الرؤية السياسية الإيرانية لما بعد الحرب

عُقدت ندوة "الدروس الاستراتيجية المستفادة لعام 1404" في يونيو 2026، بتنظيم من مركز البحوث الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، بهدف دراسة التجارب الاستراتيجية للبلاد خلال الحرب وبعدها، وتحليل وضع المؤسسات وعلاقات القوة، وتحديد شروط الانتقال من الأزمة إلى إعادة الإعمار والاستقرار. وقد شارك فيها عدد من المتحدثين البارزين، منهم حسام الدين آشنا، ومصطفى زمانيان، ومحمد مهدي مجاهدي، بالإضافة إلى محمدباقر خرمشاد وسيد جلال دهقاني فيروزآبادي.
قدم الدكتور حسام الدين آشنا بحثًا تناول فيه خمسة أقسام رئيسية: وضع إيران قبل الحرب، وتطورات زمن الحرب، والوضع بعد وقف إطلاق النار، وتحديات المرحلة الانتقالية، ومسارات الخروج. وأشار إلى "أزمة تمثيل القوة" قبل الحرب، حيث كانت هناك فجوة بين القوة الرسمية والفعلية، وضعف في صياغة السردية والإقناع الاجتماعي. ووصف الحرب بأنها "اختبار إدراكي" كشف عن مرونة المجتمع الإيراني وتضامنه، محذرًا من تآكل هذا الرأسمال الوطني إذا لم يُعترف به ويُستثمر في إصلاحات حقيقية. كما أكد أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب تغيير منطق تمركز القوة من الاقتدار الأمني إلى استقرار السوق وطمأنينة المجتمع وصدق المسؤولين. واختتم آشنا بتوصيات استراتيجية لإصلاح دورة المعلومات واتخاذ القرار، وإدارة وقف إطلاق النار بيقظة، والعودة إلى الناس في آليات الحكم، مؤكدًا أن المسألة الرئيسية هي الانتقال من رد الفعل إلى الاستراتيجية وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
من جانبه، تحدث الدكتور مصطفى زمانيان عن تشكّل مشروع "اللامستقبل" في إيران، وهو إحساس بغياب أفق واضح للمستقبل القريب لدى مختلف أطياف المجتمع، مشيرًا إلى أن النزاع مع الأعداء تجاوز المستوى العسكري ليصبح حرب سرديات حول صورة المستقبل. وانتقد زمانيان "آلة صناعة السردية" في الجمهورية الإسلامية، مؤكدًا أن المسؤولين لا يزالون يتصرفون بمنطق الأوقات العادية، مما أدى إلى عجز بنيوي. وحذر من تآكل رأس المال الاجتماعي إذا لم تُصلح البنى، مشددًا على أن السردية وحدها لا تحل محل الكفاءة. واقترح الاستفادة من المادة 43 من الدستور لإشراك المجتمع في قيادة البلاد، بهدف إحياء الثقة المؤسسية وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والأمة.
وفي الجلسة الثانية، ركز الدكتور محمدباقر خرمشاد والدكتور سيد جلال دهقاني فيروزآبادي على ضرورة ترسيخ النجاحات الميدانية للحرب في المجال الدبلوماسي. وصف خرمشاد الحرب بأنها حدث استثنائي أوجد لإيران موقعًا متميزًا، مؤكدًا أن الإنجازات الميدانية لا تكتسب معناها الكامل إلا بتحويلها إلى مكاسب سياسية وقانونية عبر الدبلوماسية. ودعا إلى الواقعية في تحليل سلوك الطرف الآخر، مشددًا على أهمية الصياغة القانونية الدقيقة للوثائق والاتفاقات الدولية.
أما الدكتور سيد جلال دهقاني فيروزآبادي، فركز على الجانبين القانوني والدبلوماسي، مؤكدًا أهمية اختيار الكلمات والعبارات في الاتفاقات الدولية لتجنب التفسيرات المتضاربة والاستغلال السياسي والقانوني. وأشار إلى ضرورة تحديد المفاهيم الأساسية وحدود الالتزامات بدقة، والاستفادة من مراجعة الاتفاقات السابقة لتجنب الخلافات التفسيرية المستقبلية.
خلصت الندوة إلى أن التطورات المرتبطة بالحرب تتيح فرصة لإعادة تعريف موقع إيران إقليميًا ودوليًا، وأن الاستفادة من هذه الفرصة تستلزم تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية وقانونية عبر الجمع بين الواقعية السياسية والدقة القانونية والإدارة المهنية للمفاوضات ومراعاة موازين القوة الدولية. ويُلاحظ في مداخلات المتحدثين عمق التحليل والحس الاستراتيجي، مع غياب لافت لأي تأصيل إسلامي في مرجعيتهم، مما يعكس نقاشًا داخليًا صريحًا حول اختلالات الحكم وفجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وضرورة ترجمة التضامن الوطني زمن الحرب إلى إصلاحات حقيقية في الأداء وعلاقة الدولة بالمجتمع.
كيف يفكر أصحاب القرار في إيران استراتيجيا خلال حالة الحرب التي تعيشها بلادهم منذ حوالي ثمانية أشهر، وهل تشغلهم الأحداث المتشابكة إقليميا وداخليا عن تحديد رؤيتهم لما بعد الحرب؟
بين أيدينا ندوة للدروس الاستراتيجية للحرب، عُقدت في يونيو الماضي، تقدم للقارئ العربي بعض ملامح الفكر السياسي الإيراني في هذا الحدث الكبير.
نشرت عدة وسائل إعلام إيرانية تقارير موجزة عن ندوة «الدروس الاستراتيجية المستفادة لعام 1404»[1] (متطلبات منظومة الحكم بعد الحرب – گزارش کوتاه نشست «درسآموختههای راهبردی ۱۴۰۴)[2]، والتي نظمها مركز البحوث الاستراتيجية (التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام) في يونيو 2026، وكانت حسب إعلان الندوة لدراسة التجارب الاستراتيجية للبلاد في أثناء الحرب وبعدها، وتحليل وضع المؤسسات وعلاقات القوة، وبيان شروط الانتقال من الأزمة وحالة الحرب إلى إعادة الإعمار والاستقرار. المتحدثون في الجلسة الأولى كانوا: حسام الدين آشنا، ومصطفى زمانيان، ومحمد مهدي مجاهدي، وفي الجلسة الثانية قدمت ورقتان من محمدباقر خرمشاد وسيد جلال دهقاني فيروزآبادي.
ملخص الأبحاث المقدمة
أشار الدكتور حسام الدين آشنا[3]، في مستهل كلمته، إلى تعقيد السياسة في إيران وسيولتها، وأن البلاد قد تنتقل في مراحل مختلفة، وفي فاصل زمني قصير، من وضع إلى وضع مختلف تمامًا. ثم عرض بحثه في خمسة أقسام هي: وضع إيران قبل الحرب، وتطورات زمن الحرب، والوضع بعد وقف إطلاق النار، وتحديات المرحلة الانتقالية، ومسارات الخروج.
وفي تبيينه للوضع قبل الحرب تحدث عن «أزمة تمثيل القوة»، موضحًا أن فجوة نشأت في إيران بين القوة الرسمية والقوة الفعلية والقوة المُساءَلة والقوة المُقنِعة. وبحسب قوله، لم تكن المشكلة الرئيسية غياب القوة، بل عدم الانسجام بين مكوّنات القوة وضعف في صياغة السردية والإقناع الاجتماعي واستقاء التغذية الراجعة من المجتمع. كما عدّ آشنا الاختلال في دورة المعلومات واتخاذ القرار من القضايا المهمة في تلك المرحلة، وشدد على أن المعلومات والتقييمات لا تُنقَل دائمًا بصورة كاملة وحيادية إلى المستويات العليا لاتخاذ القرار.
وفي القسم الثاني وصف الدكتور آشنا الحرب بأنها «اختبار إدراكي» للشعب والحاكمية والعدو. وقال إن جزءًا من المجتمع كان قد ابتعد عن النظام الحاكم في السنوات الماضية، ولكننا رأيناه يعود في لحظة التهديد إلى إيران وأرضها، لكن هذه العودة لا ينبغي أن تُفهم بالضرورة على أنها رضا عن جميع أساليب الحكم. وأكد أن هذا التضامن الوطني رأسمال مهم، وأنه إن لم يُعترف به فسيتآكل سريعًا. وبحسب قوله، أظهرت الحرب أيضًا أن المجتمع الإيراني يتمتع بقدرة عالية على المرونة والتضامن والتنظيم الاجتماعي.
ثم تناول آشنا الوضع بعد وقف إطلاق النار، وصرّح بأن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء القوة. وحذّر من أنه إذا انتقل منطق تمركز القوة والاقتدار الأمني وسرديات زمن الحرب إلى مرحلة ما بعد الحرب دون تعديل، فسيواجه المجتمع تآكلًا أعمق. وأضاف أن رموز القوة تتغير في مرحلة ما بعد الحرب، وأنه إلى جانب القدرة الدفاعية، تصبح استقرار السوق وطمأنينة المجتمع النفسية وصدق المسؤولين وجودة الخدمات العامة والقدرة على الحوار مع الناس مؤشرات للقوة.
وعدّد آشنا أربعة تحديات رئيسية للمرحلة الانتقالية: مصداقية السردية الرسمية، وخطر المباغتة في وقف إطلاق النار، وضرورة إعادة بناء التماسك الاجتماعي، والعلاقة بين البقاء والارتقاء. وبحسب آشنا، يطرح المجتمع بعد الحرب أسئلة أدق عن أسباب الحرب ومستوى الجاهزية والأخطاء والمسؤوليات، وإذا لم تتمكن السردية الرسمية من إقامة علاقة سليمة مع الواقع، فسيشتد تآكل الثقة بين النظام والشعب.
وفي الختام، طرح آشنا ثلاث توصيات استراتيجية: إصلاح دورة المعلومات واتخاذ القرار في البلاد، وإدارة وقف إطلاق النار بيقظة استراتيجية، والعودة إلى الناس لا في الشعارات بل في آليات الحكم. وانتهت كلمته بالتأكيد على أن المسألة الرئيسية لإيران اليوم هي أمران: الانتقال من ردّ الفعل إلى الاستراتيجية، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع لصناعة المستقبل.
وتحدث الدكتور مصطفى زمانيان[4] في القسم الثاني من الندوة، فذكر في مستهل كلمته تشكّل مشروع يُسمّى «اللامستقبل» (بيآيندگي). وبحسب قوله، تُظهر الدراسات والاستطلاعات أن مختلف أطياف المجتمع الإيراني، من التيارات الناقدة إلى القوى الثورية، تشترك في نقطة واحدة: غياب أفق واضح للمستقبل القريب، السنوات 1415 إلى 1420 (أي 2035 – 2040). وهذا الإحساس بأن المجتمع عاجز عن رسم مسار طويل الأمد ومطمئن هو النواة الأساسية لـ«اللامستقبل».
وأكد الدكتور زمانيان، مبيّنًا أن النزاع بين إيران وأعدائها تجاوز في السنوات الأخيرة المستوى العسكري، وأن «حرب اليوم تتشكل، قبل الميدان، على مستوى السرديات وحول صورة المستقبل». وأوضح، مشيرًا إلى خطابات مسؤولين غربيين، أن استراتيجيتهم تقوم على تقديم صورة معقولة وجذابة للمستقبل للشعب الإيراني بهدف تشويه كفاءة منظومة الحكم في الذهنية العامة. وفي هذا السياق، فإن أي طرف يتمكن من رسم «مستقبل أكثر مصداقية» سيكون الفائز في الساحة الإدراكية والدعائية.
وصرّح هذا الأستاذ الجامعي والمتخصص في مجال الحكم، في نقده للوضع القائم، بأن «آلة صناعة السردية» في بنية الجمهورية الإسلامية تعاني اختلالًا. ولم يحصر هذه المسألة في وسائل الإعلام، بل أشار إلى شرخ إدراكي عميق، وهو وضع شرحه بالاستعارة القائلة: «لم تُبلَّغ الحرب إلينا بعد». وبحسب الدكتور زمانيان، لا يزال المسؤولون في كثير من مستويات اتخاذ القرار يتصرفون بمنطق الأوقات العادية والأحوال المستقرة، ولأن تغيّر الوضع لم يُبلَّغ إليهم فإنهم لم يتخذوا هيئة الحرب، الأمر الذي أدى إلى عجز بنيوي.
كما حذّر زمانيان من أمر «رأس المال الاجتماعي»، وقال “رغم أننا شهدنا في مرحلة الحرب قفزة في التضامن الوطني، فإن هذا الرأسمال، إذا استمر العجز ولم تُصلَح البنى، سيتآكل بسرعة”. وشدد على أن السردية وحدها لا تستطيع أن تحلّ محل الكفاءة، لأن المجتمع يبحث عن علامات ملموسة على تحسن الأداء.
وفي القسم الأخير عدّ ما أسماه «صبيحة يوم الفتح» التحدي الكبير التالي، وهي مرحلة لا يملك النظام بعد لها سردية متماسكة ولا وصفة تنفيذية. واقترح، للانتقال من وضع «البقاء» إلى «الارتقاء بالحكم»، الاستفادة من الطاقات المهملة في المادة 43 من الدستور[5]. وشدد على أنه لا ينبغي أن يكون الناس مجرد موضوع للحكم، ودعا إلى إعادة تصميم آليات تُشرك المجتمع على مستوى «المشاركة في قيادة البلاد»، وهو مسار يمكن أن يفضي إلى إحياء الثقة المؤسسية وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والأمة.
في الجلسة الثانية للندوة، وكانت بعنوان “ضرورة ترسيخ النجاحات الميدانية لـ«حرب رمضان» في المجال الدبلوماسي”، تناول فيها الدكتور محمدباقر خرمشاد والدكتور سيد جلال دهقاني فيروزآبادي الأبعاد الاستراتيجية للحرب الحالية وما أفرزته من فرص وتحديات داخلية وخارجية. وأكدا ضرورة تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية وقانونية، وتثبيتها عبر الدبلوماسية.
وصف الدكتور خرمشاد[6] الحرب بأنها حدث مهم واستثنائي في المعادلات الإقليمية والتاريخية لإيران. وقال إن إيران كانت في مراحل كثيرة من تاريخها في موقع أضعف خلال المواجهات، لكن الظروف الأخيرة أوجدت واقعًا مختلفًا، ومكّنت البلاد من تحقيق موقع متميز على الأرض. وشدد على أن الإنجازات الميدانية لا تكتسب معناها الكامل إلا عندما تتحول إلى مكاسب سياسية وقانونية. وأشار إلى أن التجارب التاريخية تُظهر أن النجاحات الميدانية قد تفقد أثرها تدريجيًا إذا لم تُرسَّخ دبلوماسيًا.
وأضاف أن شكل مقترحات التفاوض ومضمونها يعكسان، في العادة، ميزان القوة الحقيقي بين الأطراف. فالاختلاف بين المقترحات المطروحة في مراحل سياسية متباينة لا يعود بالضرورة إلى تغير اللغة الدبلوماسية، بل قد يكون مردّه إلى تغير موقع الأطراف في موازين القوة. وعندما يدخل بلدٌ المفاوضات من موقع القوة، تتشكل أطر التفاوض على نحو مختلف.
كما دعا خرمشاد إلى الواقعية في تحليل سلوك الطرف الآخر، موضحًا أن الالتزامات الواردة في الوثائق والاتفاقات الدولية لا تكفل وحدها تنفيذها فعليًا. وقد تواجه بعض الالتزامات، ولا سيما المتعلقة بعدم التدخل واحترام السيادة، تفسيرات مختلفة أو متعارضة؛ لذلك ينبغي إيلاء الصياغة القانونية والتفاصيل عناية كبيرة عند إعداد أي وثيقة أو اتفاق.
من جانبه، ركز الدكتور سيد جلال دهقاني فيروزآبادي[7] على الجانبين القانوني والدبلوماسي، مؤكدًا أهمية اختيار الكلمات والعبارات في الاتفاقات الدولية. وقال إن استخدام مفاهيم عامة أو ملتبسة من أبرز تحديات المفاوضات والوثائق القانونية؛ فقد يبدو للمصطلح معنى محدد عند إبرام الاتفاق، ثم تتباين تفسيراته لاحقًا، بما يفتح المجال لتأويلات واسعة أو لاستغلال سياسي وقانوني.
وأشار إلى أن الأطراف المقابلة في كثير من المفاوضات الدولية تستعين بفرق كبيرة من الخبراء القانونيين والفنيين لتثبيت تفسيرها للمفاهيم. ومن ثم، لا بد من تحديد المفاهيم الأساسية وحدود الالتزامات ونطاق أحكام الاتفاق بدقة، تفاديًا للخلافات التفسيرية في المستقبل. فكل كلمة أو عبارة في الوثيقة الدولية قد تترتب عليها آثار سياسية وقانونية مهمة.
وأضاف أن مراجعة الاتفاقات والوثائق السابقة قد توفر لصانعي القرار دروسًا مهمة للمفاوضات المقبلة؛ إذ إن الخلافات التي تنشأ بين الدول لاحقًا لا تكون، في حالات كثيرة، بسبب أصل الاتفاق، بل بسبب اختلاف تفسير أحكامه. ولذلك فإن الإفادة من التجارب الماضية والانتباه إلى الدقائق القانونية يساعدان على تجنب مثل هذه المشكلات.
أكد المتحدثان أن الإفادة من الإنجازات الميدانية تتطلب إدارة ذكية للسياسة الخارجية. فإذا لم تُثبَّت تلك الإنجازات ضمن مبادرات سياسية وقانونية، فقد يتراجع أثرها بمرور الوقت. ولهذا ينبغي لصانعي السياسات وضع إطار متماسك للمفاوضات والتعاملات المقبلة، يأخذ في الحسبان واقع موازين القوة على الأرض والاعتبارات القانونية والدبلوماسية.
وخلصت الجلسة إلى أن التطورات المرتبطة بالحرب قد تتيح فرصة مهمة لإعادة تعريف موقع إيران إقليميًا ودوليًا. لكن الإفادة الفعلية من هذه الفرصة تستلزم تحويل الإنجازات الميدانية، بدقة وحساب، إلى مكاسب سياسية وقانونية، عبر الجمع بين الواقعية السياسية والدقة القانونية والإدارة المهنية للمفاوضات ومراعاة موازين القوة الدولية.
تعقيب وخاتمة
- دراسات تقدير الموقف تتضح جودتها وعمقها إذا نظرنا إليها بعد فترة من صدورها خاصة في مثل هذه الأحداث الكبرى كالحرب الإيرانية الحالية، تلك الندوة عقدت منذ أربعة أشهر، جرت فيها تقلبات كبيرة، وعندما ننظر إلى ما قُدم وقتها نجده يتمتع بجودة بحثية، وحسن نظر في تعقيدات المشهد، ومحاولة جيدة لاستشراف التحديات المقبلة.
- المتحدثون الخمسة يتمتعون بدرجة عالية من عمق التحليل والحس الاستراتيجي، لكن يُلاحظ في مرجعية تناولهم اختفاء أي أثر أو معنى أو تأصيل إسلامي، وكأننا نقرأ لأي مفكر سياسي غربي لا علاقة له بالإسلام. بطبيعة الحال الحس الوطني والقومي ظاهر، لكن غياب الحس الإسلامي عند هذه النخبة في الجمهورية “الإسلامية” أمر لافت، ويبدو من إعلانات الندوة أنه لا يثير استغراب المواطن الإيراني. وأكثر من ذلك، أن أحد المتحدثين (د. زمانيان) عندما أسهب في التعبير عن قلقه ومخاوفه من أن مختلف أطياف المجتمع الإيراني، تشترك في غياب أفق واضح للمستقبل القريب، فإنه لم يتطرق قط للفكرة الإسلامية لحماية بلده من “اللامستقبل” الذي يخشاه.
- تعكس المادة، الصادرة عن مؤسسة بحثية تابعة لمجمع تشخيص مصلحة النظام، نقاشًا داخليًا صريحًا نسبيًا عن اختلالات الحكم وفجوة الثقة بين الدولة والمجتمع قبل الحرب، وهو نقاش يُجريه محسوبون على مؤسسات النظام نفسه لا خصومه. وتقع المداخلات في صلب الجدل الإيراني بين من يرى أن الالتفاف الوطني زمن الحرب يمنح النظام شرعية مستجدة، ومن يحذّر من أنه رصيد هش يتآكل إن لم يُترجم إلى إصلاح في الأداء وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وهذا ما يفيد القارئ العربي في فهم أولويات النخبة الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب.
- عُقدت هذه الندوة بهدف دراسة التجارب الاستراتيجية للبلاد في أثناء الحرب وما بعدها، وتحليل وضع المؤسسات وعلاقات القوة، وبيان متطلبات الانتقال من ظروف الأزمة إلى مرحلة إعادة الإعمار والاستقرار. وهذا يعتبر دور مهم لمراكز الدراسات لاستشراف الآتي، وعدم الاكتفاء بالانغماس في الحدث الجاري حتى لو كان حربا مشتعلة.
- كلام المتحدثين حول العلاقة بين النظام الحاكم والمجتمع له دلالات مهمة، خاصة فيما يتعلق بمفهوم “قوة الدولة” في التعامل مع مواطنيها. إن تقسيم هذه القوة إلى: القوة الرسمية والقوة الفعلية والقوة المُساءَلة والقوة المُقنِعة، تقسيم لافت في الانتباه لأهمية المجتمع وضرورة حضوره الدائم، لا استدعاؤه في الأزمات فقط. وبحسب قولهم، لم تكن المشكلة الرئيسية غياب القوة، بل عدم الانسجام بين مكوّنات القوة وضعف في صياغة السردية والإقناع الاجتماعي واستقاء التغذية الراجعة من المجتمع. إن الدولة التي تعتمد على الاقتدار الأمني وحده تتسبب في التآكل المجتمعي ثم انفصاله عن النظام الحاكم.
- يبدو أن التأكيد المتكرر على العناية والتدقيق في صياغة أي اتفاقيات سياسية، قد انعكس عمليا على المفاوضات التي جرت في إبريل الماضي في إسلام أباد وذكر أن الوفد الإيراني فيها ضمّ نحو 70 شخصًا، بينهم مختصون في الشؤون الاقتصادية والأمنية والسياسية، وإعلاميون وموظفو دعم.
- من المفيد سرد بعض العبارات المفتاحية التي وردت في ثنايا الأوراق المقدمة للندوة:
- إن فجوة نشأت في إيران – قبل الحرب – بين القوة الرسمية والقوة الفعلية والقوة المُساءَلة والقوة المُقنِعة.
- الحرب «اختبار إدراكي» للشعب والحاكمية والعدو.
- إذا انتقل منطق تمركز القوة والاقتدار الأمني وسرديات زمن الحرب إلى مرحلة ما بعد الحرب دون تعديل، فسيواجه المجتمع تآكلًا أعمق.
- وإذا لم تتمكن السردية الرسمية من إقامة علاقة سليمة مع الواقع، فسيشتد تآكل الثقة بين النظام والشعب.
- تُظهر الدراسات والاستطلاعات أن مختلف أطياف المجتمع الإيراني، من التيارات الناقدة إلى القوى الثورية، تشترك في نقطة واحدة: غياب أفق واضح للمستقبل القريب.
- الإحساس بأن المجتمع عاجز عن رسم مسار طويل الأمد ومطمئن هو النواة الأساسية لـ«اللامستقبل».
- رغم أننا شهدنا في مرحلة الحرب قفزة في التضامن الوطني، فإن هذا الرأسمال، إذا استمر العجز ولم تُصلَح البنى، سيتآكل بسرعة.
- الإنجازات الميدانية لا تكتسب معناها الكامل إلا عندما تتحول إلى مكاسب سياسية وقانونية.
- الإفادة من الإنجازات الميدانية تتطلب إدارة ذكية للسياسة الخارجية.
وأخيرا، فإن المتابع لهذا الحراك الفكري، يخرج بانطباع أننا أمام نخب سياسية علمانية صريحة، تتدثر بمشاعر قومية قوية.
د. محمد هشام راغب
[1] التقويم الإيراني هو **التقويم الهجري الشمسي** (ويُسمّى أيضًا الجلالي أو الشمسي): تقويم شمسي يبدأ عامه بعيد النوروز قرب الاعتدال الربيعي، ويعدّ السنوات من الهجرة النبوية، لكنه — خلاف التقويم الهجري القمري — مرتبط بدورة الشمس والفصول.
وبحسب التاريخ اليوم مثلا، الاثنين 12 أكتوبر 2026م، يوافق 20 مهر 1405هـ ش
[2] المصدر: https://csr.ir/fa/news/1726/%DA%AF%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%B4-%DA%A9%D9%88%D8%AA%D8%A7%D9%87-%D9%86%D8%B4%D8%B3%D8%AA-%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D8%A2%D9%85%D9%88%D8%AE%D8%AA%D9%87-%D9%87%D8%A7%DB%8C-%D8%B1%D8%A7%D9%87%D8%A8%D8%B1%D8%AF%DB%8C-1404
[3] حسامالدين آشنا؛ وُلد في طهران عام 1964، وهو سياسي وأكاديمي إيراني، عمل مستشارًا للرئيس حسن روحاني ورئيسًا لمركز الدراسات الاستراتيجية التابع للرئاسة الإيرانية.
[4] مصطفى زمانيان، وهو باحث وأكاديمي في مجال السياسات العامة والحوكمة، حصل على دكتوراه في الإدارة والسياسات العامة من جامعة طهران، وعمل عضوًا في هيئة التدريس بكلية الحوكمة فيها. كما تولّى سابقًا رئاسة مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للرئاسة الإيرانية، وهو المنصب الذي شغله حسامالدين آشنا قبله.
[5] الترجمة العربية: المادة 43 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية:
المادة 43: من أجل تحقيق الاستقلال الاقتصادي للمجتمع، واستئصال الفقر والحرمان، وتلبية احتياجات الإنسان في مسار نموّه، مع صون حريته، يقوم اقتصاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الضوابط الآتية:
1. توفير الاحتياجات الأساسية للجميع: السكن، والغذاء، والملبس، والصحة، والعلاج، والتعليم، والمرافق اللازمة لتكوين الأسرة.
2. توفير ظروف العمل وإمكاناته للجميع بهدف بلوغ التشغيل الكامل، ووضع وسائل العمل في متناول كل قادر على العمل ولا يملكها، عن طريق التعاونيات أو القروض بلا فائدة أو أي وسيلة مشروعة أخرى، على ألا يؤدي ذلك إلى تركّز الثروة وتداولها في أيدي أفراد أو جماعات مخصوصة، وألا يحوّل الدولة إلى ربّ عمل كبير مطلق. وينبغي أن يراعى في ذلك مقتضى التخطيط العام لاقتصاد البلاد في كل مرحلة من مراحل نموّه.
3. تنظيم برنامج الاقتصاد الوطني على نحو يجعل صورة العمل ونوعه ومقداره وساعاته وظروفه ملائمة لقدرة الإنسان على العمل، مع تأمين ما يكفيه من الطاقة والوقت لممارسة أنشطته الروحية والسياسية والاجتماعية.
4. احترام حرية اختيار المهنة، وعدم إكراه أحد على عمل معين، ومنع استغلال عمل الآخرين.
5. منع الإضرار بالآخرين، واحتكار الأموال، والاحتكار، والربا، وسائر المعاملات الباطلة والمحرّمة.
6. منع الإسراف والتبذير في جميع شؤون الاقتصاد، بما في ذلك الاستهلاك والاستثمار والإنتاج والتوزيع والخدمات.
7. استخدام العلوم والتقنيات، وتأهيل الأشخاص المهرة بما يتناسب مع احتياجات تنمية اقتصاد البلاد وتقدّمه.
8. منع الهيمنة الاقتصادية للأجانب على اقتصاد البلاد.
9. التشديد على زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي بما يلبي الاحتياجات العامة، ويبلغ بالبلاد مرحلة الاكتفاء الذاتي، ويحررها من التبعية.
[6] محمد باقر خرمشاد أكاديمي ومسؤول إيراني، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة العلامة الطباطبائي بطهران. يجمع في مسيرته بين البحث في السياسة والثورة الإيرانية والعمل في مؤسسات حكومية وثقافية ودبلوماسية. من مواليد 1963، درس في جامعة الإمام الصادق، ثم حصل على ماجستير ثانٍ في العلوم السياسية، بتخصص السياسة المقارنة، ودكتوراه في العلوم السياسية، بتخصص علم الاجتماع السياسي، من جامعة ليون الثانية في فرنسا. تولى عدة مناصب منها أمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، نائب وزير الداخلية للشؤون السياسية في حكومة إبراهيم رئيسي، رئيس منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية؛ نائب وزير الخارجية لشؤون التعليم والبحث، ونائب وزير العلوم للشؤون الثقافية والاجتماعية، ومدير مكتب الدراسات السياسية في مركز أبحاث البرلمان.
[7] سيد جلال دهقاني فيروزآبادي أكاديمي وسياسي إيراني متخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية. وهو أستاذ في جامعة العلامة الطباطبائي، وحاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة بروكسل.ensani+1 وفي ديسمبر 2025 عُيّن أمينًا للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيراني، خلفًا لعلي باقري كني. ومن مؤلفاته كتاب «السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية»، كما شغل سابقًا منصب المستشار الثقافي الإيراني في الإمارات.