الصين: من شراكة المشروعات إلى شراكة القدرات

انتبهت معظم الدول العربية إلى أهمية علاقاتها بأوروبا والولايات المتحدة، وأنشأت مراكز بحثية وجماعات ضغط لتعزيز هذه العلاقات، بينما يغيب هذا التوجه في علاقاتها مع الصين الصاعدة بقوة. في هذا السياق، عقد مركز البحوث الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران ندوة بعنوان "ضرورة التعرّف على نظام الحوكمة في الصين" بتاريخ 13 يوليو 2026 (22 تير 1405 هـ.ش)، بمشاركة مصباحي مقدم ودهقان دهنوي ومحمد رضا مجيدي، بهدف فهم نظام الحكم الصيني ودوره في توجه طهران شرقًا. أكدت الندوة على ضرورة الانتقال من العلاقات التجارية السطحية إلى دراسة متخصصة معمقة للصين، تشمل فهم نظام الحوكمة ودور الحزب الشيوعي وآليات صنع القرار. دعا مجيدي إلى ربط العلاقات بالمؤسسات الحزبية ومراكز الفكر وجهات صنع القرار الصينية، لا بالحكومات والوزارات فقط، وبناء "خطاب مشترك"، مقترحًا تعزيز صلة مجمع تشخيص مصلحة النظام بالممثل الخاص لإيران في العلاقات مع الصين. حذر مصباحي مقدم من توقع دخول الصين في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة نيابة عن إيران، نظرًا لأن سياستها الخارجية تقوم على موازنة المصالح، وطالب بالانتقال من علاقة قائمة على السلع إلى علاقة صناعية وتكنولوجية مبنية على سلاسل الإنتاج، ومراجعة الاتفاقية التجارية، وتنويع المسارات (السككية والممرات البديلة) إلى جانب الطريق البحري. وصف دهقان دهنوي العلاقة الحالية بأنها غير متوازنة، حيث تصدر إيران مواد خام وشبه خام وتستورد سلعًا مصنعة، ودعا إلى ترك بيع المواد الخام وزيادة القيمة المضافة، ومراجعة اتفاقية 1991 التجارية، وإبرام اتفاق تجارة تفضيلية لسلع إيرانية محددة. خلصت الندوة إلى أن تجاوز التعاون الظرفي والتجاري يتطلب ثلاث ركائز: معرفة دقيقة بنظام الحوكمة ومنطق السياسة الخارجية الصينية، وإصلاح البنى الاقتصادية الداخلية، ووضع خريطة طريق مؤسسية واضحة لمتابعة العلاقات. شدد المتحدثون على أن على إيران أن تستفيد من فرصة العلاقات مع الصين لتعزيز موقعها الاستراتيجي، لكن هذا الاستثمار لا يكون ممكنًا إلا حين تتغير نظرة البلاد من "بيع المواد الخام" إلى "الشراكة الاستراتيجية" و"التعاون في سلسلة الإنتاج". يعكس هذا التوجه مقاربة نخبوية رسمية تدعو إلى واقعية أكبر في التعويل على الصين، والانتقال من خطاب "التوجه نحو الشرق" العام إلى سياسة مؤسسية قائمة على المعرفة والمصالح. كما أشارت الندوة إلى أهمية بناء منظومة عربية للتعامل مع الصين، لا تقتصر على العلاقات الرسمية، بل تشمل شبكة متعددة الطبقات من الاتصالات بين الجهات صانعة القرار والقطاع الخاص والمراكز البحثية والمؤسسات التنفيذية في البلدين، وذلك لضمان متانة العلاقات والاستفادة الكاملة من القدرات الصينية.
انتبهت معظم الدول العربية إلى أهمية علاقاتها بأوروبا والولايات المتحدة، وأنشأت مراكز بحثية تساعدها في فهم وإدارة هذه العلاقات. بعض الدول العربية ذهبت لأبعد من ذلك بسعيها لتكوين جماعات ضغط داخل المجتمعات الغربية. شيء من هذا يكاد لا يوجد في علاقات الدول العربية بالصين الصاعدة بقوة. بين أيدينا ضمن ملف (إيران من الداخل) تغطية مهمة لندوة عقدها مركز البحوث الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران تحت عنوان “ضرورة التعرّف على نظام الحوكمة في الصين” (لزوم شناسایی نظام حکمرانی چین)، تدعو إلى فهم نظام الحكم في الصين، وهي ذات صلة بتوجه طهران شرقًا. نرجو أن تكون الندوة لافتة للمعنيين في عالمنا العربي لبناء استراتيجية للعلاقات مع هذا القطب العالمي الجديد (وهو ما سنتطرق له في نهاية هذا العرض).
الملخص التنفيذي
◂ عُقدت في ١٣ يوليو ٢٠٢٦م (22 تير 1405 هـ.ش) ندوة علمية بعنوان «مستلزمات العلاقات الاستراتيجية مع الصين»، شارك فيها مصباحي مقدم ودهقان دهنوي ومحمد رضا مجيدي. أكدت الندوة على ضرورة الدراسة المتخصصة للصين، والانتقال من العلاقات السطحية التجارية البحتة إلى فهم نظام الحوكمة الصيني ودور الحزب الشيوعي وآليات صنع القرار.
◂ دعا مجيدي إلى ربط العلاقة بين طهران وبكين بالمؤسسات الحزبية ومراكز الفكر وجهات صنع القرار الصينية، لا بالحكومات والوزارات وحدها، وإلى بناء «خطاب مشترك». واقترح تعزيز صلة مجمع تشخيص مصلحة النظام بالممثل الخاص لإيران في العلاقات مع الصين.
◂ حذّر مصباحي مقدم من توقّع دخول الصين في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة نيابةً عن إيران، لأن سياستها الخارجية تقوم على موازنة المصالح. وطالب بالانتقال من علاقة قائمة على السلع إلى علاقة صناعية وتكنولوجية قائمة على سلاسل الإنتاج، وبمراجعة الاتفاقية التجارية، وبتنويع المسارات (السككية والممرات البديلة) إلى جانب الطريق البحري.
◂ وصف دهقان دهنوي العلاقة الحالية بأنها غير متوازنة: صادرات إيران إلى الصين مواد خام وشبه خام، ووارداتها سلع مصنّعة. ودعا إلى ترك بيع المواد الخام، وزيادة القيمة المضافة، ومراجعة اتفاقية 1991 التجارية، وإبرام اتفاق تجارة تفضيلية لسلع إيرانية محددة.
◂ خلصت الندوة إلى أن تجاوز التعاون الظرفي والتجاري يستلزم ثلاث ركائز: معرفة دقيقة بنظام الحوكمة ومنطق السياسة الخارجية الصينية، وإصلاح البنى الاقتصادية الداخلية، ووضع خريطة طريق مؤسسية واضحة لمتابعة العلاقات.
النص المترجم
ضرورة التعرّف على نظام الحوكمة في الصين
في الندوة العلمية «مستلزمات العلاقات الاستراتيجية مع الصين» التي عُقدت في 22 تير 1405 هـ.ش (13 يوليو 2026)، تناول حجة الإسلام والمسلمين الدكتور غلام رضا مصباحي مقدم، والدكتور محمد علي دهقان دهنوي، والدكتور محمد رضا مجيدي المتطلبات النظرية والعملية للارتقاء بالعلاقات بين إيران والصين. وكانت نقطة انطلاق الحوار التأكيد على ضرورة «الصينشناسي الدقيق» (دراسة الصين دراسة متخصصة) وتجاوز العلاقات السطحية والتجارية البحتة؛ وهو نهج لا يمكن أن يبلغ نتيجة مستدامة من دون معرفة نظام الحوكمة في الصين، ومكانة الحزب الشيوعي، وآلية صنع القرار في هذا البلد.
في القسم الأول، أشار الدكتور محمد رضا مجيدي إلى تجربة السنوات الأخيرة لمجمع تشخيص مصلحة النظام في التعامل مع بنية الحوكمة الصينية، وأكد أن العلاقات بين طهران وبكين لا ينبغي أن تُرى على مستوى الحكومات والوزارات فحسب، بل يلزم أن ترتبط كذلك بالمؤسسات الحزبية ومراكز الفكر وجهات صنع القرار في الصين. وشدّد على أن قصور الفهم عن الصين كان أحد الأسباب الرئيسية لبطء العلاقات بين البلدين، وقال إن إيران لا بد لها، من أجل دفع العلاقات الاستراتيجية، من التوصل إلى «خطاب مشترك» مع الصين؛ خطاب يتشكل على أساس معرفة المصالح والمفاهيم والأهداف المشتركة. كما اقترح مجيدي تعزيز حلقة الاتصال بين المجمع والممثل الخاص لإيران في العلاقات مع الصين، حتى تتحول مجموعة الدراسات والمخرجات الخبرائية إلى إطار متماسك لبدء مرحلة جديدة من العلاقات.
ومن جانبه، لم يعدّ الدكتور مصباحي مقدم، استنادًا إلى تجربة أسفاره إلى الصين، هذا البلد مجرد شريك تجاري أو اقتصادي، بل وصفه بأنه يملك نموذجًا خاصًا في الحوكمة والتخطيط بعيد المدى وترابطًا متينًا بين الحزب والدولة والاقتصاد. وبحسب قوله، فإن من أهم عوامل نجاح الصين خلال العقود الأربعة الماضية استمرارية السياسات الكبرى ونظام ترقية المديرين داخل الحزب الشيوعي. وأكد أن على إيران أن تتعرّف على «نظام الحوكمة في الصين» وأن تصوغ على أساسه نظرية مرجعية للعلاقات الثنائية؛ نظرية تُحلَّل فيها على الوجه الصحيح مكانة الصين في النظام الدولي، ونسبة هذا البلد إلى الولايات المتحدة، وإمكانات التعاون مع إيران. وحذّر مصباحي مقدم من أنه لا ينبغي توقّع أن تدخل الصين في نزاع مباشر مع الولايات المتحدة من أجل إيران، لأن لبكين علاقات اقتصادية واسعة جدًا مع واشنطن، ومنطق سياستها الخارجية يقوم على موازنة المصالح. وفي الوقت نفسه شدّد على ضرورة الانتقال من العلاقة المرتكزة على السلع إلى علاقة صناعية وتكنولوجية قائمة على سلاسل الإنتاج، وطالب بمراجعة الاتفاقية التجارية بين إيران والصين.
طالبت الندوة بالانتقال من علاقة قائمة على السلع إلى علاقة صناعية وتكنولوجية قائمة على سلاسل الإنتاج.
وأشار هذا العضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام كذلك إلى قدرات إيران في مجالات النحاس والطاقة والموارد المعدنية والموقع الجيواقتصادي، وأكد أن على طهران أن تستفيد من هذه المزايا لإقامة تعاون أعمق مع الصين. ومن وجهة نظره، لا ينبغي أن تبقى التجارة الثنائية عند مستوى تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنَّعة، بل يجب أن تتجه نحو الاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك. وفي موضع آخر من كلمته، عدّ تنويع مسارات الاتصال مع الصين أمرًا ضروريًا أيضًا؛ فرغم أنه ظل يرى الطريق البحري المسار الأساسي والأكثر اقتصادًا، فقد شدّد على أن المسارات السككية والممرات البديلة ينبغي أن تُطوَّر كذلك حتى تتراجع هشاشة إيران في أوقات الأزمات أو الضغوط الخارجية.
وفي جزء آخر من الندوة، تابع الدكتور محمد علي دهقان دهنوي، رئيس منظمة تنمية التجارة، البحث من زاوية «المكانة الحقيقية لإيران في نظر الصين»، ونقد نظرتين متطرفتين: إحداهما ترى إيران كبيرة جدًا وحاسمة بالنسبة إلى الصين، والأخرى تعدّها عديمة الأهمية بمقارنة حجم تجارة الصين مع الولايات المتحدة وسائر الاقتصادات الكبرى. وقال إن الواقع يقع بين هاتين الرؤيتين. وبرأيه، فإن للصين مع جميع شركائها التجاريين، ومنهم الشركاء الأصغر، علاقة قائمة على المصالح، وإن إيران أيضًا، إن أرادت أن تُرى على مستوى استراتيجي، عليها أن تعزز قدراتها الاقتصادية والصناعية. وأوضح أن العلاقات بين إيران والصين غير متوازنة في الوقت الحاضر، وأن الجزء الأكبر من صادرات إيران إلى الصين يتألف من مواد خام وشبه خام، في حين تتألف الواردات من الصين في معظمها من سلع مصنَّعة وآلات وسيارات وسلع استهلاكية.
نظرتان متطرفتان: إحداهما ترى إيران كبيرة جدًا وحاسمة بالنسبة إلى الصين، والأخرى تعدّها عديمة الأهمية بمقارنة حجم تجارة الصين مع الولايات المتحدة وسائر الاقتصادات الكبرى. إن الواقع يقع بين هاتين الرؤيتين.
وعرض نائب وزير الصناعة والمعدن والتجارة أمثلة على هذا الاختلال، وبيّن أن قيمة كل طن من السلع المصدَّرة من إيران إلى الصين أدنى بكثير من قيمة كل طن من السلع المستوردة من هذا البلد. ومن وجهة نظره، تدل هذه الفجوة على أن الاقتصاد الإيراني لم يحصل بعدُ على موقع مناسب في سلسلة القيمة العالمية. وشدّد على أن على إيران أن تبتعد عن بيع المواد الخام وتتجه نحو زيادة القيمة المضافة وتطوير الصناعات التحويلية والحضور الفاعل في سلاسل الإنتاج المشترك. وعدّ التعاون في مجالات مثل السيارات وقطع غيار السيارات والنحاس والسيارات الكهربائية من النماذج الجديرة بالمتابعة، واقترح الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية مع الصين من مستوى التجارة البسيطة إلى مستوى الشراكة الصناعية والتكنولوجية.
وفي سياق متصل، أشار نائب وزير الصناعة والمعدن والتجارة ورئيس منظمة تنمية التجارة إلى ضرورة مراجعة الاتفاقية التجارية لعام 1991 بين البلدين، وطالب بتصميم اتفاقية تجارة تفضيلية لسلع إيرانية محددة. وبحسب قوله، إذا اعتمدت الصين تعرفة تفضيلية لبعض السلع الإيرانية، كالمنتجات الألبانية أو السلع الصناعية، تتوافر إمكانية زيادة الصادرات الإيرانية إلى هذه السوق. كما عدّ الدكتور دانش جعفري [كذا في الأصل] تطوير الممرات السككية والبرية مكمّلًا للمسار البحري، وأوضح أن تجربة الحرب والقيود الناجمة عن الحصار البحري أظهرت أن الاعتماد الكامل على الطريق البحري يولّد نوعًا من الهشاشة البنيوية لإيران. ومن ثم يجب متابعة المسارات البديلة، ولا سيما المسارات السككية والاتصالات الإقليمية، بجدية.
وفي الأجزاء التكميلية من الندوة، طُرحت مقترحات بشأن توسيع الاتصال بالأقاليم الصينية والمؤسسات الاقتصادية والحزبية في هذا البلد، وكذلك الاستفادة من قدرة مراكز الفكر على البحث في السياسات. وجرى التأكيد على أن العلاقة مع الصين لا ينبغي أن تقتصر على مستوى العاصمة أو العلاقات الرسمية بين الحكومات، بل يلزم تشكيل شبكة متعددة الطبقات من الاتصالات بين الجهات صانعة القرار والقطاع الخاص والمراكز البحثية والمؤسسات التنفيذية في البلدين. كما أُصرّ على أن الصين مجال تخصصي لا يمكن تحليله ضمن نظرة عامة إلى شرق آسيا أو الاقتصادات الآسيوية، بل يحتاج إلى «صينشناسي» مستقل، وإلى أشخاص خبراء ذوي تجربة، وآليات متابعة منتظمة.
وقام ملخص الندوة على محور مفاده أن العلاقات بين إيران والصين لن تتجاوز مستوى التعاون الظرفي والتجاري إلا حين تقوم على ثلاث ركائز رئيسية: أولًا، معرفة دقيقة بنظام الحوكمة ومنطق السياسة الخارجية في الصين؛ ثانيًا، إصلاح البنى الاقتصادية الداخلية للدخول في تعاون مُنتِج للقيمة المضافة وصناعي؛ وثالثًا، وضع خريطة طريق واضحة ومؤسسية للمتابعة المستمرة للعلاقات الثنائية. وفي هذا الإطار، شدّد المتحدثون على أن على إيران أن تستفيد من فرصة العلاقات مع الصين لتعزيز موقعها الاستراتيجي، لكن هذا الاستثمار لا يكون ممكنًا إلا حين تتغير نظرة البلاد من «بيع المواد الخام» إلى «الشراكة الاستراتيجية» و«التعاون في سلسلة الإنتاج».
اقرأ أيضًا: الأبعاد الاستراتيجية للتقارب الصيني مع مصر.. وتداعياته على إسرائيل | فخ النجاح الصيني: هل تستطيع القوة الاقتصادية أن تحافظ على الإغلاق السياسي؟
خاتمة وتعقيب
تعكس المادة، الصادرة عن مركز البحوث الاستراتيجية التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام، مقاربة نخبوية رسمية تدعو إلى واقعية أكبر في التعويل على الصين، وإلى الانتقال من خطاب «التوجه نحو الشرق» العام إلى سياسة مؤسسية قائمة على المعرفة والمصالح. وتبرز في الجدل الإيراني الداخلي بين من يبالغ في تقدير ثقل إيران لدى بكين ومن يستهين به، ومعها نقد لنمط التجارة القائم على تصدير الخام ولحدود التوقعات من الدعم الصيني في مواجهة واشنطن.
أشارت الندوة إلى جانب مهم غالبا ما يغيب عن مخططي السياسة العربية، ألا وهو التأكيد على أن العلاقة مع الصين لا ينبغي أن تقتصر على مستوى العاصمة أو العلاقات الرسمية بين الحكومات، بل يلزم تشكيل شبكة متعددة الطبقات من الاتصالات بين الجهات صانعة القرار والقطاع الخاص والمراكز البحثية والمؤسسات التنفيذية في البلدين. إن هذا الجانب من شأنه أن يدعم متانة العلاقات الثنائية، ولا يجعلها في مهب الريح مع التقلبات السياسية.
من المفيد أن تثير مثل هذه الندوات وأفكارها مخططي السياسة العربية للانتقال من فكرة «العلاقة مع بكين» إلى فكرة «بناء منظومة عربية للتعامل مع الصين». الصين ليست مركز قرار واحدًا فقط؛ إنها دولة حزبية، وحكومة مركزية، ومقاطعات ومدن، وشركات حكومية وخاصة، وبنوك تنمية، وجامعات، ومختبرات، ومراكز أبحاث، وهيئات تجارية. ومن يقصر علاقته على وزارة الخارجية الصينية والسفارات يحصل غالبًا على علاقات سياسية جيدة، لكنه لا يستفيد بالقدر الكافي من القدرات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية الصينية.
من المفيد أن تثير مثل هذه الندوات وأفكارها مخططي السياسة العربية للانتقال من فكرة «العلاقة مع بكين» إلى فكرة «بناء منظومة عربية للتعامل مع الصين».
بناء على ذلك يمكن تصور الاستراتيجية العربية الأنسب تجاه الصين أن تبنى على ستة مبادئ:
- الانتقال من علاقة «المشروعات» إلى علاقة «القدرات»: النمط الشائع هو أن تمول جهة عربية مشروعًا، ثم تأتي شركة صينية بالمعدات والمهندسين والعمالة، وتسلم المشروع وتغادر. هذا قد يبني طريقًا أو محطة، لكنه لا يبني قدرة عربية مستدامة. ينبغي أن يصبح السؤال في كل اتفاق: ماذا سيتعلم العامل والفني والمهندس العربي؟ وكم شركة محلية ستدخل سلسلة التوريد؟ وأي جزء سيُصنّع محليًا؟ وهل ستوجد وحدة بحث وتطوير داخل الدولة العربية؟ .. ثم من سيملك البيانات والبرمجيات وحقوق الصيانة؟ وهل يستطيع الطرف العربي تشغيل المنظومة وتطويرها بعد انتهاء العقد؟
- تحديد قطاعات عربية ذات أولوية تمثل عقدتها التنموية، وهذه تختلف بطبيعة الحال من بلد لآخر.
- التعامل مع الصين من موقع تفاوضي جماعي، إذ تميل الدول العربية متفرقة في وضعها الحالي إلى التفاوض بوصفها أسواقًا صغيرة أو متوسطة؛ أما مجتمعة فهي سوق ضخمة، ومصدر رئيس للطاقة، وممر حيوي للتجارة، وموقع وسيط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
- الاستثمار في فهم الصين: لأننا نعاني كعرب نقصًا في المتخصصين الذين يعرفون اللغة الصينية، وبنية الحزب والدولة، والفروق بين المقاطعات، وطريقة عمل الشركات والبنوك والجامعات الصينية.
- عدم استيراد المشكلات مع التكنولوجيا، فالتعاون مع الصين في الاتصالات والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية ينبغي أن يخضع لقواعد عربية واضحة، خاصة حول ملكية البيانات ومكان تخزينها، وحق التدقيق الأمني في البرمجيات، وقابلية نقل البيانات إلى مزود آخر. وبشكل عام منع الارتهان التقني لشركة واحدة.
- الحفاظ على استقلال القرار العربي حيث ترغب الصين في تأييد مواقفها المتعلقة بتايوان وشينجيانغ وهونغ كونغ والنظام الدولي، مثلما ترغب الدول العربية في دعم الصين للقضية الفلسطينية ومواقفها السيادية. هذا التبادل مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تبنٍّ غير مشروط لكل السياسات الصينية. إن التحذير المستحق بعدم الارتهان للحليف الغربي، ينبغي أن ينسحب أيضا للحليف الصيني.
الخلاصة السياسية
ينبغي ألا تظل علاقات العرب بالصين علاقة عواصم تتبادل التأييد، ولا أسواق تشتري المنتجات، بل أن تصبح علاقة مجتمعات ومؤسسات تتبادل المعرفة، وتشارك في الإنتاج، وتبني قدرة عربية مستقلة. فالشراكة الحقيقية لا تقاس بعدد المشروعات التي تنفذها الصين لدينا، وإنما بما نستطيع نحن تنفيذه وتطويره بعد رحيل الخبراء الصينيين.
د. محمد هشام راغب






