حدث ورؤية

عالم الإمكانية والمكانة في مصر بين الاستمرار والاهتزاز

تعيش مصر لحظة تاريخية دقيقة تعكس تداخل الإمكانيات الكامنة مع التحديات العميقة التي تهدد مكانتها ودورها الإقليمي، فبين استمرار النظام الحالي في سياسات الإقصاء والاستبداد، وظهور إشارات متفرقة على كسر حاجز الخوف بين الشباب والشارع، تبدو مصر وكأنها تتأرجح بين الاستمرار في الانحدار أو فتح نافذة تاريخية للتغيير.

ولعل الحادثة الأخيرة لشباب المعصرة الذين تمكنوا من حبس ضباط الأمن الوطني داخل أحد الأقسام لساعات كانت مؤشرًا رمزيًّا على بداية انكسار حاجز الرهبة من الدولة البوليسية، تلك الدولة التي بنت شرعيتها على القمع وتوظيف أجهزة الأمن لا لضبط الجريمة بل لقمع المجال السياسي والاجتماعي.

وهنا يبرز سؤال الفاعل السياسي القادر على تحويل تلك الشروخ إلى مسار تغيير حقيقي؛ فعبر المحطات التاريخية الوطنية المتتالية وحتى قيام ثورة يناير كان التيار الإسلامي هو القوة الأكثر تأثيرًا مقارنة بغيره، بفضل قاعدته الجماهيرية الواسعة وقدرته التنظيمية التي مكنته من قيادة الشارع أو التأثير فيه بدرجات متفاوتة، بينما عجزت التيارات المدنية والليبرالية واليسارية عن بناء جذور اجتماعية ممتدة أو شبكات فاعلة بالقدر نفسه، ثم هو يعاني الآن من صنوف القمع الأمني، هذا الخلل في ميزان القوى السياسية جعل المشهد هشًّا، وفتح الباب أمام النظام بعد 2013 لإحكام قبضته والقضاء على المجال العام بأسره، لا على تيار بعينه فحسب.

أولاً: مكانة مصر بحسب ثوابت الجغرافيا والتاريخ:

تعكس الجغرافيا والتاريخ المصري، ثوابت استراتيجية حاسمة تملي على القاهرة مسؤولية لا يمكن التهرب منها تجاه عمقها الحيوي الممتد إلى السودان وليبيا والشام، فالأمن القومي المصري ارتبط منذ القدم بشكل وثيق باستقرار الخرطوم وطرابلس ودمشق، حيث لم يكن أي تهديد لهذه العواصم إلا ويمس مباشرة بأمن القاهرة القومي، ومع ذلك، فقد شهدت المرحلة المعاصرة تحولات جذرية أدت إلى تفريغ هذا المجال الجغرافي الاستراتيجي من محتواه العملي، بفعل السياسات الخارجية للنظام المصري الحالي.

ففي السودان، غابت مصر عن إدارة الأزمة الحاصلة، بينما تمدد النفوذ الإماراتي والروسي وغيرهما في الواقع السوداني.

وفي ليبيا، تحولت مصر إلى لاعب ثانوي بعدما كانت صاحبة الكلمة الفصل وسط انقسام الشرق والغرب الليبي.

وفي سوريا، انسحبت مصر على مدى أكثر من عقد من الزمان من معادلة الصراع بها وتركته لإيران ثم لتركيا.

وفي المشهد الفلسطيني لا حضور لها إلا كوسيط شكلي ضعيف ضاغط على المقاومة محاصر لأهل غزة، لتكشف هذه المعطيات كلها، عن فجوة استراتيجية كبيرة بين ثوابت التاريخ والجغرافيا وبين الأداء السياسي الحالي.

 

ثانيًا: فقدان أوراق القوة القومية:

من جهة أخرى فقد فقدت مصر خلال العقد الأخير مجموعة من أوراق القوة القومية الحيوية التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأمنه القومي واستقراره الداخلي والخارجي، ففي قضية تيران وصنافير، حصل تنازل عن السيادة في مشهد مهين أثار غضبًا شعبيًّا واسعًا، وأضر بكرامة الدولة قبل أن يمس جغرافيتها الاستراتيجية، مما أضعف موقف مصر على الصعيد الإقليمي والدولي، أما في ملف نهر النيل، فقد عجزت مصر عن الدفاع بفعالية عن الحقوق التاريخية لمصر في مواجهة مشروع سد النهضة الإثيوبي، المشروع الذي يشكل تهديدًا مباشرًا لوجود مصر، حيث يمس مصادر المياه والزراعة والأمن الغذائي، ويطرح تحديات كبرى أمام مستقبل الأمن القومي المصري.

وتشير هذه التنازلات جميعًا إلى أن الأمر لا يقتصر على أخطاء تكتيكية عابرة، بل يعكس سياسات متعمدة أسهمت في تقليص الاستقلالية، وفقدان القدرة على حماية المصالح الاستراتيجية، وهو ما ينعكس سلبًا على دور مصر الإقليمي وثقلها السياسي، ومن هذا المنطلق، يبدو أن هذه العوامل ترجح العمل على استنقاذ مصر من هذه الأيدي التي تبدو غير أمينة على أمنها، من أجل إعادة وضع سياساتها على أسس تضمن حماية مصالحها الحيوية، واستعادة استقلاليتها وقدرتها على الدفاع عن أمنها القومي ومكانتها.

ثالثًا: تراجع الدور المصري أمام الخليج:

على الصعيد العربي تراجعت مكانة مصر أمام الخليج بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، فقد كانت مصر تاريخيًّا تُعتبر المركز الذي لا يمكن تجاوزه في التوازنات العربية والإقليمية، حيث لعبت دورًا محوريًّا في صياغة القرارات العربية، وكان تأثيرها السياسي ممتدًّا من المحيط إلى الخليج.

إلا أن التحولات الراهنة أعادت تشكيل المشهد الإقليمي، بحيث باتت دول الخليج، وخصوصًا الإمارات والسعودية، تسعى إلى الهيمنة على القرار العربي، ليس فقط عبر القوة الاقتصادية والنفطية، بل من خلال محاولة التحكم في سياسات مصر الداخلية والخارجية، وفي هذا الإطار، وجدت الحكومة المصرية نفسها في موقف تابع لهذه القوى، حيث لجأت إلى بيع موانئها ومطاراتها وأراضيها، مقابل الحصول على دعم سياسي واقتصادي مؤقت، ونتيجة لذلك، تراجعت مصر تدريجيًّا من موقعها كدولة عربية مركزية وفاعلة إلى موقع دولة هامشية تابعة، وفقدت المكانة المتميزة التي كانت تتمتع بها خلال القرن الماضي، مما يعكس أزمة استراتيجية حقيقية في قدرتها على حماية مصالحها القومية والحفاظ على وزنها الإقليمي.

رابعًا: ملف غزة وغياب الدور المصري منذ 7 أكتوبر:

كشف الوضع الفلسطيني عبر تاريخه، ولا سيما في غزة، أن أي حل حقيقي لقضية فلسطين ينبغي يبدأ من القاهرة، لكن مع التراجع المصري الذي سبق معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 ظهر بجلاء غياب الدور المصري وتآكل وزنه الإقليمي.

فقد تقزمت مصر كثيرًا وتحولت إلى نظام يشارك في الحصار ويخضع لإرادة الاحتلال في إدارة معبر رفح، فيغلقه أو يفتحه بقرار إسرائيلي لا بقرار مصري مستقل، هذا التحول جعل مصر مجرد وسيط شكلي هامشي بجوار قطر وتركيا، ولم يعد يُنظر إليها كدولة ذات رؤية استراتيجية أو قدرة على التأثير، بل باعتبارها “دولة منزوعة الفاعلية”.

ومع تراجع مكانة مصر بشكل مستمر في هذا الملف، تلوح أخطر السيناريوهات في مشروع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وفي حالة نجاح مثل هذا المشروع ستتحوّل سيناء إلى ساحة صراع مفتوح وهو ما تخشاه القاهرة، وينسجم مع المخططات الإسرائيلية، وهو ما يعني أن التغيير في القاهرة ليس فقط شأنًا داخليًّا، بل شرط أساسي لازم لحماية مصر واستعادة دورها الطبيعي تجاه عمقها الفلسطيني.

خامسًا: انكسار حاجز الخوف وملكية التغيير:

منذ أحداث 2013 والتي سيطر فيها عبد الفتاح السيسي بالقوة على الحكم، تحولت مصر إلى نموذج مكتمل للدولة البوليسية، حيث اختُزلت أدوات السلطة في يد الأجهزة الأمنية، وغابت السياسة بمعناها الحقيقي، وسادت في البلاد ثقافة الخوف والقمع، حيث أصبح صوت المواطن خاضعًا للرقابة، وتراجعت الحريات إلى أدنى مستوياتها، لتصبح الدولة خاضعة بالكامل لتحكم الأجهزة الأمنية وسلطتها المطلقة.

حادثة المعصرة الأخيرة تعكس بوضوح كيف أن الأجيال الجديدة لم تعد تتحمل المزيد مهما كلفها ذلك من تضحيات، وباتت ترى أن التغيير ملك لها، وأنها مسؤولة عن واقعها، ولم يعد كثير من شبابها “البسيط” يقف في موقع المتفرج؛ بل أخذ يشعر بامتلاك زمام المبادرة، حتى ولو على مستوى رمزي محدود.

هذه اللحظة تعيد للأذهان دروس يناير 2011 حين أصبح الخوف مادة قابلة للكسر، ومعه تسقط أساطير القوة التي تبنيها النظم المستبدة حول نفسها، من هنا فإن انكسار حاجز الخوف في هذا الحادث ليس عابرًا، بل هو مؤشر إلى إمكانية إعادة بناء فعل جمعي أوسع في المستقبل.

خاتمة:

إن مصر اليوم تقف عند مفترق طرق بين الاستمرار في مسار الاهتزاز والانحدار، أو استعادة إمكانياتها التاريخية والمكانة التي فرضتها الجغرافيا والتاريخ، وكسر حاجز الخوف مؤشر على إمكانية التغيير، لكنه يحتاج إلى مشروع جامع يتبنى قضية تحرير الإرادة الشعبية واستعادة المكانة الإقليمية، فالحل في غزة لن يبدأ إلا من القاهرة، ومكانة مصر لن تعود إلا حين يكون أمنها القومي مرتبطًا بعمقها العربي، وتدرك أن التنازلات الخارجية لم تجلب سوى الضعف المتتالي.

إن اللحظة الراهنة بلا شك تشكل مفصلًا تاريخيًّا قد يعيد رسم خريطة مصر الاستراتيجية، بين أن تكون دولة فاعلة وقادرة على حماية مصالحها وأمنها القومي على يد المخلصين من أبنائها، أو أن تبقى أسيرة الاهتزاز والانزلاق خلف مصالح خارجية وضغوط إقليمية ودولية تهدد استقلالها وسيادتها!

زر الذهاب إلى الأعلى