالية، مما يسهل توظيف هذه الفئة في أجندات طائفية.

وفي الختام، من المتوقع أن يؤدي الحدث إلى توجه الإدارة السورية نحو تعزيز التحالفات العسكرية، خصوصًا مع تركيا، في ظل التهديدات الخارجية فإضعاف سوريا وتفتيتها هو هدف تشاركي عند قوى مثل إسرائيل وإيران وحزب الله، وحيث لا يمكن لسوريا الجديدة بعد 12 عامًا من الحرب أن تواجه هذا التحديات المركبة وحدها؛ لذلك قد نرى تسريع التوقيع على اتفاقيات الدفاع مع تركيا، خاصة وأن هذه التطورات الحالية قد تكون مجرد موجة أولى، وقد يعقبها المزيد من الموجات لإرباك سوريا، ولمنع قيادتها من مقتضيات إعادة بناء سوريا الجديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى