تقارير

في عهد ترامب: فلسطين والمنطقة إلى أين؟

تقرير عن الحلقة النقاشية

مقدمة:

في ظلِّ تصريحات إدارة ترامب العنصرية وقراراتها المتعجرفة التي تعكس انحيازًا صارخًا للاحتلال، وتجاهلًا متعمدًا لقضايا العالم العربي والإسلامي، تتسارع التحولات في المنطقة والعالم، مما يفرض على المفكرين والسياسيين والمثقفين أن يقفوا أمام هذه المتغيرات بوعي وتحليل، فالعالم لم يعد يسير وفق الأنماط التقليدية التي سادت خلال العقود الماضية، بل بات يشهد موجات متلاحقة من التحالفات الجديدة، وإعادة رسم موازين القوى على نحو يضع مستقبل الشرق الأوسط في قلب المعادلات الدولية.

وفي ظل هذه التغيرات العميقة، رأى مركز رؤيا للبحوث والدراسات ضرورة عقد حلقة نقاشية تحت عنوان: في عهد ترامب البائس: فلسطين والمنطقة إلى أين؟، تجمع نخبة من العلماء والسياسيين والأكاديميين والمفكرين للبحث في مستقبل المنطقة في ضوء هذه التحولات، واستشراف مآلاتها على القضية الفلسطينية، وعلى أوضاع العالم العربي والإسلامي بوجه عام، وقد تناولت الحلقة ثلاثة محاور رئيسة:

  • إعادة تشكُّل العلاقات الدولية وآثارها المحتملة على منطقتنا.
  • أهداف إدارة ترامب في الشرق الأوسط وتداعياتها المحتملة.
  • دور العلماء والدعاة في مواجهة العواصف الرقمية القادمة بقوة على المسلمين.

وقد عُرضت هذه المحاور عبر ثلاث أوراق بحثية تناولت بعمق سياسات الإدارة الأمريكية، ومآلات التحولات الدولية، والتحديات الفكرية والإعلامية التي يفرضها العصر الرقمي، وتلا ذلك نقاش مفتوح بين نخبة من الباحثين في مراكز الدراسات، حيث جرت

وقد أُشير إلى أن ترامب اعتمد بشكل كبير على الأسس النظرية التي وضعها مستشاره السابق ستيف بانون، الذي أدى دورًا محوريًّا في تشكيل أيديولوجية الحركة التي يقودها ترامب

مناقشات موسعة حول طبيعة التحولات الجارية، ومدى تأثيرها على خريطة النفوذ الإقليمي، وسبل التعامل مع التحديات المقبلة، في ظلِّ تصاعد الحملات التي تستهدف هوية العالم العربي والإسلامي، وتعيد تشكيل الوعي العام وفق أطر تخدم المصالح الغربية، حيث تزداد المؤشرات إن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تموضع سياسي واقتصادي، ما يفرض على الفاعلين من علماء ومفكرين وصناع الرأي أن يفهموا بدقة طبيعة هذا المتغير، من خلال تحليل مساراته واستشراف تأثيراته على قضايا المنطقة في ظل الدخول لعصر الهيمنة الرقمية والتأثير الإعلامي الموجَّه.

المحور الأول: إعادة تشكُّل العلاقات الدولية وآثارها المحتملة على منطقتنا:

بدأت الورقة بتوصيف دقيق لنهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دخوله في صراع مع “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة، التي تشمل مجموعة من المؤسسات الحكومية والخاصة التي تهيمن على صنع القرار السياسي والاقتصادي، وسلطت الضوء على بعض مكونات هذه الدولة العميقة مثل مجمع الصناعات الأمريكية ووسائل الإعلام الرئيسة (Mainstream Media)، التي تمتلك تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الرؤى السياسية والإعلامية في البلاد.

وقد أُشير إلى أن ترامب اعتمد بشكل كبير على الأسس النظرية التي وضعها مستشاره السابق ستيف بانون، الذي أدى دورًا محوريًّا في تشكيل أيديولوجية الحركة التي يقودها ترامب، فبانون، المعروف بفكره ضد المؤسسة التقليدية، كان له تأثير كبير في توجيه ترامب نحو تغيير بنية الدولة العميقة، وتحويلها إلى مؤسسة جديدة تتَّسم بسياسات مغايرة تستهدف إعادة تشكيل هياكل القوة والنفوذ في أمريكا.

من جهة أخرى، يُعدُّ جاريد كوشنر، صهر ترامب، جزءًا من هذه الدائرة القريبة التي ساعدت في تنفيذ بعض السياسات الخارجية، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط، ورغم أن كوشنر كان له تأثير كبير في تنفيذ هذه السياسات، إلا أن التوجُّه العام لترامب كان يستند إلى بناء قوة سياسية جديدة كما أسسها بانون، بعيدًا عن الهيمنة التقليدية.

بهذا التوجه، يسعى ترامب إلى قيادة تيار سياسي واسع يتحدى الثوابت التقليدية، ويهدف إلى تحويل مؤسسات الدولة الأمريكية الكبرى بما يتماشى مع رؤيته الجديدة التي تعتمد على محاربة الهيمنة التقليدية لصالح بناء قوة سياسية جديدة.

أقسام تيار ترامب:

أشارت الورقة إلى أن ترامب يمثل واجهة لتيار عريض، وأن مكونات هذا التيار تتشكل من ثلاثة أقسام رئيسة:

القسم الأول: هو تيار (MAGA) (الحركة التي تدعو لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى)، وهو تيار شعبوي معارض للهجرة، ويستند إلى فكرة أن الهجرة تؤثر سلبًا على فرص العمل في السوق الأمريكي، خصوصًا للطبقات العاملة البيضاء، هذا التيار يعتمد على الخطاب الشعبوي الذي يربط بين الهجرة والبطالة، محاولًا إقناع الأمريكيين بأن سياسات الهجرة المفتوحة تسهم في تفشي البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يُعزِّز هذا التوجُّه من رغبة ترامب في فرض سياسات صارمة بشأن الهجرة، مع التركيز على إعادة “توظيف” القوة الاقتصادية الأمريكية لصالح المواطنين الأمريكيين بشكل حصري.

القسم الثاني من تيار ترامب: هو التيار المسيحي المحافظ، الذي يكتسب دعمه من مجموعة من المسيحيين الإنجيليين الذين يعتبرون أنفسهم المدافعين عن القيم التقليدية في أمريكا، هذا التيار يولي أهمية كبيرة لقضايا مثل حماية الحياة (مناهضة الإجهاض)، وكذلك يتبنى مواقف صارمة ضد الشذوذ والمثلية، مروجًا للعودة إلى القيم المحافظة التي تعتبرها هذه الجماعات ركائز أساسية.

كما يرتبط هذا القسم بشكل وثيق مع اللوبي الصهيوني الذي يؤثر بشكل كبير في السياسة الأمريكية، حيث ينادي هذا التيار بتأييد كامل للاحتلال الإسرائيلي ويعتبر دعم إسرائيل جزءًا أساسيًّا من الالتزام الديني والأخلاقي.

يعمل هذا التحالف على دفع سياسات مؤيدة لإسرائيل، بالإضافة إلى تبني مواقف متشدِّدة ضد الفلسطينيين وتعزيز مشاريع الاستيطان، كما يختلف هذا التيار عن التيار المحافظ الجديد، حيث لا يدعو إلى التوسُّع في الهيمنة العسكرية الأمريكية على العالم، بل يركز على تعزيز الأوضاع الداخلية.

القسم الثالث من تيار ترامب: يتكوَّن من طبقة رجال الأعمال، وخصوصًا أولئك الذين ينشطون في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، مثل إيلون ماسك (مالك تسلا وسبيس إكس)، جيف بيزوس (مؤسس أمازون ومالك “واشنطن بوست”)، ولاري فينك مدير شركة بلاك روك لخدمات الاستثمار   هؤلاء الأفراد وغيرهم يمتلكون تأثيرًا واسعًا في الاقتصاد العالمي.

كما أشارت الورقة إلى أن طبقة رجال الأعمال، وخاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، قد تُظهر ميلًا نحو تراجع الإمبراطورية الأمريكية في بعض المناطق، بسبب وجود مصالحهم الاقتصادية العابرة للحدود، مما يجعلهم يفضلون التركيز على تعزيز هذه المصالح على حساب الانخراط في نزاعات خارجية.

ويتَّسم نهجهم الاقتصادي بالتركيز على المصالح الربحية العابرة للحدود، حيث يفضلون تجنُّب التصعيد مع الدول القوية لتجنب تعريض مصالحهم الاقتصادية للخطر، ويحرصون على استقرار العلاقات الاقتصادية العالمية لتحقيق أقصى استفادة من الفرص المتاحة، لتركز الولايات المتحدة على تعزيز اقتصادها في الجزء الغربي من العالم، مع ترك مساحة للتعاملات الاقتصادية في مناطق مثل روسيا والصين تمكن تلك الشركات من حرية العمل وتحقيق الأرباح في هذه المناطق، هذا التوجه قد يؤدي إلى تراجع الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية، وفي الوقت ذاته، تبتعد الولايات المتحدة عن التدخلات العسكرية المكلفة، وتركز على تعزيز قوتها في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، مما يُقلِّل من نفوذها التقليدي في الساحة العالمية.

محاور صراع ترامب مع الدولة العميقة:

محاور الصراع لدى تيار ترامب تتعدَّد وتتنوع، حيث يتناول مجموعة من القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تُمثِّل تحديات في مواجهة القوى التقليدية داخل الولايات المتحدة، أبرز هذه المحاور:

  1. دور الجيش: يتضمن الصراع حول دور الجيش في المشهد الأمريكي، وقد عُيِّن في هذا السياق، بيت هيغسيث وزير الدفاع الحالي وهو شخصية غير عسكرية بالأساس، حيث شغل عدة مناصب في الإعلام، هذا الاختيار يعكس توجُّه ترامب نحو تقليص الاعتماد على الخبرات العسكرية التقليدية، كما أقال ترامب مؤخرًا الجنرال تشارلز براون، رئيس الأركان، في ظل هذا الصراع حول دور الجيش.
  2. التعامل مع أجهزة المخابرات والأمن: يخوض ترامب معركة مع موظفي أجهزة المخابرات الأمريكية، إذ عرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على موظفي أربع وكالات استخبارات فرصة الاستقالة الطوعية مقابل تعويضات مالية، في إطار خطة لتقليص الإنفاق الحكومي. تتضمن هذه العروض تقديم حوالي 8 أشهر من الراتب والمزايا للموظفين الراغبين في المغادرة، دون الحاجة للالتزام بالعمل حتى تاريخ الاستقالة مما أثار قلقًا واسعًا داخل إدارة CIA بشأن تأثير ذلك على فعالية الوكالة وقدرتها على أداء مهامها الحيوية.
  3. تقليص المهاجرين: يُعدُّ تقليص الهجرة أحد المحاور الأساسية في سياسة ترامب، حيث يطرح فرض قيود مشددة على الهجرة لتوفير فرص العمل للأمريكيين، كما يروج بأن هذه السياسات تهدف إلى تقليص الجرائم المرتبطة بالمهاجرين، باعتبار أن الهجرة الواسعة تؤدي إلى زيادة في معدلات الجريمة في بعض الولايات.
  4. إدارة الاحتياطي الفيدرالي: يسعى ترامب إلى تنفيذ خطة بشأن الاحتياطي الفيدرالي عبر تخفيض الفائدة المصرفية، كما يتبنى سياسة خفض الضرائب، مع تعويض تلك الخسائر عبر فرض رسوم وجمارك على الواردات.
  5. إلغاء وزارة التعليم: يطرح ترامب فكرة إلغاء وزارة التعليم، معتبرًا أن هذه الوزارة تمثل عبئًا ماليًّا، وكذلك خوفًا من غسيل أدمغة شباب أميركا بكل ما لا يرغبون في أن يسمعه شبابنا بحسب قوله.
  6. دور وزارة الصحة: أصدرت إدارة ترامب قرارًا يقصر الهوية الجنسية على الذكر والأنثى وفقًا للصفات البيولوجية عند الولادة، ويهدف هذا القرار إلى إنهاء ما أسمته الإدارة “أيديولوجية النوع الاجتماعي” التي دعمتها إدارة بايدن، هذا التوجُّه يعكس السياسة الثقافية المحافظة لترامب، التي ترفض الاعتراف بالتحولات الجنسية وتحديد الهوية وفقًا للاختيارات الشخصية خارج الإطار البيولوجي.
  7. الجانب الثقافي المحافظ: على الصعيد الثقافي، يقود ترامب تيارًا محافظًا قويًّا يعارض الحقوق الخاصة بالمثليين والحقَّ في الإجهاض، ويُشدِّد على أهمية الحفاظ على القيم التقليدية.

ملامح سياسة ترامب وتياره:

تطرقت الورقة إلى أن سياسة ترامب تمثل تحولًا نحو سياسة الانعزال التقليدية التي أسسها الرئيس مونرو في القرن التاسع عشر، والتي كانت تعتمد على الانكفاء على الداخل بعيدًا عن التدخل في الشؤون الدولية، بالمقابل، استمرت سياسة ويلسون لقرن من الزمن والتي كانت تهدف إلى نشر الليبرالية في العالم، أما سياسة ترامب، فتتسم بالتركيز على الانعزال والانكفاء على القسم الغربي من العالم، مع الانفتاح على صفقات مع القوى الكبرى مثل روسيا، وهي محاولات لتقليص التدخلات الأمريكية المباشرة في مناطق أخرى.

كما أشارت الورقة إلى أن طبقة رجال الأعمال، وخاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، قد تُظهر ميلًا نحو تراجع الإمبراطورية الأمريكية في بعض المناطق، بسبب وجود مصالحهم الاقتصادية العابرة للحدود، مما يجعلهم يفضلون التركيز على تعزيز هذه المصالح على حساب الانخراط في نزاعات خارجية.

وفيما يخص العلاقة مع السعودية، أشارت الورقة إلى التحالف الوثيق بين الإدارة الأمريكية وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث يجمع بينهما مصالح استراتيجية مهمة في مجالات الاقتصاد والطاقة.

أما بخصوص إيران، فقد توقعت الورقة مزيدًا من الضغوط الاقتصادية والسياسية على النظام الإيراني، مدعومة بالحرب الاقتصادية التي تقودها الإدارة الأمريكية منذ فترة.

المحور الثاني: أهداف إدارة ترامب في الشرق الأوسط وتداعياتها المحتملة:

تناولت الورقة الثانية أهداف إدارة ترامب في الشرق الأوسط من خلال فهم طبيعة متخذ القرار الأمريكي الجديد؛ أي الرئيس دونالد ترامب، مع تسليط الضوء على ثلاثة مُحدِّدات رئيسة تؤثر في توجهات إدارته:

  1. شخصية ترامب:

تتسم شخصية ترامب بالغرابة والاندفاع في اتخاذ القرارات التنفيذية، حيث إنه على الرغم من شخصيته الصارمة، فإنه يواجه ضغوطًا خاصة بسبب خلفية إدانته الجنائية، كما أن تاريخه السابق في السياسة يترك أثرًا واضحًا على تفكيره وقراراته الحالية خشية أن يكون خروجه من الساحة السياسية هذه المرة أكثر سوءًا من سابقتها، ولعلَّ استثماراته الخاصة مع كوشنر تمثل أحد الأعباء  الشخصية على قراراته السياسية، حيث تعاني هذه الاستثمارات من تراجع كبير في قيمتها وتعرضها لبعض الانتقادات القانونية التي قد تؤثر على سمعته السياسية بشكل أكبر.

  1. الاقتصاد الأمريكي:

يشكل الوضع الاقتصادي الأمريكي أحد المحاور الجوهرية في قرارات ترامب، مع وجود مخاوف من التضخم المالي وارتفاع تكاليف المعيشة، قد يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات كبيرة قد تؤثر بشكل مباشر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الولايات المتحدة، هذا، من جانب آخر، قد يزيد من صعوبة إدارته ويدفعه إلى اتخاذ خطوات قد لا تحظى بتأييد شعبي واسع.

  1. الوقت وتهديد الانتخابات النصفية:

الوقت ليس في صالح ترامب، فهو يواجه تحديات كبيرة مع أغلبية بسيطة في الكونغرس (ثلاثة أصوات فقط، وعلاوة على ذلك، يخشى ترامب ما قد يترتب على الانتخابات النصفية المقبلة في غضون عامين، والتي غالبًا ما تكون هذه الانتخابات سلبية بالنسبة للحزب الحاكم، لذلك، سيظل لدى ترامب أغلبية ضعيفة في مجلس الشيوخ، وهو ما يضطره إلى العمل بسرعة كبيرة للحصول على الدعم التشريعي اللازم لتحقيق أهدافه في الداخل والخارج خلال هذه الفترة.

 

بين السياسة والاقتصاد في نهج ترامب:

أشارت الورقة إلى أن سياسة ترامب تهدف إلى تحريك ملفات متعددة على الصعيدين الداخلي والخارجي، مما يخلق حالة من الفوضى السياسية الكبرى التي تتيح له رفع سقف التوقعات في توجهاته، وخاصة في السياسة الخارجية، ليتمكن من التفاوض بشكل أكثر مرونة، فيمرر ما يريد بعد خلق حالة من الضغط والمناورة، وهذا الأسلوب يمنحه حرية أكبر في فرض رؤيته، حتى وإن كانت غير مدعومة بالكامل من القوى التقليدية أو المؤسسات الرسمية.

على الصعيد الاقتصادي، يسعى ترامب إلى إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية للولايات المتحدة بصورة أحادية، بعيدًا عن إطار التعاون التقليدي مع المنظومة الغربية كما كان الحال في عهد بايدن، إذ يعتمد ترامب على التعامل مع إحدى الدول الكبرى بشكل فردي، ثم يتحول إلى التركيز على قضايا الداخل الأمريكي، ثم ينتقل إلى دولة أخرى بنفس المنهج، هذه السياسة الاقتصادية الأحادية تبتعد عن توسيع الشبكات الاقتصادية العالمية، وتخلق حالة من العزلة الاقتصادية للولايات المتحدة بخلاف ما كانت تتمتع بها في السابق، مما قد يدفع الدول التي همَّشها ترامب إلى البحث عن فرص استثمارية بعيدة عن الولايات المتحدة، وهذا التحوُّل قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد الأمريكي من خلال تقليل نفوذها الاقتصادي في العالم.

مناقشات حول الورقتين:

بعد عرض المحاور المذكورة في الورقتين، دار النقاش بين الحضور حول عدة نقاط رئيسة، كان أبرزها ما يتعلق بأهداف سياسة ترامب، حيث تم التركيز على خمس نقاط محورية:

  1. دعم إسرائيل وتعزيز نفوذها في المنطقة.
  2. احتواء النفوذ الإيراني من خلال ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية.
  3. تقليل التدخلات العسكرية الأمريكية في مناطق الصراع.
  4. إعادة ترتيب العلاقات مع الحلفاء التقليديين.
  5. مواجهة التيارات المقاومة التي تتعارض مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

 

فيما يتعلق بتداعيات سياسة ترامب، أكد الحضور على أن هناك تصاعدًا في التوترات مع إيران، بالإضافة إلى الضغط على القوى المقاومة في المنطقة، مع التركيز على إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية الجديدة، كما أشاروا إلى أن محصلة الورقتين هي أن الهيمنة الأمريكية تشهد تراجعًا، وأن الوقت ليس في صالح ترامب، مما يعني أنه سيواجه مقاومة شديدة من الدولة العميقة في الولايات المتحدة التي قد تحدُّ من فاعليته.

كما تناول الحضور الشكل المتوقع للنظام العالمي، الذي يُرجح أن يكون نظامًا متعدِّد الأقطاب، يتضمن الولايات المتحدة قطبًا رئيسًا إلى جانب عدة قوى أخرى أقل تأثيرًا منها، لكنها تمتلك مساحات نفوذ في مجالات متنوعة.

وأكد النقاش أيضًا أن ترامب ليس وحده في هذه السياسة، بل هو واجهة لتيار سياسي عميق، وأن مستقبل هذا التيار لن ينتهي بذهابه، بل قد يمتد عبر شخصيات مثل نائبه جيه دي فانس جيمس، الذي تربى على يد بيتر ثيل، رجل الأعمال المبرز، والذي يُعد من أبرز مؤيدي هذا التيار، وقد يكون فانس هو الخلف المحتمل لترامب، حاملًا نفس المشروع السياسي والاقتصادي.

فيما يخص المقاومة، أشار الحضور إلى أن المقاومة الفلسطينية قد أدت دورًا مهمًّا في الحرب الأخيرة، “طوفان الأقصى”، لكنها تتعرَّض حاليًا لضغوط شديدة، مشيرين إلى أن قوة المقاومة كانت ستزداد لو كانت جزءًا من مشروع كامل للأمَّة، ومع ذلك، أكدوا على أن غياب هذا المشروع المتكامل لا يعني التوقف عن دعم المقاومة، وأنه يجب الاستفادة من النجاحات التي تحققت في مناطق مثل سورية وأفغانستان، وكذلك في غزة ضد الاحتلال، وأكد الحضور على ضرورة دعم المقاومة بقوة، وأن مراكز البحث والهيئات العلمية يجب أن تقوم بدور فاعل في تحليل واقع المقاومة وتقديم التوصيات اللازمة لتعزيز قدراتها.

من جانبه، أكد أحد كبار أستاذة العلوم السياسية، في مداخلته أن الكثير من تهديدات ترامب لم تتحقَّق، مشيرًا إلى أن تهديداته تجاه المقاومة غير واقعية، حيث استبعد القضاء على المقاومة، وأوضح أن الأمور تحكمها سننٌ ربانية لا يمكن لأي شخص، سواء كان ترامب أو أمريكا أو غيرهم، أن يتحكم فيها أو يغيرها.

كما أشار إلى أن هناك أزمة ديمقراطية في ظل حكم ترامب، حيث إن قراراته التنفيذية تتسم بـالفوضوية والعديد منها يتسم بالعشوائية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، واعتبر أن فكرة الديمقراطية نفسها أصبحت مهددة في ظل هذه السياسات الحمقاء التي يتبعها ترامب.

وتساءل عن سياسة ترامب التي تقوم على إحداث الفوضى، محذرًا من أنه إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة على هذه الفوضى، فإن هذا سيكون بمثابة خطر كبير على أمن الدول، كما أشار إلى رد الفعل في المجال الثقافي الأكاديمي الذي بدأ يظهر مؤخرًا في بعض الدول الأوربية، والذي يهدف إلى مضاعفة المساعدات لاستيعاب العقول والكفاءات من العالم الثالث، خاصة مع تصاعد هذه السياسات الترامبية المعادية.

وفيما يخص الحالة المصرية، أكد سعادته أن النظام في مصر يمر بمرحلة توتر وضغط كبير بسبب سياسات ترامب، خاصة مع تصاعد الضغوط الأمنية والاقتصادية على الدولة المصرية، وتطرق النقاش في هذه النقطة إلى أن دور الجيش والمخابرات قد بدأ يظهر بشكل واضح مع صعود ملف الأمن القومي إلى الواجهة فيما يخص قضية التهجير، وأنه يظل في حالة تصاعد كلما برز هذا الملف.

وفي ختام جلسة المناقشات حول الورقتين، شدد الحضور على أن هناك دائمًا فرصًا يجب استثمارها، رغم السلبيات الناتجة عن السياسات الأمريكية الحالية، والتي تؤدي إلى تراجع الهيمنة الأمريكية وفتح مساحات جديدة للعمل.

المحور الثالث دور العلماء والدعاة في مواجهة العواصف الرقمية القادمة بقوة على المسلمين:

في هذا المحور أكدت الورقة الثالثة على كون ترامب يمثل واجهة لنظام عالمي جديد، حيث إن النظام العالمي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة خلال القرن الماضي عبر المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وغيرها من المؤسسات، بدأ في التحول نحو نظام رقمي جديد، يشرف عليه رجال الأعمال وأصحاب الشركات الذين يمثلون الجناح المهم في تيار ترامب.

وقد أُشير إلى أن هذه الشركات أصبحت بالفعل قوة جديدة ظهرت بوضوح مع انتخاب ترامب في المرة السابقة، خاصة في ظل الشكوك حول دور روسي في توجيه الانتخابات الأمريكية عبر حملات موجهة على منصات التواصل الاجتماعي التي تملكها هذه الشركات، والتي يسعى أصحابها لتحقيق مصالح خاصة، حتى لو كانت هذه الشركات أمريكية.

وأكدت الورقة أن هذا النظام الرقمي المتصاعد أصبح من الصعب جدًّا إيقافه، مشيرة إلى أنه يتحكم في ثلاثة أمور أساسية تهدد الهُوية والوعي، وهي:

  1. تشكيل العقول: عبر التأثير على طرق التفكير والوعي الجمعي.
  2. تشكيل الهوية: بما لديه من قدرة على تزييف الحقائق المتعلقة بالهوية والتاريخ، بما يعيد تشكيل مفاهيم الشعوب عن أنفسهم.
  3. تشكيل القناعات: في مجالات السياسة والثقافة والاجتماع والفكر، مما يؤثر على الأفراد في اتخاذ مواقف وتصورات مستقلة بعيدًا عن هذا التأثير الوافد.

مسؤولية الدعاة أمام هذه التحولات الرقمية الكبرى:

ركز النقاش على الدور الكبير الذي يقع على العلماء والدعاة في مواجهة التحديات الرقمية المتزايدة، التي تُهدد الهُوية الإسلامية وتؤثر على القيم والقدرة على التفكير النقدي، وحدَّد الحضور عدة نقاط رئيسة في مسؤولياتهم:

  1. التعامل مع الأدوات الرقمية: من خلال وضع تصور استراتيجي كبير لمواكبة هذا التحول الرقمي، وفي حال تعذُّر ذلك؛ فإنه يجب العمل على تنفيذ مساقات جزئية في التعليم والدعوة تتبنى هذه الأدوات وتوظفها بشكل عملي وفعَّال.
  2. الاهتمام بالمستوى الدعوي والتعليمي: ينبغي الاستفادة من النوافذ الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الحديثة في تعزيز الدعوة والتعليم، بحيث تصبح هذه الأدوات الجديدة جزءًا من العمل الدعوي اليومي.
  3. استثمار مناطق التحرُّر: يجب على الدعاة استثمار المناطق الجغرافية الجديدة للتحرُّر من القيود السياسية، مثل سورية، لتفعيل الدعوة والتعليم عبر النوافذ الجديدة، والتوسع في نشر المحتوى الإسلامي الذي يُعزِّز الهُوية الإسلامية في هذه الفضاءات.
  4. تأهيل العناصر المواكبة: من المهم العمل على تأهيل وتدريب عناصر جديدة من الشباب، لتعريفهم بتطورات العصر الرقمي، ولتمكينهم من توظيف هذه الأدوات في الدعوة والعمل الإسلامي.
  5. رفع مواد العلوم الإسلامية عبر منافذ الذكاء الاصطناعي: يجب على الدعاة والعلماء إدخال العلوم الإسلامية عبر منصات الذكاء الاصطناعي مثل أنظمة المحادثة الذكية المتقدمة، فإنه يمكن تغذية هذه الأنظمة بمعلومات شاملة ودقيقة حول العلوم الإسلامية، مما يسهم في نشر المعرفة بشكل موسع، هذا التوجه يتيح نشر الدروس والمحاضرات بطرق حديثة، ويعزز الوصول إلى المعلومات الإسلامية بفعالية أكبر.

وبذلك ونحوه، يتحمل الدعاة والعلماء مسؤولية كبرى في الحفاظ على الهوية الإسلامية والقدرة على التفكير النقدي، من خلال التفاعل مع هذه الأدوات الرقمية الجديدة، والعمل على استثمارها في نشر العلم والدعوة.

الخاتمة:

لقد أظهرت الحلقة محاور متكاملة ترتبط ببعضها تشير إلى التصدُّع المتسارع للنظام العالمي الحالي تحت وطأة سياسات ترامب وتياره الجديد، وهو تصدُّع يتجلَّى مع كل حدث، وآخره المشادة العلنية بين ترامب وزيلينسكي، التي عكست بوضوح تراجع الدور الأمريكي في حماية أوروبا، هذا الفراغ الذي يفسح الطريق أمام روسيا والصين لتوسيع نفوذهما على المستوى الدولي، في وقت تتآكل فيه الثقة بين الدول الأوروبية نفسها، مما يسرِّع تشكُّل نظام عالمي متعدد الأقطاب تتراجع فيه هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، وتسهم فيه الشركات الاقتصادية الكبرى في تشكيل هذا النظام الجديد الذي يعيد تعريف القوة والنفوذ بشكل رقمي.

وتتمثَّل أهداف سياسة ترامب في تحجيم الدور الأمريكي في شؤون العالم، مع التركيز على الداخل الأمريكي، مما يؤدي لتعزيز القوة الرقمية عبر شركات التكنولوجيا التي تدعم مصالحه، ويُسهم في تشكيل نظام عالمي رقمي.

في ظل هذا التحول نجد أن الأمة الإسلامية أمام تحديات كبيرة للحفاظ على هويتها الإسلامية في ظل هيمنة العوالم الرقمية، وهو ما يتطلب من العلماء والدعاة أن يعملوا على توظيف هذه المنصات الرقمية لتثبيت القيم الإسلامية وحمايتها، والعمل على تعزيز محتوى علمي إسلامي قوي يعكس الجوانب الحقيقية والمثلى للهوية الإسلامية.

زر الذهاب إلى الأعلى