إصداراتتقاريرتقاريرمراجعات

مع عالم الأفكار  … في الثمرة والاستثمار

 

العلاقة بين الفكر والحركة، أو بين الفكر والفعل تبقى هي الجدلية في كثير من إسهاماتنا الفكرية في عالمنا العربي والإسلامي، وما كان انشغال المفكرين وتوجيه همهم في التنظير إلا بقدر استهدافهم تفعيل هذه الأفكار في واقع الناس؛ لتكون مرجعاً في بناء الوعي الذي يحيلها إلى سلوك تتمثل به حركات الإنسان وسكناته، والحاجة في ظننا ماسة لحل معضلة الانفصام بين الفكر والحركة وجعلها في أعلى سلم الأولويات، ولعل من إصابات العقل المسلم اليوم هذا التنازع -على الأغلب بلسان الحال لا بلسان المقال- بين الفكر والفعل، وكأنك في حالة من الاختيار الإجباري في سياق هذا التقابل (إما الفكر وإما الحركة)، والمطلوب إثباته اليوم تأكيداً وتذكيراً لا تأسيساً هو الجمع بينهما.

إن قوة الأفكار والوعي النقدي بها لا يرقيان بالأمة كثيراً ما لم تتمكن من إحداث تغييرات نفسية واجتماعية واقتصادية، فالفكر يجد نفسه متأزماً ما لم يمده الواقع بنماذج مثيرة، وما لم يستحثه على الإبداع، ويطالبه بتجديد نفسه[1]، وكل هذا الذي نقصده لا يخرج عن دائرة الإمكان التي يسع الناس التحقق بها، وإنما يتطلب ذلك وصلاً بين الفكر والحركة.

والسؤال المركزي والمحوري الذي يدور معه هذا المقال هو: كيف نجعل الأفكار في دائرة من التفعيل في الواقع؟

وهذا السؤال في ظننا يمثل المشكلة الأساس التي عانينا منها ولا نزال منذ أكثر من قرن، مع أننا لم ولا ولن نعدم -بميم مثلثة الحركة- أفكاراً بناءةً ورائدة وصائبة في أبوابها، ولكن عدمنا تفعيلها في واقعنا، فبقيت حبيسة أحبارها التي كتبت بها، فكم هي المشاريع الفكرية والحضارية التي قدمت من قبل الرواد والشوامخ منذ بدايات القرن العشرين حتى يومنا هذا، إلا أنها لم تستطع الانتقال إلى دائرة التنزيل والتنفيذ في الواقع.

وليس مقصودنا فيه التزهيد في التنظير والتفكير وقطع السبيل عليهما بحجة الإتخام الذي وصلت إليه منظومتنا الفكرية بما تنطوي عليه من منتجات الأفكار، بل إن عالم الأفكار يبقى هو الأساس والأصل في رفد بنيتنا الحضارية والثقافية بشقيها المعنوي والمادي بمقومات الوعي وحياة القلب والعقل، وإنما مقصودنا ألا نقف عند حدود نحت الأفكار وإنتاجها دون أن يكون هناك دور في تفعيلها وإحداث الوعي وتحويلها من دائرة الفكر إلى دائرة الفعل، ولهذا نقول تقريراً إن دائرة الفعل تبقى مسترشدة بالفكر لا تنبت عنه حتى وهي في سياق العمل، فالفكرة تبقى فاعلة في تأسيس الفعل ومراقبة بنائه وتقويم مساره.

إن الأبعاد التي يمكن من خلالها تناول هذا الموضوع ومعالجته تدور حول ثلاثة مستويات، الأول: في أهمية عالم الأفكار. والثاني: في مبررات وأسباب وعوامل عدم تفعيل الأفكار وخطورته. والثالث: في ضرورة استثمار الأفكار.

في أهمية عالم الأفكار:  

فعلى المستوى الأول المتعلق بأهمية عالم الأفكار، فإنه يأتي بيانه في دائرة التذكير والتأكيد؛ لإن الإلف قد يجعل الإنسان غافلاً عن المعلوم والمقرر في إطار الفكر والمعرفة على حد سواء، ومن هنا فإن لعالم الأفكار مقامه ودوره الضروري في بنية المنظومة المجتمعية، وخطورته لا تقف عند هذا القدر بل تأخذ مداها أيضاً في بعد سلبي ناقض وهادم، فإن أهمية الأفكار في حياة مجتمع معين كما يقول مالك بن نبي تتجلى في صورتين: فهي إما أن تؤثر كعوامل نهوض بالحياة الاجتماعية، وإما أن تؤثر على عكس ذلك كعوامل ممرضة، بحيث تجعل النمو الاجتماعي صعباً مستحيلاً[2].

وليس أدل على هذا من أن الأفكار تتفاوت فاعليتها ويتفاوت تأثيرها بل قد يتنافر الفعل معها، أن الأفكار تأخذ حظها من الفاعلية حين تتساوق وتتفاعل مع عالم الأشخاص والأشياء، والمثال الذي يمكن أن يستحضر هنا بجلاء تثيره السيرة النبوية التي تمثل أنموذجاً تنزيلياً وتطبيقياً للوحي والشريعة مع الأخذ بنظر الاعتبار الفارق بين مصطلحي الأفكار والشريعة، فالشريعة ليست فكراً بل هي وحي من الله تعالى، وإنما مقصودنا التنبيه على أهمية تفعيل الأفكار في سياق حضاري فاعل، والمتأمل للسيرة النبوية يقف على بعض الأفكار التي سادت قبل البعثة وكانت مفارقة ومباينة للمعتقدات السائدة في البيئة العربية آنذاك، والأمر متعلق هنا بمن سموا الأحناف الذين فارقوا دين قومهم، ولكن بقيت أفكارهم بعيدة عن واقع الناس إلى القدر الذي لم تواجه بالعداوة والصدود، في الوقت الذي كانت فيه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام فاعلة على مستوي البناء المنهجي والتفعيل المجتمعي في عالمي الأشخاص والأشياء، وهو الذي أثار عليها كبار القوم فواجهوها بالصد بل بالقوة المادة كما هو معلوم من كتب السيرة ورواياتها.

وبعيداً عن الحدود المنطقية التي قد تُدخل القارئ في دائرة من الغموض، فإن للفكر والتفكير والتفكر-الذي هو خاصة الإنسان- أهميته من وجهين رئيسين[3]:

-من جهة وظيفته: فإنتاج الأفكار والقيم والمفاهيم الكبرى الرافعة يعد من باب الصناعة الثقيلة للرسالة التي تمثل أحد أركان وأدوات البناء الحضاري، كما أن أهميتها تكمن في إحداث الوعي بكل مَاجَريات الواقع ومتطلباته وعوارضه وإشكالياته، بل ولا يقف الأمر عند حدود الوعي والإدراك بالواقع وإنما يعمد أربابها إلى إحداث التغيير فيه بقصد إصلاحه وتعديل مساره، وأخرى أهم وأرقى وهي بناء وتشكيل العقول التي تقود الأمة وتسعى إلى تمكينها.

-ومن جهة ثمرته: اكتشاف المجهول، الاعتبار بتجارب الأمم والمجتمعات، بناء النماذج، تقليب النظر في المشكلات الحالَّة وتفكيكها وتجاوزها، الإبداع وإيجاد الحلول الناجعة، تحقيق الحصانة والصيانة للأمة في مواجهة من يغزوها فكرياً وثقافياً، إخراج الأمة الوسط الشاهدة على بقية الأمم.

عدم تفعيل الأفكار: المبررات والأسباب:

وأما على مستوى عدم تفعيل الأفكار في الواقع، فإن هناك جملة من العوامل والأسباب التي جعلت هذه الأفكار رغم أهميتها وقيمتها في ذاتها بعيدة عن التنفيذ والتطبيق، ومن أبرزها وأخطرها:

أولاً: سياسات الاستبداد والفساد والإفساد التي يمارسها من يتحكمون بمصائر البلاد والعباد من الحكام وأتباعهم، والاستبداد يأتي على مقومات الفعل الحضاري للأمة فرداً أو جماعة بالنقض والإبطال، بحيث يُعمل الخرق الأعمق في سفينة الأمة، وأشد أدوائه وأمراضه وعلله أنه ثقافة الخروق تسفلاً في الحالة الحضارية وترذلاً في الحالة الأخلاقية[4].

ولهذا حتى يستمر الاستبداد ويستقر لا يكفي أن يكون هناك حاكم مستبد أو حكومة مستبدة، بل لا بد من وجود شعب يقبل هذا الاستبداد؛ لأن الاستبداد طريق واحد ذو اتجاهين، الاستبداد والقابلية للاستبداد[5]، وفي أثر الاستبداد على أهل الفكر والنظر وأفكارهم تجريفاً وتجفيفاً وتعويقاً واختطافاً يجلي لنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ذلك بقوله: “والمحزن أن الذين يملكون الفكر، يملكهم من يملكون السيف، فالمحنة كبيرة في العالم الإسلامي، ما بقي السيف قادراً على ضرب الفكر، وتحديد إقامته”[6].

ولعل من شواهد ذلك وهو ما يعد من المضحكات المبكيات ما ذكره بعض الشهود لوقائع وحوادث دالة على خطورة هذه الثقافة على البنية المجتمعية، وما يترتب عليه تشكيل عقول العامة على هذا النسق من مآسٍ، ولا يبالي أربابها المستبدين حتى لو أتت على معايش الناس وضرورياتهم بالإبطال، وقد أخبرني أحد الأساتذة الأفاضل وهو الأستاذ سعيد باغريب رحمه الله أحد مدراء المدارس الثانوية في اليمن الجنوبي إبان الحكم الاشتراكي، بأن المسؤولين أمروا الناس كلهم بالخروج في مظاهرات تطالب بإنقاص الأجور والمرتبات؛ لأنها ارتفعت وأن الشعب باختياره خرج يطالب بذلك، وأمثال هذه الوقائع والحوادث كثيرة، وما خفي أعظم.

ولا يظنن ظان أن الاستبداد يقف عند حدوده السياسية، بل له صوره ومظاهره الأخرى، فغالباً ما يتم التركيز عند الكثيرين على الاستبداد بوصفه ظاهرة سياسية، ولكن قليلاً ما يتم إبراز عمقه وبعده الثقافي، وقليلاً ما يركز على أنواع أخرى من الاستبداد عميقة في كثير من أبنيتنا العلمية والحركية والحزبية، ولك أن تتصور في بعض التنظيمات الحزبية والحركية والنقابية تلكم النماذج التي تتزلف وتتملق من أجل قربها من القادة والرؤساء، ولذلك هناك جدلية بين نفسية الاستعباد وثقافة الاستبداد وبين صناعة المستبدين، فالاستبداد ليس دوماً استبداداً نازلاً كما يُتصور، بل إنه قد يكون استبداداً صاعداً[7]؛ بمعنى أن مقومات الاستبداد ناشئة في البنية المجتمعية ذاتها مما يساعد ويعين على تسهيل مآرب المستبدين وغاياتهم.

ثانياً: سياسات التجهيل، ويعمد إليها ويوجهها من يحرص على جعل الأتباع يدورون في كنف المتبوع على أي صورة كان كالقطيع الذي لا يدري أين وجهته، وهي الطاعة العمياء التي تجعل التابع لا يخرج عن مرادات المتبوع، والمشكل الأكبر والأخطر تصوير اتباعه على أنه هو المصلحة التي تراد به، وما هو إلا مفسدة عظمى يراد بها تجهيل الناس وتشكيل عقولهم بمرادات المتبوعين وتضيع بها حقوق الناس وضروراتهم الدينية والدنيوية، وأي فكر يؤسس لوعي الناس وتحريكهم في الواقع الإنساني صلاحاً وإصلاحاً يواجه بالقوة، وهذا النهج لا يقف عند حدود الساسة والحكام والرؤساء، بل تمارسه كذلك بعض التيارات والجماعات الإسلامية وغيرها.

وها هو مالك بن نبي يبرز لنا هذا الداء الوبيل ويضرب المثل ببلده الجزائر، فيقول: “إن الفكر في البلاد الإسلامية التي تحررت من الوصاية الاستعمارية، لم تكتمل بعد شخصيته، ولم يظفر بعد بحقه في السيطرة على وجوه الحياة، وبقيمته الاجتماعية، باعتباره وسيلة للعمل وأساساً جوهرياً للنشاط، بل إن العلم في الأعم الأغلب لم يكن آلة للنهضة، بقدر ما كان زينة وأسلوباً وترفاً. ولقد رأينا في بلادنا الجزائر كيف أن الفكر لم يكن حركة وعملاً إيجابياً، بل كان زخرفاً يؤخذ من باب التجمل؛ كان حلية لا تدخل في سلك قانون، ولا تخضع لمنطق نظري وعملي .. وإذا ما ظل هذا الفكر متبطلاً منعدم التأثير بقي النشاط حركة وفوضى، وتزاحماً يبعث على الضحك والرثاء، وليس هذا سوى شكل من أشكال الشلل الاجتماعي. فلكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة عمي النشاط واضطرب وأصبح جهداً بلا دافع ..”[8].

ثالثاً: الفصام الموهوم بين الفكر والحركة، وقد لا يكون هذا العامل والسبب منصوصاً عليه بالقول صراحة، ولكن مدلل عليه بإشارات القول وقرائن الأحوال، واللافت للنظر أن بعض المنتمين للحركات الإسلامية أو الجماعات الإسلامية يشعرون بشيء من الضيق عندما تذكر الحاجة إلى الفكر المتميز القادر على تحقيق التغيير المنشود، ويرون أن شأن الفكر والمفكرين هو شأن التنظير الذي لا يحمل همَّ الواقع، ولذلك تولدت الحاجة إلى التساؤل -بصيغة التفاعل- عن علاقة الفكر بالحركة، ولا يخفى يقيناً على أحد أن أي حركة لا يمكن تصورها من دون أن يكون فكر يوجهها، ولكن في الوقت ذاته لا ينبغي أن يقف الفكر عند حدود التنظير والتأصيل والصياغات والتناول المنهاجي، ثم يوضع على رفوف المكتبات بوصفه منجزات فكرية رائدة بعيدة عن الواقع.

ولعل -تكثيراً- من إصابات الفكر الركونَ إلى الفكرة والرأي والوقوف عندهما بعيداً عن البحث في مسالك تنزيلهما في الواقع، وقد أشار البعض إلى أن من عيوب المفكر أن ينصب لنفسه مكاناً ثم يقول: (أنا أصدر لكم الأفكار فقط)، وهذا غير ممكن لمفكر جاد، بل ينبغي أن يعرف في أي منزلة هو عند النظر في تفعيل الفكر وتفاعلاته: مرة يصنع الرأي، ومرة أخرى في دور المؤيد والمشجع أو المنفذ للرؤية[9]، والأمر مرتبط بالفعل بتقاسم الأدوار وتكاملها بين المفكر وغيره سواء في إطار حركة أو مجتمع.

إن الفكر الفاعل هو ذلك الفكر الذي يتلازم مع الحركة، فيصحح مسالكها ويسدد مساراتها، فتظهر قيمة الفكر في جهود هذه الحركة وبرامجها في تنمية الفكر وتجديده وتوسيع آفاقه، وهو بدوره يمكنها من الفهم السليم للتحديات والتطورات المتلاحقة، وتطوير البرامج اللازمة لمواجهتها، ولكن الإشكال حين تفقد الأفكار حملتها ومن يحركها في الواقع، وفي هذه الحالة لن يكون لهذه الأفكار قيمة وأهمية تمنحها الحركة المنشودة في التأثير والفاعلية والتغيير[10].

رابعاً: طبيعة الأفكار ذاتها، فمن طبيعة الأفكار أنها ابنة زمانها ومكانها في الغالب، ونحن نتحدث هنا عن صنائع الفكر التي يجتهد الإنسان في إخراجها إلى الواقع بناء على نظره إليه والتفكر فيه وقراءته والتعرض لإشكالياته، والإشكال يبدأ حين تُجتر الأفكار إلى خارج سياقاتها الزمانية والمكانية وتغرس في بيئة غير بيئتها، وعندها تبرز إشكالية الأفكار الميتة والمميتة على وفق ما قرره مالك بن بني، فالفكرة حين تولد ميتة أو تبعث على الموت لا يمكن أن تأخذ مسارها في تحريك الراكد في الأفراد والمجتمعات.

ويشير مالك هنا إلى شروط فاعلية الفكرة، فيقول: “فاعلية الفكرة رهن بشروط نفسية واجتماعية تتنوع بتنوع الزمان والمكان .. فالفكرة من حيث كونها فكرة ليست مصدراً للثقافة، أعني عنصراً صالحاً لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة، فإن فاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقتها بمجموع الشروط النفسية الزمنية التي ينطبع بها مستوى الحضارة في المجتمع؛ وهو مستوى قد يتغير بطريقتين: فهو عندما يرتفع تعرض له في الطريق أفكار ليست من بين القوى الجوهرية التي نتجت عنها الحركة التاريخية، فإذا بهذه الأفكار تتقادم ثم تختفي .. وهو عندما يهبط تنقطع صلة بعض الأفكار بالوسط الاجتماعي ذاته، أعني أنها تنقطع من منابع خلقية وعقلية صدرت عنها، فتكسب هذه الأفكار وجوداً صناعياً غير تاريخي، وبذلك تفقد كل معنى اجتماعي. ومن أمثلة ذلك أن تراث ابن خلدون قد ظهر في العالم الإسلامي، وهو مع ذلك لم يسهم في تقدمه العقلي أو الاجتماعي، لأن هذا التراث في ذلك العصر كان يمثل فكرة لا صلة لها إطلاقاً بالوسط الاجتماعي”[11].

خامساً: عدم التفريق بين صوابية الأفكار وصلاحيتها، وهذا فرع عن سابقه، وذكره على سبيل الانفراد دفعاً لتوهمات الفكر والخلط بين ما هو صواب وصالح، والتفريق بينهما ضامن في فاعلية الفكرة وتأثيرها في الواقع، والقسمة هنا ثلاثية، ففكرة صائبة صالحة للفعل الحضاري، وفكرة صائبة ولكنها غير صالحة له، وفكرة لها فعلها في الواقع ولكنها غير صائبة، وهنا ينبهنا مالك نبي إلى ذلك فيقول: “فكرة أصيلة لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة. وفكرة فعالة ليست بالضرورة صحيحة. والخلط بين هذين الوجهين يؤدي إلى أحكام خاطئة، وتلحق أشد الضرر في تاريخ الأمم حينما يصبح هذا الخلط في أيدي المتخصصين في الصراع الفكري وسيلة لاغتصاب الضمائر”[12].

سادساً: عُقَد التعامل مع عالم الأفكار، وهذه تأخذ مداها في سياق الفهم والقدرة على تساوق الأفكار مع العقول والأفهام، وهنا ينبغي أن تأخذ الفكرة في صياغتها وعبارتها وصف اليسر بما يجعلها تتخلل في عقول وأذهان الناس على مختلف مقاماتهم، وهي منزلة عليا من حسن البلاغة والبيان لو تيسرت للمفكر، لكان ذلك محققاً لمقاصده، وقد أشرنا من قبل إن الفكرة إحدى مكونات الرسالة الحضارية، وحتى يتسنى لها القبول لدى المتلقي والمخاطَب والمرسل إليه كان لزاماً أن تتسم بالسمات الإقناعية في خطابها، وكلما كانت الفكرة باعثة على الفهم اكتسبت فاعلية أكبر وأعظم[13]، وهذه الإشارة جاءت في أثر علي رضي الله عنه فيما رواه عنه البخاري معلقاً: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟”[14].

سابعاً: قصور وسائل تفعيل الأفكار أو عدمها، وقد نوهنا آنفاً أن الأفكار تتطلب شروطاً تُفعَّل من خلالها وتُنشر، ولا يخفى أن قصور الوسائل أو عدمها لا يمكن أن يحقق الغاية والهدف، ولقد سمعنا مراراً من بعض الأخيار أن المؤسسات أطول عمراً من الأشخاص، ولكن نفاجئ بين الفينة والفينة انفضاض كثير من هذه المؤسسات فكرية أو حركية وقد انطوى أصحابها على أفكار بانية ومقاصد حامية وأهداف سامية؛ بسبب قصور وسائلها المادية في ضمان الحفاظ على بنيتها وهيكلتها المؤسسية، والفكرة من شروط تفعليها وتأثيرها في الواقع أن يقوم عليها بناة وروافد، وإلا فإن مآلها دروب النسيان والغفلة بل والترك المطلق.

ثامناً: الأفكار المتناقضة والمتعارضة، فقد تكون من عوامل عدم تفعيل الأفكار في الواقع أنها تُجابه بما ينقضها ويناقضها ويعارضها سواء ذلك في حقائق هذه الأفكار أو عقائد أصحابها، فتكون أمام قطاع طرق ولكن في سياق الأفكار لا الأشخاص، وليس بالضرورة أن تكون الأفكار المناقضة خارجة عن الجادة، فقد تكون في ذاتها حقاً ولكن لا تنساق مع أخواتها في سياق تكاملي بل في سياق متقابل، وما أكثر الأفكار التي تعارضت وكان يسعها التكامل لا التقابل، والإشكال يكمن في أن بعض أرباب الفكر قد تكون الفكرة عندهم مشوشة فتأخذ مساحة أكبر من حجمها يتصور ناحتها أو حاملها أنها حرية أن تأخذ مقامها على حساب قسيماتها، في الوقت الذي يمكن معه التساوق فيما بينها، وهذه الإشكالية تسع كثيراً من التيارات الإسلامية العاملة، فقد كان محور الاهتمام عندها متغايراً ولكن لم تتسع الصدور لجعله في سياق متكامل متواز، وأما الأفكار المناقضة على سبيل الحقيقة فلا غرو في مواجهتها بالثبات على الحق والمصابرة في مدافعتها بنشر الحق وتبليغه.

تاسعاً: الكلالة والتعايي، وهما داءان يصيبان الإنسان بالعجز أو التعاجز وإن كانت القدرات كامنة فيه، وأصدق الأسماء كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام حارث وهمَّام، وهما دالان على صدق العزيمة والهمة العالية في الفعل، وكما قال المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس عيباً       كنقص القادرين على التمام

وقد ضرب الله لنا المثل على الكلالة حين فرَّق بين الكَل والعدل في قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾[النحل: آية 76]، والكلمة القرآنية المقابلة لمصطلح اللافعالية والسلبية، هي كلمة الكَل الدالة ليست فقط على اللافعالية فحسب بل تدل كذلك على أنه عبء على من يتولاه سواء كان فرداً أو مجتمعاً، وإذا لاحظنا أن الفعالية واللافعالية تظهران في جوانب الحياة كلها وتعمان كل أجزائها، فإن من الخطأ محاولة علاج مسألة جزئية من نتائج اللافعالية دون معرفة شروط الفعالية كما تدل عليه كلمة العدل في الآية[15]، والأفكار حين لا تجد طريقها إلى التفعيل وهي حرية بذلك فإن مآلها إلى الكلالة والتعايي اللذين يجعلانها في طي النسيان والتاريخ شاهد على ذلك، فأين أرباب العدل والعزيمة؟!

عالم الأفكار ومقومات الاستثمار:

ليس مقصودنا في هذا المقال ذي الطابع المختصر المجمل الوقوف بتفصيل عند وسائل نقل الأفكار وتفعيلها في واقع الناس، وإنما يكفيه أن يكون منبهاً على أهمية استثمار الأفكار في دائرة التفعيل أو لنقل وفقاً لعبارات الأصوليين تحقيق مناطها في الواقع، وقد ارتأى البعض من المتخصصين بالتنمية البشرية وإدارة الفكر التعبير بتسويق الأفكار بقصد تفعيلها، والمقال هنا عبر بالاستثمار؛ قاصداً به غرس الأفكار في العقول بترقيتها في مدارجها وصولاً إلى عواليها، وفيها يتحقق أمران أساسيان، وهما:

أولاً: توليد الأفكار ذاتها لتكون منظومة متساندة بعضها ببعض، وهذا يعني أن هناك مستوى من الأفكار يدور حول الأصول والثوابت التي يؤسس عليها غيرها بحسب ما تتطلبه وقائع الدهر ونوازله، وبموجب ما تقتضيه حاجات الإنسان ومعايشه، وبهذا يقف العقل البشري وخاصة المسلم على أرض صلبة يتماسك جهده ويهتدي في منارات الطريق ومسالكه.

ثانياً: تمثلها في فعل حضاري راسخ نافع، يجعل الإنسان بهمته حارثاً في أرضٍ قوامها الإيمان والعمل والصالح، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾[الذاريات: آية 56]، ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾[هود: آية 61]، قال ابن القيم في تأصيل ضاف في هذا الباب تحت عنوان (قاعدة جليلة): “مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة”[16]، ومقصوده أن الأفكار لا يمكن أن تؤثر في واقع الناس ما لم تتحول إلى إرادة دافعة إلى الفعل، بل وتأكيده على أن تكرار الفعل يجعل الفكرة عادة عند أصحابها، فتكون فاعلة في الواقع بحسب حالها ومضمونها صلاحاً أو فساداً، ولذلك عقب على ذلك بقوله: “فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها”[17].

ومن هنا فإن المقصود في هذا السياق هو تفعيل الأفكار في الواقع وإخراجها من النفس إلى الآفاق، والذي يفعلها استثمارها والتحقق بها فعلاً وحركة، وعلى العكس تماماً فإن بقاء هذه الأفكار حبيسة في النفوس بعيداً عن دائرة الفعل والتحقق لا يكون لها قيمة ولا وزن، فكم من أفكار عظيمة وقيمة ماتت وذبلت وانتهت بسبب أن أصحابها لم يتمكنوا من إظهارها، وتعليمها، وبيانها، ونشرها، واستثمارها بين الناس، وكم من أفكار ليست بهذه المنزلة كانت ذات أثر كبير في تغيير الحياة والواقع؛ لأن أصحابها أحسنوا استثمارها ونشرها، وإظهارها، وتبيينها للناس[18].

والسؤال الأهم الذي يتناغم ويتناسق مع السؤال الإشكالي الذي طرح في مقدمة المقال ويعد صلبه هو: كيف نفعِّل الأفكار ونستثمرها؟

ومن الحري والجدير بيانه والتنبيه عليه أن تحقيق المقاصد والأهداف مرتبط بوسائلها، والأصل في الوسائل الإباحة ما لم يدل الشرع على بطلانه لتعارضه مع أصوله وأدلته، وبناء على ذلك فإن أرباب الفكر مدعوون إلى البحث عن وسائل تفعل الأفكار، وبحكم ما نبهنا عليه في أثناء تناول هذا الموضوع من أن هناك تكاملاً وظيفياً في منظومة تفعيل الأفكار، فإن البحث عن الوسائل لا يلزم أن يقوم به المفكر ذاته، بل من المهم أن يكون عمل المفكر في فريق جماعي يتقاسم أفراده جدول أعماله، فليس من الحكمة ارتباط الناس بشخص أوحد يعدوه رمزاً لهم يصدرون عنه ويأتمرون بأمره، ويتدخل في شؤونهم صغيرها وكبيرها، ويسلمون لهم بكل شيء، وهذا أمر لو اتصفت به جماعة، فقد آذنت بالزوال والانقطاع.

وفي الآتي بيان لأهم الوسائل التي يمكن من خلالها تفعيل الأفكار وتحقيق مناطاتها في الواقع:

(1) نبه بعض العلماء عند حديثهم عن مداخل العلوم ومقدماتها وممهداتها أن ثبات العلم وتثبيته يتطلب الاستعانة بثلاث وسائل، وهي: العمل بالعلم، وتعليمه، والتأليف فيه، قال الخطيب البغدادي: “والعلم يراد للعمل كما العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصراً عن العلم كان العلم كَلاً على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كَلاً، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غُلاً. قال بعض الحكماء: العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل. ولأن أدع الحق جهلاً، أحب إليَّ من أن أدعه زهداً فيه”[19].

والفكرة التي ينحتها المفكرون لا تخرج في أصلها عن كونها من معالجات النظر والعلم التي ينتجها التفكر في الآيات الشرعية والكونية وانعكاساتها في الظواهر الإنسانية المختلفة والمتنوعة وما تثيره من إشكاليات، ولكن يتطلب هذا من المفكر تحققاً بفكرته وتبنياً لها، وهذا الذي يثيره ما يسمى بنظام التمثل بالفكر، فإن اكتمال الصورة ونضجها إدراكياً يبعث على التحقق بها، فتلامس ناحتَها لحماً ودماً حتى تغدو ركناً من أركانه وجارحة من جوارحه، فتتحول فكرته من دائرة الإدراك التصوري إلى منظومة الأفعال به أو بغيره، فإن مساحة الإدراك متعلقة بأهل التفكير، والمساحة المتبقية في الطريق الواصل بالفعل هي مهمة المربين والتربويين والإعلاميين، وهنا تنتقل الفكرة من دائرة الإدراك والصياغة إلى دائرة التفعيل[20].

إن ما بين المسافتين والمساحتين مراحل تتحقق فيها إشاعة الفكرة وإبلاغها وإيصالها إلى حيث أصحابها ممن قصدهم المفكر بها، وقد أشرنا إلى التحقق بالفكرة في الذات، ولكن هناك معها سبيلان آخران لا يقلان أهمية عنه، وهما تعليم الفكرة والتأليف فيها، وبها جميعاً يتحقق البناء الجامع بين النظرية والتطبيق، ولو تأملنا كتاب الله تعالى في بيان وظيفة الرسل ومهماتهم في حياتهم، لرأينا أن الجانب العملي يأخذ مساحة كبيرة، فلا يقف عند حدود البلاغ الذي أشارت إليه بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾[الشورى: آية 48]، فإن الآية وأمثالها لها سياقها الخاص فيمن لم يرتض قبول الحق والتحقق به عقيدة وعملاً، فعند ذلك أمر الرسل بإيصال الحجة عليهم تحقيقاً للواجب الذي كلفوا به، ولكن عند قبول الحق تأت مرحلة أخرى من الواجب، وهي القيام على الأتباع تربية وتزكية وتعليماً، قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾[الجمعة: آية 2].

(2) نجاح الفكرة ونجاعتها وتفعيلها في الواقع مرهون بملامستها لمتطلبات الواقع المشهود والمنظور، فإن الفكرة الفاعلة في أصلها لا ينبغي أن تكون ترفاً يتسلى به صاحبه، بل منطلقها أزمة مستحكمة في مجتمع ما، فيعمد المفكر إلى فكره وتنظيره يستجلي به هذه الأزمة ويبحث عن مخارجها، وهنا تأخذ دراسة الواقع وفقهه أبعاداً في غاية الأهمية من أجل معالجة هذه الأزمة وحسن إدارتها والأخذ بها إلى حيث الأمان والاطمئنان فكراً وحركة.

تقول الدكتور منى أبو الفضل رحمها الله: “إن جل ما في مشروع دراسة فقه الواقع أن يكون محاولة لرأب الصدع بين الفكر والحركة وتجاوز هذا المأزق الذي يجعل الرأي المسلم المستنير مغيباً عن الواقع وفهم الواقع .. فكيف نقرب الواقع للعقل المسلم المستنير؟ وكيف نجعل الطاقة الحيوية الذهنية والفكرية والثقافية طاقة مشعة في هذا الواقع وفاعلة فيه؟ تلك هي المعادلة التي أرى أن دراسات فقه الواقع كمشاريع أو أفكار لا بد أن تقوم عليها؛ ولذلك فإن أي مشروع إسلامي لدراسة الواقع يعتمد في نجاحه على تبني نظرة شاملة تدمج المقتربات الاستقرائية التاريخية بالمقتربات العقلية الاستنباطية، وتجمع بين البحث الميداني واستقراء الأحداث والوقائع، وبين المداخل التحليلية الفكرية والنظرية في التعامل مع النتائج ومع الظواهر التي تتناولها ..”[21].

(3) مأسسة الفكر، فالعمل المؤسسي وظيفته تكمن من حيث علاقته بالفكر في نقل الفكرة إلى حيز التطبيق، وإتاحة المتابعة والتقويم لمراحل تنفيذها، والقيام على تطويرها والإبداع فيها، وبناء على ذلك فنحن بحاجة إلى مؤسسات من جهتين، من جهة تشجيع التفكير وبناء الأفكار، ومن جهة أخرى تفعيل هذه الأفكار في واقع الناس وإشاعة الوعي بها، ومن ثم فتتنوع الحاجة إلى المأسسة لتأخذ أبعاداً متعددة تصب في رافد المؤسسية، فهناك على سبيل المثال لا الحصر مؤسسات لتحقيق الوعي الفكري والحضاري في الأمة، ومؤسسات تعمل على نشر التراث وتحليله وتوظيفه في حياتنا المعاصرة، ومؤسسات لزيادة الوعي بالتعامل مع التاريخ وفهمه وتفسيره، ومؤسسات للحث على القراءة وصناعة التفكير الصحيح، ومؤسسات لرعاية النابهين والمبدعين، ومؤسسات تتعلق بالواقع ومستجداته وتعقيداته، وأخرى تتعلق بالمستقبل وتوقعاته ومفرزاته ومطالبه[22].

(4) حواضن الفكر، وقد أشرنا إلى أن التعليم من وسائل تثبيت الأفكار، ولكن التعليم لا ينبغي أن يقف عند حدود التثبيت في سياق الصيانة والحفظ، بل يأخذ مداه أيضاً في مساحات أوسع تأخذه إلى حيث تشكيل العقل وبناء مناهج التلقي وإعداد الأجيال وتخريج العلماء والمفكرين، وهنا يبرز دور المحاضن التربوية والتعليمية في تحقيق هذه المقاصد، ولكن شرط تحقيقها ذلك أن تكون هذه الحواضن فاعلة حضارياً في بناء الفكر والوعي الفكري، لا أنها تكون وسيلة من وسائل سياسات التجهيل التي تتسم بها كثير من الحواضن التعليمية في العالم الإسلامي اليوم، وتكفي نظرة سريعة على مؤشرات التعليم الجامعي في العالم العربي والإسلامي مقارنة بغيرها في العالم الغربي والشرقي تظهر تأخرها بل وخروج أكثرها عن التصنيف العالمي[23]، فضلاً عن أن الواقع المشهود أثبت أن كثيراً من حملة الشهادات سواء الأولية أو العليا لم يتكونوا التكوين العلمي اللازم الذي يتناسب مع ما يحملونه من شهادات أو تخصصات.

(5) مساند الفكر وروافعه، وهي ذات تعلق بسابقتها ولكن في السياق المادي، فإنها تعني ضرورة استثمار التمويل المادي في دعم المشاريع الفكرية الجادة والمؤسسات الفاعلة، وينبغي أن نتنبه إلى جملة من الأدواء والأمراض التي أصابت كثيراً من المؤسسات الفكرية والعلمية والتعليمية في هذا الإطار، ومنها على سبيل الإجمال: (1) إشكالية تكديس الأفكار وهذا يسري على الكم الهائل التي تنطوي عليها رفوف الجامعات من الدراسات العليا التي لم تجد طريقها إلى النشر، وكذلك مخرجات مراكز الفكر التي أضحت ظاهرة في العالم الإسلامي اليوم وقليل منها الفاعل في سياق تفعيل الأفكار. (2) إشكالية تحكم التمويل في مراكز الفكر ومؤسسات العلم سواء على مستوى التمويل الحكومي أو الأهلي. (3) إشكالية نقص التمويل أو توقفه، وقد أفضت هذه الإشكالية إلى انفضاض كثير من مشاريع الفكر ومراكزه ومؤسساته بسبب عدم وجود التمويل الداعم لها.

ومن مخارج هذه الإشكالية التأكيد على التمويل الوقفي، وهذا التمويل ليس بدعاً من الفكر والرأي؛ بل له صولاته وجولاته في التاريخ الإسلامي، وبأيسر نظر في سجل الأوقاف نجد أن قطاع التعليم ونشر المعرفة والثقافة قد ظل حتى مشارف العصر الحديث مسؤولية الأوقاف إنشاء وتمويلاً، وشمل ذلك كافة مراحل العملية التعليمية بدءاً بالكتاتيب التي بثها الواقفون في مختلف أصقاع البلدان بما فيها القرى والدساكر، مروراً بالمدارس، وصولاً إلى الجامعات، ما نشأ منها في أكناف المساجد، أو مستقلاً عنها، ومن أمثلتها الأزهر والزيتونة والقرويين وغيرها، واللافت للنظر وهو ما يتطلب دراسة منهجية خاصة فيما كتبه الواقفون من شروط في أوقافهم أن البعض من الواقفين كان على وعي بأن التعليم الذي يدعمه الوقف يجب أن يكون بنَّاءً للعقل، مسهماً في حفظه عن طريق إكسابه المعارف والقيم، وصقله بالفكر والتأمل والقدرة على النقد[24].

(6) برمجة الفكر ومنهجته بجعله مؤطَّراً في خطط وبرامج تأخذ به إلى حيز الفاعلية ثقافة وحضارة، وعياً وبناءً، وينبغي التنبه إلى أن البرمجة تأخذ بالاعتبار التناسق والتناغم بين محاضن الفكر من جهة ومحاضن التربية من جهة أخرى؛ لأن البناء يستدعي المساندة والمعاضدة بين المحاضن كلها، لا أن يعمل بعضها مقابل بعض في سياق النقض والهدم، ولو تأملنا المؤسسات الفاعلة في المجتمعات الإنسانية في هذا الإطار اليوم؛ لوجدناها تدور حول مؤسسات ثلاثة: الأسرة والتعليم والإعلام، وهذه المؤسسات تستلزم التعاون فيما بينها لتحقيق مقاصد الفكر وغاياته، وإلا فإن حالة تقابلها وتناقضها مفضية إلى التشويش والتشويه لعملية البناء الفكري ومحاضنه كلها.

(7) من متطلبات تفعيل الأفكار حسن إخراجها والترويج لها؛ ولئن كان للكلام محسنات بديعية تزين مضامينه النصية، فإن للأفكار محسنات تزينها بحيث تجد لدى مخاطبيها أذناً صاغية، ولعل إبداع الفكرة وجدتها وتساوقها مع الحاجة الآنية وارتباطها الوثيق بواقعها صلاحاً وإصلاحاً، كل هذا يسهم في حسن إخراجها، ويبقى عند ذلك الترويج لها بحسن الإخراج المادي ونشرها بين قاصديها، وهذا يتطلب البحث عن وسائل الاتصال بين صاحب الفكرة وبين من يتلقاها، ووسائل الترويج هنا متعددة خاصة مع إحداث وسائل تقنية مختلفة يستطيع المفكر نشر فكره أثناءها، ومن أشهر وسائل التواصل مع المتلقين: النشر الورقي (الكتب والرسائل والمجلات والدوريات والمنشورات الورقية .. إلخ)، والنشر الألكتروني مقروءاً ومسموعاً ومنظوراً، ومنصات الحوار، والمؤتمرات، وورش العمل، والبرامج الإعلامية، والمنتديات والنوادي الفكرية، والروابط العلمائية والمجامع الفكرية واللغوية، واللقاءات الشخصية والجماهيرية، والمحاضرات والندوات، ومعارض الكتب، والدورات التدريبية، والمخيمات الشبابية، والرحلات الدعوية والاستكشافية، ومنصات التواصل الاجتماعي .. في غيرها.

(8) الفكر الشبكي وتشبيك الجهود يسهم بشكل رئيس في تفعيل الأفكار؛ لأن تلاقي الأفكار والإمكانات وتوظيفهما في مسارات التنزيل والتفعيل يمكن من تحقيق التكامل على قاعدة من الجوامع حتى وإن تلبس عالم الأفكار وعالم الأشخاص بالخلاف الذي لا يفضي إلى النقض والإبطال، وأعني به خلاف التنوع لا خلاف التضاد، وهذا النوع من التأصيل لا يأتي من فراغ، بل وظيفته في هذا المقام التذكير بتأصيلات وتنظيرات قدمت من بعض المفكرين، قد قضى بعضهم نحبه ومنهم من ينتظر ولكن لم يفارق أحد منهم فيما نحسب مقصده وهدفه، ولا يسعنا هنا أن نستحضر هذه الجهود كلها، وإنما حسبنا أن نمثل بما يُنبه على غيره.

والمثال الحاضر في هذا المقام ما قدمه المستشار طارق البشري على مستوى الجماعة السياسية يعد مثالاً كاشفاً على أهمية جامعية التفكير والبعد عن فكر التعضية والتشظية التي كلفت به الأجيال اليوم بعد أن غُرس فيها فكر الاستعمار ونهجه، والفكرة التي قدمها البشري لا تأتي على الخصوصية بالنقض بل هي تستوعبها بما يسع المخالف لأجل حفظ سفينة الأمة من الضياع بتعدد المشروعات وتغاير الانتماءات وتباين الغايات، إنها فكرة التيار الأساسي للأمة التي تحفظ للجماعة السياسية كيانها، ومقصودنا بسوق هذا المثال في هذا المقال أن تلاقي الأفكار وتشابكها يعد ممكنا ما دامت هناك رؤى وأفكار تدور حول التكامل لا التصادم[25].

وليس بعيداً عن هذه الفكرة كذلك ما طرحه مركز رؤيا للبحوث والدراسات منذ ما يقرب من سنتين بقصد جمع جهود العاملين من التيارات الإسلامية في إطار جامع ليس في سياق تحزبي يصادم ويعارض بنية التيارات الإسلامية العاملة، وإنما يستوعبها بما يجعلها تستهدف جمع الكلمة وتقوية الأواصر وتشبيك الجهود، والفكرة ما زالت بحاجة إلى تفعيل، ويا حبذا لو يبادر المركز وأمثاله في بناء جسور التواصل الفعال وليس الصوري لتفعيل هذه الفكرة.

(9) التخصصية والتكاملية، وهي مكملة لقسيمتها السابقة ولكن التأكيد عليها باستقلال يعد هاماً؛ لأن التخصصية قضت على كثير من المشاريع التكاملية والموسوعية حتى كأنها أضحت أي التخصصية جزراً معزولة عن أخواتها، إلى القدر الذي قد يجعل البعض في دائرة من الشعور بالاستغناء الذي أوحاه له تخصصه، فآلت بالبعض إلى التلبس بداء التضخم التخصصي الذي يشبه أن يكون استسماناً بورم وليس بغذاء حقيقي، والوسيلة التي يمكن أن تكون معينة في دفع هذا الداء ورفعه هو التكامل المعرفي والمنهجي والحركي، فالكل مرابط في ثغره ويشكل لبنة من لبنات البناء الإسلامي الذي لا يكتمل إلا بتكامل لبناته كلها.

[1]  د.عبدالكريم بكار، مدخل إلى التنمية المتكاملة رؤية إسلامية، الرياض، دار المسلم، ط1، 1418هـ/1997م، ص38.

[2]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دمشق، دار الفكر، إعادة الطبعة الرابعة، 1420هـ/2000م، ص14.

[3]  د.عبدالكريم بكار، تكوين المفكر، القاهرة، دار السلام، ط1، 1431هـ/2010م، ص47 فما بعدها. محمد يتيم، في نظرية الإصلاح الثقافي، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، 2012م، ص12.

[4]  عمرو أشرف مصطفى، مقدمة تحليلية لكتاب طبائع الاستبداد للكواكبي، القاهرة، دار البشير، 1439هـ/2018م، ص71.

[5]  من تقديم الدكتور سيف الدين عبدالفتاح لكتاب طبائع الاستبداد للكواكبي، المرجع السابق، ص8.

[6]  محمد الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، بيروت، المكتب الإسلامي، ط2، 1420هـ/1999م، ص199.

[7]  محمد يتيم، في نظرية الإصلاح الثقافي: مدخل لدراسة عوامل الانحطاط وبواعث النهضة، مرجع سابق، ص109.

[8]  مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، دمشق، دار الفكر، إعادة الطبعة الأولى، 1423هـ/2002م، ص87-88.

[9]  محمد حامد الأحمري، مسؤولية المثقف، الدوحة، منتدى العلاقات العربية والدولية، ط1، 2018م، ص108.

[10]  د.فتحي حسن ملكاوي، البناء الفكري: مفهومه ومستوياته وخرائطه، هرندن – فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1436هـ/2015م، ص98-99.

[11]  مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، مرجع سابق، ص46-47.

[12]  مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دمشق، دار الفكر، إعادة للطبعة الأولى، 1423هـ/2002م، ص102.

[13]  د.معتصم بابكر مصطفى، من أساليب الإقناع في القرآن الكريم، قطر، كتاب الأمة، العدد 95، ط1، 1424هـ/2003م، ص49.

[14]  محمد بن إسماعيل البخاري، الجامع الصحيح، بيروت، الرسالة العالمية، ط1، 1432هـ/2011م، ج1ص66.

[15]  جودت سعيد، الإنسان كلاً وعدلاً، دمشق، دار الفكر، تصوير الطبعة الأولى، 1415هـ/1994م، ص14.

[16]  ابن قيم الجوزية، الفوائد، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، ط1، 1429هـ، ص252.

[17]  المرجع السابق، ص253.

[18]  د.عبدالله سالم باهمام، سوِّق فكرك: تسويق الأفكار جولة بين العلوم، طبعة شخصية، ص13.

[19]  الخطيب البغدادي، اقتضاء العلم العمل، بيروت، المكتب الإسلامي، ط5، 1404هـ/1984م، ص15.

[20]  د.طه كوزي، أزمتنا الحضارية: العقدة والمنهج، دمشق، دار وحي القلم، ط1، 1437هـ/2016م، ص299.

[21]  د.منى أبو الفضل بالاشتراك مع الدكتور طه العلواني، مفاهيم محورية في المنهج والمنهجية، القاهرة، دار السلام، ط1، 1430هـ/2009م، ص22-23.

[22]  د.أحمد فؤاد باشا وآخرون، المؤسسية في الإسلام تاريخاً وتأصيلاً، القاهرة، دار السلام، ط1، 1433هـ/2012م، ص5. د.عبدالكريم بكار، تجديد الوعي، دمشق، دار القلم، ط1، 1421هـ/2000م، ص217.

[23]  انظر: تصنيف كيو أس QS التابع لشركة كواكواريلي سيموندس للعام 2021م: https://www.topuniversities.com/university-rankings/world-university-rankings/2021.

[24]  د.إبراهيم البيومي غانم، تجديد الوعي بنظام الوقف الإسلامي، القاهرة، دار البشير، ط1، 1437هـ/2016م، ص53-54.

[25]  انظر: طارق البشري، نحو تيار أساسي للأمة، القاهرة، دار الشروق، ط1، 2011م.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق