استعراضتقاريرمراجعات

دراسة سياسية واقتصادية حول توقيت ودواعي تحرك الرئيس رجب أردوغان الأخير

لنسأل المعترضين أولًا: أليس استمرار الوضع السابق الذي ساهمت فيه الجائحة أثبت فشله، وهو قريبٌ مما تطالبون به؟!

 

إنَّ ترك الأمور حسب المعالجة السابقة سيُبْقِي على استمرار منحنى تراجع قيمة الليرة ولو تدريجيًّا – حتى مع استمرار رفع الفوائد لمستويات جنونيَّةٍ – كما هو حاصلٌ فعليًّا منذ سنوات.

 

هذه السياسة – رفع الفائدة الربوية – في النهاية ستصل لذات نتيجة تهاوي الليرة التي يُحِذِّر منها المعارضون اليوم، ولكن سيرافقها ارتفاع الفوائد والتضخُّم أيضًا دون علاج. هنا يصبو الكائدون من وراء المطالبة بذلك إلى نفاد الوقت أمام أردوغان وشَلِّهِ دون حلولٍ، وصولاً إلى استحقاق الانتخابات.

ـــــــــــــــــــــــــــ

طاهر صيام*: مهندس عقود المشاريع الهندسية الدولية وإدارتها في أرامكو وشركة النفط شيل سابقًا- عضو الجمعية الأمريكية للقيمة الهندسية- دبلوم دراسات إسلامية متقدم الجامعة الأمريكية ومعهد العلوم الإسلامية بفيرجينيا.

 

هذا ما يدركه الرئيس أردوغان جيدًا ويصرُّ على الحيلولة دونه، منذ زمن في وجه محافظي البنك المركزي وغيرهم، فهو يعلن بوضوح أنه ضد رفع الفائدة والتضخُّم تحديدًا.

 

من نافلة القول أنَّ الأرباح العالية للمدِّخرين في البنوك جرَّاء الفوائد العالية، ستبعد المستثمرين عن التوجُّه إلى توظيف الأموال في قطاع المشاريع والإنتاج، وبالتالي سيتعطَّل التوظيف وستزداد البطالة وسيرتفع ثمن البضائع بسبب ذلك، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى التضخُّم.

 

ما يفعله أردوغان اليوم هو وضع كلِّ التحديَّات على الطاولة قبل الانتخابات بوقت كافٍ، ومعالجة الارتدادات السلبية والواقع الحقيقي، وكذلك إجبار الجميع على كشف الأوراق، وبالتالي التعامل مع اللوبيات والولاءات الشخصية دفعة واحدةً بدلًا من الهروب إلى الأمام، والبقاء على ذات المنحنى التراجعي البطيء المستمر.

 

أي إنه يقوم بإطلاق عملية إصلاح وتعامل مع الواقع والآثار الجانبية مبكرًا، ومواجهة تحصيل الحاصل قبل نفاذ الوقت واستحقاق الانتخابات.

 

المشاكل الجوهريَّة لا بدَّ أن تأخذ سياقها الوقتي الصحيح وترتيب أولويَّاتها، وهي لازمة كحلٍّ شاملٍ، ومِن ثَمَّ حلُّ مثل مشكلة عجز ميزان المدفوعات الخارجي BOP بحوالي 35 مليار دولار.

 

أقول بموضوعية حسب النتائج الماثلة: تتحمَّل الحكومة المسؤولية عن توسيع فتح باب (الاقتراض الخارجي) للقطاعين الحكومي والخاص من (البنوك الخارجية) قبل الجائحة، وبالتالي تعريض تركيا للضغوط وأدوات تأثيرها، خاصَّة من البنوك الأوروبية خصوصًا منذ 2014م بالرغم من كلِّ تسويغات الحاجة إلى التنميَّة، علمًا أنَّ معظم هذا الدَّين هو من طرف القطاع الخاص.

 

لقد تمَّ هذا بالطبع تحت مُسمَّى الحاجة إلى تمويل المشاريع التحتيَّة، والتي معظم عقودها ونموذجها المالي ليس حسب نموذج BOT المبسط بل PPP حيث تتحكَّم بتمويلها البنوكُ، وتنفِّذُها شركاتٌ خاصَّةٌ كامتياز تشاركي مع الحكومة – Puplic Private Partnership   Project – وهو نموذج تمويلي ذو مخاطر أعلى، وقد فشل ماليًّا في جسر أستراليا العملاق وفي مشاريع كندا، وهي عقود وتمويلات تحمل قروضًا ربويَّةً عاليَّةً، وصلاحياتِ تدخُّلٍ من البنوك في المشاريع، وتحصيلات من المستخدمين عالية جدًّا، كضرائب الطرق والجسور وغيرها. علمًا أنَّ المطار والمستشفى الجديدين في اسطنبول يتبعان نموذج PPP.

 

على سبيل المثال، في صيف 2018م ذكرت بلومبرغ أن “أستالدي” وهي شركة إنشاءات إيطالية متعددة الجنسيات على وشك بيع حصَّتها في مشروع جسر السلطان سليم الأول الرئيس، مقابل 467 مليون دولار. فشل المشروع في الوفاء بالتوقُّعات، مما تطَّلب من أنقرة زيادة عائدات المشغِّلين من الخزينة. ومنذ أوائل عام 2018م سعى الشركاء في المشروع المشترك إلى إعادة هيكلة ديون بقيمة 2.3 مليار دولار من الدائنين للمشروع بنمط PPP. (انظر الجدول المرفق في الملحق).

 

كحصيلة، باتت الليرة تعاني بشدَّة من حجم سداد الديون العاجلة قصيرة الأمد:

 

بحلول نهاية عام 2017، بلغت ديون الشركات التركية بالعملة الأجنبية أكثر من الضعف منذ عام 2009م؛ حيث وصلت إلى حوالي 214 مليار دولار، أما إجمالي الدين الخارجي التركي العام والخاص فقد بلغ 453.2 مليار دولار في نهاية عام 2017.

 

في آذار/مارس من عام 2018، كان من المقرر أن يُسدَّد 181.8 مليار دولار من الديون الخارجية العامة والخاصَّة في غضون عام – انظر في تقرير البنك المركزي Short Term External Debt Statistics / Central Bank of the Republic of Turkey –   March  2018 .

 

وبحسب بنك التسويات الدولية خلال سنة 2018م، فإن البنوك الدولية كان لديها قروض غير مسدَّدة تبلغ 224 مليار دولار للمقترضين الأتراك، بما في ذلك 83 مليار دولار من البنوك في إسبانيا، و35 مليار دولار من البنوك في فرنسا، و18 مليار دولار من البنوك في إيطاليا، و17 مليار دولار من البنوك في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، و13 مليار دولار من البنوك في ألمانيا – / The Globe Post.  22 May 2018 مؤرشف من الأصل.

 

لقد ساهم ما سبق في أزمة كبيرة نهاية صيف 2018، إذ خسرت الليرة التركية ثلث قيمتها خلال شهر واحد!

 

بيدَ أنَّ الرئيس أردوغان والشركات الخاصَّة توجَّهوا إلى الابتعاد عن الدَّين الخارجي، فنزلت قيمة ديون القطاع الخاص إلى الخارج بمقدار 74 مليار دولار مؤخَّرًا منذ العام 2018م.

 

أما اليوم فلا بدَّ أولًا من إيقاف الموت البطيء، وعتوِّ الأموال الساخنة التي تبحث عن الفوائد الربويَّة العالية والسريعة… إذ تُحْجِم عادةً مثل عوائل روكفلر وروتشفيلد عن استثمارها في البنوك الغربية نظير فوائد متدنيَّة، وتُحلِّق ببعضِها بدلًا من ذلك في تركيا. من هنا كان تحرُّك أردوغان الأخير الشجاع والضروري بشكل ممنهج وجذريٍّ.

 

أهم ما تحمله قرارات أردوغان من وضع حدٍ وتصحيحٍ للوضع القائم:

 

1- القطع مع سياسة الفوائد الربوية العالية والنزول بها تدريجيًّا، وتحجيم سياسة الاقتراض الخارجي وبالتالي تأثير مموِّليها.

 

2- طرد اللاعبين المضرِّين مبكرًا وقبل الآنتخابات؛ مثل المضاربين والمرابين.

 

3- مكافحة دخول الأموال الساخنة.

 

4- فرض سياسة الدولة وشخصيتها وهيبتها اقتصاديًّا بحزم، وتكريس دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والإنتاج والتوظيف، وبالتالي الحد من آثار التضخم كما أعلن مرارًا.

 

5- التعامل مع الواقع مبكرًا قبل الانتخابات، والتعاطي مع العقبات والآثار الجانبيَّة، وحلُّها قبل نفاد الوقت.

 

6- المسارعة في حل قضية مصادر الطاقة وكلفتها، وتنمية الطاقة البديلة النظيفة.

 

7- الشروع بالإصلاح الاقتصادي الشامل والهيكلي؛ ليشمل كلَّ الدوائر القريبة والبعيدة على مدى أطول.

 

8- التصدي للوبي TUSiAD بصورة علنيَّة، إذ قام رئيسه الإيطالي الأصل سيمون ماكسولسكي – مزدوج الجنسيَّة – كغالب أعضائه البارزين ذوي الصبغة اليسارية – مع البارونين كوتش ودوغان بتحرُّكات غير مهنيَّة باتجاه التنسيق مع المعارضة، وممارسة ضغوط سافرة على الحكومة من جهة أخرى، وهو ما أثار حفيظة الرئيس أردوغان الذي وجه رسالة بعنوان: “أحسنوا في عملكم المهني ولا تتجاوزوا حدودكم”.

 

لقد قرر أردوغان وضع الأمور في نصابها، وهو الذي سبق وأن أخرج الجيش من النفوذ الاقتصادي، وأغلق بنك الجيش الذي كان فوق رقابة الجميع في العام 2005م.

 

لقد فعل الطيب أردوغان حسنًا حينما انعطف الآن بقوة ولم يكابر، بل هو يقول إنه كان عازمًا على هذا حسب فريضة التوقيت.

 

إذاً، ما الذي تعنيه هذه السياسة والتحرُّر من النموذج الرأسمالي الغربي، ولو بصورة غير مباشرة وجزئية؟

هل هي مجرد فوات مصالح مالية وسياسة بالنسبة للغرب؟

 

الجواب: لا بد من فهم أساس الاقتصاد الليبرالي الإمبريالي حسب نموذج “آدم سميث” الذي تبنَّاه الغرب – أي: “اقتصاد السوق الحر” والعابر للحدود – كما في كتابه “ثروة الأمم” الذي يعلن فيه أنه لا مكان للأخلاق، وأن مصالح الأثرياء/ الشركات هي من تقود المجتمع، وبالتالي سيستفيد العمَّالُ لاحقًا من ازدهار حالة الطبقة العليا!

 

كما يعلن أصحاب هذا النموذج: “على الدولة أن لا تتدخل في الأسواق لحماية القيم، أو لصالح الضعفاء مقابل مصالح الأغنياء، فلغة المصالح المجرَّدة والعابرة للحدود فوق كلِّ شيء، حتى الأيدولوجيات إن لزم”. طبعًا يمثل هذا لُب الليبرالية الاقتصادية والبرغماتية.

 

مثل هذا المبدأ يصرح به بعض قادة الغرب والأحزاب في دولهم: “دعوا السوق يصحِّح نفسه”.

 

لكن الحقيقة هي أن رعاة السياسيين من المرابين واللوبيات والشركات العابرة والأثرياء هم المتحكِّم الحقيقي – توليفة “برجوازية” تسمى الدولة العميقة – ولا تصحيح فعلي، فهم يأخذون دور الدولة أو (يطوعونها لهم)، وهذا ما يرفضه بالضبط أردوغان… فلا مكان عندهم لحقوق البسطاء والعمال والأخلاق والقيم.

 

 إنَّ كسر هذا النموذج العالمي، سيكون له تبعات أيدولوجية اقتصادية، لذلك نجد أنَّ أردوغان يؤكد على أنه سيبقى يراعي مبدأ السوق الحر، وأنه سيقلص الفوائد العالية أسوة بالغرب. فهو لا يريد أن يقفز في الفراغ ليعلن حربًا “دون كيشوتية”، بل يراعي السنن والموازين.

 

لقد بات من الواضح أنَّ الرئيس رجب طيب أردوغان يملك دومًا خططًا شبه جاهزة، ويترقَّب التوقيت المناسب، خصوصًا عندما يكون الأمر متعلِّقًا ببندول الساعة الدولية، وفي سياسات تخضع لردود فعل دوليَّة ولو كانت ناعمة.

 

فمثلاً، نجد أن أردوغان يتحرك تحركًا سريعًا في قضايا تركيا متنوعة كلما اشتد الحال بين روسيا والغرب، مثلما حصل مؤخَّرًا مُستغلاً انفساح مساحة أكبر للتحرُّك، كما أنه يوازن في ذلك دومًا مع اشتداد الحاجة لتركيا من قبل الناتو، وهذا ما ظهر جليًّا في “قمة الناتو” الأخيرة وتوجهات “جو بايدن” نحو روسيا، ناهيك عن حسابات تجاذبات الملف النووي الإيراني. من هنا نفهم كذلك حرص تركيا على الدخول في معادلة إدارة مطار أفغانستان، على الأقل لزيادة أوراق التأثير.

الرئيس أردوغان يعي أن الضغط السيكولوجي والمخاطر على الاقتصاد والبنوك الأوروبية اليوم قد اشتدت مع التوتر الروسي في أوكرانيا وظهور متحور أوموكرون. مثل هذا الأمر لا يعطي ديناميكية كافية للمؤسسات المالية الأوروبية للمناورة بقوة والضغط كثيرًا على تركيا، ولو كردَّةِ فعل على تحرُّكه الأخير.

 

لقد أثبت أردوغان عبر مسيرة طويلة بعيدة محفوفة بالتحديَّات، أنه رجل كميت مكيث، لا يبيتُ إلَّا وخُطتُه معه، فهو يباشر الموقف، ويتحيَّن فرص الرياح أثناء تلاطم الموج… ثابت الجنان، يلجم العاطفة، لا يجامل أحدًا إذا جدَّ الجدُّ. يعطي عامل الوقت حقه، ويقطع بحزم مع المترددين وإن قربوا.

هو لا تستفزُّه الأحداث فينساق خلفها، بل يبادر بخطته، ثمَّ يعدِّلُها ويؤطِّرُها بحسب تطور الأحوال بواقعية، ولا يتوانى عن المراجعة.

 

الطيب أردوغان – والله حسيبه – قبل كلِّ ذلك وبعده، جهده مؤيَّدٌ وعقلُه مُسدَّدٌ لأنَّ مطيَّته الصِّدق والرجولة، وتلك عملة عزيزة. ولعلَّ هذا يفسِّر تصريح الخبير الاقتصادي البريطاني تيموثي آش، ليلة انتعاش الليرة التركية مقابل الدولار عقب خطاب أردوغان: أنا خبيرٌ اقتصاديٌّ منذ 30 عامًا.. لم أر مثل هذا الأمر في حياتي المهنية كلِّها.. إنه أمرٌ لا يُصدَّق!

 

 

ملحق (1)

لائحة بقيمة معظم مشاريع البنية التحتية التركية بالدولار،

 والتي تم تمويلها شراكة مع القطاع الخاص والبنوك خلال السنوات الأخيرة –

 


المصدر: بنك التطوير التركي

ملحوظة: جميع الأرقام بالمليار، والعملة هي الدولار الأمريكي.

والله هو الهادي إلى الحقِّ وإلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان، وإليه الإنابة، ومنه السداد والتوفيق،

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى