إصداراتالولايات المتحدة إلى أينتقدير موقفملفات

ما الذي يحكم عقل ترامب؟

📖
ملخص المقال — اضغط للقراءة والاستماع
انقلبت إدارة ترامب الثانية على النظام الدولي القائم منذ عام 1945 بصورة فجة ومستهترة، حيث بلغت حد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو…

انقلبت إدارة ترامب الثانية على النظام الدولي القائم منذ عام 1945 بصورة فجة ومستهترة، حيث بلغت حد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في يناير 2026، والإعلان الصريح عن الاستيلاء على النفط الفنزويلي. وفي فبراير 2026، شنت حربًا على إيران باغتيال المرشد علي خامنئي وزوجته وبعض أحفاده، ومعظم قادة الصف الأول في البلاد، ومرت هذه الأحداث دون تنديد عالمي يذكر. يصف ترامب هذه الأفعال بأنها انتصار "للقوانين الحديدية التي لطالما حددت موازين القوى العالمية"، مؤكدًا أن العالم "يُحكم بالقوة والسلطة". هذه التصريحات تعكس إحياء للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وتحديدًا الواقعية الهجومية، التي تركز على القوة والمصالح بعيدًا عن القيم والمبادئ المجردة.

ترامب ليس مهندس هذا التحول بقدر ما هو الوعاء السياسي الذي اجتمعت فيه تيارات فكرية كانت تتشكل داخل اليمين الأمريكي منذ عقدين على الأقل. هذه التيارات تمثل جيلاً ثالثًا من اليمين الأمريكي، يرى أن النظام الذي بني بعد عام 1945 أصبح جزءًا من المشكلة، ويسعى إلى إعادة تعريف السيادة الأمريكية. من أبرز الشخصيات المؤثرة في هذا التوجه بيتر ثيل، الذي يمزج بين التقنية والفلسفة ونظرية الحضارات، ويعتقد أن الحضارة الغربية في ركود بسبب البيروقراطية والديمقراطية الجماهيرية. جي دي فانس، نائب الرئيس، يحول أفكار ثيل إلى مشروع سياسي، ويرى أن أمريكا فقدت صناعتها وطبقتها الوسطى بسبب العولمة والنخب، ويدعو إلى دولة قوية تخدم الأمة.

ماركو روبيو، الذي تحول من المحافظة التقليدية إلى القومية الاقتصادية، يركز على المنافسة مع الصين وحماية التكنولوجيا وإعادة التصنيع. بيت هيجسيث يعبر عن مزاج ثقافي جديد داخل المؤسسة العسكرية المحافظة، ويرى أن الجيش مؤسسة للحرب وليس منصة لقيم التنوع. إيلون ماسك، على الرغم من كونه رجل تقنية، يُنظر إليه كأحد مهندسي المرحلة الثانية للترامبية، حيث يسعى للسيطرة على البنية التحتية للحضارة من خلال التكنولوجيا، ويشكك في قدرة الدولة الأمريكية على العمل بشكل مستقل عن النخب. كيرتس يارفين، الذي لا يقرأه ترامب بالضرورة، يرى أن الديمقراطية الليبرالية قد ماتت وأن البيروقراطية هي الحاكم الحقيقي، ويدعو إلى سلطة تنفيذية مركزية قوية.

ستيف بانون، أبو تيار الماجا، أدخل مفاهيم مثل الحرب الحضارية ومواجهة الصين وتفكيك الدولة الإدارية إلى الترامبية. بات بوكانن، من أوائل من دعم ترامب بأفكار الانعزالية و"أمريكا أولاً". نيوت جينجريتش، الذي قاد مجلس النواب، نادى بإعادة بناء المؤسسات ومفهوم الكفاءة الرقمية ودولة المراقبة. في الإعلام، ساهم جو روغان وباتريك بيت-ديفيد في تآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية، مما مهد لقبول الخطاب الترامبي. من الجذور الفكرية البعيدة، يمكن ذكر هنري كيسنجر الذي ركز على توازن القوى، وصامويل هنتنغتون الذي حذر من تراجع الهوية الأمريكية، وجيمس برنهام الذي تحدث عن انتقال السلطة إلى طبقة المديرين، وكارل شميت الذي أعاد مفاهيم السيادة وحالة الاستثناء.

الترامبية ليست ليبرالية ولا قومية بحتة، بل هي نتاج لاندماج ثلاثة تيارات: الواقعية الجيوسياسية، القومية الحضارية، والنقد الحاد للدولة الليبرالية الحديثة. هذه التوليفة ترى أن العالم تحكمه موازين القوى، وأن الحضارة الغربية مهددة، وأن المؤسسات البيروقراطية أصبحت طبقة حاكمة مستقلة. مفهوم "السيادة" هو المفتاح لفهم الترامبية، حيث تسعى لاستعادة سيادة الدولة على الاقتصاد والحدود والبيروقراطية والتحالفات. الترامبية لا ترفض الديمقراطية من حيث المبدأ، لكنها تعيد تعريفها، معتبرة أن الإرادة الشعبية مقيدة بشبكة من المؤسسات، وأن الصراع الحقيقي بين الإرادة الشعبية والدولة الإدارية.

تغيرت نظرة الترامبية إلى العالم، فبدلاً من الافتراض الليبرالي بتنظيم العالم عبر مؤسسات وقواعد وتحالفات دائمة، ترى الترامبية العالم ساحة تنافس بين دول تسعى لتعظيم مصالحها، وأن التحالفات ليست التزامات أخلاقية دائمة. هذا التحول يعكس تراجع مكانة القانون الدولي أمام اعتبارات القوة، ويشير إلى انتقال من الواقعية الكلاسيكية إلى "القومية الإمبراطورية المعاملاتية" أو سياسة القوة المتحررة من القيود الليبرالية. هذا التوجه يركز على النتائج المباشرة والصفقات السريعة، ويتحمل مخاطر كبيرة في حال عدم نجاحه، مما قد يؤدي إلى تآكل القوة الناعمة والهيبة الخشنة.

عودة هذه الأفكار الآن بعد عقود من تبني أمريكا للنظام الدولي ومؤسساته تعود إلى عدة عوامل، منها صعود الصين، وعودة روسيا كقوة عسكرية، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، والحروب التي أبرزت حدود قدرة القانون الدولي. ترامب لم يخترع الواقعية، بل أزال الغطاء الأخلاقي عن السياسة الخارجية، مصرحًا بأن القوة هي الأساس الحاكم للعلاقات الدولية. هذا التحول في الخطاب يعكس واقع التنافس بين القوى الكبرى، وقد يضعف شرعية النظام الدولي ويزيد من منطق الصراع.

فيما يتعلق بالديمقراطية، تشكيك ترامب المستمر في نزاهة الانتخابات وتصريحاته حول "الدولة الإدارية" يعكس طعنًا في الوسيط الذي يمنح الشرعية للنظام السياسي الأمريكي. الترامبية ترى نفسها مدافعة عن الديمقراطية ضد من يعتقدون أنهم صادروا معناها، وتعتبر أن الشرعية نابعة أولاً من الإرادة الشعبية المباشرة. هذا التصور يفسر لغة الاستهزاء والسخرية التي يستخدمها ترامب تجاه بعض القضاة والمسؤولين. تحول الخصم السياسي إلى عدو وجودي، كما يرى بعض الترامبيين، يغير طبيعة النظام السياسي ويجعل من السهل تسويغ العنف السياسي.

هذا التحول ليس خاصًا بالترامبية وحدها، بل يعكس تصاعدًا في خطاب متبادل يصور الطرف الآخر كخطر وجودي. إن أخطر ما في الترامبية ليس تشكيكها في انتخابات بعينها، بل أنها تميل إلى إعادة تعريف الديمقراطية نفسها، حيث تُفهم الديمقراطية كتعبير مباشر عن إرادة الشعب الحقيقي، بينما تُنظر إلى المؤسسات كوسائل تفقد شرعيتها إذا تعارضت مع هذه الإرادة. هذا التشكيك لم ينشأ من فراغ، بل سبقه تراجع واسع في الثقة بالمؤسسات الأمريكية، مما يجعل الترامبية استجابة راديكالية لأزمة ثقة سابقة.

إذا فقدت الانتخابات دورها كآلية يتفق الجميع على نتائجها، وتحول الخصم السياسي إلى عدو وجودي، فإن النظام الديمقراطي يفقد أهم آليتين لاستقراره: الثقة في التداول السلمي للسلطة، والاعتراف المتبادل بشرعية المنافس. السؤال الأعمق هو: هل نحن أمام نهاية الليبرالية الدولية التي حكمت الغرب منذ عام 1945، أم أمام محاولة لإعادة تأسيسها على أسس قومية وحضارية جديدة؟ هذا هو السؤال الفكري الحقيقي الذي ستدور حوله معظم تطورات السنوات القادمة.

انقلبت إدارة ترامب الثانية على النظام الدولي القائم منذ 1945م بصورة فجة ومستهترة، وبلغت اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو هو وزوجته وسجنهما في الولايات المتحدة في يناير 2026، والإعلان صراحة عن الاستيلاء على النفط الفنزويلي. وفي فبراير 2026 شنَّ ترامب حربًا على إيران افتتحها باغتيال رأس النظام الإيراني المرشد علي خامنئي وزوجته وبعض أحفاده، واغتيال معظم الصف الأول من قادة البلاد. هذان الحدثان وغيرهما مرَّا دون تنديد تقريبًا من أي دولة في العالم، ولا حتى تنديد شكلي من الأمين العام للأمم المتحدة!

لقد وصف الرئيس ترامب القبض على الرئيس الفنزويلي مادورو بأنه انتصار “للقوانين الحديدية التي لطالما حدَّدت موازين القوى العالمية“!

 وعلى نحو مماثل، أكد نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر في يناير الماضي أن العالم “يُحكم بالقوة” و”يُحكم بالسلطة” وأن “هذه هي القوانين الحديدية للعالم منذ فجر التاريخ”، وانبرى بعض الجمهوريين لوصف الترامبية بأنها “الواقعية السياسية” في أقوى صورها! رغم أن المدرسة الواقعية السياسية الجمهورية امتزجت بالمثالية كما نظر لها نيكسون – وقد عنون “بالواقعية المثالية” في كتابه الأخير (ما وراء السلام) – وتجلت بعلاقاته المفتوحة مع الصين وإنهاء حرب فيتنام، وكرسها تلميذه ريغان وانتهت بالسيطرة على الشيوعية والاتفاق السلس مع غورباتشييف وروسيا.

المؤكد أن ترامب ليس مهندس هذا التحول بقدر ما هو الوعاء السياسي الذي اجتمعت فيه عدة تيارات فكرية كانت تتشكل داخل اليمين الأمريكي منذ عشرين عامًا على الأقل

هذه التصريحات الفجَّة ليست مفاهيم جديدة، وإنما هي إحياءٌ بلغة جديدة لأقدم مدرسة في العلاقات الدولية، وهي المدرسة الواقعية (Realism)، ولا سيما نسختها الأكثر تشددًا: الواقعية الهجومية (Offensive Realism) .

الواقعية السياسية مقاربة تحليلية تُناقض المثالية السياسية، وتنطلق من معطيات الواقع، لا من القيم والمبادئ المجرَّدة فقط، مع التركيز على إدراك عناصر القوة، والضعف، وخلفيات المصالح وتبايناتها، وآليات الصراع ومآلاته، والحدود العملية للإرادة السياسية.

والواقعية السياسية نظريًّا، لا تعني الواقعية بالضرورة تسويغ الاستبداد أو التماشي مع الواقع السَّائد أيًّا ما كان، أو التنكُّر لتطلُّعات الشعوب لغد أفضل، بل -بصورتها الإيجابية- تدعو إلى فهم الموجود استعدادًا للمنشود، وعَقد مواءمةٍ بين المبادئ والأدوات، وبين الطموح السياسي واحتمالات تحقيقه ضمن رؤية واقعية. هذه الأوصاف بطبيعة الحال لا تنطبق على ما تُوغل فيه إدارة ترامب وتباهيها ليل نهار بقوتها العسكرية!

إن فهم إدارة ترامب الثانية لا يكون بدراسة ترامب نفسه، وإنما بدراسة الشبكة الفكرية التي أصبحت تحيط بالرئاسة

ما يلفت الانتباه ليس وجود هذه الأفكار، وإنما عودة التصريح بها علنًا بعد عقود كان الخطاب الأمريكي الرسمي يغلف فيها القوة بلغة القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والنظام الدولي القائم على القواعد (Rules-Based Order)!

عندما يقول البيت الأبيض إن العالم “يُحكم بالقوة” و”يحكم بالسلطة”، فهو يعبر عن عدة افتراضات، منها إن الدول لا يحكمها في النهاية القانون، بل ميزان القوة، وأن الردع أهم من الشرعية، وأن الضعيف لا يحميه القانون إذا لم يمتلك القوة، وأن الاتفاقيات تُحترم فقط عندما تخدم مصالح الأقوياء!

مصطلح الواقعية السياسية غالبًا ما يستخدم بمعنى إيجابي أو محايد، إلا إنه قد يُوظَّف أحيانًا بمعنى سلبي للإشارة إلى سياسات تُوصف بأنها غير أخلاقية أو مستندة إلى مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” كما في النهج الميكيافيلي، وبالتالي تحول العلاقات الدولية إلى ساحة مفتوحة للمصالح والقوة، دون إملاءات أخلاقية أو اعتبارات قيمية مسبقة. وقد أسست أمريكا مذهبا برغماتيا معرفيا وسياسيا خاصًا بها خلال قرنين، يقوم على النتائج العملية المجردة، على يد وليام جيمس وجون ديوي وهو الذي قامت عليه نظريات التعليم والإدارة في أمريكا.

إذن هذه ليست نظرية جديدة، بل تكاد تكون تلخيصًا حديثًا لما قاله مفكرون منذ آلاف السنين؛ فلقد عرف البشر أفكارًا مشابهة عبر التاريخ، مثل:

  • ثوسيديديس (القرن الخامس قبل الميلاد) في “حوار ميليوس” الشهير، قال الأثينيون: “الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله.” وربما يُعتبر هذا النص حجر الأساس للفكر الواقعي كلِّه.
  • ميكيافيللي: أكد أن بقاء الدولة مقدم على الأخلاق، وأن الحاكم الناجح ليس الأكثر فضيلة، وإنما الأكثر قدرة على استخدام القوة عند الحاجة.
  • توماس هوبز الفيلسوف السياسي رأى أن النظام الدولي يشبه “حالة الطبيعة”، حيث لا توجد سلطة أعلى من الدول، ولهذا تعتمد الدول على قوتها الذاتية.
  • لودفيغ فون روشاو، كتب عام 1853 “إن قانون القوة يحكم عالم الدول تمامًا كما يحكم قانون الجاذبية العالم الفيزيائي. لقد كان علم السياسة القديم على دراية بهذه الحقيقة، لكنه استخلص استنتاجًا خاطئًا وضارًّا – وهو حق الأقوى. أما العصر الحديث فقد صحح هذا الزلل الأخلاقي، لكنه في الوقت نفسه بالغ في تجاهل القوة الفعلية للأقوى واستحالة تجاهل تأثيرها السياسي”.
  • مورغنثاو بعد الحرب العالمية الثانية قال: “إن السياسة الدولية هي صراع دائم على القوة، وليس صراعًا على العدالة”.
  • جون ميرشايمر ربما هو أكثر من يمثل هذه المدرسة اليوم، في شقها الإيجابي وهو تقدير واقعي لقيمة القوة وأن القانون الدولي لا يمنع الحروب إذا تعارض مع المصالح الكبرى، ولكنه يؤكد على اعتقاده بأن للقوة حدودًا لا يمكن تخطيها، وإلا ارتدت على أصحابها.

ولعل الفارق بين المشروع الترامبي وبين الواقعية التقليدية (كما سنتناوله بالتفصيل)، أن الأخيرة تنطلق من مأساوية القوة: القوة ضرورية، لكنها تولد الخوف والتحالف المضاد، والغطرسة قد تفسد صاحبها وتستدعي مقاومته.

كأن ولوج إيلون ماسك إلى أحشاء الحكومة الفيدرالية كان بحثًا عن إجابة السؤال المحير: من يحكم فعلًا؟ أهو الرئيس؟ أم البيروقراطية؟ أم القضاء؟ أم الأجهزة؟ أم الإعلام؟ أم شركات التقنية؟

أما الخطاب الترامبي المتشدد فينطلق غالبًا من احتفالية القوة: إظهار القدرة يُنتج الاحترام، والإكراه يُنتج السلام، والخصوم والحلفاء لا يستجيبون إلا للضغط.

الواقعية المأساوية ترى في ميلوس بدايةً من بدايات سقوط أثينا (وهو بالضبط ما استنتجه المؤرخ ثوسيديديس في كتابه “تاريخ الحرب البيلوبونيسية”)؛ أما الواقعية الاحتفالية فقد ترى فيه دليلًا عكسيًّا على عظمة أثينا في اللحظة التي استطاعت فيها فرض إرادتها!

  1. مَن الأشخاص أو المؤسسات الفكرية التي تؤثر في ترامب وجماعته وجعلتهم يتحولون إلى هذا الاتجاه في السياسة الخارجية؟
  2. هل الترامبية ليبرالية قومية أم واقعية سياسية؟ وهل تؤمن بالديمقراطية؟ والأهم: ما رؤيتها الكاملة للعالم؟
  3. لماذا عادت هذه الأفكار الآن بعد عقود من تبني أمريكا للنظام الدولي ومؤسساته وأدواته؟
  4. هل يمكن للعالم العربي إعادة تموضعه في ظل هذه السياسات الأمريكية الجديدة؟

شخصية ترامب السطحية ومنزوعة الخبرة السياسية قبل 2016، من الصعب تصور أنها المحرك الأساسي لهذا التغير السياسي الهائل، ولكن حتى ترامب، لابد أنه يتأثر بشخصيات فكرية وتنفيذية يتعامل معها، وتُشكِّل مع الوقت قناعاته وأفكاره.

المؤكد أن ترامب ليس مهندس هذا التحول بقدر ما هو الوعاء السياسي الذي اجتمعت فيه عدة تيارات فكرية كانت تتشكل داخل اليمين الأمريكي منذ عشرين عامًا على الأقل. بعبارة أخرى: لو لم يوجد ترامب، فمن المرجح أن هذه التيارات كانت ستبحث عن شخصية أخرى تحملها، وإن كان ربما بصورة أقل حدَّة.

أما لو لم توجد هذه التيارات، فمن الصعب جدًّا أن يكون ترامب، بخلفيته التجارية والإعلامية، قد أنتج وحده هذا التحول الفكري.

إن فهم إدارة ترامب الثانية لا يكون بدراسة ترامب نفسه، وإنما بدراسة الشبكة الفكرية التي أصبحت تحيط بالرئاسة. أول ما ينبغي إدراكه هو أن اليمين الأمريكي الحالي لم يعد كتلة واحدة كما كان في عصر ريغان أو حتى بوش الابن.

الجيل الأول هو المحافظون التقليديون (ويسمونه أحيانًا Reagan Republicans)، وهؤلاء كانوا يؤمنون بأربعة أركان: الأسواق الحرة، والتجارة الحرة، والتحالف الأطلسي، ونشر الديمقراطية. ويمكن القول بقليل من التحفظ أنه يمين ذروة الحرب الباردة.

ثم ظهر الجيل الثاني بعد حربي العراق وأفغانستان وهو الجيل الذي بدأ يشك في جدوى التدخلات العسكرية والعولمة والهجرة والمؤسسات الدولية. لكن ذلك الجيل المتبرم لم يكن قد بلور مشروعًا متكاملًا.

هناك فرق مهم بين ثيل وماسك، ثيل يريد إعادة كتابة النظرية. أما ماسك فيريد إعادة تصميم النظام. ثيل أقرب إلى الفيلسوف، وماسك أقرب إلى المهندس. لكن أحيانًا يكون المهندس أخطر من الفيلسوف، لأنه يحول الفكرة إلى بنية تشغيلية.

أما الجيل الثالث، وهو الذي يحكم اليوم مع ترامب، فهو مختلف تمامًا، إذ لا يريد فقط إصلاح النظام، بل يرى أن النظام الذي بُني بعد 1945 أصبح جزءًا من المشكلة.

شخصية مؤثرة ربما لا يلتفت إليها كثيرون، مع أنها قد تكون الأكثر تأثيرًا فكريًّا – وليس سياسيًّا – في النخبة الترامبية. بيتر ثيل أشبه بالأب الفكري لكثير من الشخصيات الترامبية الجديدة.

ثيل لا ينتمي إلى المحافظين التقليديين، ولا إلى الليبرتاريين التقليديين، بل يمزج بين التقنية والفلسفة ونظرية الحضارات ونظرية النخب مع التشاؤم من الديمقراطية الجماهيرية.

ثيل يؤمن أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة ركود منذ سبعينيات القرن الماضي، ويعتقد بشدة أن البيروقراطية تقتل الابتكار، وأن الجامعات أصبحت تنتج أيديولوجيا أكثر مما تنتج معرفة، وأن المؤسسات الليبرالية انتهازية وأصبحت تخدم نفسها، وأن الديمقراطية قد تعيق اتخاذ القرارات الكبرى. الرجل لا يتحدث عادة عن السياسة فقط، بل عن فلسفة التاريخ. ثيل يدعو دائما لتقليل دور الدولة بأكبر قدر ممكن، ما يطلق عليه “الليبرتالية”، وان العالم يجب أن يحكمه منطق الشركات تجاوزا لفكرة الديمقراطية. (من المفيد مراجعة ورقتي المعهد المصري عن انتقال ثيل للأرجنتين[1]).

ليس مجرد نائب للرئيس، بل هو تلميذ سياسي لثيل مع فارق مهم: ثيل يفكر كمستثمر في عباءة فيلسوف، أما فانس فيحوِّل الأفكار إلى مشروع سياسي.

يرى فانس بصراحة أن أمريكا فقدت الصناعة والطبقة الوسطى، والأسرة والدين، والمجتمع المحلي، وأن كل هذه الخسائر المتراكمة وقعت بسبب العولمة والنخب السياسية والشركات العابرة للقارات. والدولة عنده يجب أن تعود لتكون أداة لبناء الأمة، وهذا يُحدث انقلابًا داخل الفكر المحافظ؛ فالمحافظون قديمًا كانوا يريدون دولة أصغر، أما هذا الجيل فيريد دولة قوية… لكن لخدمة الأمة، وليس لخدمة النظام العالمي. يشار أيضا إلى أن فانس تحول من البروتستانتية إلى الإلحاد ثم للالتزام الكاثوليكي.

شخصية مثيرة جدًّا، لأنه كان من المحافظين التقليديين، ثم تغيَّر تدريجيًّا. وهذا التغيُّر نفسه مهم، لأنه يدل على أن التحول لم يعد يقتصر على ترامب، بل أصبح يعيد تشكيل الحزب الجمهوري كله.

اليوم روبيو (وهو يحمل حقيبتي الخارجية والأمن القومي معًا) أقرب إلى: المنافسة مع الصين، والسياسة الصناعية وحماية التكنولوجيا وإعادة التصنيع، والأمن الاقتصادي؛ أي أنه انتقل من ليبرالية السوق إلى قومية اقتصادية.

يمثل تيارًا آخر. الرجل ليس مُنظّرًا كبيرًا ولا صغيرًا، لكنه قد يعبر عن المزاج الثقافي الجديد داخل المؤسسة العسكرية المحافظة. الرجل سطحي ويمكن تلخيص رؤيته في فكرة واحدة: الجيش ليس مؤسسة اجتماعية، بل مؤسسة للحرب. ولذلك يرفض تحويل الجيش إلى منصة لقيم التنوع والهوية. قد يبدو هذا موضوعًا داخليًّا، لكنه في الحقيقة يعكس فلسفة أوسع ترى أن وظيفة المؤسسات ليست إعادة تشكيل المجتمع، بل حماية الأمة.

شخصية محورية. بينما يراه البعض أنه مجرد حليف مؤقت، له همومه المختلفة من الذكاء الاصطناعي والفضاء والروبوتات والطاقة، وأنه يفكر كرجل تقنية وليس كرجل دولة، وبالتالي فهو أبعد ما يكون عن التأثير في فكر ترامب ولا يمكن أن يكون أحد الآباء الفكريين للترامبية- يراه آخرون أخطر من ثيل من ناحية التأثير العملي.

ماسك بالتأكيد ليس فيلسوف الترامبية، لكن قد يكون أحد مهندسي مرحلتها الثانية.

إن تأمل مسيرة ماسك كلها، يكشف أن الرجل لا ينجذب إلى التكنولوجيا بوصفها غاية، وإنما بوصفها وسيلة للنفوذ والسيطرة على البنية التحتية للحضارة. ماسك بدأ بالمال (PayPal)، ثم السيارات والطاقة، ثم الفضاء (SpaceX)، ثم الاتصالات العالمية (Starlink)، ثم الذكاء الاصطناعي، ثم الإعلام (منصة X) ثم دخل إلى الدولة نفسها. وهذه ليست مصادفة؛ إنها سلسلة تتحرك دائمًا نحو العُقَد التي تقوم عليها الدولة الحديثة. ولهذا لم يكن إلحاحه وطلبه رئاسة “إدارة الكفاءة الحكومية” مجرد رغبة في خفض الإنفاق، بل يبدو أقرب إلى محاولة لفهم آخر منظومة ضخمة لم يدخلها بعد، وهي الدولة العميقة بالمعنى الإداري.

الترامبية لم تنجح فقط لأنها قدمت مشروعًا جديدًا، بل لأنها جاءت بعد انهيار الثقة في المشروع القديم

قبيل انتخابات 2024، نقل بيتر ثيل عن ماسك قوله له: “إذا خسر ترامب فلن نجد مكانًا نهرب إليه حتى في المريخ.”! هذه لم تكن جملة انتخابية، بل إنها تكشف تصورًا للعالم، أي أن الدولة الأمريكية لم تعد في نظره مجرد حكومة تتغير كل أربع سنوات، بل أصبحت جهازًا دائمًا يستطيع ملاحقة خصومه بغض النظر عن نتائج الانتخابات!

وهذا التصور هو نفسه الذي يدور حوله فكر كيرتس يارفين، وإن كان ماسك لا يتبناه بالضرورة بالطريقة نفسها. كأن ولوج ماسك إلى أحشاء الحكومة الفيدرالية كان بحثًا عن إجابة السؤال المحير: مَنْ يحكم فعلًا؟ أهو الرئيس؟ أم البيروقراطية؟ أم القضاء؟ أم الأجهزة؟ أم الإعلام؟ أم شركات التقنية؟

دخول ماسك إلى جهاز الكفاءة الحكومية كان محاولة عملية للإجابة عن هذا السؤال أكثر من كونه مشروعًا إداريًّا.

هناك فرق مهم بين ثيل وماسك؛ ثيل يريد إعادة كتابة النظرية. أما ماسك فيريد إعادة تصميم النظام. ثيل أقرب إلى الفيلسوف، وماسك أقرب إلى المهندس. لكن أحيانًا يكون المهندس أخطر من الفيلسوف، لأنه يحول الفكرة إلى بنية تشغيلية. ولهذا لا يُستبعد إطلاقًا أن يزداد تأثير ماسك الفكري في السنوات القادمة، حتى لو لم يكتب كتابًا واحدًا في السياسة!

طبعًا لا أحد يقول إن ترامب يقرأ يارفين، ولا حتى فانس بالضرورة. لكن كثيرًا من المحيطين بهما ربما قرأوه، ويأخذونه بجدية. يارفين يكاد يقول صراحة: الديمقراطية الليبرالية ماتت وانتهت (يقولها ويكررها، بينما يصغي إليه بعض اليمينيين ذوي النفوذ)، ويرى أن البيروقراطية أصبحت هي الحاكم الحقيقي، والانتخابات مجرد تغيُّر الوجوه لا السياسات، وأن الإعلام والجامعات والإدارة يشكلون دولة عميقة دائمة.

الدولة عند فانس لا ينبغي أن تكون مجرد حارس للأسواق، بل أداة لإعادة بناء الأمة

يارفن يرى المطلوب سلطة “مركزية” تنفيذية قوية جدًّا (أشبه بالسلطة الملكية!) تستطيع تفكيك هذه الشبكة. هذا في الحقيقة قريب جدًّا مما نراه اليوم. الرجل يتبنى أفكارًا عنصرية همجية، ويتميز بذكاء حادٍّ في مناظراته وغوصه في التاريخ الأوروبي.

هو أبو تيار الماجا، والحلقة التي تصل بين عالم الشعبوية وعالم الفكر. بانون ليس فيلسوفًا، لكنه قارئ نهم للتاريخ، والحضارات، والجغرافيا السياسية، وهو الذي أدخل إلى الترامبية كثيرًا من مفاهيمها الأساسية مثل: الحرب الحضارية، مواجهة الصين، النخب العالمية، تفكيك الدولة الإدارية وغيرها. ولذلك، حتى بعد خروجه من البيت الأبيض، يظل تأثيره الفكري قائمًا.

من أهم المنظرين في التأسيس لبعض أفكار الماجا، خاصة أفكار “الأمركة”. بوكانن من مواليد 1938 وعمل مستشارا لكل من نيكسون وفورد وريغان وكان من أوائل من دعم صعود ترامب من ناحية الانعزالية وأمريكا أولا، ويُعتقد أن أفكار ستيف بانون الأولى حول الماجا جاءت من البوكانانية، كما كرر ترامب شعارات بات بوكانن المرشح الرئاسي الجمهوري سابقا والذي عارض الحروب الخارجية المفتوحة كحرب العراق.

الشخصية الأخرى السياسية الممارسة عمليا وفلسفيا في ذات الحقبة والتي كانت أقوى صوت مبكر ساهم في فتح الطريق لترامب ورأى في الماجا وترامب الحل، ونَظَّر لها وهو أستاذ لستيف بانون. نيوت جينجريتش تزعم مجلس النواب لخمس سنوات (1995-1999) وكان مهندسا لبعض التحولات المهمة التي ساهمت في الوصول إلى رسم سياسات اليوم، فقد نادى بوضوح بإعادة بناء المؤسسات وأول من نادى بمفهوم الكفاءة الرقمية والمجتمع التكنلوجي الراقي ودولة المراقبة. دعم مزاعم ترامب في السنوات الأخيرة حول تزوير انتخابات 2020.

في مجال الإعلام، يمكن أن يكون باتريك بيت-ديفيد وجو روغان اسمين بارزين يساعدان على تشكيل البيئة الثقافية التي تزدهر فيها الترامبية (طبعًا كلا الرجلين لا يبلغ تأثيرهما تاكر كارلسون، لكن كارسون ربما ابتعد تأثيره على الدائرة المحيطة بترامب، وإن بقي مؤثرًا في الترامبية). عمومًا رموز الإعلام البديل (البودكاستات اليومية) كسروا احتكار النخب التقليدية لتحديد جدول النقاش العام.

ليس صاحب أيديولوجيا متماسكة، بل هو أقرب إلى ما يمكن تسميته “المشكك الكبير”، فهو دائم التشكيك في المؤسسات الطبية، الإعلام التقليدي، البيروقراطية، النخب الأكاديمية، بعض سياسات الحكومة والشركات الكبرى، لكنه في المقابل لا يقدم مشروعًا سياسيًّا بديلًا متكاملًا. وهنا تكمن أهميته؛ فالترامبية لم تنجح فقط لأنها قدمت مشروعًا جديدًا، بل لأنها جاءت بعد انهيار الثقة في المشروع القديم.

الإعلام البديل يجعل جمهوره يتقبل بسهولة فكرة أن الدولة تحتاج إلى مدير تنفيذي أكثر من حاجتها إلى سياسي محترف

وروجان كان أحد أهم من أسهموا – بقصد أو بغير قصد – في هذا التآكل، ليس لأنه أقنع الناس بترامب، بل لأنه أقنع ملايين الأمريكيين بأن: “لا تثقوا في أي مؤسسة تقول إنها تعرف الحقيقة!” عندما تنهار الثقة في بيروقراطية الصحافة، فإن الناخب يصبح مستعدًا لسماع خطاب مختلف جذريًّا.

أقرب إلى رجل أعمال يفكر في السياسة، ولهذا فإن لغته ليست لغة الأيديولوجيا، بل لغة القوة والقيادة والاستراتيجية والنخب والتاريخ، وهذا يمثل ربما انتقالًا مهمًّا داخل الإعلام الأمريكي، إذ يخاطب جمهورًا من رجال الأعمال الشباب ورواد الأعمال والمستثمرين.

باتريك يحاول دائمًا النظر إلى السياسة كأنها شركة، وهذا قريب جدًّا من الطريقة التي يفكر بها ترامب نفسه. ولذلك تجد أن مقابلاته الطويلة مع السياسيين لا تركز كثيرًا على مَن اليمين؟ ومَن اليسار؟ بل على: مَن يملك خطة؟ مَن يدير؟ مَن يسيطر؟ وهذا يجعل جمهوره يتقبل بسهولة فكرة أن الدولة تحتاج إلى مدير تنفيذي أكثر من حاجتها إلى سياسي محترف.

قد يكون مفهوم “السيادة” المفتاح لفهم تشكيلة الترامبية

تلك كانت شخصيات معاصرة لها تأثير مباشر على الترامبية. ولعل من المفيد أيضًا استدعاء شخصيات أخرى من غير المعاصرين، ليس بوصفهم “منظِّري الترامبية”، بل باعتبارهم جزءًا من السلسلة الفكرية التي مهَّدت للبيئة التي خرجت منها الترامبية. فهناك فرق بين التأثير التاريخي والتأثير المباشر. يمكن أن نضم خمسة أسماء ليسوا جزءًا من هذا المشروع السياسي، وإنما يمكن اعتبارهم “الجذور الفكرية البعيدة” أو “الروافد الفكرية التي مهدت للتحول” أو بشكل أوسع “شجرة أنساب فكرية” للترامبية:

قد يكون أهم هؤلاء الخمسة، لكن ليس للأسباب التي يتوقعها كثير من الناس؛ فكيسنجر لم يكن طبعًا قوميًّا شعبويًّا، ولا معاديًّا للعولمة، بل كان رجل دولة ينتمي إلى المدرسة الواقعية الكلاسيكية. ومع ذلك، فإن تأثيره لا يزال حاضرًا في نقطة أساسية، وهي أن العلاقات الدولية يحكمها توازن القوى أكثر مما تحكمها الأخلاق أو القيم أو القانون. وهذه الفكرة نجد صداها الآن عند كثير من الترامبيين، لكنهم يختلفون معه في أن كيسنجر كان يرى المؤسسات والتحالفات أدوات ضرورية لإدارة النظام الدولي، بينما يميل جزء من الترامبية إلى النظر إليها باعتبارها قيودًا على الإرادة الأمريكية؛ لذلك فالعلاقة هنا علاقة امتداد ثم افتراق، لا علاقة تبنٍّ مباشر.

ولعل كتابه الأكثر أهمية لفهم الترامبية ليس “صدام الحضارات”، بل كتاب “من نحن؟” (Who Are We?) ففي هذا الكتاب انتقل هنتنغتون من دراسة النظام الدولي إلى دراسة الهوية الأمريكية نفسها، وحذر من أن الهجرة، والعولمة، وتراجع الهوية الأنجلوسكسونية البروتستانتية، قد تؤدي إلى تفكك التماسك الوطني.

عندما نقرأ هذا الكتاب اليوم، نشعر أن كثيرًا من الأسئلة التي يطرحها فانس أو هيجسيث أو حتى بعض خطابات ترامب موجودة في الكتاب، لكن بصياغة أكاديمية أكثر هدوءًا. ومع ذلك، ينبغي أيضًا إبراز الفارق؛ فهنتنغتون كان باحثًا يحاول تفسير التحولات، بينما الترامبية حولت بعض هذه الأفكار إلى برنامج سياسي مباشر.

وتأثيره يتركز في الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية أكثر من تركيزه في البنية الفكرية للترامبية نفسها. لويس أثَّر في جيل المحافظين الجدد، وفي فهم قطاعات من النخبة الأمريكية للعالم الإسلامي، لكن الترامبية، في كثير من ملفات الشرق الأوسط، جاءت أصلًا كرد فعل على إرث المحافظين الجدد. فهي أقل حماسًا لمشاريع إعادة بناء الدول، وأكثر اهتمامًا بالصفقات، والردع، واحتواء الخصوم بأقل تكلفة أمريكية ممكنة. لذلك فإن لويس يصلح لفهم الخلفية التي ورثتها الترامبية في الشرق الأوسط، لكنه ليس من أهم مفاتيح فهمها هي ذاتها. ورغم أن فكر مشروع ترامب أصلا ضد نهج المحافظين الجدد في تغيير الأنظمة، فإن ترامب يتصرف الآن مثلهم، ربما بتأثير أشخاص مثل روبيو ولندسي جراهام قبل وفاته.

له تأثير تاريخي على اليمين الأمريكي الجديد، وكتابه الصادر عام 1941 (الثورة الإدارية The Managerial Revolution) يقدم فكرة أن السلطة الحقيقية انتقلت من الرأسماليين المنتخبين إلى طبقة المديرين والبيروقراطيين، ويضع فيه نظريته حول مستقبل الرأسمالية العالمية استنادًا إلى تطورها في فترة ما بين الحربين العالميتين، فيقول: “إنه قانون تاريخي، لا استثناءات ظاهرة له حتى الآن، أن جميع الجماعات الاجتماعية والاقتصادية، مهما كان حجمها، تسعى جاهدة لتحسين وضعها النسبي فيما يتعلق بالسلطة والامتيازات في المجتمع”. وعندما نسمع اليوم حديث الترامبيين عن “الدولة الإدارية ” (Administrative State)، أو “الدولة العميقة”، تجد أن برنهام حاضر بصورة لافتة، وإن تغيرت اللغة.

رغم أن اسمه يثير حساسية كبيرة بسبب علاقته بالنظام النازي، لكن لا يمكن تجاهله إذا بحثنا الأصول الفكرية، ليس لأن الترامبيين يتبنون شميت، فهذا تسطيح غير صحيح، بل لأن مفاهيم مثل السيادة، وحالة الاستثناء، والتمييز بين الصديق والعدو عادت بقوة إلى النقاش الأمريكي، سواء عبر مؤيديه أو عبر من يناقشونه وينتقدونه.

هناك فرق بين أن تقول إن القوة تؤثر في تطبيق القانون، وبين أن تستنتج أن القوة هي القانون النهائي؛ الأول تشخيص واقعي؛ والثاني انتقال إلى مذهب سلطوي أو إمبراطوري

لا شك أن شبح شميت لا يزال يلقي بظلاله على الفكر والسياسة الدولية، بوصفه أحد أكبر نقاد الفلسفة الليبرالية في القرن الماضي، وأفكاره حاضرة بقوة حول إشكاليات السياسة والدستور ومعضلة الحريات العامة.

عند تأمل أسماء الشخصيات السابقة، نرى أن هناك من أسهم في نظرية القوة، وهناك من أسهم في نظرية الدولة، وهناك من أسهم في نظرية الهوية، وهناك من أسهم في نظرية الحضارة، وهناك من أسهم في نقد البيروقراطية، وهناك من أسهم في فلسفة التقنية. والترامبية تقف عند تقاطع هذه المسارات جميعًا، ما يؤكد أنها ليست مجرد ظاهرة انتخابية، بل تعبير عن تحول فكري أوسع داخل النخبة الأمريكية. الجمع بين كل ذلك لا يمكن أن يشكل خيطًا ناظمًا واحدًا، لذلك نرى تصرفات الترامبية كثيرا ما تكون أقرب للعشوائية.

ومهمته المعلنة إعادة مبادئ التأسيس الأمريكي إلى مكانتها الصحيحة والمهيمنة في الحياة الأمريكية الوطنية. هذا المعهد يحاول منذ أكثر من عشرين سنة إعادة تفسير الدستور الأمريكي، لأنه يعتقد أن الليبرالية الأمريكية انحرفت، وأن النخب خانت الجمهورية بحيث أصبحت المؤسسات تعمل ضد الشعب. المعهد يرى أن السلطة التنفيذية يجب أن تستعيد قوتها. من هذا المعهد تخرج كثير من مفكري ورموز الترامبية.

مؤسسة قديمة تتجاوز كونها مجرد مركز أبحاث، كانت في زمن ريغان أقرب إلى المحافظة التقليدية، أما اليوم فقد أصبحت تحمل كثيرًا من أفكار اليمين الجديد.

ومشروع 2025 خير دليل ويكاد يكون يُنفذ حرفيا، وهو المشروع الذي نشرته المؤسسة في 2022 ويضع أجندة حكم يمينية متطرفة تُنظمها مؤسسة التراث.

يقدم المشروع مخططًا لإعادة تشكيل الحكومة الفيدرالية، حيث ترتكز المبادرة على ثلاثة محاور رئيسة:

أولًا- دليل العمل: تفويض للقيادة يُفصِّل أهداف السياسة المحافظة.

ثانيا- قاعدة بيانات الموظفين: نظام خاص لاستبدال موالين أيديولوجيًّا بعشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية الفيدرالية.

ثالثًا- التدريب: خطة انتقالية غير منشورة مدتها 180 يومًا للمعينين السياسيين الجدد.

الخطاب الترامبي المتشدد ينطلق غالبًا من احتفالية القوة: إظهار القدرة يُنتج الاحترام، والإكراه يُنتج السلام، والخصوم والحلفاء لا يستجيبون إلا للضغط

تشمل الأهداف الرئيسة أيضًا تقييد حقوق الإجهاض، وتفكيك وزارة التعليم، وتأمين الحدود، والرقابة الصارمة على قضايا النوع الاجتماعي والجنسي، ومعارضة منظمات مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ومنظمة “ديمقراطية إلى الأمام”. من يتأمل تفاصيل هذا المشروع ويقارنه بسياسات إدارة ترامب الثانية، يرى مدى التطابق الهائل.

التي تم تأسيسها عام 1844 وتعرف نفسها بصفتها مؤسسة مسيحية غير طائفية، تحافظ على تعاليم وممارسات الإيمان المسيحي العريقة قولًا وفعلًا.

وتعتبر الكلية نفسها أيضًا أمينة على التراث الفلسفي واللاهوتي الغربي المتجذر في أثينا والقدس، وهو تراث يجد أوضح تعبيراته في التجربة الأمريكية للحكم الذاتي في ظل القانون. هذه المؤسسة أقل ظهورًا إعلاميًّا، لكن تأثيرها كبير، خصوصًا في التعليم والهوية الأمريكية وقراءة الآباء المؤسسين.

هذه ربما تكون جهات التأثير الحالية على الترامبية، وقد يصعب ترتيبها من حيث التأثير، وإن كان لابد، فمن بين جميع الأسماء المحيطة بترامب، قد يحتل بيتر ثيل مكانة خاصة. ليس لأنه يدير السياسة اليومية، بل لأنه يمثل أحد أهم العقول التي أعادت صياغة الأسئلة نفسها.

ثيل لا يبدأ من الاقتصاد ولا من الانتخابات، بل من سؤال أعمق: لماذا توقفت الحضارة الغربية عن إنتاج الطفرات الكبرى؟ ولماذا أصبحت المؤسسات أكثر اهتمامًا بالحفاظ على نفسها من تحقيق الإنجاز؟

ولذلك فإن نقده موجه إلى الجامعات، والبيروقراطيات، والإعلام، بل وإلى الديمقراطية الجماهيرية (أو الشعبوية) عندما تتحول إلى آلية تمنع اتخاذ القرارات الكبيرة. إنه يفكر في أزمة الحضارة الغربية أكثر مما يفكر في أزمة الحزب الجمهوري.

يرى ترامب أن العالم ساحة تنافس بين إرادات قومية، وأن المؤسسات واجهات للقوة، وأن الضعف الأخلاقي والمؤسسي أخطر من الإفراط في القوة

ومن هذا العالم خرج جي دي فانس. وفانس ليس مجرد سياسي صعد بدعم ثيل، بل هو أول من نجح في ترجمة كثير من هذه الأسئلة الفلسفية إلى خطاب انتخابي. فهو لا يرى أن المشكلة الأساسية هي الصين أو الهجرة وحدهما، وإنما يرى أن العولمة مزقت البنية الاجتماعية الأمريكية نفسها؛ الأسرة، والمدينة الصناعية، والطبقة العاملة، والشعور بالانتماء. ولهذا فإن الدولة عنده لا ينبغي أن تكون مجرد حارس للأسواق، بل أداة لإعادة بناء الأمة. وهنا يختلف جذريًّا عن المحافظين التقليديين الذين كانوا ينادون دائمًا بدولة أصغر، وقد يختلف عن ثيل نفسه في ذلك.

مسألة أخيرة مهمة، يمكننا تجاوز سؤال “من يؤثر في ترامب؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تتغير النخب الحاكمة في الإمبراطوريات؟

 وهذا سؤال يكاد يكون خالدًا؛ فقد طرحه ابن خلدون بصيغة تداول العصبية والدولة، وطرحه جيمس برنهام بصيغة انتقال السلطة إلى المديرين، ويعاد طرحه اليوم في الولايات المتحدة بصيغة انتقال مركز الثقل من البيروقراطية الليبرالية إلى ائتلاف يجمع الشعبوية، ورأس المال التقني، والقومية، والإعلام البديل.

ربما لا يمكن فهم الترامبية من خلال “الواقعية السياسية” وحدها، ولا حتى من خلال “القومية”، وإنما من اعتبارها نتاج ثلاثة تيارات اندمجت لأول مرة:

الأول: هو الواقعية الجيوسياسية، التي ترى أن العالم تحكمه موازين القوى لا المثاليات.

الثاني: هو القومية الحضارية، التي تعتبر أن الغرب ليس مجرد منظومة قانونية، بل حضارة مهددة من الداخل والخارج، وأن الدولة يجب أن تحمي هذه الحضارة قبل أن تحمي النظام الدولي.

والثالث: هو النقد الحادُّ للدولة الليبرالية الحديثة، الذي يرى أن المؤسسات البيروقراطية، والقضاء، والإعلام، والجامعات، والمنظمات فوق القومية، لم تعد أدوات محايدة، بل أصبحت طبقة حاكمة مستقلة يجب إخضاعها أو إعادة بنائها.

هذه العناصر طبعًا كانت موجودة متفرقة منذ عقود، لكن إدارة ترامب الثانية تمثل أول تجمع لها داخل السلطة التنفيذية الأمريكية بهذا القدر من الانسجام. ربما تحتاج هذه التوليفة لمصطلح جديد خاص. من ناحية أخرى فإن هذه التوليفة المتنوعة تحمل في طياتها أيضًا بذور ضعفها وإمكانية تفككها في حالة تضارب مصالح وطموحات أطرافها.

هناك مفهوم قد يكون المفتاح لفهم تشكيلة الترامبية، وهو مفهوم “السيادة ” (Sovereignty)، ليس بمعناه القانوني التقليدي، بل بمعناه الذي عاد بقوة في الفكر المحافظ الجديد أمام سؤال: من يملك القرار النهائي عندما تتعارض القواعد، والمؤسسات، والتحالفات، والانتخابات، والمصالح الاقتصادية، مع ما تعتبره الدولة مصلحتها الوجودية؟

إذا أردنا أن نفهم ترامب، وبانون وفانس، وثيل، وهيجسيث، وكثيرًا من اليمين الأمريكي الجديد، فإن كلمة “الواقعية” وحدها ربما لا تكفي. الكلمة التي تتكرر بدرجات مختلفة في خلفية معظم هذه المشاريع هي: استعادة السيادة (Sovereignty)؛ سيادة الدولة على الاقتصاد، وعلى الحدود، وعلى البيروقراطية، وعلى التحالفات، بل وحتى على النظام الدولي نفسه.

ثم هل تؤمن الترامبية بالديمقراطية؟ والأهم: ما رؤيتها الكاملة للعالم؟

نحتاج نقل الدراسة هنا من مجرد مستوى وصف السياسات إلى مستوى تفسيرها؛ فكثير من الكتابات عن الترامبية تبدأ من مواقفها العملية المثيرة والصاخبة؛ كالهجرة، والرسوم الجمركية، والصين، وأوروبا، وغزة، ثم تحاول أن تستنتج منها فلسفة عامة. لكن لعل الأصوب هنا البدء من الرؤية الفكرية التي أنتجت هذه السياسات؛ فالأفكار الكبرى هي التي تصنع السياسات، لا العكس. ومن هنا فإن مناقشة موقف الترامبية من الديمقراطية، ثم من العالم، ليست سؤالًا إضافيًّا، بل هي المدخل الطبيعي لفهم الظاهرة.

أي دولة عربية منفردة ستظل أضعف تفاوضيًّا من الولايات المتحدة، مهما بلغت ثروتها

بدايةً ينبغي ألا يدور النقاش حول سؤال شائع من قبيل: “هل ترامب ديمقراطي أم غير ديمقراطي؟“، لأن هذا السؤال غالبًا ما يقود إلى سجال سياسي أكثر منه تحليلًا علميًّا. والأهم منه هو سؤال: ما المقصود بالديمقراطية في الفكر الترامبي؟

 فالديمقراطية، في التصور الليبرالي الذي حكم الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ليست مجرد انتخابات دورية، وإنما منظومة متكاملة تضم الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحياد الخدمة المدنية، وحرية الإعلام، والضمانات الدستورية، وحقوق الأقليات، والمؤسسات الرقابية.

أما الترامبية، فلا تعلن رفضها للديمقراطية من حيث المبدأ، لكنها تعيد تعريفها بصورة مختلفة؛ إذ تنطلق من أن الإرادة الشعبية المنتخبة أصبحت مقيدة بشبكة واسعة من المؤسسات البيروقراطية والقضائية والإعلامية والأكاديمية، حتى باتت الانتخابات، في نظر كثير من أنصارها، عاجزة عن إحداث التغيير الذي صوَّت له المواطنون؛ ومن هنا فإن الصراع الحقيقي، في نظرهم، ليس بين الديمقراطية والاستبداد، وإنما بين الإرادة الشعبية من جهة، والدولة الإدارية والمؤسسات الدائمة (أو الدولة العميقة) من جهة أخرى.

وهذا يعيدنا إلى أحد الأسئلة المركزية في الفكر السياسي الحديث، ويدندن حوله الترامبيون طويلًا: مَن يملك السيادة الحقيقية؟ أهو الشعب الذي ينتخب؟ أم المؤسسات التي تستمر بغض النظر عن نتائج الانتخابات؟!

 وهنا تظهر أهمية مفكرين مثل جيمس برنهام وحتى كيرتس يارفين، كما يصبح استدعاء كارل شميت مطلوبًا للفهم، ليس باعتباره مصدرًا مباشرًا للترامبية، بل لأنه ناقش بإلحاح مسألة السيادة والقرار النهائي عندما تتعارض القواعد والمؤسسات مع ما تعتبره السلطة مصلحة وجودية للدولة.

ومن ثم فإن دراسة موقف الترامبية من الديمقراطية لا ينبغي أن تقتصر على توصيف سلوكها السياسي، بل ينبغي أن تكشف عن تصورها البديل لطبيعة الدولة والشرعية والسيادة.

لذلك فإن السؤال الأخطر، والأكثر تفسيرًا لسياسات الترامبية، هو سؤال “نظرتها إلى العالم“. فالتغير الحقيقي لا يكمن في بعض القرارات أو التصريحات، وإنما في تبدل الصورة الذهنية التي تنظر من خلالها إلى النظام الدولي.

فالليبرالية الأمريكية بعد عام 1945 قامت على افتراض أن العالم يمكن تنظيمه من خلال مؤسسات وقواعد وتحالفات دائمة، وأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يعزز الاستقرار، وأن القانون الدولي، رغم قصوره، يمثل إطارًا عامًا لإدارة العلاقات بين الدول.

أما الترامبية، فتبدو أقرب إلى تصور مختلف؛ ترى فيه أن العالم ليس مجتمعًا دوليًا بقدر ما هو ساحة تنافس بين دول تسعى إلى تعظيم مصالحها، وأن التحالفات ليست التزامات أخلاقية دائمة، بل ترتيبات قابلة لتمزيقها وإلغائها لإعادة التفاوض، وأن التجارة قد تكون أداة للنفوذ بقدر ما هي وسيلة للتبادل، وأن المؤسسات الدولية ليست مرجعية عليا البتة، وإنما انعكاس لموازين القوى القائمة.

ومن هنا، فإن وصف الترامبية بالواقعية السياسية، وإن كان صحيحًا من زاوية معينة محدودة، لا يبدو كافيًا لتفسيرها.

فالواقعية الكلاسيكية، عند مورغنثاو أو كيسنجر، كانت تهدف إلى إدارة النظام الدولي من خلال توازن القوى والمحافظة على قدر من الاستقرار.

أما الترامبية، فيبدو أنها تميل أحيانًا إلى إعادة تعريف قواعد هذا النظام نفسه، لا مجرد العمل داخله. وهذا فارق بالغ الأهمية؛ لأن الدولة التي تسعى إلى إدارة النظام تختلف عن الدولة التي ترى أن النظام القائم أصبح عبئًا عليها، وأن من حقها إعادة صياغته بما يتفق مع مصالحها المباشرة.

ويبدو أن هذا التحول يرتبط أيضًا بتغير أعمق في تصور الزمن السياسي.

فقد كانت المدرسة الليبرالية الأمريكية تفكر بمنطق طويل الأمد، يركز على استدامة التحالفات، وبناء المؤسسات، والمحافظة على النظام الدولي لعقود متتالية.

أما الخطاب الترامبي، فيميل إلى التركيز على النتائج المباشرة، والصفقات السريعة، والعائد القريب، وإظهار القوة بوصفه وسيلة لتحقيق مكاسب آنية. وهذا لا يعني طبعًا غياب الرؤية الاستراتيجية، لكنه يشير إلى اختلاف في تصور الزمن الذي ينبغي أن تُقاس به نجاحات السياسة الخارجية.

حول مفهوم الديمقراطية، تثور أسئلة كثيرة في الجدل السياسي الأمريكي من قبيل: كيف يمكن تسكين تشكيك ترامب الدائم في نزاهة الانتخابات، وتصريحه المتكرر قبل انتخابات 2016 أنه لن يعترف بنتائجها إذا خسرها! بل وتصريح إيلون ماسك الفج قبل انتخابات 2024 أنها ستكون انتخابات أمريكا الأخيرة إذا خسرها ترامب!، ويعتبرون كل هذا يعزز آفاق العنف السياسي.

إذا أضفنا إلى هذا نظرة بعض الترامبيين (مثل هيجسيث) لخصومهم الديمقراطيين أنهم عدو لا خصم، كيف يمكن تسكين كل هذا في فهمهم للديمقراطية؟

حين يكرر ترامب منذ عام 2016، ثم بصورة أشد بعد انتخابات 2020، أن الانتخابات قد تكون مزورة، وأن الدولة الإدارية، والقضاء، والإعلام، وشركات التقنية، كلها تعمل ضده، فهو لا يطعن فقط في إجراءات عملية انتخابية معينة، بل يطعن في الوسيط الذي يمنح الشرعية للنظام السياسي الأمريكي!

وفي العلاقة مع واشنطن تحديدًا، ينبغي أن تنتقل الدول العربية من موقع «الحليف الطالب للحماية» إلى موقع الشريك الذي يملك أصولًا لا يمكن الاستغناء عنها

ففي الديمقراطية الليبرالية التقليدية، لا تُشتق الشرعية من مجرد فوز المرشح، وإنما من الثقة المشتركة في نزاهة الإجراءات والمؤسسات. أما إذا اقتنع قطاع واسع من المواطنين بأن هذه المؤسسات نفسها منحازة، فإن الانتخابات تتحول من كونها مصدرًا لحسم الخلاف إلى مجرد محطة في صراع أكبر على من يملك السلطة الحقيقية.

الترامبية لا تقول عادة: “إذا خسرنا فسنرفض الديمقراطية”، بل تقول: “إذا خسرنا بسبب مؤسسات مُختطَفة، فإن ما خسرناه ليس انتخابات، بل الديمقراطية نفسها.” وهذا فارق دقيق، لكنه جوهري. فالترامبي يرى نفسه مدافعًا عن الديمقراطية ضد من يعتقد أنهم صادروا معناها، بينما يرى خصومه أنه يقوض الديمقراطية من أساسها.

لهذا فإن مفتاح فهم هذه الظاهرة هو الانتقال من سؤال “هل يقبلون نتائج الانتخابات؟” إلى سؤال أعمق: “ما الذي يمنح الانتخابات شرعيتها في نظرهم؟”

فإذا كانت الشرعية في الفكر الليبرالي تأتي من نزاهة الإجراءات واستقلال المؤسسات، فإن جزءًا من الفكر الترامبي يميل إلى اعتبار الشرعية نابعة أولًا من الإرادة الشعبية المباشرة، وأن المؤسسات لا تكون شرعية إلا بقدر تعبيرها عن تلك الإرادة. فإذا بدا أنها أصبحت مستقلة عنها أو معطلة لها، فإن شرعيتها نفسها تصبح موضع شك. وهذا يفسر لغة الاستهزاء والسخرية التي يتكلم بها ترامب كثيرًا عن بعض قضاة الولايات أو مسئولي الانتخابات فيها.

هنا تظهر أيضا عبارة إيلون ماسك، والتي قال فيها إن انتخابات 2024 قد تكون “آخر انتخابات” إذا خسر ترامب. هذه العبارة لا ينبغي قراءتها بوصفها تنبؤًا تقنيًّا بانتهاء الانتخابات، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن تصور جريء أن الهزيمة لن تكون تداولًا عاديًّا للسلطة، بل نقطة تحول تجعل النظام غير قابل للإصلاح من الداخل. إنها لغة وجودية أو صفرية، لا لغة تنافس انتخابي اعتيادي. ولذلك فإنها تعبِّر عن فقدان الثقة في قدرة المؤسسات على تصحيح نفسها، أكثر مما تعبِّر عن رفض الانتخابات من حيث المبدأ!

لذلك فإن لغة بيت هيجسيث (ولننظر مراجعة مركز رؤيا لكتابه: الحملة الصليبية الأمريكية[2])، وهي من أخطر التحولات الفكرية بالفعل. ففي الديمقراطية الليبرالية، يُفترض أن المنافس السياسي هو خصم، أي شريك في النظام نفسه، يختلف معك في السياسات، لكنه يتمتع بالشرعية ذاتها. أما إذا تحول إلى عدو، فإن طبيعة النظام السياسي تتغير. فالعدو لا يُهزم في الانتخابات فقط، بل يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لوجود الجماعة السياسية نفسها. وهنا يصبح من السهل تسويغ العنف السياسي، لأن منطق التعامل مع العدو يختلف جذريًّا عن منطق التعامل مع الخصم!

وهذا التحول ليس خاصًّا بالترامبية وحدها، وإن كان أكثر وضوحًا فيها. فالولايات المتحدة تشهد خلال العقد الأخير تصاعدًا في خطاب متبادل يصور الطرف الآخر على أنه خطر وجودي على الأمة أو الديمقراطية. الديمقراطيون تحدثوا كثيرًا عن أن ترامب يمثل خطرًا على الديمقراطية الأمريكية، بينما تحدث قطاع واسع من الترامبيين عن أن الحزب الديمقراطي أصبح أداة لتدمير الهوية الأمريكية وإخضاع البلاد لطبقة بيروقراطية وثقافية معادية للشعب. والنتيجة أن السياسة أخذت تتحول من تنافس داخل نظام مشترك إلى صراع على تعريف النظام نفسه!

إعادة التموضع ليست في حقيقتها سياسة خارجية فقط، بل مشروع لبناء الدولة والاقتصاد والقدرة على الصمود

وهنا يصبح استدعاء كارل شميت مفيدًا للغاية، ولكن بحذر شديد؛ فشميت لم يقل إن كل خصم سياسي يجب أن يصبح عدوًّا، وإنما بنى نظريته على أن السياسة تبلغ ذروتها عندما يُعرَّف العدو بوصفه تهديدًا وجوديًّا.

واللافت أن كثيرًا من مفردات الخطاب الأمريكي اليوم، لدى اليمين واليسار معًا، أصبحت أقرب إلى هذا التصور من اللغة الليبرالية التقليدية. وهذا لا يعني أن الترامبية “شميتية”، لكنه يعني أن الفضاء السياسي الأمريكي نفسه أصبح أكثر قابلية لاستقبال مفاهيم شميت عن الصراع والقرار والسيادة.

إن أخطر ما في الترامبية ليس تشكيكها في انتخابات بعينها، بل أنها تميل إلى إعادة تعريف الديمقراطية نفسها؛ فالديمقراطية، في التصور الليبرالي، هي منظومة مؤسسات وإجراءات تضمن تداول السلطة حتى بين أطراف لا يثق بعضها ببعض. أما في جزء من الخطاب الترامبي، فإن الديمقراطية تُفهم بصورة أقرب إلى التعبير المباشر عن إرادة الشعب الحقيقي، بينما تُنظر إلى المؤسسات بوصفها وسائل، لا غايات. فإذا تعارضت مع هذه الإرادة، فإنها تفقد جزءًا من مشروعيتها.

من الإنصاف هنا التحذير من تصوير هذا التشكيك أنه نشأ من فراغ أو من نزعة سلطوية مجردة. فقد سبقه، خلال العقدين الأخيرين، تراجع واسع في الثقة بالمؤسسات الأمريكية، شمل الإعلام، والكونغرس، والمحاكم، والجامعات، والشركات التقنية، والأجهزة الحكومية، وحتى أصبح الكونغرس مادة سخرية دائمة في البرامج الكوميدية الشهيرة.

هذا التراجع لم يصنعه ترامب وحده، لكنه استفاد منه وعمَّقه. ولذلك فإن الترامبية يمكن فهمها، جزئيًّا، بوصفها استجابة راديكالية لأزمة ثقة سبقتها، لا مجرد سبب لهذه الأزمة.

عل كل حال، إذا فقدت الانتخابات دورها بوصفها آلية يتفق الجميع على نتائجها، وإذا تحول الخصم السياسي إلى عدوٍّ وجوديٍّ، فإن النظام الديمقراطي يفقد أهم آليتين لاستقراره: الثقة في التداول السلمي للسلطة، والاعتراف المتبادل بشرعية المنافس!

 وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: “من سيفوز في الانتخابات؟”، بل يصبح: “هل ما زال الجميع يؤمن بأن الانتخابات هي الوسيلة النهائية لحسم النزاع؟

المشكلة إذن ليست أن الترامبية تنتقد الديمقراطية الليبرالية؛ فهذا عمومًا أمر مشروع فكريًّا، وقد فعله كثير من المفكرين قبل ذلك. وإنما المشكلة الآن تكمن في أن التنافس السياسي قد يتحول إلى تنافس على شرعية النظام نفسه! وعندما يعتقد كل معسكر أن فوز الآخر يعني نهاية الديمقراطية أو نهاية الأمة، فإن الانتخابات تتوقف عن كونها آلية لتنظيم الاختلاف، وتصبح معركة وجودية. والتاريخ السياسي يعلمنا أن الديمقراطيات لا تنهار غالبًا عندما يختلف الناس حول السياسات، بل عندما يتوقفون عن الاعتقاد بأن خصومهم يملكون الحق في أن يحكموا إذا فازوا وفق قواعد متفق عليها.

سؤال الديمقراطية إذن ليس مجرد مناقشة سلوك سياسي، وإنما يفضي إلى تحليل نظرية ضمنية في الشرعية والسيادة.

هذه النقطة قد تقودنا إلى سؤال أعمق: هل نحن أمام نهاية الليبرالية الدولية التي حكمت الغرب منذ 1945، أم أمام محاولة لإعادة تأسيسها على أسس قومية وحضارية جديدة؟ هذا هو السؤال الفكري الحقيقي الذي ربما ستدور حوله معظم تطورات السنوات القادمة.

الإجابة القصيرة المباشرة: لأن الخطاب الأمريكي بعد الحرب الباردة كان مختلفًا بين 1991 و2020!

 كان الخطاب الرسمي يقول: الديمقراطية، حقوق الإنسان، النظام الدولي، الشرعية الدولية، حرية الملاحة، القانون الدولي.. إلخ، لكن كثيرًا من الواقعيين كانوا يرون أن هذه مجرد لغة تسويغية، بينما بقيت القوة هي المحرك الحقيقي.

ترامب لم يخترع الواقعية، إنما فعل شيئًا مختلفًا. أزال ترامب الغطاء الأخلاقي عن السياسة الخارجية، فبدل أن يقول: “نقوم بهذا دفاعًا عن الديمقراطية”، فإنه يقول: “نقوم به لأنه يخدم مصالح أمريكا.”

وبدل: “القانون الدولي”، أصبح الحديث عن: “القوة”.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن إدارة ترامب تمثل انتقالًا من الليبرالية الدولية إلى الواقعية الصريحة.

1. صعود الصين.

2. عودة روسيا كقوة عسكرية.

3. تراجع فعالية المؤسسات الدولية.

4. تعثر مجلس الأمن بسبب الفيتو.

5. الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط التي أبرزت حدود قدرة القانون الدولي على منع استخدام القوة.

كل ذلك عزز لدى كثير من الأمريكيين الاعتقاد بأن العالم عاد إلى سياسات القوى الكبرى (Great Power Politics).

لكن هناك نقطة مهمة، حتى الترامبية يعتقدون عمليًّا أن الواقع أكثر تعقيدًا من مجرد القوة العسكرية، وأنها برغم كونها تحدد كثيرًا من النتائج، لكن الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات، والرأي العام، والعقوبات، والمؤسسات الدولية، والقانون الدولي، كلها تؤثر أيضًا في سلوك الدول.

ولهذا فإن كثيرًا من الباحثين اليوم يتحدثون عن عودة الواقعية، لكن ليس بمعنى اختفاء القانون الدولي، بل بمعنى تراجع مكانته النسبية أمام اعتبارات القوة في أوقات الأزمات الكبرى.

إذن ما يسميه بعض مسؤولي إدارة ترامب “القوانين الحديدية” ليس نظرية جديدة، وإنما الانتقال من تسويغ السياسات بلغة القيم والقانون إلى التصريح بأن القوة هي الأساس الحاكم للعلاقات الدولية، وهو تحول في الخطاب يعكس، في نظر أنصاره، واقع التنافس بين القوى الكبرى!

 بينما يرى منتقدوه أنه قد يضعف شرعية النظام الدولي ويزيد من منطق الصراع على حساب التعاون.

لذلك يتصاعد الحديث الإعلامي في أمريكا الآن عن الواقعية الجادة، وينفي أن القوة لا حدود لها، بل يقول إن القوة نفسها محدودة، وإن تجاهُل حدودها يؤدي إلى «التمدد الإمبراطوري» ثم الاستنزاف والارتداد.

لذلك يبدو أن الوصف الأدق لما يجري في عهد ترامب الثاني ليس مجرد «عودة الواقعية»، بل انتقال من الواقعية بوصفها حسابًا للمصلحة والقدرة والعواقب إلى تصور آخر يمكن تسميته: القومية الإمبراطورية المعاملاتية، أو سياسة القوة المتحررة من القيود الليبرالية.

الواقعي التقليدي يسأل: هل تؤدي هذه الحرب أو العملية إلى تعزيز أمن الدولة أم إلى استنزافها؟ أما هذا التصور فيميل إلى سؤال مختلف: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل ذلك؟ وهل يمكنها تحويل تفوقها العسكري والمالي إلى مكسب مباشر وملموس؟

 الفارق هنا جوهري؛ لأن القدرة على الفعل تتحول تدريجيًّا من عنصر في الحساب إلى مصدر ضمني للشرعية. مكمن الخطورة في هذا التحول أنه لا يتحمل تصحيح الخطأ والعودة إلى الوراء لأنه أشبه بالرهان باتجاه واحد. فإذا لم ينجح فستعني ارتداداته سقوط القوة الناعمة والهيبة الخشنة ومعها التكلفة الاقتصادية الضخمة في عالم الأزمات المالية والتضخمات والتنافس مع الصين وغيرها. أي أن   “تسييل القوة الكامنة ببذلها” أو “تكييشها كغنائم فورية” لها تبعات كبيرة على رأس مال كيان الدولة الذي تمثله صلابة الدولة المؤسساتية وعلاقاتها وتحالفاتها وروادعها التاريخية لا سيما بعد الحرب العالمية كالناتو والمنظمات العالمية. ويأتي في هذا السياق في تسييل القوة الناعمة الموقف من تفكيك اليو إس إيد (USAID).

ويتضح هذا الفارق في الحالة الفنزويلية؛ فعملية القبض على نيكولاس مادورو في مطلع يناير 2026، ونقله إلى الولايات المتحدة، ثم حديث ترامب عن إدارة المرحلة اللاحقة والتحكم في مبيعات النفط الفنزويلي، لا يمكن تفسيرها فقط بمنطق الردع أو توازن القوى!

إنها تحمل تصورًا أقدم وأشدَّ خشونة: أن القوة الكبرى تملك حق التدخل المباشر في مجالها الجغرافي، وإعادة تشكيل السلطة السياسية، والتصرف في الموارد الاستراتيجية للدولة الأضعف.

 وقد لاحظ مجلس العلاقات الخارجية بعد نحو شهر من العملية أن الخطة السياسية لمرحلة ما بعد مادورو ظلت غامضة، بينما بدا هدف التحكم في مبيعات النفط أوضح من التصور المؤسسي لمستقبل فنزويلا!

وهذا يرجح أن العملية لم تكن ثمرة «استراتيجية واقعية» متكاملة بقدر ما كانت مزيجًا من الهيمنة الإقليمية، والاستعراض العسكري، والاستحواذ على ورقة اقتصادية[3].

إن أقرب أصل تاريخي لهذا التوجه داخل التجربة الأمريكية ليس الواقعية الأوروبية الكلاسيكية وحدها، بل الجاكسونية الأمريكية. فالتيار الجاكسوني، المنسوب إلى أندرو جاكسون[4] الذي يعلق ترامب صورته خلف مكتبه، يجمع بين الشك في المؤسسات والنخب، والعداء للالتزامات الخارجية التي لا تقدم عائدًا مباشرًا، والاستعداد لاستخدام قوة ساحقة حين تُمس السيادة أو الكرامة القومية، والنظر إلى السياسة باعتبارها صراعًا بين «الشعب الحقيقي» وخصومه الداخليين والخارجيين.

وقد ربط عدد من الباحثين منذ ولاية ترامب الأولى بين «أمريكا أولًا» وهذا التقليد، لأن ترامب لا يؤمن برسالة أمريكية كونية تُلزم واشنطن بنشر نظام قانوني عالمي، بقدر ما يؤمن بأمة قوية يجب أن تُهاب وأن تحصل على المقابل المباشر لقوتها.

تجربة أخرى يُشار إليها بشكل مشابه، وهي فترة حكم فرانكلين روزفلت (1933-1945) التي تصرف في رئاسته الطويلة كرئيس تنفيذي، وقد حاز احترام الديمقراطيين والجمهوريين على السواء (ربما باستثناء قلة من الجمهوريين اليمينيين)، ودعموا طريقته التي أدار بها برنامج “الصفقة الجديدة” كما لو كان شركة ناشئة.

غير أن عهد ترامب الثاني أضاف إلى الجاكسونية عنصرًا آخر أكثر خطورة، وهو ما يمكن تسميته النزعة القرارّية )أو Decisionism) ومعناها أن الحاكم القوي يثبت شرعيته بقدرته على اتخاذ القرار وكسر الجمود، لا بقدر التزام القرار بالقواعد والإجراءات والمؤسسات.

هنا تقترب بعض ملامح الترامبية، دون القول بوجود تبنٍّ فلسفي مباشر، من أفكار كارل شميت: السيادة تظهر في القدرة على تقرير حالة الاستثناء، والتمييز الحاسم بين الصديق والعدو، وتجاوز القاعدة حين يقرر الحاكم أن بقاء الجماعة السياسية يتطلب ذلك.

وقد تناول باحثون هذا التشابه في تفسير تصور ترامب لعالم مقسم إلى قوى كبرى ومجالات نفوذ، حيث تصبح المؤسسات الليبرالية عائقًا أمام الإرادة السيادية بدل أن تكون إطارًا مشروعًا لها[5].

وهذا يساعد على تفسير عبارة ستيفن ميلر السابقة عن أن العالم تحكمه القوة والسلطة. فهذه العبارة لا تكتفي بوصف جانب من الواقع الدولي، بل تؤدي وظيفة أيديولوجية: تطبيع الانفلات من القيود!

 هناك فرق بين أن تقول إن القوة تؤثر في تطبيق القانون، وبين أن تستنتج أن القوة هي القانون النهائي؛ الأول تشخيص واقعي، والثاني انتقال إلى مذهب سلطوي أو إمبراطوري.

وبمجرد قبول الفرضية الثانية، يصبح اختطاف رئيس دولة، أو قصف زوارق في المحيط بادعاء أنها تحمل مهربي مخدرات، أو التهديد بالاستيلاء على أرض حليف، أو التحكم في نفط دولة أضعف، أمورًا لا تحتاج إلى تسويغ قانوني كامل؛ يكفي أن تُقدَّم باعتبارها إثباتًا للإرادة والقوة والقدرة الأمريكية! وهذا عموما ليس جديدًا في القوانين الأمريكية وقد تجلى في حرب العراق. إن في الخلفية المعرفية والقانونية هناك دومًا نظرة قانونية برغماتية فلسفية انتقلت لأمريكا من لدن هوبز وجون لوك وآخرين تقوم على أن “ما هو كائن” أي الأمر الواقع بما فيه، له اعتبار كبير أمام “ما يجب أن يكون”.

أما متى بدأت الولايات المتحدة الوصول إلى هذا الوضع الجديد، فلا توجد لحظة واحدة، بل ربما مسار طويل تراكمت فيه أزمات عدة. بدأ التشقق العميق بعد نهاية الحرب الباردة، حين تحولت أمريكا من قائد لنظام يقوم على تحالف غربي في مواجهة منافس سوفيتي إلى قوة أحادية تميل إلى اعتبار مؤسسات النظام أدوات يمكن استخدامها أو تجاوزها!

ثم جاءت مأساة حرب العراق سنة 2003 لتكشف أن الخطاب عن الديمقراطية والقانون يمكن أن يُستخدم لتسويغ حرب لا تحظى بشرعية دولية كافية. غير أن المؤسسة الأمريكية يومها كانت لا تزال تشعر بالحاجة إلى التسويغ الأخلاقي والقانوني؛ أي إن القوة كانت تعمل داخل خطاب ليبرالي، حتى عندما خالفته في الممارسة.

ثم جاءت الأزمة المالية سنة 2008 لتضرب الثقة بالنخب التي أدارت العولمة، وتزامن ذلك مع صعود الصين، وتراجع القاعدة الصناعية في مناطق أمريكية واسعة، وطول حربي العراق وأفغانستان، والشعور بأن الولايات المتحدة دفعت تكلفة النظام بينما استفاد منه منافسوها (خاصة الصين) وحلفاؤها. عند هذه النقطة تحول السخط من سياسات بعينها إلى رفض للنظام السياسي والفكري الذي أنتجها. لم يعد السؤال فقط: هل كانت حرب العراق خطأ؟ بل أصبح: هل كانت المؤسسة التي تحدثت عن النظام الدولي والتحالفات والديمقراطية تخدع الشعب الأمريكي وتضحي بمصالحه؟

جاء ترامب سنة 2016 ليجمع هذه الاعتراضات المتفرقة في سردية واحدة: النخب خانت البلاد، الحلفاء يستغلونها، الصين سرقت صناعتها، المؤسسات الدولية قيدتها، والمهاجرون أضعفوا هويتها، والحروب الخارجية بددت قوتها. لكن ولايته الأولى ظلت مقيدة نسبيًّا بوزراء ومستشارين ومؤسسات ينتمون إلى التقليد الجمهوري الأطلسي القديم. كثيرون منهم كانوا يؤمنون بالناتو، وبالدور العالمي الأمريكي، وبضرورة المحافظة على شيء من المسافة بين رغبات الرئيس وأجهزة الدولة. والنقطة الأهم أن الجهاز البيروقراطي كان ينتمي بالكامل لتلك المنظومة التقليدية.

التحول الحاسم وقع بين نهاية الولاية الأولى وبداية الثانية. فقد خرج التيار الترامبي من تجربة 2017–2021 باستنتاج أن مشكلته لم تكن غياب الأفكار، بل عدم امتلاكه جهازًا إداريًّا وعقائديًّا قادرًا على تنفيذها. ولهذا ظهرت مشروعات إعداد الكوادر، وإعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وتوسيع قدرة الرئيس على إقالة الموظفين، واختيار أشخاص تكون الأولوية لديهم للولاء للمشروع لا للاستمرارية المؤسسية.

وقد صُمم «مشروع 2025» تحديدًا لإعداد السياسات والأشخاص قبل العودة إلى الحكم، مع التركيز على إخضاع الجهاز التنفيذي بصورة أكثر إحكامًا للرئيس. وهكذا دخل ترامب ولايته الثانية لا بوصفه شعبويًّا يصطدم بمؤسسات متماسكة فحسب، بل ومعه شبكة فكرية وإدارية تعلمت من عوائق الولاية الأولى[6].

لذلك فإن ما تغير في الولاية الثانية ليس شخصية ترامب وحدها؛ بل العلاقة بين الشخصية والدولة:

 في الولاية الأولى كان ترامب يحاول تغيير السياسة من داخل جهاز لا يشاطره كثيرًا من افتراضاته.

أما في الثانية فقد أصبح جزء أكبر من الجهاز نفسه مُشكَّلًا على أساس افتراضات «أمريكا أولًا»، والسيادة التنفيذية، والقومية الاقتصادية، والشك في المؤسسات فوق القومية. ولهذا تبدو السياسات أكثر اتساقًا في اتجاهها، حتى لو بقي صنع القرار الشخصي لترامب متقلبًا أو تبدو عليه الحماقة!

أما أوروبا، فالمسألة أعمق من مجرد مطالبتها بزيادة الإنفاق الدفاعي. لو كان الخلاف ماليًّا وأمنيًّا فقط، لبقي داخل التقليد الأطلسي القديم. لكن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 – وهذا أمر عجيب جدًّا – انتقلت إلى نقد أوروبا من زاوية هويتها ونظامها السياسي الداخلي؛ إذ اتهمت الاتحاد الأوروبي والهيئات فوق القومية بإضعاف السيادة والحرية، وربطت الهجرة وتراجع المواليد وفقدان الهوية بما وصفته بخطر «المحو الحضاري»!

 وهذا يعني أن إدارة ترامب لا تنظر إلى أوروبا القائمة بوصفها الحليف الحضاري الطبيعي، بل تميز بين أوروبا قومية محافظة تتخيلها وتريد دعمها وبين أوروبا ليبرالية مؤسسية يمثلها الاتحاد الأوروبي والمحاكم والبيروقراطيات العابرة للدول[7]، ولذلك قد يرى ترامب أن بوتين أقرب إليه أيديولوجيًا.

ومن هنا نفهم لماذا لا يشعر التيار الترامبي بأنه يتنكر لأصوله الحضارية حين يهاجم أوروبا. فهو يعتقد، على العكس، أنه يدافع عن «الغرب الحقيقي» ضد المؤسسات الأوروبية المعاصرة (خذ مثلًا حوارات باتريك بيت-ديفيد شائعة الانتشار لترى تكرار هذه النغمة والضغط عليها).

وقد عبَّر مسؤولون أمريكيون في أواخر 2025 عن هذا التصور بوضوح حين وصفوا أمريكا وأوروبا بأنهما شريكتان في الحضارة، لكنهم ربطوا تجديد الشراكة بعودة أوروبا إلى السيادة الوطنية والحقوق الطبيعية والهوية الحضارية. فالصراع في نظرهم ليس بين أمريكا والغرب، بل بين تصورين للغرب: غرب قومي مسيحي محافظ، وغرب ليبرالي تعددي فوق قومي.

لكن هذه الرؤية تُنتج مفارقة كبيرة؛ فالولايات المتحدة أقامت تحالفها مع أوروبا بعد 1945 لا على أساس التشابه الحضاري المجرد، بل على أساس مؤسسات وقواعد والتزامات متبادلة. الاتحاد الأوروبي نفسه، وإن كان منافسًا اقتصاديًّا أحيانًا، ساعد في تكوين فضاء مستقر من الدول الحليفة، والأسواق الغنية، والديمقراطيات المتعاونة.

وعندما يتعامل ترامب مع أوروبا باعتبارها ساحة ينبغي إعادة تشكيل أنظمتها الداخلية ودعم قوى قومية بعينها فيها، فإنه لا يطالب الحليف فقط بتقاسم الأعباء؛ بل ينتقل إلى محاولة إعادة تعريف هوية الحليف السياسية والحضارية!

وهنا يظهر عنصر إضافي ليس من الواقعية التقليدية: الأممية القومية. فالترامبية ترفض الأممية الليبرالية، لكنها لا تنسحب أو لا تنكفئ إلى الداخل، بل تسعى إلى بناء شبكة دولية من الحركات والأحزاب القومية المحافظة المعادية للاتحاد الأوروبي، والهجرة، والليبرالية الاجتماعية، والمحاكم والبيروقراطيات فوق القومية. ولذلك قد يجد التيار الترامبي قربًا أيديولوجيًّا من قادة أو أحزاب في المجر أو سلوفاكيا أو غيرهما أكبر من قربه من حكومات أطلسية تقليدية في ألمانيا أو فرنسا، رغم أن الأخيرة أقرب تاريخيًّا ومؤسسيًّا إلى الولايات المتحدة، بل وحتى في ألمانيا جاهر ترامب بتأييد حزب البديل اليميني المتطرف!

أما نزعة السيطرة على الموارد، مثل النفط الفنزويلي أو المعادن في غرينلاند، فتضيف بعدًا مرْكنتِيليًا – إذا جاز التعبير – إلى المشروع. الميركنتيلية[8] تنظر إلى الثروة والموارد والتجارة لا بوصفها مجالًا لتبادل المنافع فحسب، بل عناصر في القوة القومية يجب أن تسيطر عليها الدولة أو تمنع الخصوم من الوصول إليها. ومن هذه الزاوية تصبح الحدود والسيادة والملكية أقل قداسة عندما تعرقل حصول القوة الكبرى على مورد تعتبره حيويًّا.

وقد ظهر المنطق نفسه في إصرار ترامب المتجدد على أن تكون غرينلاند تحت السيطرة الأمريكية، رغم أن الدنمارك حليف في الناتو وأن الولايات المتحدة تتمتع أصلًا بتعاون عسكري واسع هناك.

هذا كله لا يعني أن ترامب بضحالته وسطحيته يتبع عقيدة فلسفية محكمة كتبها مفكر واحد مثلًا! الترامبية خليط غير متجانس من نزعة جاكسونية شعبوية، وقومية اقتصادية، وميركنتيلية، وإيمان قوي بالسلطة التنفيذية، وعداء للمؤسسات فوق القومية، ونزعة حضارية محافظة، وإعجاب بالقيادة الشخصية الحاسمة، إلى جانب تصور إمبراطوري للمجال الأمريكي في نصف الكرة الغربي. ويضاف إلى ذلك طبع ترامب الشخصي: فهمه للعلاقات بوصفها صفقات، واعتقاده أن التراجع يساوي الضعف، وميله إلى قياس النجاح بما يمكن عرضه سريعًا باعتباره انتصارًا.

ولعل أهم فارق بين هذا المشروع وبين الواقعية عند ثيوسيديديس أو ابن خلدون أو حتى ميرشايمر أن هؤلاء ينطلقون من مأساوية القوة: القوة ضرورية، لكنها تولد الخوف والتحالف المضاد والغطرسة، وقد تفسد صاحبها وتستدعي مقاومته.

أما الخطاب الترامبي المتشدد فينطلق غالبًا من احتفالية القوة: إظهار القدرة يُنتج الاحترام، والإكراه يُنتج السلام، والخصوم والحلفاء لا يستجيبون إلا للضغط.

 الواقعية المأساوية ترى في ميلوس بدايةً من بدايات سقوط أثينا!

 أما الواقعية الاحتفالية فقد ترى فيه دليلًا على عظمة أثينا في اللحظة التي استطاعت فيها فرض إرادتها!

والأرجح أن هذا هو قلب التحول الذي نبحث عنه:

الولايات المتحدة لم تكتشف فجأة أن القوة مؤثرة، فقد عرفت ذلك دائمًا، بل إن تيارًا أصبح حاكمًا فيها بدأ يفقد الإيمان بأن تقييد القوة هو أحد مصادر دوامها.

النظام الأمريكي القديم كان يقوم على أن واشنطن أقوى من حلفائها، لكنها تقيد نفسها بالقواعد لكي تجعلهم يطمئنون إلى قيادتها.

أما التصور الجديد فيرى أن القيود شجعت الآخرين على استغلالها، وأن الهيبة لا تُستعاد إلا بإثبات أن الولايات المتحدة تستطيع خرق التوقعات وفرض الشروط.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية، فقد تنجح سياسة القوة العارية في تحقيق انتصار سريع، وإسقاط حاكم، والسيطرة على مورد، وإرغام حليف على تقديم تنازل. لكنها قد تحول الخوف من القوة الأمريكية إلى دافع دائم للتحوط منها، وتقرب الحلفاء من فكرة الاستقلال الاستراتيجي، وتمنح الخصوم مسوِّغًا لبناء تكتلات مضادة، وتبدد الرأسمال الأخلاقي والمؤسسي الذي راكمته الولايات المتحدة خلال ثمانية عقود. وبذلك قد تحقق الإمبراطورية مكاسب لأنها قوية، ثم تفقد بالتدريج النظام الذي جعل قوتها أقل تكلفة وأكثر قبولًا!

إذن السؤال ليس هل ترامب واقعي أم غير واقعي، بل: أي تصور للواقع يتبناه؟

 إنه يتبنى واقعًا يرى أن العالم ساحة تنافس بين إرادات قومية، وأن المؤسسات واجهات للقوة، وأن الضعف الأخلاقي والمؤسسي أخطر من الإفراط في القوة.

لكن الواقعيين الأكثر عمقًا سيجيبون بأن العالم لا تحكمه القدرة وحدها، بل أيضًا ردود الفعل التي تولدها القدرة؛ وأن القوة التي لا تعرف حدودها قد تتحول من وسيلة لحماية الدولة إلى السبب الذي يجمع الآخرين ضدها.

كشفت الحرب الإيرانية بوضوح فشل النظام العربي، وأنه لا يزال يفتقد ثلاثة مقومات أساسية لأي فاعل إقليمي مؤثر.

أولها: غياب أي تصور استراتيجي عربي مشترك لطبيعة النظام الإقليمي الجديد.

وثانيها: استمرار اعتماد معظم الدول العربية في أمنها على ترتيبات خارجية تختلف من دولة إلى أخرى.

وثالثها: ضعف المؤسسات العربية القادرة على تحويل المصالح المشتركة إلى سياسات جماعية.

نقطة البداية الضرورية هي ألا تُفهم «إمكانية إعادة التموضع» باعتبارها انتقالًا من المعسكر الأمريكي إلى المعسكر الصيني أو الروسي مثلًا؛ لأن العالم الجديد لا يقدم للعرب بديلًا جاهزًا عن الولايات المتحدة. الصين تستطيع أن تكون شريكًا اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا بالغ الأهمية، لكنها لا تزال أقل استعدادًا من واشنطن لتحمل أعباء الأمن الإقليمي، وروسيا أثبتت محدودية قدرتها على توفير ضمانات مستقرة حتى في سوريا بشار الأسد حيث كان لها قاعدة عسكرية كبيرة!

 ومن ثم فإن الخيار الأكثر عقلانية هو الاستقلال الاستراتيجي النسبي: الحفاظ على العلاقة الأمريكية، مع تقليل قدرة أي قوة واحدة على احتكار القرار العربي. وهذا هو الاتجاه الذي بدأت بعض دول الخليج بالفعل في انتهاجه، ولا سيما السعودية التي تسعى إلى الجمع بين الشراكة الأمنية الأمريكية والعلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين والهند وأوروبا من دون اعتبارها بدائل متنافية[9].

لكن هذا الاستقلال لا يتحقق بمجرد تنويع الزيارات الدبلوماسية اللطيفة أو شراء السلاح من مصادر مختلفة. الاستقلال الحقيقي يعني أن تصبح الدولة قادرة على رفض مطلب أمريكي أو صيني أو روسي من دون أن ينهار أمنها أو اقتصادها. وهذا يتطلب بناء قدرة داخلية في الدفاع، والطاقة، والغذاء، والتكنولوجيا، والتمويل، وسلاسل الإمداد.

فالتحوط بين القوى الكبرى قد يمنح هامشًا مؤقتًا، لكنه يبقى هشًّا إذا ظلت كل البنى العسكرية والتقنية والمالية معتمدة على الخارج. ولهذا فإن إعادة التموضع ليست في حقيقتها سياسة خارجية فقط، بل مشروع لبناء الدولة والاقتصاد والقدرة على الصمود.

وفي العلاقة مع واشنطن تحديدًا، ينبغي أن تنتقل الدول العربية من موقع «الحليف الطالب للحماية» إلى موقع الشريك الذي يملك أصولًا لا يمكن الاستغناء عنها.

يمكن تلخيص النهج المطلوب في مفهوم الاستقلال من دون قطيعة، والتعدد من دون ارتهان، والتنسيق من دون أوهام الوحدة الشاملة

الإدارة الأمريكية الحالية تنظر إلى الشراكات بمنطق المقابل المباشر وتقاسم الأعباء والمكاسب الاقتصادية، كما تؤكد استراتيجيتها على الشراكات المستهدفة التي تستخدم الأدوات الاقتصادية وتُلزم الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من الأعباء. وفي هذا السياق لن تكون العبارات التاريخية عن الصداقة كافية؛ القيمة التفاوضية ستتحدد بما يستطيع الطرف العربي تقديمه أو حجبه: الوصول العسكري، واستقرار أسواق الطاقة، والاستثمارات، والربط اللوجستي، والبيانات، والمعادن، والوساطة السياسية، والأسواق الاستهلاكية.

وهذا يقتضي التفاوض مع الولايات المتحدة على أساس الحزم المتبادلة لا الامتيازات المنفصلة. فبدل أن تُمنح واشنطن تسهيلات عسكرية أو استثمارات أو عقود ضخمة مقابل وعود ضبابية عامة، ينبغي ربط كل حزمة بمقابل محدد وقابل للقياس: ضمانات دفاعية واضحة، ونقل للتكنولوجيا، وتوطين للصناعات العسكرية، وقيود على الاعتداءات الإقليمية، وحماية للاستثمارات، والتزام زمني وتنفيذي.

 فالعلاقة العملية لا ينبغي أن تكون امتيازًا لطرف واحد؛ إذا كانت واشنطن تعيد تسعير تحالفاتها، فمن حق الدول العربية أيضًا إعادة تسعير مواردها ومواقعها وتعاونها الأمني.

غير أن أي دولة عربية منفردة ستظل أضعف تفاوضيًّا من الولايات المتحدة، مهما بلغت ثروتها؛ لذلك فإن أهم إعادة تموضع ليست بين العرب وأمريكا، بل بين العرب أنفسهم!

 المطلوب ليس بالضرورة اتحادًا سياسيًّا شاملًا، وهو هدف بعيد جدًّا أو غير وارد مع الأسف، وإنما حدٌّ أدنى من «التوافق الاستراتيجي العربي» يمنع القوى الكبرى من التفاوض مع كل دولة على حدة ثم استخدام تناقضاتها ضد بعضها! ويمكن أن يبدأ هذا التوافق بملفات محدودة: أمن الملاحة، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن الغذائي، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، وإدارة الأزمات الإقليمية.

إن نجاح القوى الكبرى في المنطقة قام تاريخيًّا على تجزئة الملفات العربية: أمن الخليج منفصل عن فلسطين، وشمال أفريقيا منفصل عن المشرق، والاقتصاد منفصل عن السياسة، والعلاقات الثنائية منفصلة عن النظام الإقليمي.. وهكذا.

أما في البيئة الجديدة، فينبغي للعرب أن يتعاملوا مع أصولهم بوصفها منظومة واحدة. فدول الخليج تملك المال والطاقة والموقع، ومصر تملك الثقل السكاني والجغرافي وقناة السويس، ودول المغرب تملك القرب من أوروبا والموارد والمجال الأطلسي، والعراق -المفكك حاليًّا- يملك الموقع والطاقة والعمق الحضاري، والأردن وعُمان وقطر وغيرها تمتلك خبرات في الوساطة والاتصال. هذه الموارد متفرقة اليوم؛ والقيمة الاستراتيجية الحقيقية تنشأ عند ربطها.

وفي المجال الأمني، يجب الحذر من استخلاص نتيجة خاطئة من السلوك الأمريكي الجديد، وهي أن الحل يكمن في شراء مزيد من السلاح الأمريكي!

 فالسلاح من دون قيادة وسيطرة مشتركة، وصيانة محلية، وذخائر كافية، وقدرة على إنتاج قطع الغيار، يخلق اعتمادًا لا استقلالًا. المطلوب هو بناء منظومة ردع عربية متعددة الطبقات تشمل الإنذار المبكر، والدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيَّرة، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت والممرات البحرية، والقدرة على الاستمرار بعد الضربة الأولى.

وقد كشفت حروب المنطقة الأخيرة أن امتلاك الأنظمة المتقدمة لا يكفي إذا كانت المعلومات والقرارات والذخائر وسلاسل الإمداد خاضعة بالكامل للطرف الخارجي.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل الاستقلال الأمني إلى نزعة عسكرة مفتوحة. المنطقة العربية لا تستطيع الدخول في سباق تسلح دائم مع إيران وإسرائيل، فضلًا عن القوى الكبرى. ومن ثم ينبغي أن يقترن الردع القابل للتصديق بنظام إقليمي لإدارة التنافس، يفتح قنوات ثابتة مع إيران، ويضع قواعد لعدم استهداف البنية الأساسية والممرات البحرية والمنشآت النووية والمدن.

وقد أظهرت الحرب الإيرانية الأخيرة أن الخليج ليس ساحة خلفية بعيدة، بل يقع في قلب أي تصعيد، وأن محاولات واشنطن فرض النظام بالقوة قد تنقل تكلفته مباشرة إلى الدول العربية. كما دفعت الحرب دول المنطقة إلى مراجعة ترتيباتها الأمنية، من دون أن يظهر بديل قادر وحده على أن يحل مكان الولايات المتحدة.

أما الصين، فينبغي التعامل معها بوصفها ركيزة اقتصادية وتكنولوجية، لا مُنقذًا جيوسياسيًّا.

يمكن للعرب استخدام السوق الصينية، والاستثمارات، والتمويل، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، والتصنيع، لزيادة استقلالهم عن الغرب. لكن الارتهان للتكنولوجيا الصينية أو الديون أو شبكات الاتصالات ليس أكثر استقلالًا من الارتهان لأمريكا.

 والقاعدة الأفضل هي تنويع الوظائف: تعاون أمني مع الولايات المتحدة، وتصنيع وتقنية مع آسيا وأوروبا، وشراكات غذائية ولوجستية مع أفريقيا والهند وتركيا، مع توطين تدريجي لما يمكن توطينه.

وقد أصبح تجنب الاختيار الثنائي بين واشنطن وبكين اتجاهًا أوسع بين القوى المتوسطة في آسيا أيضًا، التي تبحث عن المرونة والشراكات التي توفر نقلًا للتكنولوجيا وفرص عمل وقدرة على الصمود.

وأوروبا ينبغي ألا تُهمَل لمجرد أنها تمر بأزمة استراتيجية مع واشنطن. فالتوتر الأطلسي قد يفتح للعرب فرصة لعلاقات أكثر استقلالًا مع القوى الأوروبية في مجالات الدفاع والطاقة والهيدروجين، والتصنيع، والتعليم، والتنظيم التكنولوجي. كما أن سعي أوروبا إلى قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي قد يجعلها أكثر استعدادًا الآن لبناء شراكات متوازنة خارج المظلة الأمريكية، وإن ظلت خلافاتها الداخلية وقدراتها العسكرية المحدودة عائقًا أمام تحولها إلى ضامن أمني كامل.

وتبقى الهند وتركيا وقوى آسيا الوسطى وأفريقيا عناصر أساسية في أي سياسة عربية جديدة. فالنظام المتشظي يمنح القوى المتوسطة مساحة أكبر للحركة وبناء ممرات تجارية ووساطات وترتيبات اتصال لا تديرها قوة عظمى واحدة.

وقد أظهرت التحولات التي رافقت حرب إيران صعود أهمية تركيا في الربط التجاري والأمني بين الخليج وآسيا وأوروبا، كما أن الهند تمثل للعالم العربي سوقًا كبرى ومصدرًا للتكنولوجيا والعمالة، ولولا توجهاتها العنصرية لأصبحت شريكًا أيضًا في أمن المحيط الهندي.

لكن قضية فلسطين ستظل اختبارًا جوهريًّا لأي إعادة تموضع عربية. ليس فقط باعتبارها قضية أخلاقية أو شعبية، بل لأنها تكشف ما إذا كانت الدول العربية قادرة فعلًا على تحويل وزنها إلى شروط سياسية.

إذا استمرت الاستثمارات والتسهيلات والتطبيع والعلاقات الأمنية بينما لا تقابلها حدود واضحة لما يمكن لإسرائيل فعله، فإن واشنطن ستستنتج أن المصالح العربية قابلة للفصل عن فلسطين بلا تكلفة!

 أما إذا أصبح التقدم في العلاقات الإقليمية مرتبطًا بالتزامات قابلة للتنفيذ بشأن الدولة الفلسطينية، ووقف الضم والتهجير، وإعادة الإعمار، فإن العرب ينتقلون من التعبير عن الاعتراض إلى ممارسة النفوذ.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن بناء مكانة دولية قوية فوق هشاشة داخلية مزمنة. فالولايات المتحدة والصين وغيرهما يحترمون الدول التي تستطيع تنفيذ قراراتها، وحماية استثماراتها، وإدارة مواردها، وإنتاج المعرفة والتكنولوجيا، والمحافظة على تماسكها الاجتماعي. ولذلك فإن الحكم الرشيد وسيادة القانون والتعليم والشفافية ليست قضايا منفصلة عن الاستقلال الاستراتيجي؛ إنها مادته الأساسية.

 والدول التي تعتمد على أشخاص أو علاقات خاصة مع رئيس أمريكي ستتعرض للاهتزاز عند تغير الإدارة، أما الدول التي تملك مؤسسات واقتصادًا منتجًا وعقودًا مستقرة، فستظل مطلوبة مهما تغيرت واشنطن.

ويمكن تلخيص النهج المطلوب في مفهوم الاستقلال من دون قطيعة، والتعدد من دون ارتهان، والتنسيق من دون أوهام الوحدة الشاملة:

 فلا مصلحة للعرب في خسارة الولايات المتحدة (على الأقل حاليًّا)، ولا في استفزازها مجانًا، ولا في استبدال قوة أخرى بها.

 وأيضًا لا مصلحة لهم في البقاء داخل علاقة أمنية تمنح واشنطن القدرة على تحديد أعدائهم وحروبهم وشروط اقتصادهم، ثم تطالبهم بدفع التكلفة!

الاختبار النهائي لإعادة التموضع ليس عدد العلاقات التي تقيمها الدولة، بل مقدار ما تملكه من حرية القرار عند وقوع الأزمة.

فإذا استطاع العالم العربي، أو كتل فاعلة داخله، أن يقول نعم لواشنطن في ملف، ولا لها في ملف آخر، وأن يتعاون مع الصين من دون أن يتحول إلى تابع لها، وأن يردع خصومه من دون أن يفوض أمنه بالكامل للخارج، وأن يستخدم أمواله وموارده لتحصيل التكنولوجيا والقدرة لا مجرد الحماية، عندئذ فقط يكون قد انتقل من موقع موضوع تتنافس عليه القوى، إلى موقع قوة متوسطة تشارك في تشكيل التوازنات.

بعد تجدد القتال في 7 يوليو 2026 بين الولايات المتحدة وإيران بما يشبه إنهاءً لمذكرة التفاهم بينهما، كان من اللافت صدور عدة تصريحات من وزير الخارجية العماني، كان نصها:

  • نتحمل مسؤولية للعمل مع إيران والمجتمع الدولي للتوصل لترتيب يضمن حرية الملاحة بمضيق هرمز.
  • أخطر تهديدات لأمن الخليج لا تأتي من داخله بل من قرارات وأفعال من خارجه خاصة في تل أبيب.
  • يجب إعادة ضبط العلاقة مع أمريكا لتصبح أكثر اتساقًا مع واقع استراتيجي كشفت عنه الحرب.
  • الحرب الحالية كانت كارثة ولم يكن لها تفويض من الأمم المتحدة ولم تحقق أيًّا من أهدافها المعلَنة.

التصريحات الأربعة كلها تدور حول فكرة واحدة: أن الخليج لم يعد يستطيع أن يبني أمنه كله على الإرادة الأمريكية.

وهذا المثال في الواقع يمثل بادرة جيدة لأفكار إعادة التموضع التي قدمناها، ولو لاحظنا مثلًا قوله: “إعادة ضبط العلاقة مع أمريكا“، فهذه ليست لغة مواجهة، وليست لغة تبعية. إنها لغة إعادة تعريف. فلعل مثل هذه التصريحات تمثل مؤشرات مبكرة إلى أن بعض النخب العربية بدأت تعيد التفكير.

إن التحول في الفكر الاستراتيجي الأمريكي لا يفرض على العالم العربي استجابة واحدة، لكنه يفرض عليه إعادة التفكير في افتراضاته القديمة.

 وإذا كان بناء نظام عربي متماسك لا يزال بعيد المنال، فإن الحد الأدنى الممكن يتمثل في الانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى إدراك استراتيجي مشترك لمصالح الأمن الإقليمي، حتى وإن اختلفت أدوات كل دولة في تحقيق هذه المصالح.

قد يكون من الضروري في مركز رؤيا، إصدار دراسة مستقلة عن كيفية إعادة التموضع لدول بعينها (مثلًا السعودية، قطر، مصر، ..).

من الخطأ أن نجعل ترامب مركز التفسير للتحولات الكبرى في أمريكا اليوم. والحال أن ترامب أقرب إلى أن يكون نقطة التقاء لعدة تيارات فكرية كانت تتشكل داخل اليمين الأمريكي منذ ما يقرب من ربع قرن. فالرجل يمتلك بلا شك حدسًا سياسيًّا استثنائيًّا وقدرة على التقاط المزاج الشعبي، لكنه لا يبدو صاحب مشروع فكرى أو فلسفي متماسك. ولذلك فإن تفسير التغير العميق في السياسة الأمريكية من خلال شخصيته وحدها يظل قاصرًا. الأصح، أن ننظر إلى الترامبية بوصفها “تشكيلة فكريًّة” وجدت في ترامب الشخصية القادرة على تحويلها إلى سلطة.

وبشكل مماثل، فإن التركيز على الأشخاص المحيطين بترامب وحدهم قد يحجب عنا العنصر الأهم، وهو المؤسسات الفكرية. فهناك مؤسسات مثل كليرمونت والتراث وهيلزديل، لم تعد مجرد مراكز أبحاث، بل أصبحت مصانع لإنتاج الكوادر والأفكار واللغة التي يتحدث بها اليمين الأمريكي الجديد. وإذا كان القرن العشرون قد عرف مراكز أبحاث تنتج سياسات داخل الإطار الليبرالي، فإن هذه المؤسسات تحاول اليوم إنتاج نخبة تؤمن بأن الإطار نفسه يحتاج إلى إعادة تأسيس.

  • المؤكد أن ترامب ليس مهندس هذا التحول بقدر ما هو الوعاء السياسي الذي اجتمعت فيه عدة تيارات فكرية كانت تتشكل داخل اليمين الأمريكي منذ عشرين عامًا على الأقل.
  • إن فهم إدارة ترامب الثانية لا يكون بدراسة ترامب نفسه، وإنما بدراسة الشبكة الفكرية التي أصبحت تحيط بالرئاسة.
  • كأن ولوج إيلون ماسك إلى أحشاء الحكومة الفيدرالية كان بحثًا عن إجابة السؤال المحير: من يحكم فعلًا؟ أهو الرئيس؟ أم البيروقراطية؟ أم القضاء؟ أم الأجهزة؟ أم الإعلام؟ أم شركات التقنية؟
  • هناك فرق مهم بين ثيل وماسك، ثيل يريد إعادة كتابة النظرية. أما ماسك فيريد إعادة تصميم النظام. ثيل أقرب إلى الفيلسوف، وماسك أقرب إلى المهندس. لكن أحيانًا يكون المهندس أخطر من الفيلسوف، لأنه يحول الفكرة إلى بنية تشغيلية.
  • الترامبية لم تنجح فقط لأنها قدمت مشروعًا جديدًا، بل لأنها جاءت بعد انهيار الثقة في المشروع القديم.
  • الإعلام البديل يجعل جمهوره يتقبل بسهولة فكرة أن الدولة تحتاج إلى مدير تنفيذي أكثر من حاجتها إلى سياسي محترف.
  • الدولة عند فانس لا ينبغي أن تكون مجرد حارس للأسواق، بل أداة لإعادة بناء الأمة.
  • قد يكون مفهوم “السيادة” المفتاح لفهم تشكيلة الترامبية.
  • هناك فرق بين أن تقول إن القوة تؤثر في تطبيق القانون، وبين أن تستنتج أن القوة هي القانون النهائي؛ الأول تشخيص واقعي؛ والثاني انتقال إلى مذهب سلطوي أو إمبراطوري.
  • الخطاب الترامبي المتشدد ينطلق غالبًا من احتفالية القوة: إظهار القدرة يُنتج الاحترام، والإكراه يُنتج السلام، والخصوم والحلفاء لا يستجيبون إلا للضغط.
  • يرى ترامب أن العالم ساحة تنافس بين إرادات قومية، وأن المؤسسات واجهات للقوة، وأن الضعف الأخلاقي والمؤسسي أخطر من الإفراط في القوة.
  • أي دولة عربية منفردة ستظل أضعف تفاوضيًّا من الولايات المتحدة، مهما بلغت ثروتها.
  • وفي العلاقة مع واشنطن تحديدًا، ينبغي أن تنتقل الدول العربية من موقع «الحليف الطالب للحماية» إلى موقع الشريك الذي يملك أصولًا لا يمكن الاستغناء عنها.
  • إعادة التموضع ليست في حقيقتها سياسة خارجية فقط، بل مشروع لبناء الدولة والاقتصاد والقدرة على الصمود.
  • إذا كانت واشنطن تعيد تسعير تحالفاتها، فمن حق الدول العربية أيضًا إعادة تسعير مواردها ومواقعها وتعاونها الأمني.
  • يمكن تلخيص النهج المطلوب عربيًا في مفهوم الاستقلال من دون قطيعة، والتعدد من دون ارتهان، والتنسيق من دون أوهام الوحدة الشاملة.

د. محمد هشام راغب


[1] https://eipss-eg.org/%D8%A8%D9%8A%D8%AA%D8%B1-%D8%AB%D9%8A%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AC%D9%86%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%86%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D9%81%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AF/

[2] https://ruyaa.cc/Page/1327

[3] https://www.democrats.senate.gov/newsroom/trump-transcripts/transcript-president-trump-discusses-the-capture-of-nicolas-maduro-in-venezuela-10326?utm_source=chatgpt.com “TRANSCRIPT: President Trump Discusses th…”

[4] رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابع بالفترة من 1829 إلى 1837

[5] https://www.hks.harvard.edu/centers/carr-ryan/our-work/carr-ryan-commentary/dividing-planet-and-championing-illiberal?utm_source=chatgpt.com “Trump Seeks to Make Carl Schmitt’s Vision of World Order …”

[6] https://static.heritage.org/project2025/2025_MandateForLeadership_FULL.pdf?utm_source=chatgpt.com “Project 2025”

[7] https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf?utm_source=chatgpt.com “National Security Strategy”

[8] الميركنتيلية (أو المركنتيلية/الاتجارية) هي مذهب سياسي واقتصادي ساد في أوروبا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. يرى هذا المذهب أن ثروة الدولة تقاس بما تملكه من معادن نفيسة (كالذهب والفضة). ويسعى لتحقيق ذلك عبر دعم الصادرات وتقليل الواردات بفرض الجمارك، وتدخل الدولة القوي لتوجيه الاقتصاد لتحقيق فائض تجاري على حساب الدول الأخرى.

[9] https://www.chathamhouse.org/2025/03/competing-visions-international-order/07-saudi-arabias-goals-rest-managing-multipolarity?utm_source=chatgpt.com “Competing visions of international order | 07 Saudi …”

زر الذهاب إلى الأعلى