إصداراتتقدير موقفحدث ورؤيا

تحول الخلاف السعودي الإماراتي من تنافس مكتوم إلى صدام عسكري مباشر بالوكالة

الخلاف بين السعودية والإمارات في اليمن هو صراع نفوذ، يدور حول مجموعة نقاط أساسية، أهمها: شكل النفوذ، والملف الجنوبي، والسيطرة على السواحل والمنافذ، وطبيعة العلاقة مع “الشرعية” اليمنية.

1. أهداف ونفوذ كل طرف

هناك اعتقاد واسع أن الإمارات دخلت الحرب بغرض تحقيق مصالح جيوسياسية خاصة (الموانئ، الممرات البحرية)، وليس فقط دعم “الشرعية”، بينما ركزت السعودية على منع قيام كيان معادٍ على حدودها الجنوبية. الإمارات بَنت على الأرض شبكة مليشيات وقوات موالية لها تعمل غالبًا خارج إطار الحكومة اليمنية والتحالف، ما جعلها منافسًا مباشرًا لنفوذ السعودية داخل اليمن.

2. الموقف من وحدة اليمن والجنوب

السعودية رسميًا مع بقاء اليمن موحدًا تحت سلطة “الشرعية”، بينما رعت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي ذا المشروع الانفصالي، وهو ما خلق تضاربًا جوهريًا في الرؤية لمستقبل الدولة اليمنية. ثم جاءت سيطرة المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا على حضرموت والمهرة، كالقشة التي رآها السعوديون تقديما لمشروع الانفصال على حساب مشروع الدولة الواحدة التي يُفترض أن التحالف نظريًا أُقيم من أجلها.

3. السيطرة على السواحل والمنافذ

الإمارات، عبر قوات محلية تابعة لها، فرضت خلال سنوات سيطرة فعلية على أغلب المنافذ البحرية الاستراتيجية في جنوب وشرق اليمن حتى باب المندب، ما جعلها صاحبة اليد العليا في أهم أوراق القوة الميدانية. هذا التمدد اعتُبر في الرياض تهديدًا لمصالحها البحرية والأمنية، خاصة في المحافظات الشرقية المتاخمة لحدودها والتي تعدها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي.

4. العلاقة مع الحكومة اليمنية

بَنت أبوظبي علاقات مباشرة مع تشكيلات عسكرية وأمنية خارج مؤسسات “الشرعية”، بينما حرصت الرياض – نظريًا على الأقل – على إبقاء مرجعيتها عبر رئاسة مجلس القيادة والحكومة. عندما صعّد المجلس الانتقالي ورفض الانسحاب من حضرموت والمهرة، انحاز الرئيس رشاد العليمي والسعودية لمواجهة هذا التمرد، فاستهدفت طائرات التحالف معدات قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي، وطلب العليمي إنهاء الوجود الإماراتي.

5. لحظة الانفجار الأخيرة

إعلان عيدروس الزبيدي مسارا مدته سنتان لإعلان “دولة الجنوب العربي” بدعم قوات وعتاد إماراتي جاء تتويجًا لمسار تصاعدي في التباين بين الحليفين، وحوّل الخلاف من تنافس مكتوم إلى صدام عسكري مباشر بالوكالة. إن تدخل قوات “درع الوطن” المدعومة سعوديًا مقابل “ألوية العمالقة” المدعومة إماراتيًا، جسّد تحول التناقض السياسي بين الرياض وأبوظبي في اليمن إلى صراع نفوذ مسلح مفتوح على احتمالات أوسع.

واقع القوى اليمينة الفاعلة

  • الحكومة/الشرعية، المجلس الانتقالي الجنوبي، الحوثيون، ومعهم تشكيلات قبلية ومحلية، جميعها اليوم بدرجات متفاوتة مرتبطة بدعم ورعاية خارجية (سعودية، إماراتية، إيرانية أو إقليمية أخرى)، ماليًا وسياسيًا ولوجستيا وعسكريًا، ما يجعل استقلال قرارها الوطني منقوصًا.حتى الأطراف التي ترفع شعار “المشروع الوطني” تحتاج عمليًا لغطاء أو توازن إقليمي كي تبقى في المشهد، في بيئة حرب منهكة واقتصاد منهار وسلاح منفلت.
  • الحوثيون بدورهم ليسوا طرفًا “وطنيًا مستقلًا”، بل قوة تستثمر تشرذم خصومها وتكثّف استعداداتها العسكرية بانتظار لحظة مناسبة لتوسيع نفوذها، لا كطرف يعمل لصالح كل اليمنيين. يُعتقد أن الحوثيين يترقبون تصاعد النزاع الحالي ليجدوا فرصة للتمدد شرقا.
  • من زاوية أوسع، يمكن القول إنه لا يوجد اليوم في اليمن فاعل كبير ومسلّح يملك قوة على الأرض واستقلالًا حقيقيًا عن المحاور الإقليمية، بل توجد درجات متفاوتة من الارتباط ومحاولات جزئية محدودة لتغليب المصلحة الوطنية داخل أطر قائمة.

التقارب السعودي القطري

التقارب السعودي القطري الحالي يرتبط أكثر بإعادة ترتيب توازنات الخليج والملف الإقليمي (خاصة بعد المصالحة وقبلها السعودية‑إيران)، لكنه ينعكس بشكل غير مباشر على اليمن ولا يبدو أنه المحرك المباشر لانفجار الخلاف السعودي‑الإماراتي الأخير هناك.  أما رواية الإمارات عن “خطر الإخوان/الإصلاح” في اليمن فتُستخدم كأداة دعائية لتبرير مشروع أبوظبي في الجنوب وتمكين وكلائها على حساب الشرعية.

المصالحة السعودية‑القطرية جاءت أساسًا لطيّ أزمة 2017 وتقليل تشتت المعسكر الخليجي، ثم تعززت في سياق ترتيبات أوسع شملت التهدئة مع إيران، ما فتح الباب لتقليل التصعيد في ملفات مثل اليمن، لا لإشعاله. قطر تاريخيًا أقرب إلى حزب الإصلاح اليمني والتيار الإسلامي، بينما كانت السعودية لفترة أقرب إلى خطاب الإمارات المناهض للإخوان؛ اليوم يبدو أن الرياض تتحرك براجماتيًا مع الإصلاح في اليمن بما يخدم مواجهة الحوثي وكبح النفوذ الإماراتي في حضرموت والمهرة، وهذا ينسجم مع مناخ تقاربها مع الدوحة لكنه ليس سببه الوحيد.

نشاط الإمارات في أرض الصومال

هناك على الأرجح تقاطع في البيئة الإستراتيجية (باب المندب – البحر الأحمر – خليج عدن)، لكن لا توجد حتى الآن دلائل علنية قوية على رابط مباشر وعضوي بين انفجار الصراع السعودي‑الإماراتي في اليمن وبين اعتراف إسرائيل، ثم الخطوات الإماراتية العملية تجاه أرض الصومال.

أرض الصومال تقع مقابل اليمن على خليج عدن وقريبة من مدخل باب المندب، وهو نفس الممر الذي يتكثف حوله الصراع والتموضع في اليمن (الموانئ، السواحل، خطوط التجارة والطاقة). إسرائيل باعترافها بأرض الصومال، والإمارات عبر استثماراتها واتفاقاتها في ميناء بربرة، تسعى لتعزيز حضور بحري واستخباراتي في خط يمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن، وهو خط يتقاطع موضوعيًا مع ساحل اليمن ومضيق باب المندب.

الخطوة الإماراتية تجاه “جمهورية أرض الصومال” الانفصالية تُقرأ في إطار سياسة أبوظبي البحرية الأقدم (موانئ، قواعد، شراكات في البحر الأحمر وخليج عدن)، وهي سياسة بدأت قبل انفجار الجولة الأخيرة من الصراع مع السعودية في حضرموت والمهرة بسنوات، وإن كانت تستفيد من لحظة السيولة الراهنة.

إذا من المنطقي سياسيًا أن يُفهَم التحرك الإماراتي ضمن سباق أوسع على الممرات البحرية المرتبطة باليمن، لكن الربط الحتمي المباشر (أن هذه الخطوة جاءت “ردًا” أو “تنسيقًا” مخصوصًا مع أحداث اليمن الأخيرة) يبقى غير راجح.

الموقف الدولي

الاهتمام الدولي بما يجري في اليمن موجود في الحسابات الإستراتيجية، لكنه منخفض في مستوى الضوضاء الإعلامية والتحرك السياسي العلني؛ القوى الكبرى تتعامل معه كملف يمكن “إدارته بأقل تكلفة” ما دام لا يهدد مباشرة مصالحها الحيوية العاجلة مقارنة بجبهات أخرى أكثر سخونة كأوكرانيا، غزة، وفنزويلا حاليًا.

اليمن يكاد يختفي من الاهتمام الغربي، لأن الأولويات الغربية الآن مركّزة على ملفات يراها الغرب أكثر تأثيرًا على الأمن الأوروبي‑الأطلسي المباشر من تطورات اليمن الداخلية بين حليفين مثل السعودية والإمارات. الغرب يعتبر السعودية والإمارات “مديري الملف” في اليمن؛ ما دام الصراع محصورًا بين وكلاء محليين وتحت سقف عدم تهديد الملاحة بشكل واسع ومستمر، يُترك الأمر لهذين الحليفين مع الاكتفاء ببيانات قلق إنساني ودعم مسارات التهدئة الأممية.

بالنسبة للصين، فإنها تنظر إلى اليمن أساسًا من زاوية مبادرة الحزام والطريق وتأمين طرق التجارة، وتركّز في المنطقة على علاقاتها مع السعودية وإيران، وتفضّل تهدئة عامة بدل الانخراط التفصيلي في تعقيدات الداخل اليمني. وأما روسيا فمنشغلة بأوكرانيا والعقوبات والتموضع في سوريا وأفريقيا، وتتعامل مع اليمن كملف ثانوي يمكن توظيفه إعلاميًا وسياسيًا ضد الغرب عند الحاجة، لا كجبهة تستدعي استثمارًا كبيرًا أو تدخلًا مباشرًا.

بشكل عام، المجتمع الدولي يرى اليمن كـ“حرب يمكن تحملها”، وتحوَّل النزاع في نظر كثير من العواصم إلى حرب منخفضة الكلفة سياسيًا عليهم، لكنها عالية الكلفة على اليمنيين؛ لا موجات لجوء ضخمة إلى أوروبا، ولا انهيار شامل في إمدادات الطاقة، ولا تهديد مستمر للملاحة بحجم يغلق الممرات. لذلك يُترَك ينزف ما دام “تحت السيطرة”. كلما اقتربت الأزمة من تهديد جدّي لباب المندب والممرات البحرية أو رفعت مخاطر تمدد الحوثيين/إيران بشكل يضر بالغرب، يرتفع الاهتمام مؤقتًا، ثم يعود للانخفاض بمجرد احتواء الخطر المباشر، وهو ما يفسّر التفاوت في مستوى الضجة وليس غياب الاهتمام الإستراتيجي نفسه.

إذا الموقف الدولي ينظر لمصالحه المباشرة، وأما المأساة اليمنية فلا بواكي لها دوليا ولا عربيا.

الطرف اليمني الغائب

النزاع المفتوح الحالي يقدّم صورة قاتمة عن غياب “طرف يمني وطني مستقل تمامًا”، رغم وجود أصوات وإرادات وقوى تحاول قدر الإمكان الحفاظ على الدولة ووحدة القرار بعيدًا عن الإملاءات الكاملة من الرياض وأبوظبي. هذه الأقلية اليمنية المستقلة ترى أن التدخلات الخارجية خلقت فوضى سياسية وإدارية وجرّدت “الدولة الشرعية” من أهم أدوات السيادة، أي وحدة الأرض ووحدة القرار، ما يعني أن معظم القوى الفاعلة أصبحت مرتبطة بشكل أو بآخر برعاة خارجيين.

صدرت من بعض الشخصيات اليمنية إشارات متكررة تطالب بـ “تصحيح الاختلالات” و“استعادة الدولة” ما يعكس وجود تيار/مزاج يمني يريد استعادة القرار الوطني، لكنه ما زال ضعيفًا وممزقًا داخل بنية الشرعية وبين الشمال والجنوب. الواقع اليمني عموما جعل معظم القوى الأساسية إما مرتبطة بالسعودية، أو بالإمارات، أو بالحوثيين المرتبطين بمحور آخر، بينما تظل فكرة بناء مشروع وطني يمني جامع يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، محدودة الأثر قليلة الأنصار ويظل مشروع وطني جامع في طور “الأمل والنقد” أكثر من كونه قوة منظَّمة تمتلك أدوات حقيقية على الأرض.

أين يمكن أن يوجد المشروع الوطني؟

الفكرة الأقرب لـ“طرف وطني” يمكن البحث عنها في:

  • بعض شخصيات ومكوّنات داخل الشرعية تحاول مقاومة تغوّل الوكلاء المحليين للإقليم.
  • نخب مدنية وحزبية وقبلية ترفض الانقسام الشمالي–الجنوبي وسيطرة المليشيات، لكنها ضعيفة تنظيميًا وعسكريًا.
  • تشكيلات منظمة في مأرب وتعز تضم قوى وطنية متنوعة، من ضمنها حزب الإصلاح الإسلامي.
  • هذه التيارات تعمل بمنطق تقليل الارتهان للخارج لا قطعه بالكامل، لأن ميزان القوى لا يسمح حاليًا باستقلال كامل عن السعودية والإمارات أو غيرهما.

الأمل الواقعي يصبح على تراكم تيارات داخل هذه الأطر تدفع باتجاه تسوية سياسية تقلّل تبعية الجميع للخارج، أكثر من الرهان على ظهور “طرف طاهر” بالكامل من أي ارتباط إقليمي في المدى القريب.

زر الذهاب إلى الأعلى