كتبمراجعات

مراجعة كتاب “في زمن الوحوش: السفر خلال شرق أوسط غاضب”

سكاي أكاديمية واستراتيجية وزميلة في معهد جاكسون بجامعة ييل، كما قامت بالتدريس في جامعة هارفارد. عملت في الشرق الأوسط لمدة عشرين عاما وتم تعيينها كضابطة برتبه الإمبراطورية البريطانية للخدمة في العراق، كما عملت كمستشار أول لقائد القوات الأمريكية بالعراق. وهي مؤلفة كتاب “الانهيار: آمال عريضة وفرص ضائعة في العراق”، وتعيش حاليا في مدينة نيوهافن بولاية كونتيكت الأمريكية.

تاريخ النشر: فبراير ٢٠١٩

عدد الصفحات: ٣٢٠

 

 

نبذة مختصرة

أمضت المؤلفة ثماني سنوات في العمل كمستشارة للقوات البريطانية ثم الأمريكية في العراق وأفغانستان، وانتهت من هذه الوظائف عام ٢٠١٠ وعادت إلى بريطانيا ولكنها لم تستطع التكيف مرة أخرى مع حياتها الرتيبة في وطنها فقررت العودة للشرق الأوسط، لكن هذه المرة كرحالة تجوب مدن وقرى المنطقة وتدرس الواقع الملتهب بعد ثورات الربيع العربي التي عصفت بالمنطقة.

المؤلفة لها نظرة تحليلية واسعة الأفق، وتتمتع بحس إنساني جيد وإن لم يخل في مواضع قليلة من أحاسيس عنصرية. يتميز الكتاب بأمرين كبيرين:

الأول: هو اللقاءات والشهادات التي جمعتها المؤلفة من عشرات الشخصيات السياسية والحقوقية والفكرية والعسكرية والأمنية، ومعظمها لشخصيات ما زالت حية وكثير منها في السلطة.

الثاني: أن المؤلفة حاولت مد صلات الأحداث الحالية بدوافعها وخلفياتها التاريخية على الأقل خلال القرنين الأخيرين بما فيهما فترة احتلال بريطانيا وفرنسا للمنطقة لزهاء قرن كامل.

كان قد صدر للمؤلفة كتابها الأول “الانهيار” (The Unravelling) الذي قوبل بإعجاب شديد من النقاد، واعتبرته جهات عديدة كواحد من أفضل الكتب السياسية التي صدرت عام ٢٠١٥. يصف الكتاب الفترة التي كانت سكاي مسؤولة فيها عن منطقة كركوك في شمال العراق ثم كمستشار أول لكبير جنرالات الولايات المتحدة في البلاد. كانت سكاي ومازالت صوتا مهما لأي شخص شهد هذه الأحداث المزلزلة بنفسه، باعتبارها شخصية معارضة لغزو العراق، لكنها ظلت تعمل باجتهاد لتخفيف عواقبه السيئة. إن تفسيرها للفوضى والتعقيدات التي صاحبت جهود الولايات المتحدة لتحويل العراق إلى ديمقراطية مؤيدة أو تابعة للغرب، يعتبر عملا مهما للمؤرخين الذين يسعون إلى فهم المأساة التي دمرت العراق، أسبابها وتداعياتها. ذلك الكتاب تناول الآمال الأمريكية المرتفعة في بداية الغزو، ثم الفرص الضائعة في العراق وصولا إلى الفشل التام وتفكك العراق. وبرغم أن المؤلفة حللت بدقة وحسم السنوات الأولى الكارثية للاحتلال الأمريكي، إلا أنها ألقت بجزء كبير من تبعة ما وقع على ما وصفته بـ “الكراهية القديمة التي تدمر الشيعة والسنة والأكراد وتجعل من العراق حالة ميؤوس منها”.

منعطف الربيع العربي

عندما انتشرت ثورات الربيع العربي في الشرق الأوسط قبل ثماني سنوات تفاءل كثير من المراقبين، حيث لاحت نهاية لسنوات الديكتاتورية المتصلبة، وسقوط الأنظمة القمعية، وأنه قد تعم موجة تقدم سياسي في المنطقة كلها. ولكن كان هذا أمرا مستبعدا عند كثيرين من السياسيين والمعلقين في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، ظلت كثير من الأنظمة الاستبدادية قوية، تدعمها شبكات المحسوبية والمصالح الراسخة والدعم الإقليمي أو الدولي. كما تم تقويض حركات المعارضة بسبب الخلافات الإيديولوجية والانقسامات العرقية أو غيرها، وبسبب القمع الوحشي المصمم على هزيمتها.  رصدت المؤلفة الشباب الشجعان الذين كانوا يحملون شعارات وأحلاما ملهمة، ورأت – كشاهد عيان – أن قدراتهم لم تكن على مستوى مواجهة دبابات الأنظمة وحسابات القوى العميقة أو القوى البعيدة عن أوطانهم.

ترى المؤلفة أيضا أن أحد العوامل الرئيسية المفقودة في كثير من الأحيان في الربيع العربي،  هو أن العديد من الشعوب في دول مختلفة مثل تونس ومصر وسوريا والمملكة العربية السعودية وإيران لم تعجبهم القيم والأنظمة وأساليب الحياة في الغرب بقدر ما كان البعض في الغرب يأملون. فأن تكون معارضا للنظام لا يعني بالضروري أن تكون مناصرا للغرب. كانت علاقة الكثير من الليبراليين في الشرق الأوسط بالديمقراطية والفردية والأفكار والمؤسسات الغربية معقدة ومليئة بآثار وندوب الظلم التاريخي الغربي بنفس قدر الطموح. إذا كان العديد من مظالم الغرب يعود إلى قرون سابقة، فإن العقد الذي يسبق ثورات الربيع العربي اضاف مظالم جديدة. تعتبر الكاتبة إيما سكاي مؤهلة بشكل فريد للتأمل في هذه المظالم.

لقد تابعت إيما سكاي غزو أمريكا للعراق عام ٢٠٠٣ وعواقبه ولا زالت تتذكر بوضوح المناظر والأصوات والروائح في بغداد والبصرة والرمادي وكركوك والفلوجة في تلك السنوات عندما اقتحمت الجيوش الأمريكية المدن الترابية على نهر الفرات وحملت الجماعات الإسلامية والعرقية الأسلحة ضد القوات الأمريكية، وضد بعضها البعض، وأخذت هذه الجماعات في التشكل والتطور والسيطرة. إذا كانت هذه الأحداث تبدو بعيدة نسبيا الآن، إلا أن المؤلفة ترى أننا نعيش الآن عواقبها وآثارها.

من أجل دراسة آثار سنوات غضب الشرق الأوسط، سافرت المؤلفة حول الشرق الأوسط كمراقبة بسيطة ومراسلة ومسافرة على الرغم من انها تتمتع بمجموعة رائعة من العلاقات والاتصالات. فقد ذهبت إلى السفراء وقابلت شيوخ القبائل ولكنها تجولت بمفردها أيضا في الأسواق والمساجد والمدارس الدينية والقرى الجبلية. هذا الكتاب مفيد للغربيين لأنه يجلي لهم – إلى حد معقول – طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وهو مفيد كذلك لأهل المنطقة بدرجة أكبر، بما يتمتع به من نظرة شمولية، برغم غوصه في تفاصيل الأحداث، مع عمق تاريخي جيد. أسلوب سكاي واضح وبسيط وشيق ومتواضع مع التزامها الفكري والعاطفي تجاه منطقة من الواضح أنها تحبها وتفهمها. الكتاب سياسي وإنساني بالدرجة الأولى وإن كان لا يخلو من أدب الرحلات بمعناه التقليدي.

المالكي وأوباما.. العراق وسوريا

أفضل فقرات الكتاب تحلل أوضاع سوريا والعراق، وتضع اللوم فيها على شخصيتين بارزتين باعتبارهما سبب الدمار والفوضى البشعة التي وقعت في الدولتين، وهما: نوري المالكي رئيس وزراء العراق الشيعي من عام ٢٠٠٦ إلى عام ٢٠١٤ وباراك أوباما الرجل المسؤول عن سياسة الولايات المتحدة في البلدين. فقد أدار المالكي حكومة لم تكن فقط سرية وفاسدة ومذعورة وفاشلة، بل كانت أيضا شديدة الطائفية ونفذت سلسة من السياسات الباطشة الغاشمة التي همشت وعاقبت أهل السنة من العراقيين. ساهم هذا التمييز العنصري المنظم بشكل كبير في صعود الدولة الإسلامية في العراق والتي استغلت انزلاق سوريا إلى الفوضى قبل الاستيلاء على مدينة الموصل الشمالية عام ٢٠١٤. ووفقا لسكاي فإن قرار أوباما بعدم التورط في الشرق الأوسط قد يبدو منطقيا بعد الأخطاء التي ارتكبها سلفه، لكنه غالبا ما يصل إلى التقصير في أداء الواجب.

تقول المؤلفة في فقرة تعكس طريقة تناولها وتحليلها للأحداث:

“في أغسطس ٢٠١٤ نشرت داعش فيديو يصور رجلا ملثما غطى نفسه بملابس سوداء حاملا سكينا في يده اليسرى بينما أمسك برقبة الصحفي الأمريكي جيمس فولي بيده اليمنى. كان فولي يرتدي زيا برتقاليا شبيها بزي سجناء معتقل جوانتنامو. أعلن الرجل الملثم في الفيديو أن ذبح فولي يأتي ردا على الغارات الجوية التي أمر بها أوباما ضد تنظيم الدولة في العراق. أطلق الأسرى الغربيون في الرقة بسوريا على الأربعة جهاديين الذين كانوا يعتقلونهم لقب “الخنافس” (THe Beatles) نظرا للكنتهم الإنجليزية. لاحقا تعرف هؤلاء على الرجل الذي قام بعملية الإعدام وأن اسمه جون.

نشرت داعش فيديو ثانيا للجهادي جون وهو يقوم بإعدام الأمريكي ستيفن سوتلوف، وقال في الفيديو: ها أنا أعود يا أوباما بسبب سياستك المتعجرفة تجاه الدولة الإسلامية. أنت يا أوباما تتسبب مرة ثانية في قتل مواطن أمريكي”. أصيب الأمريكيون بالغضب والفزع، وأمر أوباما بتوجيه ضربات جوية ضد داعش في سوريا. الضحية التالية للجهادي جون كان البريطاني عامل الإغاثة ديفيد هينز، وتبعه سائق تاكسي بريطاني تم اعتقاله أثناء توصيله لإعانات إغاثية في سوريا، وهو ألان هينينج. بعدهما جاء دور بيتر كاسيج عامل إغاثة أمريكي كان قد تحول إلى الإسلام. ثم تم إعدام رجلين يابانيين بعد أن أعلن رئيس الوزراء الياباني تقديم مساعدة غير عسكرية قدرها ٢٠٠ مليون دولار للدول التي تحارب تنظيم الدولة. أعدمت داعش أيضا الطيار الأردني معاذ القصبة الذي ألقي القبض عليه بعد قفزه بالمظلة من طائرته الـ إف ١٦ أثناء طلعة جوية فوق سوريا، وقد نشرت داعش فيديو لحرقه حيا وهو يرتدي نفس الزي البرتقالي داخل قفص، وقالت داعش إن هذا سيكون عقاب من يشارك في القصف الجوي ضدها.

دعاني مرة الشيخ عبد الله الياور على طعام العشاء مع عائلته في منزله بعمان في الأردن. الياور عراقي من الموصل وكنت أعرفه أثناء عملي بالعراق منذ ٢٠٠٣ وما بعدها، وقد قرر الآن أن يتعاون هو وعائلته مع قوات التحالف بدلا من محاربتها. الياور أحد شيوخ قبيلة شمر التي ينتمي عليها حوالي خمسة ملايين في العراق وسوريا والأردن والسعودية، وكمعظم الأثرياء من السنة العرب فقد انتقل الياور للعيش في عمان.

وصف لي الياور كيف نجت أمه وشقيقه وتمكنا من الهرب قبل ساعات فقط من اجتياح داعش للموصل صيف ٢٠١٤، وقبل تفجير منزله المتكون من ٢٧ غرفة بالقرب من ربيعة شمال غرب الموصل، وكيف تم تدمير صوره وسجاده وكيف فرت خيوله إلى البرية. هذا المنزل أعرفه جيدا وزرته فيه عدة مرات في الماضي.

في ذلك الصيف وردا على استيلاء تنظيم الدولة على ثلث العراق، أعلن أوباما نشره لثلاثمائة من القوات الخاصة الأمريكية في العراق. كنت في هذا الوقت في وسط آسيا، وسُئلت أن أحاضر هؤلاء الجنود. سألني أحدهم “هل لنا هنا مهمة محددة؟ إنني على استعداد للموت في سبيل مهمة أكلف بها، ولكني أريد التأكد من أننا فعلا لنا مهمة نريد تحقيق النصر فيها، ولسنا مجرد ديكور لإدارة سياسية تريد أن تعلن أنها تفعل شيئا ما في العراق”. كان هؤلاء الجنود كلهم قد خدموا سابقا في العراق، وقد أخبروا آنذاك أنهم قد قضوا على تنظيم القاعدة، والآن يتم إرسالهم ليقتلوا أتباع أو خلفاء تنظيم القاعدة!

بذلت وسعي لأشرح لهم كيف أن حكومة نوري المالكي الطائفية قد ارتكبت فظائع أدت إلى ظهور داعش كحامية لأهل السنة، وأن قبائل السنة في العراق التي استطاعت احتواء خطر القاعدة في الماضي بدعم من الولايات المتحدة، قد قررت الآن أن داعش هي أقل الضررين مقارنة بحكومة المالكي الطائفية والمدعومة من إيران.

في الحقيقة كان دعم الإدارة الأمريكية غير محدود ولا مشروط لحكومة المالكي التي كانت تدفع الناس للتعاطف أو التعاون مع داعش، وها هي الآن ترسل جنودا لمحاربة أحد أعراض سياستها الفاشلة في العراق.

أثناء عودتي من طريق الحرير، مررت على شمال العراق لفهم أفضل لما يجري هناك. عرفت وقتها أن القوات العراقية التي هربت من الموصل كانت أكثر عددا وعتادا من قوات داعش، ولكن قياداتهم كانت بائسة للغاية. لقد قام المالكي بإبعاد قيادات ذات كفاءة خشية من علاقاتهم بالولايات المتحدة، واستبدلهم بقيادات تدين له بالولاء. كان الفساد متفشيا في القوات العراقية، بعض القادة كانوا يسرقون أموال التموين الخاصة بجنودهم، ولم يعط القادة أي أوامر لجنودهم بالاشتباك في الموصل. بدل آلاف الجنود ملابسهم العسكرية وفروا من الموصل في حالة من الفوضى العارمة، تاركين أسلحتهم وعتادهم غنيمة سهلة لقوات داعش. لقد التقيت برجال من زعماء قبائل السنة، حكوا أنهم شاركوا في انتفاضة سنية ضد المالكي، وأن داعش كانت ضمن من انتفض معهم.

سألت الشيخ الياور عن هؤلاء، فقال بعضهم انضم لاحقا لداعش، وآخرون لا يفعلون أي شيء الآن. وقال إن الاستيلاء على الموصل لم يكن بين عشية وضحاها، ولكنه كان ثمرة سنوات من الفساد الحكومي المحلي في الموصل.

في يوم ١٢ أغسطس ٢٠١٤ كان الجنرال طيار ماجد يقوم بإجلاء ٢٠ من اليزيديين من جبل سنجار، عندما أصابت رصاصات طائرته الهليكوبتر وارتطمت بالأرض، أصيب عدد من الركاب ، منهم النائبة اليزيدية فيان دخيل، بينما قتل الجنرال ماجد. اختار الجنرال ماجد أن يقوم بمهمات الإنقاذ والإجلاء، بدلا عن العمليات الحربية، وكان يبدي استعداده دائما للتضحية بحياته في هذا السبيل.

وقد زعم الشيخ الياور أنه قام بإنقاذ المئات من الفتيات اليزيديات بشرائهم من مختطفيهم، وأن الأكراد من حزب العمال قصروا في حماية اليزيديين، بينما أظهر أكراد سوريا بطولة في إنقاذهم بدعم جوي من قوات التحالف.

سألت الياور: من هم العراقيون الذين انضموا لداعش؟ فأجاب “كثيرون من تل أعفر الذين فروا من حرب مريرة بين السنة والشيعة هناك بعد الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣. كثير منهم كانوا بعثيين ورجال مخابرات إبان حكم صدام، وقد قام التحالف الأمريكي بتسريحهم من الخدمة بعد الغزو.  انضموا إلى القاعدة ثم إلى داعش، التي منحتهم معنى لحياتهم بعد أن تم تهميشهم وطردهم من الخدمة العسكرية. قدمتهم داعش للصفوف القيادية الأولى لمقاتلة الشيعة وداعميها من الإيرانيين والأمريكيين.

أعطاني الياور وزوجته اقتباسات عديدة من القرآن تبين انحراف داعش عن قيم وأصول الإسلام، وقالا “هؤلاء ليسوا مسلمين حقا”. قلت “أميل إلى الحكم على الناس من خلال أفعالهم، وليس معتقداتهم”. قال الياور “نحن في أمس الحاجة الآن للمساعدات الأمريكية، انظري كيف وصل الإيرانيون إلى تكريت، إن مستشاريهم منتشرون هناك لدعم الميليشيات الشيعية في مسقط رأس صدام حسين. هذه إهانة كبيرة جدا للسنة، ليست هذه هي الطريقة لمحاربة داعش، والأسوأ سيقع في المستقبل”.

استطاعت الولايات المتحدة اختراق بعض القبائل السنية الثائرة، وكونت منهم قوات “الصحوات” التي حاربت تنظيم القاعدة بدعم أمريكي كبير أثناء التواجد الأمريكي الضخم في العراق عام ٢٠٠٧. بعد ذلك انسحبت الصحوات من القتال وسلموا أنفسهم لقوات الشرطة العراقية مما خفض العمليات القتالية في الأنبار. بعد ذلك عقد رئيسي الجنرال أوديرنو قائد القوات الأمريكية بالعراق، عقد اتفاقا مع المالكي يقضي بضم ٢٠٪ من الصحوات للقوات الأمنية العراقية، ويتم تعيين الـ ٨٠٪ الباقين في وظائف مدنية حكومية، لكن هذا الاتفاق لم يتم تطبيقه أبدا. فبعد انسحاب القوات الأمريكية نكث المالكي بالاتفاق، بل وقام باعتقال قادة الصحوات، واتهم السياسيين السنة بالإرهاب وأجبرهم على الابتعاد عن الحياة السياسية. من هؤلاء رافع العيسوي الطبيب ووزير المالية السابق، الذي كانت دبابات الجيش تحرس بيته، قام بالهرب من العراق. قام السنة باحتجاجات واعتصموا في مخيمات بالأنبار، لكن المالكي قمعهم بقسوة ورفض الاستجابة لأي من مطالبهم.

شرح جابر – أحد الشباب السنة – كيف أن قبائل السنة في الأنبار فقدت كل ثقة لها بالحكومة ورفضت محاربة تنظيم الدولة، بعد أن رأت خيانة الدول للصحوات. عندما استولت داعش على الرمادي انتقل جابر مع أختين له إلى بغداد، وهرب أشقاؤه إلى الأردن، وسافرت أخت له إلى كردستان شمال العراق، بينما قتلت داعش عددا من أقاربه. انقسمت ولاءات عائلة جابر، شأنها شأن قبائل الأنبار. فبينما ظل جابر مؤيدا لحكومة منتخبة وعملية سياسية، كان شقيق له معارضا لكل من الحكومة وداعش، وانضم عدد من عائلته لداعش. قال جابر “نحن سنة العراق مثل الفلسطينيين تم تهجيرنا من أراضينا”. شيء أشبه بالتطهير العرقي وقع لسنة منطقة ديالا وحزام بغداد على يد الميليشيا الشيعية بعد انهيار الجيش العراقي، بينما فر كثيرون من الأنبار ونينوى وصلاح الدين بسبب داعش. يقدر جابر أن ٨٠٪ من أهل السنة قد تم تهجيرهم، ويقول “ليس للسنة قيادة، بينما ميليشيات الشيعة أقوى من قوات الأمن الحكومية. وحتى بعد استبدال المالكي، كانت المأساة قد اكتملت بالفعل. العراق انتهى. لم تعد هناك دولة، العراق أصبح دولة ميليشيات”.

قلت لجابر “لا يستطيع الإرهابيون محو ماضي العراق، تاريخ العراق مدون في الأرشيف والمتاحف والمعارض وفي قصائد الشعر والكتب. تاريخ العراق الذي علم البشرية الاستقرار المدني، وكتب فيه الملك حامورابي أول قانون بشري مدون. لا أحد يستطيع محو هذا التاريخ، لا الإرهابيون ولا الميليشيات ولا هؤلاء السياسيون المجرمون. سيأتي يوم ويبني شباب العراق العراق من جديد. رد جابر والدموع في عينيه “إن شاء الله”.

كان تركيز جابر أكثر على الحاضر، وعلى معاناته للحصول على المعيشة الضرورية له ولعائلته وأبناء قبيلته الذين يعيشون في خيام بدائية في الصحراء نزحوا إليها، بخلاف الموسرين الذين استطاعوا تأجير مساكن لهم في كردستان وبعض أحياء بغداد، بينما حاول آخرون الهرب إلى تركيا وأوروبا.

أثناء تجوالي مع الشيخ غسان من مشايخ الحويجة بشمال العراق – والمقيم الآن في الأردن –  في متحف السيارات الملكي في عمان شاهدنا السيارات التي كان يمتلكها الملك حسين، مثل أستون مارتينز والفراري. رأينا صورة على الحائط للملك حسين والملكة إليزابيث في وادي رومة بالأردن. كان الشيخ غسان مثل الملك الراحل من هواة السيارات، ولكن داعش دمرت أسطوله الثمين من المرسيدس ذات السقف المتحرك. أثارت مناظر المتحف ذكريات بعيدة حين بدت العراق والأردن على طريق واحد للتقدم. كانت بريطانيا قد عينت ولدي الشريف حسين في مكة، ملكين للعراق والأردن مكافأة له على ثورته ضد العثمانيين. حكم عبد الله الأول الأردن من عام ١٩٢١ لثلاثين سنة وحتى مصرعه على يد فلسطيني أثناء زيارته للمسجد الأقصى بالقدس عام ١٩٥١. خلفه ابنه طلال لعام واحد قبل عزله لخلل في عقله، وتولى بعده حسين الملك من عام ١٩٥٢ لقرابة نصف قرن وحتى وفاته عام ١٩٩٩. في العراق حكم فيصل الأول من عام ١٩٢١ حتى عام ١٩٣٣ وتوفي بنوبة قلبية. خلفه ابنه غازي حتى مقتله في حادث سيارة رياضية عام ١٩٣٩. ابنه فيصل الثاني كان طفلا في الثالثة فأصبح عمه وصيا على العرش، وتم إرسال فيصل الثاني مع ابن عمه حسين للدراسة في بريطانيا. بعد عودته للعراق وفي عام ١٩٥٨ تم قتله وجميع أفراد أسرته في انقلاب عسكري حول العراق إلى جمهورية ودخلت في عقود من الاضطراب. في ذلك الوقت نجت الأسرة الهاشمية في الأردن من مصير العراق، وحافظت على توازن دقيق بين مكونات المجتمع الأردني.

طلب الشيخ غسان مني الاطلاع على ألبوم صور عائلته أثناء دعوتي على العشاء في منزل عائلته. شاهدت صورة لأحد أبنائه الصغار، له سكسوكة وقد وقف وقفة عارضي الأزياء من الذكور، وعليه شال أحمر على رقبته. اندهشت جدا ولم أتصور صبيا من الحويجة في البادية تكون هكذا هيئته. كأني أرى الشباب هنا يتطلعون إلى دبي وليس إلى داعش.

في لقاء آخر أخبرني سهيل، وهو أردني يتمتع بصلات قوية وواسعة “لا يريد الأردنيون إسقاط الملكية. أقصى ما تريده المعارضة هو أن يظل الملك رأسا للدولة، لكن لا يحكم”. حالة عدم الاستقرار في المنطقة أثرت في التدافع السياسي داخل الأردن، وآثرت المعارضة عدم التصعيد بالمطالبة بإصلاحات واسعة خشية من وصول حالة عدم الاستقرار التي سببتها داعش إلى الأردن.لقد تأثرت الأردن بفيضان اللاجئين من سوريا، كما تأثرت بغلق المعابر بينها وبين سوريا والعراق مما أثر على اقتصادها الهش الذي يعتمد على المعونات الأمريكية ويعاني من سوء الإدارة.

اعترف سهيل بأن الملك عبد الله الثاني يواجه صعوبات حقيقية. الملك لم يتوقع في شبابه أن يصبح ملكا، فقد اختار أبوه (الملك حسين) شقيقه الحسن وليا للعهد منذ عام ١٩٦٥. الملك عبد الله أمه بريطانية، وقد تلقى تعليمه في بريطانيا والولايات المتحدة، وتخرج من ساندهيرست قبل أن يلتحق بالقوات الملكية البريطانية. بعد عودته إلى الأردن التحق بالجيش الأردني وترقى فيه ليصبح لواء ورئيسا للقوات الخاصة، ولكن وقبل أسابيع قليلة من وفاته عام ١٩٩٩ قرر الملك حسين تعيين عبد الله وليا للعهد بدلا من شقيه الحسن. لم تكن لدى عبد الله علاقات أبيه الواسعة، ولا خبرته في التعامل مع النخب الأردنية. وبدلا من أن يقوم بإصلاحات تهدف إلى تقريب النخب الليبرالية منه، قام – عن غير قصد – بتقوية الإخوان المسلمين، كما تروج شائعات أنه مدمن للقمار.

اقترب سهيل مني وهو يهمس بطريقة تآمرية “هناك اتفاقية سايكس-بيكو جديدة يتم التخطيط لها”، في إشارة إلى الاتفاقية السرية عام ١٩١٦ التي تمت بين بريطانيا وفرنسا، وأصبحت رمزا للخطط الغربية لتقسيم المنطقة وإضعافها وإدخالها في صراعات داخلية. الاتفاقية الجديدة ستخلق مناطق سنية كبيرة جديدة في الأردن”.

تم أخذ عنوان هذا الكتاب “في زمن الوحوش” من المُنظِر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامسكي، كما يحكي أيضا قصة شخصية قوية لصراع سكاي مع ابتذال الحياة بعد الفترة العصيبة التي أقامتها في العراق بالإضافة إلى التردد الشديد الذي تشعر به تجاه عملها هناك. فقد قالت في إحدى اللقاءات عام ٢٠١٥ عن حياتها في العراق “بعد كل هذه الجهود، ترى كل شيء ينهار”.

تتحدث الصفحات النهائية للكتاب عن الأمل والإنسانية. تقول سكاي إننا جميعا مسافرون في رحلة الحياة وموصولون من خلال بحثنا المشترك عن معنى الحياة والمغزى منها والسعادة، كما تحث على التعاطف والتعاون بين الشعوب والمجتمعات والدول.

يشهد كتاب “في زمن الوحوش” مطالبة الشباب للكرامة والعدالة خلال ثورات الربيع العربي، وعدم قدرة الأنظمة المتصلبة على الإصلاح وانحدار سوريا إلى الحرب الأهلية وصعود الدولة الإسلامية واتجاه اللاجئين إلى أوروبا. جعلت سكاي منطقة معقدة أكثر قابلية للفهم من خلال التعاطف الشديد مع شعوب الشرق الأوسط وإدراكها الواسع للمنطقة. وباعتبارها راوية كبيرة وكاتبة شديدة الملاحظة كشفت سكاي أيضا عن الروابط التي تربط الشرق الأوسط بالغرب وكيف ساهم رد الفعل من تدخلات الغرب الظالمة في المنطقة في التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفي انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك.

قدمت سكاي لكتابها باقتباسين:

“العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح من أجل أن يولد: الآن هو زمن الوحوش”

(أنطونيو جرامسي)

“من يعش يرى الكثير ولكن من يسافر يرى أكثر”

(ابن بطوطة)

يتألف الكتاب من اثني عشر فصلا، كل فصل من بلد مختلف. جاءت عناوين فصول الكتاب كالتالي:

التمهيد: من أجل ماذا كان كل ذلك؟

١.ارفع رأسك فوق، أنت مصري!

مصر – مايو ٢٠١١

٢.ارحل!

تونس – يونيو ٢٠١١

٣.”إما الأسد أو سنحرق البلد”

سوريا – يوليو ٢٠١١

٤. إنهم جميعا لصوص

العراق – يونيو ٢٠١١ ويناير ٢٠١٢

٥. جميع الجيران لهم مشاكل

تركيا – أكتوبر ٢٠١٢

٦. ستون عاما من الاستبداد أفضل من ليلة واحدة من الفوضى السياسية

المملكة العربية السعودية – ديسمبر ٢٠١٢

٧. جحيم البخور

عُمان – ديسمبر ٢٠١٢

٨. ليس لدينا مناصرون سوى الجبال

كردستان – يوليو ٢٠١٣

٩. …لكن بالتأكيد نحن شجعان، الذين يأخذون الطريق الذهبي إلى سمرقند

طريق الحرير – يونيو ٢٠١٤

١٠.الدولة الإسلامية: الخلافة على طريقة النبوءة

الأردن – مارس ٢٠١٥

١١.ما يحدث في الشرق الأوسط لا يبقى في الشرق الأوسط

البلقان – يناير ٢٠١٦

١٢. وبالرغم من كل ذلك لم يكن كل شيء على ما يرام

بريطانيا – يونيو ويوليو ٢٠١٦

خلاصة رؤية المؤلفة

استطاعت سكاي أن تسطر في المقدمة الطويلة لكتابها خلاصة رؤيتها للمنطقة وتعقيدات مشهدها السياسي والاجتماعي والفكري، وحاولت أن تربط خيوط ما يحدث في بلاد المنطقة المختلفة.

تقول في جزء منها:

“يكافح الشرق الأوسط دائما ليولد من جديد. ولكن تفشل كل محاولة ولادة حيث تتبدل الرؤية المثالية بالبؤس. فبعد العمل في المنطقة لمدة عقدين شرعت في فهم الثورات العظيمة التي حدثت. فبين عام ٢٠١٠و٢٠١٦ سافرت من ميدان التحرير في القاهرة إلى جبال قنديل في كردستان، ومن أسواق دمشق إلى بلاد الرافدين، ومن متاجر الشاي في أنطاكيا إلى مراكز التسوق في السعودية، ومن الأهرامات إلى الصخور المنحوتة ومن الخليج العربي إلى البحر الميت إلى البحر المتوسط، ومن بغداد إلى بخارى، ومن الخرطوم إلى قرطاج، ومن المساجد إلى الكنائس إلى المعابد اليهودية.  فقد شهدت كيف أن أحلام الأنظمة السياسية الجديدة القائمة على الحقوق والعدالة قد تحطمت في الحروب والدول الهشة، والشياطين التي أُطلقت حول العالم. لم يكن إسقاط نظام صدام حسين الاستبدادي عام ٢٠٠٣ من قبل التحالف الذي قادته الولايات المتحدة يشير إلى نظام ديمقراطي إقليمي جديد كما تصور مؤسسوه من الغرب. وبدلا من ذلك فإن الحرب الأهلية في العراق نشرت الفوضى خارج حدودها. بالإضافة إلى أن انهيار التوازن العربي الذي أبقى جمهورية إيران الإسلامية تحت السيطرة، قلب ميزان القوى في المنطقة مما عزز المنافسة التي استمرت بدورها في زعزعة استقرار الشرق الأوسط.

ما زالت دولة العراق الجديدة متعثرة بسبب ضعف المؤسسات وفساد النخب. كما أدت الخدمات العامة الفقيرة والفساد المتغلغل إلى دورات الاحتجاجات والعنف والتمرد ضد الحكومة. تقام الانتخابات بانتظام ولكن لا يحدث أي تغيير له معنى. وبالرغم من عدم فوز نوري المالكي الشيعي في الانتخابات عام ٢٠١٠ فقد تمتع بفترتين ولائيتين كرئيس للوزراء وبالتالي همش خصومه السياسيين السنيين ووحد قوته ونفذ السياسات الطائفية، مما أدى إلى خلق ظروف مكنت خروج تنظيم الدولة الإسلامية والمعروف بداعش على أنقاض تنظيم القاعدة في العراق وإعلانه أنه يحمي السنيين.

في عام ٢٠١١ نزل شباب الشرق الأوسط في الساحات والشوارع في جميع أنحاء المنطقة للاحتجاج على الظلم والدعوة إلى حكم راشد وطلب وظائف. ومع ذلك أثبتت الأنظمة المتصلبة عدم قدرتها على الإصلاح. فإما يظلوا متمسكين بالسلطة أو الفوضى والانهيار.

وفي سوريا أدى رد الرئيس بشار الأسد العنيف على الاحتجاجات السلمية إلى انحدار البلد إلى حرب أهلية. فقد ادعى كاذبا أنه هو الوحيد الحامي ضد الإرهاب ومن خلال استخدامه للإرهاب جعل نبوءته تتحقق. دعت الولايات المتحدة وحلفاءها الأسد للرحيل ولكنهم لم يصروا على رحيله. وقامت الجماعات المعارضة السورية باستخدام السلاح والبحث عن الدعم الخارجي في نزاعهم المحلي. ومدت كل من تركيا والسعودية والإمارات وقطر الجماعات السنية المنافسة بالأسلحة والأموال. بينما نشرت إيران مستشاريها العسكريين وكذلك الميليشيات الشيعية من لبنان والعراق وأفغانستان لدعم نظام الأسد المحاصر، وأمدتهم روسيا بالقوة الجوية.

أصبحت كل من سوريا والعراق ساحة معركة واحدة. وأصبحت الأراضي التي اشتهرت من قبل بظهور الأنبياء وسن القوانين والدول المنظمة الأولى، أصبحت تعني النزاع والشر والفوضى السياسية. فقد زرع هؤلاء الذين يرتدون الزي الأسود ـ البذور السامة التي نمت من قبل النخبة الفاسدة وتغذت من التدخل الخارجي ـ راية داعش في المدن والأسواق والصحراء. وتحولت المدن التجارية القديمة ومراكز الثقافة العالمية القديمة إلى أنقاض.

قرر ائتلاف بقيادة الولايات المتحدة موجهة داعش. ففي عام ٢٠١٦ فقط أطلقت الولايات المتحدة ٢٤٢٨٧ قنبلة على العراق وسوريا. سحقت الحملة العسكرية داعش ولكنها دمرت المدن وقتلت آلاف المدنيين الأبرياء ومكنت من تزايد الميليشيات ودعمت الأنظمة الاستبدادية وسهلت تطوير إيران لممرات أرضية عبر العراق وسوريا إلى حدود إسرائيل.

ساهم تدفق اللاجئين والإرهاب من الشرق الأوسط في التصويت البريطاني لمغادرة الاتحاد الأوروبي وصعود دونالد ترمب الذي ساعدته خطبه العنيفة ضد المسلمين والمهاجرين إلى دفعه نحو البيت الأبيض – والذي تعهد بحماية الشعب الأمريكي من داعش التي هي أصلا نتيجة الحرب الأمريكية في العراق.

إن السلام الأمريكي يموت، فانتصار أمريكا بعد الحرب الباردة دمر الشرق الأوسط. كما أن مفهوم المجتمع الدولي نفسه ضعُف وذبل. وكانت حرب العراق هي الحافز لهذا الانحدار كما أن الفشل في إيقاف إراقة الدماء في سوريا هو الدليل. يتحول النظام الدولي حاليا من عالم أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب مع منطقة الشرق الأوسط واحدة من مجالات النفوذ متعددة التنافس. وتسعى روسيا الانتقامية إلى إضعاف العالم الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة من خلال دعم بشار الأسد في سوريا وإغراق الاتحاد الأوروبي باللاجئين الهاربين من قصفه الجوي.  كما تسعى الصين الصاعدة وغير الراضية إلى استراتيجية “الحزام والطريق” لكسب المعادن والطاقة وبناء البنية التحتية بما في ذلك خطوط أنابيب النفط والغاز في جميع أنحاء المنطقة. وتقوم قوى الشرق الأوسط من ناحيتها بمحاولة التكيف والتنافس من أجل تشكيل نظام إقليمي متغير.

يحكي كتاب في زمن الوحوش لقاءات وحوارات مع الشباب الذين ينادون بالإصلاح والآخرين الذين يسعون إلى القيام بثورة، والمتمردين المستعدين للموت من أجل قضية ومن أجل أن يعيش المواطنون العاديون الذين يسعون إلى العيش في أمان، ومع الحجاج المتوجهين إلى كربلاء واللاجئين الذاهبين إلى ألمانيا، والدبلوماسيين الغربيين الذين يحاولون نشر السلام خارج بلادهم بينما يزداد الاستقطاب داخل أوطانهم. الكتاب محاولة للمساهمة في فهم أفضل لمنطقة تمر بمرحلة انتقالية خلال فترة تغير النظام العالمي. أتمنى بعد كتابة هذا الكتاب أن أحث الآخرين على اكتشاف الأشياء المجهولة، وتحسين العلاقات، وأن يكونوا باحثين شجعان عن إنسانيتنا المشتركة”.

مثال وصورة

أنقل هنا مثالا واحدا لطريقة سكاي في كتابها، وهو مثال قصير لكنه معبر عن أسلوبها وفكرها. تصف سكاي هنا رحلتها للسودان عام ٢٠١٠ فتقول:

“كنت أعلم أني أريد الخروج من المملكة المتحدة. فكنت بحاجة إلى أماكن ومغامرات جديدة وأن أرى وجوها جديدة، لذلك ذهبت إلى السفارة السودانية في منطقة سانت جيمس في لندن لأحصل على تأشيرة. وخلال المقابلة سألني الموظف القنصلي لماذا أرغب في زيارة بلده. فلم تتلقى السفارة طلبات كثيرة للحصول على تأشيرات سياحية حيث أن السودان تخضع للعقوبات الدولية ولا تشجع الحكومة البريطانية السفر إلى هناك.

لم يكن منطقيا أن اعترف بأني كنت أشعر بالملل والمرار وأني أتوقع أن تكون السودان مكانا شيقا للمغامرات. فأخبرته بأنني قرأت “موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب السوداني الطيب صالح وأود أن أزور وطن هذا الكاتب العظيم. ابتسم موظف القنصلية وختم لي بالتأشيرة.

وهكذا بعد شهرين من عودتي من بغداد قمت بتحضير حقيبة ظهر حمراء صغيرة وذهبت إلى الخرطوم.

بلاد السودان، أرض السود. بلد الخطر والتراب، بلد السماء الزرقاء والرمل الأصفر، مكان لم أزره من قبل ولكن أشعر أنه مألوف بالنسبة لي. كنت استيقظ على صوت المؤذن ينادي المسلمين للصلاة، وعلى مناظر التجار في الأسواق وعلى رائحة الكباب. شعرت بأني عدت حية مرة أخرى.

ذهبت إلى أم درمان، وهي مدينة على الضفة الغربية للنيل على الناحية الأخرى من الخرطوم، لزيارة سوق الجمال. المئات والمئات من الجمال للبيع جنبا إلى جنب مع الأغنام والماعز متجمعين على حافة الصحراء.

“مرحبا يا خواجة” صرخ أحد التجار هنا. كنت الشخص الأبيض الوحيد هناك وملفتة للانتباه. وعندما قمت بالرد عليه بالعربي دعاني وأعطاني كرسي بلاستيك أبيض لأجلس عليه قبل أن يصب لي كوبا من الشاي المسكر. ثم سألني التاجر الذي كان يرتدي جلابية وعمامة بيضاء  “من أين أنتِ؟”.

قلت “من إنجلترا. بريطانيا”

“آه .. جوردون باشا” رد بابتسامة أظهرت نصف أسنانه ثم أردف “لقد قتلناه!”

ابتسمت بدوري على علاقة جوردون بالخرطوم. عندما أسافر تكون هويتي منحصرة في جنسيتي مع كل التاريخ الذي تثيره.

في أواخر القرن التاسع عشر عينت لندن الجنرال جوردون- الذي اشتهر بإخماده لتمرد تايبينغ في الصين خلال حروب الأفيون – كحاكم عام للسودان، حيث عمل على قمع الثورات والقضاء على تجارة الرقيق المحلية. وفي عام ١٨٨٤ أمرته لندن بإخلاء الخرطوم لكن بدلا من ذلك بقي فيها مع قوة صغيرة. قام محمد أحمد بن عبد الله الذي أدعى أنه المهدي المنتظر والذي أعلن الجهاد ضد الحكم الأجنبي بمحاصرة الخرطوم بمساعدة أتباعه المتعصبين، وتم قتل الجنرال جوردون على سلالم قصره. وأمر المهدي بأن تُعلق رأسه بين غصون الأشجار. وبعد سته أشهر توفي المهدي بالتيفويد، واختلف نوابه الثلاثة وأعلن أحدهم نفسه الخليفة ساعيا إلى اتباع منهج المهدي في الجهاد -تحت شعار الرايات السوداء. وفي عام ١٨٩٨ هزم الجنرال كيتشنر الخليفة في أم درمان باستخدام رشاشات ماكسيم لقتل جنود المهدي الذين كانوا مسلحين بالرماح والسيوف والبنادق القديمة فقط. وللثأر من مقتل جوردون أمر كيتشنر بتدمير قبر المهدي ورمي عظامه في النيل. كما منح كيتشنر وينستون تشرشيل الذي كان ضابط جيش في ذلك الوقت رأس المهدي كتذكار!

كانت أرجل الجمال في السوق مربوطة حتى لا تستطيع التجول. وأضاف التاجر أن بعض السماسرة كانوا يشترون من أجل السوق المصري والبعض الآخر من أجل الخليج حيث أن سباق الجمال كان مشهورا هناك. وأشار إلى الجمال العربية المختلفة موضحا مميزاتها بينما كان يحاول أن يرى مدى اهتمامي. سألته إذا كان يمكن لأحد الجمال أن يحملني إلى لندن. رد متحمسا “لدينا جمال تمشي في البر والبحر.” “لدي واحد يسبح جيدا. سأعطيكِ سعر جيد.” لم أكن أقصد ولو للحظه أن أحصل على عرض.

كانت الخرطوم مدينة أمنة وكنت أحب أن أسير بمفردي في شوارعها التي تبدو أنها مخططة على تصميم العلم البريطاني. وعند الخروج للاستكشاف سرت في شارع النيل على ناحية نهر النيل الأزرق، ورأيت قصر الرئاسة الذي نصب فيه عمر البشير نفسه بعد أن أتى إلى السلطة بانقلاب عسكري عام ١٩٨٩. وبالرغم من إدانته من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أدت إلى مقتل أكثر من ٣٠٠ ألف في دارفور، ظل البشير متشبثا بقوة بالسلطة وفاز بالانتخابات الرئاسية مرة أخرى عام ٢٠١٠.

وعلى الرغم من أنهم تنحوا منذ ذلك الوقت، فإن الحليف الرئيسي للبشير عندما وصل إلى السلطة لأول مرة هو الإسلامي حسن الترابي. كان تحويل السودان إلى دولة إسلامية ودولة راعية للإرهاب يرجع أساسا إلى الترابي. وفي عام ١٩٩١ أسس المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي الذي جذب اتحاد المسلحين من جميع أنحاء العالم. وبناء على دعوته أقام أسامة بن لادن في الخرطوم، واستثمر في البنية التحتية المحلية والأعمال التجارية الزراعية وفي الشبكات الإرهابية الدولية. وكانت تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا عام ١٩٩٨ التي قُتل فيها ٢٢٤ شخصا هي التي أدت إلى ظهور بن لادن وتنظيم القاعدة على الساحة العالمية. وردا على ذلك أمر الرئيس بيل كلينتون بإطلاق الضربات الصاروخية على مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم (بالاعتقاد الخاطئ أنه كان مصنعا للأسلحة الكيمائية) وعلى قواعد تنظيم القاعدة في أفغانستان حيث انتقل بن لادن.

وبعد ذلك اكتشفتُ “بيضة القذافي” فندق كورينثيا ذا الخمسة نجوم البارز الذي مول بناءه الزعيم الليبي.

ففي مرحلة ما كان القذافي الراعي “للفيلق الإسلامي الإفريقي” كجزء من مخطط لتوحيد ليبيا والسودان.  لقد مر القذافي بفترات الوحدة العربية والوحدة الإسلامية والوحدة الأفريقية خلال حكمه لليبيا الذي استمر أربعة عقود. فقد حكم البلد بالإرهاب والتخويف في حمى أجهزة الأمن القذرة. اغتال كل من لم يعجبه، ودعم الثورات في بلاد مختلفة كما سمح للجيش الجمهوري الايرلاندي والمسلحين الفلسطينيين للتدريب في المعسكرات في ليبيا.

تدهورت علاقة القذافي بالغرب بعد تفجير طائرة بان أميركا فوق لوكيربي الاستلندية عام ١٩٨٨ ولكن بعد غزو العراق وسقوط صدام حسين ونظامه، خاف القذافي من نفس العاقبة فأعلن تخليه عن برنامجه النووي الذي اشتراه من العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان، وفي المقابل تم رفع العقوبات الاقتصادية الصارمة عن ليبيا.

بعد قليل وعلى نفس الطريق مررت بقاعة احتفالات الشعب الكبرى التي كانت  تضم قاعة مؤتمرات ومسرحا  وصالة احتفالات. هذا المجمع كان هدية من الصين أكبر مستثمر في السودان حاليا. كانت الصين تبني السدود والطرق والسكك الحديديةومحطات الكهرباء وأنابيب نقل البترول، وهي أكبر شريك تجاري للسودان.أول صفقة بترول بين الصين والسودان تم توقيعها عام ١٩٩٥ ومعامل التكرير الرئيسية تمت بشراكة بين البلدين وأصبح البترول هو السلعة الرئيسية ويمثل ٩٥٪ من صادرات السودان (معظمها للصين) محتلا مكانة القطن السوداني في العقود السابقة.

في مساء الجمعة التالية عدت إلى أم درمان لزيارة قبر حامد النيل، أحد رموز الصوفية في القرن التاسع عشر من طريقة القادرية. الصوفية كانت الصوفية ممارسة باطنية من الفرق الإسلامية، قد وصلت إلى السودان في القرن السادس عشر، وأصبحت منتشرة في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من رفضها من قبل الأصوليين المسلمين.

كانت رائحة البخور قوية في الهواء. تم جمع حوالي مائة صوفي في دائرة كبيرة، يتأرجحون ذهابًا وإيابًا، يصفقون بأيديهم ويذكرون الله، برفقة الطبول والصنوج.

ردد الدراويش “لا إله إلا الله”، وهم يرتدون ملابس خضراء، مع شعر طويل مرهق وخرز ملفوف حول أعناقهم. وأخذ الحشد يردد خلفهم

“لا إله إلا الله”، الحشد كله يرتدي اللون الأبيض.

دوي الدراويش حولها وحولها، يتدفق الجلباب والأطراف يتأرجحون ويتجاذبون ويرقصون في عرض منوم. بعد حوالي ساعة أو نحو ذلك، بلغ المسلمون الحاضرون، وهم يبتسمون من النشوة، حالة من الغيبوبة.

كان المشهد فاتنا. وعندما ارتفع صوت المؤذن إلى الصلاة هدأت الأصوات وتفرق الجمع.

في اليوم التالي عندما أردت العودة للخرطوم وافق صاحب قارب صغير على توصيلي مقابل سعر معقول. كان الزورق باللون الأزرق والأخضر، مع مظلة وفرت الحماية من الشمس. جلست نحو الأمام على الشرائح الخشبية، بينما جلس المراكبي في الخلف بجانب المحرك.

عندما شققنا طريقنا من خلال كانيون من الجرانيت، سألت المراكبي إذا كان قد أمضى حياته كلها على امتداد هذا النهر. ومما أثار دهشتي، أنه أخبرني أنه كان عاملاً في العراق لسنوات، حيث كان يعمل في جثث الموتى. لقد تذكر وقته هناك باعتزاز وسعادة، وتذكرنا الأماكن التي زارها: النجف والرمادي وبغداد والبصرة … وكان قادراً على توفير بعض المال لإرساله إلى أسرته في الوطن أيضاً. قال لي إن العراق كان بلدا حديثا للغاية، وكان يحبها. أطلعني على صور لأبنائه، الذين سماهم صدام، قصي وعُدي. حتى بناته تم تسميتهن على أسماء أفراد عائلة صدام!

قال إن صدام كان قائدا جيدا وفعل الكثير من أجل العراق، قبل أن يصف بحسرة وأسف كيف أن الرئيس العراقي تحول إلى شخص مجنون في سنوات لاحقة وغزا دولا مجاورة وقتل العديد من مواطنيه. وقال إنه يشبه العقيد القذافي، الذي قال إنه بدأ كمجنون أيضا لكنه أصبح في الآونة الأخيرة أكثر طبيعية.

فكرت في كلام المراكبي وتذكرت اجتماعات القذافي في خيمة الاستقبال البدوية الفخمة، وحراسه الشخصيين من النساء، والجراحة التجميلية التي حولت وجهه. لم أكن متأكدة على الإطلاق أنه أصبح أقل جنونا.

*

بالعودة إلى الخرطوم، استضافني الملحق العسكري البريطاني، العقيد كريس لوكام، في الشقة المريحة التي كان يتقاسمها مع اثنين من السلاحف وابنه المراهق، الذي كان قد رسم وشما على ذراع واحدة “اسمي Ozymandias، ملك الملوك”. عمل كريس وأنا معًا في أفغانستان في عام 2006. وقد تولى منصبه في الخرطوم في عام 2009 وكان يقوم بتسهيل المفاوضات الأمنية بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، من أجل تنفيذ اتفاق السلام الشامل لعام 2005 لإنهاء الحرب الأهلية التي تسببت في وفاة حوالي مليوني شخص.

كان كريس مقتنعا بأن مشاكل السودان قابلة للحل. قال لي: “الأمر كله يتعلق بالاقتصاد”. السودان لديه إمكانات: حقول النفط، وادي النيل الخصب وبور سودان، واحدة من نقاط الوصول الرئيسية الخمس إلى أفريقيا. التحدي هو توزيع الثروة – والهجرة إلى مناطق مستدامة في السودان.

ومع ذلك، بدا من المحتم أن الشمال والجنوب يتجهان نحو الانفصال. كان من المقرر إجراء استفتاء حول استقلال الجنوب في عام 2011، بدعم من المبشرين المسيحيين الأمريكيين، بالإضافة إلى نجوم السينما مثل جورج كلوني.

في يوم ذكرى انتهاء الحرب العالمية، رافقت كريس إلى مقبرة حرب الكومنولث في جنوب شرق الخرطوم. كان ما يقرب من مئتي شخص قد تجمعوا لتكريم الموتى. كانت مراسم بسيطة، عقدت تحت سماء زرقاء ساطعة. عندما انتهى الأمر، تجولت في صفوف المقابر التي تحفظ بطريقة صحيحة تسمح بقراءة الأسماء والتواريخ من الحربين العالميتين. لقد لاحظت مفارقة أنه في الوقت الذي استمر فيه دفن جنودنا في الخارج حيثما قتلوا، بينما في هذه الأيام يتم جلب جثثهم إلى بيوتهم – ولا يتم دفنهم في الأراضي الأجنبية.

في آخر يوم لي في السودان، خرج كريس وأنا في قارب الكاياك المؤلف من شخصين إلى حيث يلتقي النيل الأبيض بالنيل الأزرق، الملتقى المعروف باسم المغران. وبينما كنا نتجول، ظللنا على مقربة من شواطئ جزيرة توتي، التي تزود الخرطوم بالكثير من الفاكهة والخضر. لقد أمضيت يومًا في السير في بساتين الحمضيات في الجزيرة وحول حقول الخضار. الآن كنت أراها من زاوية مختلفة.

الخرطوم تعني “جذع الفيل” باللغة العربية، ويبدو أنه سمي بهذا الاسم بسبب شكل النهر حول جزيرة توتي. من الماء، لم أتمكن من معرفة أين كنا بالضبط في الجذع”.

ونختم بقراءة نقدية مختصرة للكتاب

بالإضافة إلى ما تقدم في ثنايا العرض فهناك ملاحظات أخرى ضرورية:

  • برغم رؤية المؤلفة لأهمية بروز تنظيم الدولة (داعش) في المشهد المأساوي في العراق وسوريا، إلا أنها لم تكلف نفسها بتحليل الحالة الفكرية أو التاريخية للتنظيم إل برأيها العام أنه ظهر ونما نتيجة المظالم القاسية ضد السنة في العراق، لكنها لم تتعرض لمفهوم “الخلافة” لا من الناحية السياسية أو الشرعية برغم الإشارة إليه مرات عديدة. كما أن الحديث عن التنظيم عموما جاء مجزءا ومتأخرا في الكتاب وفي الثلث الأخير منه فقط.
  • تأكيد المؤلفة بعد عودتها إلى بريطانيا عام ٢٠١٠ أنها “تشعر بالملل والمرارة والالتواء”، مع شعور من عدم الارتياح الحاد وفقدان الهدف في الحياة، كلام يستحق التأمل خاصة مع ما كررته مرات بأن مآسي الشرق الأوسط ترجع جذورها للمظالم المروعة التي ارتكبها الغرب هناك خلال القرنين الأخيرين.
  • من اللافت أن إيما سكاي لا تجد صعوبة في الدخول في محادثات مع الغرباء المستعدين للدردشة مطولاً. (ولعل طفولتها كابنة الحاضنة في مدرسة داخلية للبنين أعطتها الثقة للعمل بمثل هذه السهولة في “عالم الرجل”) وأيضاً للشروع في رحلات محفوفة بالمخاطر وصعبة جسديًا، وفي نفس الوقت أحسنت الاستفادة مما يبدو وكأنه شبكة لا تنضب من جهات الاتصال السياسية عالية المستوى والاشتباك معهم في مناظرات مفيدة للغاية.
  • تبدي سكاي غضبا شديدا من أوباما وسياسته المرتبكة الضعيفة في العراق وسوريا وتحمله مسئولية ظهور داعش، لكنها لم تقدم دليلا مقنعا على أن استمرار استخدام القوة المباشرة من قبل الغرب كان سيحقق النتائج المرجوة دون مستويات مرعبة من سفك الدماء. ولم تجب المؤلفة عن سؤال يفرض نفسه: كيف قبلت العمل مع القوات الأمريكية والبريطانية برغم هجومها المرير عليها وتحميلها لهم معظم أوزار القتل والدمار الذي لحق بسوريا والعراق؟
  • من المؤسف بالنسبة لنا – نحن العرب – أن تأتي مثل هذه الكتابات من غرباء عن المنطقة، ونحن أولى بذلك ولكنه الإهمال في الاستفادة من دروس التاريخ القريب الذي ما زالت عواقبه تتبدى أمامنا يوما بعد يوم. كنا أحق أيضا باستطلاع رأي المواطنين في الشارع العربي لنشعر بنبضهم وأثر الأحداث والسياسات عليهم. تأمل مثلا في إصغاء المؤلفة لذلك المراكبي البسيط ورأيه المُركب في صدام حسين والقذافي، بل ونرى ملاحظته عن القذافي أدق من رأي المؤلفة! لماذا لا نصغي إلى أنفسنا؟ لماذا نكتفي بالرموز والقادة ونهمش مشاعر وآراء عامة الشعب؟
  • يبدو اقتراح المؤلفة بأن التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بل ووصول ترامب للحكم كان نتيجة للمخاوف من الهجرة التي نجمت جزئياً عن عدم استقرار الشرق الأوسط، يبدو اقتراحا مفرطا في البساطة والاختزال.
  • النقطة التي أكدت عليها المؤلفة في أسباب كسر موجة الربيع العربي الأولى وأنها في المقام الأول ترجع لشبكة المحسوبية والمصالح التي تربط أفراد وجهات داخل الأنظمة الحاكمة، هي نقطة جديرة بالاهتمام وتبدو واقعية وصحيحة أكثر من الأسباب الإيديولوجية التي نميل نحن كثيرا لتحميلها صلابة المنقلبين على ثورات الربيع العربي.
  • القصص الكثيرة التي ساقتها المؤلفة من العراق وسوريا والأردن تروي مآسي إنسانية مروعة، وتشهد بأن الشعوب هي التي تدفع ثمن الاستبداد وحماقات السياسيين، ثمنا باهظا من القتل والإصابات والعاهات والتشريد والتشتيت. كما تشهد بمصير أولئك الذين يثقون في الاحتلال والمحتلين، فمصير الصحوات العراقية انتهى بهم في صفوف داعش. لقد تتبعت سيرة إحدى الشخصيات التي نقلت عنها المؤلفة، وهو الشيخ عبد الله الياور، تتبعت سيرته اللاحقة فوجدته قد تم اختياره عام ٢٠١٧ ليصبح شيخا لمشايخ شمر بالعراق والوطن العربي خلفاً لعمه محسن الياور بعد وفاته. وقد تعهد في حفل تنصيبه ومبايعته بـ “المحافظة على أمن وكرامة ودماء أبناء شمر ومحاربته للإرهاب والفكر المتطرف ومساهمته الكبيرة في تحرير المنطقة من المنظمات الإرهابية”. ثم وجدته في يونيو ٢٠١٨ يصرخ بخشيته من مصير الصحوات في العراق، ويشتكي من أن القوات الأمنية عاجزة عن حماية أبناء عشيرته من داعش والميليشيات الشيعية، وأنه إذا استمر الحال هكذا فسيضطرون لحمل السلاح!
  • نظرة المؤلفة التاريخية للشرق الأوسط تبدو قاصرة ومتناقضة مع مظالم الاحتلال الغربي التي أقرت بها في مواضع كثيرة. فكما في الفقرة التي نقلناها في هذا العرض، يبدو تقدير المؤلفة ساذجا عندما تقول (إن العراق والأردن بدى أنهما في طريقهما للتقدم) عندما جلبت لهما بريطانيا شابين من أولاد الشريف حسين، وعينتهما ملكين على البلدين، ولا ندري شكل “التقدم” الذي تقصده المؤلفة لبلد يحكمه تابع ووكيل عن الاحتلال البريطاني!

مراجعة:      د. محمد هشام راغب

ترجمة:                ا. يسرا وليد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق