إصداراتتقاريرحدث ورؤيا

اليمن بين تعقيدات الواقع والمخرج من الأزمة…  قراءة في الانقسام الداخلي، والتجاذب الإقليمي، وآفاق الحل

تقرير حلقة نقاشية بعنوان

📖
ملخص المقال — اضغط للقراءة والاستماع
يكشف المقال عن تعقيدات المشهد اليمني، مؤكداً أن التطورات الأخيرة ليست مجرد جولة جديدة في الحرب، بل هي انتقال الصراع إلى عقدة…
⌄

يكشف المقال عن تعقيدات المشهد اليمني، مؤكداً أن التطورات الأخيرة ليست مجرد جولة جديدة في الحرب، بل هي انتقال الصراع إلى عقدة إقليمية متشابكة، تتداخل فيها التحولات الميدانية مع إعادة تشكيل موازين القوى والتجاذبات الإقليمية. ويبرز المقال الحاجة إلى فهم هذه التحولات ضمن سياقها الداخلي والإقليمي، بعيداً عن اختزالها في البعد العسكري، حيث تفرض التطورات أسئلة حول مستقبل موازين القوى وأزمة الدولة والعلاقة بين الحوثيين وإيران، وانعكاسات الصراع على أمن الخليج والبحر الأحمر. وقد عقد مركز رؤيا للدراسات حلقة نقاشية بعنوان "اليمن بين تعقيدات الواقع والمخرج من الأزمة"، تناولت ثلاثة محاور رئيسية: اليمن من الداخل، اليمن في الإقليم، واليمن إلى أين.

في المحور الأول، تم استعراض جذور أزمة الدولة اليمنية، مشيراً إلى أن اليمن لم يحظَ بفترة استقرار تسمح ببناء دولة وطنية مستقلة منذ قيام الجمهورية واستقلال الجنوب، مع التركيز على الدور السعودي في شمال اليمن وتأثيره على البنية القبلية، مما حال دون الانتقال الكامل إلى مأسسة الدولة. وتناولت الورقة مرحلة حكم علي عبد الله صالح كفترة اعتمدت على موازنة مراكز القوى بدلاً من بناء مؤسسات دولة قادرة على احتواء الخلافات، مما أدى إلى ضعف بناء الدولة وتعدد مراكز القوة. كما تطرقت إلى إعادة تشكيل الجيش وتعدد مراكز النفوذ داخله، ودور السعودية في بناء شبكة نفوذ قبلية، ونشأة الحركة الحوثية وتطورها العسكري، مستفيدة من ضعف الدولة والصراعات الداخلية، وتطوير قدراتها التنظيمية والعسكرية خلال الحروب الست في صعدة.

بعد ثورة 2011 والمبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني، لم تنجح هذه المرحلة في معالجة جذور اختلال القوة على الأرض، حيث كان صعود الحوثيين نتيجة لتفكك الدولة وشبكة صالح وتحالفهما المؤقت لإسقاط خصومهما. وتناولت الورقة الثانية الوضع الراهن، معتبرة أن عودة القتال تحول في طبيعة الصراع، خاصة مع انتقال العمليات إلى الساحل الغربي واقترابها من باب المندب، مما يربط الأزمة الداخلية بالأمن الإقليمي والبحر الأحمر. وأشارت إلى الاختلال الكبير في موازين القوة بين الحوثيين والقوى المناوئة لهم، حيث يمتلك الحوثيون قيادة مركزية متماسكة، بينما يعاني المعسكر المقابل من تعدد التشكيلات وغياب مشروع وطني جامع.

أكدت الورقة على ضرورة معالجة أزمة الدولة بتوحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، وإنهاء تعدد مراكز القوة والتمويل، وطرحت الحاجة إلى تسوية وطنية شاملة تتضمن ترتيبات انتقالية وضمانات أمنية وسياسية. وناقش الحضور أثر إعادة تشكيل الجيش خلال حكم صالح على قدرته في مواجهة الحوثيين، وسبب عدم انتهاء الحرب بعد عاصفة الحزم، مشيرين إلى غياب مؤسسة يمنية موحدة. كما برز تباين في المصالح بين الأطراف الإقليمية، خاصة السعودية والإمارات، ودور إيران، مع التأكيد على أن القبيلة تمثل أحد مستويات التنظيم الاجتماعي، وأن ضعف الدولة يحول الروابط القبلية إلى أدوات للمنافسة السياسية والعسكرية.

في المحور الثاني، تناول النقاش العلاقة بين الحوثيين وإيران، مشيراً إلى أن طهران بنت شبكة علاقات مع قوى غير حكومية في المنطقة، وأن الحوثيين أصبحوا طرفاً يمتلك أدوات عسكرية وسياسية تؤثر في معادلات المنطقة. وتطرق المحور للعلاقة مع السعودية، حيث شدد البعض على أنها الجار الأهم، بينما رأى آخرون أن الاعتماد عليها أضعف القرار اليمني المستقل، مع التأكيد على التمييز بين التعاون والتبعية. كما تم قراءة الضغوط الأمريكية على إيران كجزء من استراتيجية أوسع لخفض الاقتصاد الإيراني، مع تجنب حرب شاملة، وأن فهم المشهد اليمني لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع.

أكد المتحدثون أن تحميل إيران وحدها المسؤولية يغفل عوامل داخلية أساسية، وأن النفوذ الخارجي يجد مساحته في الفراغ الداخلي، وأن مواجهة التأثير الإيراني تتحقق ببناء دولة يمنية متماسكة. وتم طرح كيفية التعامل مع الحوثيين في أي حل مستقبلي، مع التأكيد على أنهم مكون موجود لا يمكن استئصاله، ولكن يجب التمييز بين الاعتراف بوجودهم والقبول بمشروعهم السياسي والعسكري. كما نوقشت أدوار السعودية والإمارات وإيران، حيث تعامل كل طرف مع الساحة اليمنية وفق مصالحه، مما أدى إلى ظهور شبكة معقدة من التحالفات وتعدد مراكز القرار.

في المحور الثالث، تم طرح سيناريوهات مستقبل اليمن، بما في ذلك استمرار الحرب، تجميد الصراع، والتسوية السياسية متعددة المراحل، مع التأكيد على أن هذه السيناريوهات متدافعة ومترابطة. وشدد النقاش على أن الحل يجب أن يكون يمنياً، مع القدرة على التفاوض وصناعة القرار، والتعامل مع الفاعلين الإقليميين المؤثرين. وبرزت فكرة الدور المجتمعي، بالدعوة إلى تنشيط المجتمع اليمني ودعم الكفاءات والمنظمات والشخصيات الاجتماعية، وبناء مبادرات مستقلة.

خلص النقاش إلى أن مستقبل اليمن لا يرتبط بمسار واحد، بل بمجموعة من السيناريوهات المتداخلة، وأن جوهر المشكلة يكمن في غياب مركز وطني قادر على تحويل القوة المبعثرة إلى مؤسسات دولة. وأكدت الخلاصة على أهمية الجمع بين مسارين: إعادة بناء الدولة من أعلى عبر المؤسسات والجيش والقرار السياسي، وإعادة بناء المجتمع من أسفل عبر الشباب والكفاءات والمبادرات الوطنية. ويقوم المسار المقترح على الانتقال التدريجي من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه، بالربط بين بناء مؤسسات يمنية قادرة وموحدة، وإعادة تنظيم العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية على أساس المصالح المتبادلة والاستقلال في صناعة القرار.

تكتسب هذه الرؤية أهمية في ضوء الترابط العضوي بين استقرار البر وأمن البحر، حيث أن معالجة أمن باب المندب لا يمكن أن تستند إلى ترتيبات بحرية منفصلة عن واقع اليمن الداخلي، فاستقرار البحر يبدأ من استقرار البر. والمخرج المستدام هو قيام دولة يمنية سيدة وقادرة، تصون مؤسساتها وحقوق مواطنيها، وتدير علاقاتها الخارجية من موقع التعاون لا التبعية. يبقى الحوثيون طرفاً رئيسياً في أي تسوية مقبلة، وإدماجهم في التسوية لا يعني الإبقاء على وضعهم العسكري والسياسي القائم، بل ربط مشاركتهم بمسار تدريجي يعيد بناء الدولة ويوحد مؤسساتها، مع معالجة علاقتهم بإيران وضمان استقلال القرار اليمني. الخلاصة الاستراتيجية هي أن استقرار البر وأمان البحر مساران متلازمان، فالبحر لن ينعم بأمان مستدام ما لم يستقر اليمن على الأرض، واليمن لن يستعيد استقراره ما لم تُبنَ دولة قادرة على توحيد القوة وإدارة الموارد واستيعاب التنوع السياسي والمناطقي، والانتقال من إدارة التناقضات إلى بناء الدولة، ومن الارتهان لموازين القوة إلى تنظيمها داخل مؤسسات وطنية.

لا تبدو التطورات الأخيرة في المشهد اليمني مجرد جولة جديدة في الحرب الممتدة، بقدر ما تكشف عن انتقال الصراع إلى عقدة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التحولات الميدانية مع إعادة تشكيل موازين القوى، والتجاذبات الإقليمية، والارتباط المتزايد بين مسار الصراع اليمني وأمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على الأوضاع الإنسانية ومعاناة الشعب اليمني.

وفي ظل هذا الواقع المتشابك، تبرز الحاجة إلى قراءة التحولات الأخيرة في اليمن ضمن سياقها الداخلي والإقليمي، بعيدًا عن اختزالها في بعدها العسكري وحده، إذ تفرض التطورات المتسارعة أسئلة تتعلق بمستقبل موازين القوى، وأزمة الدولة، وطبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، وانعكاسات الصراع على أمن الخليج والبحر الأحمر.

وانطلاقًا من ذلك، عقد مركز رؤيا للدراسات حلقة نقاشية، بحضور نخبة من أهل العلم والفكر والسياسة، للتشاور حول طبيعة التحولات الجارية في اليمن، وما تفرضه من واجب في قراءة واقع ملتبس ومتسارع الأحداث، وصولًا إلى فهم أعمق لمسارات الصراع ومآلاته، وما ينبغي القيام به تجاهه.

وحملت الحلقة النقاشية الموسعة عنوان: اليمن بين تعقيدات الواقع والمخرج من الأزمة…  قراءة في الانقسام الداخلي، والتجاذب الإقليمي، وآفاق الحل

دار النقاش خلالها في ثلاثة محاور رئيسية:

1-اليمن من الداخل: تحولات الصراع، وموازين القوى، وأزمة الدولة.

 2-اليمن في الإقليم: الحوثيون وإيران، وأمن الخليج والبحر الأحمر.

 3– اليمن إلى أين؟ السيناريوهات، وفرص التسوية، ومسؤولية الفاعلين العرب.

الورقة الأولى: جذور أزمة الدولة وتحوّل الصراع

انطلقت الورقة الأولى من قراءة تاريخية لأزمة الدولة اليمنية، معتبرة أن اليمن، منذ قيام الجمهورية في الشمال واستقلال الجنوب، لم يحظَ بفترة مستقرة تسمح ببناء دولة وطنية مستقلة وقادرة على إدارة شؤونها بعيدًا عن التأثيرات الخارجية.

 وركزت الورقة بصورة خاصة على الدور السعودي في شمال اليمن، وعلى طبيعة العلاقات التي نشأت مع البنية القبلية، وما ترتب عليها من استمرار أنماط نفوذ اجتماعي وسياسي وأمني سعودي حالت، بحسب هذه القراءة، دون الانتقال الكامل إلى مأسسة الدولة.

وفي هذا السياق، ربطت الورقة بين ضعف بناء الدولة وبين استمرار تعدد مراكز القوة داخل النظام السياسي والعسكري.

فبعد ثورة 26 سبتمبر، لم يؤدِّ إسقاط الحكم الإمامي إلى إنهاء جميع البنى التي كانت مرتبطة بالنظام السابق، وإنما بقيت أنماط من النفوذ الاجتماعي والسياسي والعسكري مؤثرة في عملية بناء الدولة.

ومع مرور الوقت، ظل الجيش والمؤسسات الأمنية عرضة لإعادة التشكيل وفق التوازنات السياسية والشخصية، بدل أن تتحول بصورة كاملة إلى مؤسسات وطنية موحدة.

وتناولت الورقة مرحلة حكم علي عبد الله صالح بوصفها محطة رئيسية في هذا المسار، إذ رأت أن إدارة السلطة اعتمدت بدرجة كبيرة على موازنة مراكز القوى بعضها ببعض، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو بين القبائل والقوى السياسية والدينية.

وبعد الوحدة اليمنية عام 1990، استمرت هذه الطريقة في إدارة الحكم، مع اتساع دائرة التنافس بين مراكز النفوذ، بدل بناء مؤسسات دولة قادرة على احتواء الخلافات ضمن قواعد سياسية ومؤسسية مستقرة.

إعادة تشكيل الجيش وصناعة مراكز القوة

أولى العرض أهمية كبيرة للبنية العسكرية التي تشكلت خلال العقود السابقة على سقوط صنعاء.

فقد كانت القوات المسلحة موزعة بين تشكيلات ومراكز نفوذ متعددة، أبرزها الفرقة الأولى المدرعة بقيادة اللواء علي محسن الأحمر المقرب من حزب الإصلاح، والحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، والأمن المركزي التي وازن بها علي عبد الله صالح قوة الفرقة الأولى، إلى جانب وحدات مكافحة الإرهاب، وأشارت الورقة إلى أن الولايات المتحدة لعبت دورًا في تدريب بعض التشكيلات اليمنية وتطوير وحدات مكافحة الإرهاب، بينما كانت المؤسسة العسكرية اليمنية نفسها تعاني من الانقسام وتعدد مراكز القيادة.

وقد عملت السعودية لعقود على بناء شبكة نفوذ داخل اليمن عبر استقطاب زعماء القبائل وتقديم الدعم المالي والسياسي لهم، بما جعل قطاعات من البنية القبلية الشمالية مرتبطة بمصالح الرياض وحساباتها كم دعمت صعود حركة الإحياء الزيدي التي تشكلت في سياق مواجهة التيارات السنية.

الحوثيون من حركة محلية إلى قوة عسكرية

انتقلت الورقة بعد ذلك إلى نشأة الحركة الحوثية وتطورها العسكري، ووفق القراءة المقدمة، استفاد الحوثيون من حالة الضعف التي أصابت الدولة ومن الصراعات داخل النظام، بينما سمحت لهم جولات الحرب المتعاقبة بتطوير قدراتهم التنظيمية والعسكرية.

وتوقفت الورقة عند الحروب الست في صعدة، معتبرة أن تعامل السلطة معها لم يؤدِّ إلى إنهاء الحركة، بل أتاح لها في مراحل مختلفة إعادة تنظيم صفوفها والاستفادة من الهدن والتسويات المؤقتة.

كما أشارت إلى انتقال عناصر من الحركة إلى الخارج للتدريب والتأهيل، وربطت ذلك بتطور علاقاتها مع إيران ولبنان، وهي قراءة وردت في الورقة وفي النقاش المصاحب لها.

وفي المقابل، رأت الورقة أن سياسة السلطة القائمة آنذاك _والتي اعتمدت على استخدام القوى المتنافسة بعضها ضد بعض_ أسهمت في إضعاف البنية الوطنية الجامعة.

 فقد استُخدمت المواجهة مع الحوثيين في بعض المراحل لموازنة قوى إسلامية وقبلية وسياسية أخرى، بينما جرى التعامل مع أطراف مختلفة بالطريقة نفسها، بما أدى في النهاية إلى تراكم الاختلالات داخل الدولة.

من الثورة إلى سقوط صنعاء

تناولت الورقة مرحلة ما بعد ثورة 2011 والمبادرة الخليجية، ثم مؤتمر الحوار الوطني، باعتبارها مرحلة كان يفترض أن تفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة، لكنها لم تنجح في معالجة جذور اختلال القوة على الأرض.

ولم يكن صعود الحوثيين نتيجة قوتهم وحدها، بل جاء بعد عقود من إضعاف الدولة في عهد علي عبد الله صالح، عبر موازنة القوى والاعتماد على الولاءات القبلية والعسكرية، ما أضعف مؤسسات الدولة وأبقى شبكات النفوذ خارجها.

ومع تفاقم الأزمات اندلعت ثورة 2011، وانضمت إليها قوى سياسية وقبلية وعسكرية، وانتهت بالمبادرة الخليجية التي أرادت بها السعودية إقالة صالح من الرئاسة وبعد خروجه، استخدم صالح شبكاته لإضعاف خصومه، فتلاقت مصالحه مع الحوثيين ضد الإصلاح والقوى المرتبطة بعلي محسن الأحمر.

 وساعدت شبكاته داخل الجيش والقبائل في تمكين الحوثيين من التقدم إلى صنعاء والسيطرة عليها في سبتمبر 2104

وهكذا كان سقوط صنعاء ثمرة تداخل قوة الحوثيين مع تفكك الدولة وشبكة صالح، وتحالف الطرفين مؤقتًا لإسقاط خصومهما وإفشال المرحلة الانتقالية.

انتقلت الورقة الثانية إلى قراءة الوضع الراهن، معتبرة أن عودة القتال لا تمثل مجرد جولة جديدة في مسار «لا حرب ولا سلم»، وإنما تكشف عن تحول في طبيعة الصراع، خصوصًا مع انتقال العمليات إلى مناطق الساحل الغربي واقترابها من باب المندب، بما يربط الأزمة الداخلية بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي والبحر الأحمر.

وركزت الورقة على الاختلال الكبير في موازين القوة بين الحوثيين والقوى المناوئة لهم. فالطرف الحوثي يمتلك قيادة مركزية أكثر تماسكًا، بينما يعاني المعسكر المقابل من تعدد التشكيلات العسكرية ومصادر التمويل والقيادات، فضلًا عن غياب قيادة عسكرية موحدة قادرة على إدارة الحرب ضمن استراتيجية وطنية واحدة.

وترى الورقة أن المشكلة لا تتعلق بالقدرة العسكرية وحدها، بل بغياب مشروع وطني جامع. فالقوى المناوئة للحوثيين لم تتمكن، رغم تعددها، من إنتاج رؤية متفق عليها بشأن شكل الدولة، وإدارة الموارد، والقضية الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم، وهو ما يجعل التنافس الداخلي جزءًا من أزمة الصراع نفسه.

الدولة بين الوحدة وإعادة الهيكلة

ركزت الورقة على ضرورة معالجة أزمة الدولة بصورة تتجاوز مجرد إعادة توزيع النفوذ بين النخب والقوى المسلحة.

فالقضية الجنوبية، ومطالب حضرموت وتهامة والمناطق الأخرى، لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات أمنية فقط، وإنما تحتاج إلى إطار سياسي ودستوري يستوعب المطالب المحلية ويعيد بناء العلاقة بين المركز والمكونات المختلفة.

كما أكدت الورقة أن إعادة بناء الدولة تقتضي توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، وإنهاء تعدد مراكز القوة والتمويل.

فالاستمرار في تمويل تشكيلات متوازية خارج مؤسسات الدولة يؤدي إلى تكريس الانقسام بدل إنهائه، بينما يحتاج أي انتقال سياسي إلى مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وإدارة اقتصادية موحدة، وقواعد دستورية واضحة.

وفي هذا الإطار، طُرحت الحاجة إلى تسوية وطنية شاملة تتضمن ترتيبات انتقالية وضمانات أمنية وسياسية، وتعيد صياغة العقد السياسي بين المكونات اليمنية على أساس المشاركة وعدم الإقصاء، بدل إبقاء الدولة رهينة لتوازنات القوة العسكرية أو للدعم الخارجي.

المداخلات والنقاش حول هذا المحور:

ناقش الحضور أثر إعادة تشكيل الجيش خلال سنوات حكم صالح، ولا سيما التنافس بين مراكز القيادة العسكرية، وأثر ذلك على قدرة الجيش على مواجهة الحوثيين.

وجرى الربط بين إضعاف بعض الوحدات العسكرية وتعزيز تشكيلات أخرى وبين النتيجة التي ظهرت لاحقًا عند سقوط عدد من المواقع العسكرية تباعًا.

وطُرح كذلك سؤال حول إدخال اليمن تحت الفصل السابع، وعلاقته بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وفي الإجابة، أُشير إلى أن قرار مجلس الأمن 2140 الصادر عام 2014 جاء بطلب الحكومة نفسها وأن ذلك أصبح جزءًا من الإطار الدولي الذي تحركت ضمنه الأزمة اليمنية.

وفي مداخلة أخرى، أثير السؤال حول سبب عدم انتهاء الحرب بعد بدء عاصفة الحزم، رغم التفوق العسكري للتحالف، وتركزت الإجابة على أن المشكلة لم تكن في القوة العسكرية وحدها، وإنما في غياب مؤسسة يمنية موحدة يمكن أن تتولى قيادة الحرب وإدارة الدولة في الوقت نفسه.

كما طُرحت فكرة إعادة تجميع الضباط والكوادر العسكرية اليمنية وبناء هيئة قيادة ووزارة دفاع وهيكل أركان موحد بدل الاعتماد على تشكيلات متفرقة ومتعددة الولاءات.

كما ناقش الحضور كذلك أثر التدخلات الإقليمية في مسار الأزمة، ولا سيما بعد انتقال الصراع من أزمة داخلية إلى حرب مفتوحة، وبرز في النقاش تباين في المصالح بين الأطراف الإقليمية، خصوصًا بين السعودية والإمارات، إلى جانب الدور الإيراني.

وفي هذا السياق، طُرح أن السعودية لم تكن دائمًا تتعامل مع الحوثيين بالطريقة نفسها، وأنها فتحت في مراحل مختلفة قنوات اتصال معهم، حتى في ظل استمرار الصراع.

وفيما يتعلق بالقبيلة، خلص النقاش إلى أن تحويلها إلى مجرد طرف في الصراع يختزل طبيعة المجتمع اليمني؛ فالقبيلة تمثل أحد مستويات التنظيم الاجتماعي المهمة، وكلما كانت الدولة قوية وقادرة على تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، أمكن للقبيلة أن تعمل ضمن الإطار الوطني، بينما يؤدي ضعف الدولة إلى تحويل الروابط القبلية إلى أدوات للمنافسة السياسية والعسكرية.

كما برز في النقاش سؤال أكثر اتساعًا حول استقلال القرار اليمني، وما إذا كان إنهاء التدخل الخارجي يعني القطيعة مع جميع الأطراف الإقليمية، واتجهت الإجابات المطروحة إلى التمييز بين العلاقة الخارجية القائمة على المصالح المتبادلة، وبين التبعية التي تجعل القرار اليمني مرتهنًا لقوة خارجية.

واعتُبر أن استعادة القرار الوطني لا تعني بالضرورة قطع العلاقات مع الخارج، وإنما بناء علاقة تستطيع فيها الأطراف اليمنية التعامل مع القوى الإقليمية والدولية من موقع الاستقلال، لا من موقع التابع.

وبذلك انتهى النقاش في المحور الأول إلى أن أزمة اليمن لا يمكن اختزالها في تقدم الحوثيين أو في التدخلات الخارجية وحدها، فالمعضلة الأعمق تتمثل في تراكم طويل من ضعف بناء الدولة، وتعدد مراكز القوة، وانقسام المؤسسة العسكرية، وتنافس القوى السياسية والقبلية، ثم دخول العوامل الإقليمية والدولية على بيئة داخلية هشة.

 ومن ثم فإن أي معالجة للحرب ستظل محدودة ما لم تترافق مع إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وتوحيد القوة العسكرية والاقتصادية، وصياغة علاقة أكثر استقلالًا بين الداخل اليمني والقوى الخارجية.

انتقل النقاش في هذا المحور من البيئة الداخلية للصراع إلى محيطه الإقليمي، بحثًا في طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، وانعكاسات الصراع اليمني على أمن الخليج والبحر الأحمر، والدور الذي تؤديه القوى الإقليمية في تحديد مسارات الأزمة، وانطلقت المداخلات من أن اليمن لا يمكن عزله عن محيطه الجغرافي، كما لا يمكن في المقابل تفسير أزمته الداخلية باعتبارها مجرد امتداد لصراع إقليمي.

الحوثيون وإيران.. حدود العلاقة وأثرها في الصراع

تناول النقاش طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، مع الإشارة إلى أن طهران بنت خلال العقود الماضية شبكة من العلاقات مع قوى غير حكومية في المنطقة، وأن نموذج دعم الحلفاء المحليين يختلف عن التدخل العسكري المباشر.

وفي هذا السياق، طُرح أن إيران استفادت من أدوات متعددة لبناء نفوذها، من الدعم السياسي والعسكري إلى التدريب وتبادل الخبرات، بما يسمح لها بتوسيع تأثيرها.

ورُبط ذلك بالتحول الذي طرأ على قدرات الحوثيين، سواء على المستوى التنظيمي أو العسكري، معتبرة أن الحركة لم تعد مجرد جماعة محلية محدودة القدرة، وإنما أصبحت طرفًا يمتلك أدوات عسكرية وسياسية تؤثر بصورة مباشرة في معادلات المنطقة.

السعودية واليمن.. بين الجوار والاستقلال

تطرق هذا المحور لطبيعة العلاقة مع السعودية بصورة موسعة، وكان واضحًا أن المواقف المطروحة لم تكن متطابقة، فهناك من شدد على أن السعودية تمثل الجار الأهم بالنسبة إلى اليمن، وأن مصالح البلدين الأمنية مترابطة، بينما رأى آخرون أن استمرار الاعتماد على السعودية أضعف قدرة اليمنيين على بناء قرار مستقل.

وفي هذا السياق، برزت فكرة التمييز بين التعاون والتبعية.

فاليمن، بحسب هذا الطرح، لا يحتاج إلى تحويل العلاقة مع السعودية إلى خصومة، وإنما إلى بناء علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، بحيث يستطيع اليمن التعاون مع الرياض في الملفات الأمنية والاقتصادية، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقراره الوطني.

وفي المقابل، حذر بعض المشاركين من النظر إلى السعودية باعتبارها كتلة ثابتة لا تتغير، مشيرين إلى التحولات التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، وإلى تغير أولوياتها الإقليمية والاقتصادية والأمنية.

اليمن في الحسابات الأمريكية للصراع الإقليمي

وفي هذا السياق، لم تُقرأ الضغوط الأمريكية على إيران باعتبارها مسارًا منفصلًا عن بقية ساحات الصراع في المنطقة، بل بوصفها جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني، وإضعاف قدرته على تمويل قدراته العسكرية وشبكة حلفائه الإقليميين، مع تجنب الانخراط في حرب شاملة تستنزف القدرات الأمريكية.

 ووفق هذا التصور، فإن الضغط على القوى المرتبطة بإيران في ساحات مختلفة قد يدفعها إلى الانشغال بصراعات مباشرة أو غير مباشرة تستنزف قدراتها، وتحولها من أدوات للضغط الإقليمي إلى أطراف مستنزفة داخل أزمات محلية وإقليمية.

ومن هذا المنطلق، رأى المتحدث أن فهم المشهد اليمني لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما مسار المواجهة الأمريكية مع إيران وطبيعة العلاقة الأمريكية بالسعودية. وطرح في هذا الإطار تساؤلات حول ما إذا كانت السياسة الأمريكية تستهدف، إلى جانب إضعاف المشروع الإيراني وشبكة حلفائه، الضغط على السعودية، بما قد يدفعها إلى مزيد من الارتباط بالمسار الأمريكي في ملفات التطبيع والعلاقة مع إسرائيل.

كما أثار احتمال أن يؤدي تصعيد الضغوط المتبادلة إلى دفع السعودية وإيران نحو مواجهة مباشرة، بما يفتح مسارًا أوسع للصراع الإقليمي.

ومن ثم، فإن تطورات اليمن لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية ميزان القوى الداخلي، وإنما كذلك من خلال موقعها في شبكة الضغوط الإقليمية والدولية، وما يمكن أن تتيحه هذه الساحة من أدوات للضغط، وإعادة ترتيب موازين القوى والتحالفات في الإقليم.

المداخلات والنقاش حول هذا المحور:

شدد أكثر من متحدث على أن تحميل إيران وحدها مسؤولية ما جرى يؤدي إلى إغفال عوامل داخلية أساسية، وأن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا فعلت إيران؟ وإنما أيضًا: لماذا وصلت القوى اليمنية الأخرى إلى هذا القدر من الانقسام والضعف؟

ومن هنا برزت فكرة أن النفوذ الخارجي يجد مساحته عادة في الفراغ الداخلي، وأن مواجهة التأثير الإيراني لا تتحقق فقط عبر مواجهة إيران، وإنما عبر بناء دولة يمنية أكثر تماسكًا وقدرة على حماية قرارها ومؤسساتها.

أثار هذا المحور سؤالًا مهمًا حول كيفية التعامل مع الحوثيين في أي تصور مستقبلي للحل. وذهب أحد الاتجاهات في النقاش إلى أن الحوثيين أصبحوا مكونًا موجودًا في الواقع اليمني، ولا يمكن بناء سياسة عملية على افتراض اختفائهم أو استئصالهم بمجرد الرغبة في ذلك.

وفي المقابل، جرى التأكيد على ضرورة التمييز بين الاعتراف بوجود الحوثيين كطرف يمني وبين القبول بمشروعهم السياسي والعسكري أو بمنطق احتكار السلطة والقوة.

وأثار هذا النقاش أيضًا قضية الهوية والمذهب، حول الخلفيات التاريخية للزيدية وتطور بعض مدارسها، وعلاقتها بالحوثيين.

وتباينت القراءات المقدمة لهذه المسألة بصورة واضحة، فبينما ربطت بعض المداخلات بين جوانب من التراث السياسي الزيدي وبين نموذج الإمامة الذي ينتقده أصحابها، شددت مداخلات أخرى على ضرورة عدم الخلط بين الزيدية بوصفها تراثًا دينيًا واجتماعيًا وبين الحركة الحوثية بوصفها حركة سياسية وعسكرية معاصرة.

وعليه، ظهر أن القضية المذهبية لا يمكن أن تكون مدخلًا كافيًا لفهم الصراع، خصوصًا أن المجتمع اليمني أكثر تنوعًا من اختزاله في ثنائية مذهبية..

وقد تناولت المداخلات كذلك أدوار السعودية والإمارات وإيران، مع الإشارة إلى أن كل طرف تعامل مع الساحة اليمنية وفق مصالحه وحساباته الخاصة، وأن دعم أطراف يمنية متعددة أدى إلى ظهور شبكة معقدة من التحالفات.

وظهرت في النقاش أمثلة على القوى التي تلقت دعمًا من أطراف إقليمية مختلفة، بما فيها العمالقة، والمقاومة الوطنية، والمجلس الانتقالي، وتشكيلات أخرى.

وأُشير إلى أن هذا الدعم أسهم في بناء قدرات عسكرية مهمة في مواجهة الحوثيين، لكنه في الوقت نفسه ساعد على تكريس تعدد مراكز القرار.

وفي هذا الإطار، طُرحت مسألة طارق محمد عبد الله صالح باعتباره مثالًا على تعقيد التحالفات اليمنية، فقد مر مساره السياسي والعسكري بمراحل مختلفة، وانتقل من التحالف السابق مع الحوثيين إلى العمل ضمن القوى المناوئة لهم، ثم أصبح جزءًا من ترتيبات السلطة الانتقالية.

وتوقفت بعض المداخلات عند العلاقة بين السعودية والإمارات، معتبرة أن اختلاف أولويات الدولتين انعكس على القوى اليمنية التي دعمتها كل منهما.

انتقل النقاش في المحور الثالث إلى السؤال الأكثر مباشرة حول مستقبل اليمن، وما السيناريوهات الممكنة في ضوء موازين القوى الحالية، وما فرص التسوية، وما المسؤولية التي تقع على عاتق الفاعلين العرب.

وأكدت الورقة المقدمة في هذا المحور والتي كانت بعنوان اليمن.. السيناريوهات والمخارج والمستقبل، أن التفكير في المستقبل لا ينبغي أن يتحول إلى تنبؤات منفصلة عن الواقع، بل يجب أن يستند إلى قراءة موازين القوى ومصالح الأطراف وقدرتها على التأثير.

وجاءت محاور الورقة كالآتي:

  1. سيناريوهات مستقبل اليمن: الحرب الشاملة، المواجهة الإقليمية، التجميد المؤقت، والتسوية التدريجية. السيناريوهات المستقبل المخارج
  2. إعادة بناء الدولة: معالجة ملفات السلاح والسلطة والثروة وشكل الدولة ضمن مرحلة انتقالية تقود إلى توحيد المؤسسات.
  3. الدور العربي والإقليمي: مسؤولية السعودية وعُمان والقوى اليمنية، وبناء مظلة عربية لأمن البحر الأحمر.
  4. السيادة والاستقلال: تفكيك أسباب الارتهان والتدخل الخارجي، وبناء القوة الذاتية والقرار الوطني المستقل.
  5. المخرج الوطني: الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء الدولة، عبر العودة إلى الداخل، وتفعيل المجتمع، وتقوية الأدوات السياسية والاقتصادية والإعلامية المستقلة.

وبيانها على النحو التالي:

أولا السيناريوهات المتدافعة

طُرحت عدة مسارات محتملة، في مقدمتها استمرار الحرب وتوسعها، وتجميد الصراع، والذهاب إلى تسوية سياسية متعددة المراحل، إلى جانب مسار يرتبط بإعادة تشكيل الواقع السياسي والعسكري بما يفتح المجال أمام استعادة الدولة.

ولم ينظر النقاش إلى هذه السيناريوهات باعتبارها بدائل منفصلة بصورة تامة، بل باعتبار أن الواقع قد ينتقل من أحدها إلى الآخر.

فقد يبدأ المسار بتصعيد عسكري، ثم يتحول إلى هدنة، أو يبدأ بتجميد للصراع قبل أن يعود إلى المواجهة، ولذلك شدد المتحدث على ضرورة التعامل مع السيناريوهات باعتبارها «متدافعة» ومترابطة.

ثانيا بين الحرب الشاملة والتجميد والتسوية

ناقشت المداخلات احتمال عودة الحرب إلى نطاق واسع ومتعدد الجبهات، خصوصًا إذا لم تنجح الترتيبات السياسية في معالجة الاختلالات القائمة.

وفي المقابل، ظهر احتمال تجميد الصراع عند خطوط السيطرة الحالية أو خطوط جديدة، وهو ما قد يوفر فترة من الهدوء النسبي لكنه لا ينهي أسباب الحرب.

أما التسوية السياسية، فطُرحت باعتبارها مسارًا ممكنًا، لكن نجاحها مرتبط بطبيعة الاتفاق الذي يمكن الوصول إليه.

 فالتسوية التي تقوم فقط على تقاسم السلطة بين النخب قد لا تكون كافية، بينما تحتاج التسوية المستقرة إلى معالجة قضايا الدولة والسلاح والمناطق والموارد والعلاقة بين المركز والأطراف.

ثالثا الحل اليمني وحدود التدخل الخارجي

كان من أبرز الأفكار التي تكررت في المحور الثالث التأكيد على أن الحل ينبغي أن يكون يمنيًا، ومن هنا جرى التفريق بين القول إن «الحل يمني» باعتباره مبدأً، وبين استخدام هذا الشعار لتجاهل البيئة الإقليمية.

فالحل اليمني يحتاج إلى قدرة يمنية على التفاوض وصناعة القرار، لكنه يحتاج أيضًا إلى التعامل مع الفاعلين الإقليميين المؤثرين في الأزمة.

 وفي هذا الإطار، برزت فكرة أن التسوية لا ينبغي أن تكون مجرد اتفاق بين القوى الخارجية أو بين الأطراف المسلحة، وإنما عملية تستعيد تدريجيًا قدرة اليمنيين على صناعة القرار. فوجود الفاعلين على مستوى الإقليم لا يلغي الحاجة إلى أن يكون القرار السياسي اليمني هو محور التسوية، كما أن التعاون مع دول الجوار لا يتعارض من حيث المبدأ مع استقلال القرار، متى قام على التعاون لا على التبعية.

رابعا: الدور المجتمعي

من أبرز المقترحات التي ظهرت في النقاش الدعوة إلى اعتماد منهج «من أسفل إلى أعلى»، خصوصًا في ظل ضعف المؤسسات الرسمية وانقسام القوى السياسية.

ويقوم هذا التصور على تنشيط المجتمع اليمني نفسه، ودعم الكفاءات والمنظمات والشخصيات الاجتماعية، وبناء مبادرات مستقلة لا تنتظر دائمًا الدعم من القوى الخارجية.

كما طُرحت فكرة تشكيل شبكة واسعة من الشخصيات اليمنية التي تتصف بالنزاهة والخبرة والقبول الاجتماعي، ومن مختلف المناطق والمكونات، لتكون نواة لحوار وطني أوسع. ولم يكن المقصود إنشاء جسم سياسي بديل بصورة فورية، وإنما تهيئة قاعدة اجتماعية وفكرية يمكن أن تسهم في إنتاج قيادة وطنية مستقبلية.

وشُدد خلال هذا المحور على دور المجتمع والشباب، فسنوات الصراع أنتجت، بحسب المداخلات، فراغًا في القيادة، لكن هذا الفراغ يمكن أن يتحول إلى فرصة إذا جرى دعم المبادرات الجديدة.

خلاصة المحور الثالث

أظهر النقاش أن مستقبل اليمن لا يرتبط بمسار واحد محسوم، وإنما بمجموعة من السيناريوهات المتداخلة التي تتأثر بتطورات الميدان وبقدرة الأطراف على التفاوض وبطبيعة التدخلات الإقليمية. وبينما يظل التصعيد والتجميد والتسوية مسارات ممكنة، فإن جوهر المشكلة يبقى في غياب مركز وطني قادر على تحويل القوة المبعثرة إلى مؤسسات دولة.

كما برزت في ختام الندوة قناعة مشتركة بأهمية الجمع بين مسارين: إعادة بناء الدولة من أعلى عبر المؤسسات والجيش والقرار السياسي، وإعادة بناء المجتمع من أسفل عبر الشباب والكفاءات والمبادرات الوطنية.

وفي ضوء مجمل ما طُرح في الحلقة، يبرز مسار يقوم على الانتقال التدريجي من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه.
ويقوم هذا المسار على الربط بين المسارين الداخلي والإقليمي: بناء مؤسسات يمنية
قادرة وموحدة من جهة، وإعادة تنظيم العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية على أساس

المصالح المتبادلة والاستقلال في صناعة القرار من جهة أخرى
.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ضوء الترابط العضوي بين استقرار البر وأمن البحر، إذ إن معالجة أمن باب المندب لا يمكن أن تستند إلى ترتيبات بحرية منفصلة عن واقع اليمن الداخلي، فكلما بقيت الدولة ضعيفة وتعددت مراكز القوة، ظلت الممرات البحرية معرضة لأن تصبح جزءًا من الصراع الإقليمي.
ومن ثم فإن استقرار البحر يبدأ من استقرار البر، وأمن الممرات يرتبط بقدرة الدولة اليمنية على بسط سلطتها وتنظيم القوة داخل حدودها.

والمخرج المستدام، وفق هذا التصور، هو قيام دولة يمنية سيدة وقادرة، تصون مؤسساتها وحقوق مواطنيها، وتدير علاقاتها الخارجية من موقع التعاون لا التبعية.

ومن هذه الزاوية، فإن استمرار هشاشة الدولة اليمنية أو إدامة الانقسام فيها لا يفضي إلى أمن مستقر، كما أن التعامل مع الدول الهشة من خلال الحصار أو الإقصاء أو إدارة أزماتها بصورة مؤقتة لا يضمن معالجة جذور عدم الاستقرار.

مستقبل الحل وأين يقف الحوثي؟

يبقى الحوثيون طرفًا رئيسيًا في أي تسوية يمنية مقبلة، ولا يبدو أن تجاوزهم أو استبعادهم يمكن أن ينتج حلًا مستدامًا في ظل موازين القوى القائمة.
 غير أن إدماجهم في التسوية لا يعني الإبقاء على وضعهم العسكري والسياسي القائم، وإنما ربط مشاركتهم بمسار تدريجي يعيد بناء الدولة ويوحد مؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش والسلاح والقرار الاقتصادي.
 وتتمثل العقدة الأساسية في كيفية انتقال الحوثيين من قوة مسلحة تفرض نفوذها على جزء واسع من البلاد إلى طرف سياسي داخل دولة واحدة، مع معالجة علاقتهم بإيران وضمان استقلال القرار اليمني.

وعليه، فإن الخلاصة الاستراتيجية التي تنتهي إليها هذه الخريطة تتمثل في أن استقرار البر وأمان البحر مساران متلازمان، فالبحر لن ينعم بأمان مستدام ما لم يستقر اليمن على الأرض، واليمن لن يستعيد استقراره ما لم تُبنَ دولة قادرة على توحيد القوة وإدارة الموارد واستيعاب التنوع السياسي والمناطقي.

وفي ضوء ذلك، فإن المسار الذي ينسجم مع مجمل ما طُرح في الحلقة هو الانتقال من إدارة التناقضات إلى بناء الدولة، ومن الارتهان لموازين القوة إلى تنظيمها داخل مؤسسات وطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى