إصداراتتقدير موقفمراجعات

مخاطر وتهديدات إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي

أنثروبيك تفتح الصندوق الأسود

📖
ملخص المقال — اضغط للقراءة والاستماع
أصدرت شركة أنثروبيك تقريرًا مهمًا في العاشر من سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، يسلط الضوء على عمليات رصدتها وعطلتها بين ديسمبر ألفين…
⌄

أصدرت شركة أنثروبيك تقريرًا مهمًا في العاشر من سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، يسلط الضوء على عمليات رصدتها وعطلتها بين ديسمبر ألفين وخمسة وعشرين وأغسطس ألفين وستة وعشرين، وهو ليس إحصاءً شاملًا لكل إساءة استخدام نموذج كلود، بل يمثل مجموعة منتقاة من "أبرز الحالات وأكثرها جدة" التي اكتشفها فريق استخبارات التهديدات بالشركة. يكشف التقرير عن تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لإنتاج النصوص إلى بنية تشغيلية تُستخدم في التجسس، والحرب السيبرانية، والمراقبة السياسية، والتأثير الإعلامي، وتطوير الأسلحة، والبحوث البيولوجية. يغطي التقرير سبعة مجالات رئيسية: العمليات السيبرانية، وعمليات التأثير والتلاعب بالمجال المعلوماتي، والمراقبة والتجسس، وتطوير الأسلحة التقليدية، والاستخدام البيولوجي المزدوج، والاحتيال والخداع، والاستنساخ غير المشروع لقدرات النماذج. الجديد في التقرير هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقوم بوظيفة "المساعد الذكي" فقط، بل أصبح يؤدي ثلاث وظائف: المساعد، والمنفذ، والمنسق، مما يعني استقلالية تشغيلية متزايدة تحت توجيه بشري.

في مجال العمليات السيبرانية، أظهر التقرير أن الذكاء الاصطناعي قلّص الفجوة بين أجهزة الدول والأفراد، مما يمكن الأطراف المختلفة من تشغيل حملات متعددة الأهداف وبناء أدوات مخصصة. من أبرز الحالات المذكورة استخدام جهة مرتبطة بالتجسس الروسي لوكلاء آليين في التصيد وسرقة البيانات، وقدرة فرد واحد على إنشاء منصة لدمج بيانات مسروقة واختراق أربع عشرة جهة على الأقل. أما في مجال التأثير الإعلامي، فقد عرض التقرير تسع عمليات تأثير منشؤها دول مختلفة، استخدمت كلود في إنشاء شخصيات وهمية، وبناء مواقع إخبارية، وصياغة محتوى بلغات ولهجات مختلفة، وتحليل الجماهير، وغسل مصدر الرواية. رصدت أنثروبيك ثلاث عمليات إيرانية استخدمت كلود كطبقة إدارية وتشغيلية لإعداد أدلة العمل وتحويل النشرات الحكومية إلى محتوى موجه، كما رصدت عملية مرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق المعارضة استخدمت الذكاء الاصطناعي لانتحال شخصية ناشط حقيقي وتحليل منشوراته.

العملية المنسوبة إلى الإمارات، والتي أثارت ضجة عربية، تضمنت شبكة من قرابة ثلاثمائة حساب تأثير غير أصيل، وإنشاء واجهة لمنظمة غير حكومية، وإعداد تقارير حقوقية، وملفات شخصية عن أعضاء في البرلمان الأوروبي وصحفيين، وحملة تستهدف جماعة الإخوان المسلمين. في مجال المراقبة الجماعية، استخدم مستشار واحد كلود لبناء منصة مراقبة لصالح جهاز أمن الدولة في مالي، قادرة على التعامل مع بيانات نحو خمسة وعشرين مليون شريحة هاتف، وجمع سجلات المكالمات والرسائل والصوت، والتعرف على الشخص عبر بصمته الصوتية. كما رصد التقرير جهة مرتبطة بأمن الدولة الصيني استخدمت كلود لرصد الأويغور والجماعات الأويغورية المسلحة في سوريا، وتحليل محتوى أكثر من مائة مجموعة واتساب وعشرات قنوات تليجرام، وبناء ملفات عن نقاط ضعف الأفراد.

في شمال اليمن، رصدت أنثروبيك خلية تعمل على ثلاثة برامج أسلحة: صاروخ موجه، وصاروخ باليستي متعدد المراحل، ومجموعة صواريخ R2000، واستخدمت الخلية عدة نسخ من كلود كفريق هندسي للمساعدة في برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم والمحاكاة. أما في الاستخدام البيولوجي المزدوج، فقد عرض التقرير خمس حالات لبحوث يمكن أن تخدم أغراضًا طبية مشروعة أو تطبيقات بيولوجية خطرة، مثل بحوث زيادة وظائف فيروس الشيكونغونيا وتكييف إنفلونزا الطيور مع الثدييات. في مجال الاحتيال العاطفي، استخدم استوديو صيني كلود لبناء أكثر من عشرين تطبيق مواعدة وتشغيل أربعة آلاف وسبعمائة شخصية اصطناعية تحدثت مع خمسة وعشرين ألف شخص على الأقل خلال أسبوعين، مما أنتج نحو مليونين وثلاثمائة وستين ألف رسالة.

استراتيجيًا، يعني التقرير أن الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع القوة ولا يحتكرها، فهو يلغي أو يخفض حواجز الخبرة الفنية، وعدد العاملين، والزمن والتكلفة، مما يتيح للأفراد والمجموعات الصغيرة تنفيذ عمليات كانت تتطلب فرقًا كبيرة. كما أن المؤشر التقني لم يعد كافيًا لمعرفة هوية الفاعل، وأصبح التحول الأهم في اقتصاد العمليات، حيث انخفضت التكلفة الحدية للتجسس والدعاية والاحتيال، مما يجعل أهدافًا كانت غير مجدية اقتصاديًا قابلة للاستهداف. يكشف التقرير أيضًا أن الخط الفاصل بين الداخل والخارج يتآكل، حيث تستطيع الأداة نفسها مراقبة المعارضين داخليًا وخارجيًا، وإنشاء محتوى للتأثير في الرأي العام الدولي.

أصبحت الشركات المالكة لنماذج الذكاء الاصطناعي تملك قدرة استخباراتية سيادية، مما يثير تساؤلات حول صلاحياتها في تصنيف المستخدمين وإغلاق حساباتهم وتبادل المعلومات مع الحكومات. أصدرت أنثروبيك التقرير الآن لأسباب معلنة مثل الوفاء بمسؤوليتها ومساعدة الشركات الأخرى والحكومات، ودوافع أوسع محتملة مثل إثبات جدوى كلود، والتأثير في الجدل التنظيمي، وحماية الشركة قانونيًا وسياسيًا، وترسيخ موقعها داخل مجتمعات الاستخبارات، والمنافسة الجيوتقنية مع الصين. يجب قراءة التقرير بحذر، فهو صادر عن شركة طرف في الوقائع، والحالات منتقاة وليست عينة إحصائية، والإسناد متفاوت القوة، والاستخدام لا يساوي النجاح، و"التعطيل أو إيقاف الخدمة" لا يعني دائمًا إنهاء الخطر.

على المستوى العربي، يفرض التقرير سؤالًا حول من يملك القدرة على اكتشاف إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، ومن يضع قواعده، ومن يراقب الشركات التي أصبحت تملك سلطة استخباراتية عابرة للدول. الأهم من ذلك هو كيفية الاستفادة عمليًا من نتائج هذا التقرير في المجالات التي تعاني منها المنطقة العربية، مثل إدارة الأعمال، والتعليم عن بعد، وحماية التراث العلمي الشرعي، ودعوة غير المسلمين، وأدوات الإعلام البديل. يمكن قراءة التقرير بطريقة معكوسة، فكل قدرة خفضت كلفة الهجوم أو التضليل أو المراقبة، يمكن أن تخفض كلفة التعليم والإدارة والبحث والإعلام والتنمية في العالم العربي، مع التأكيد على أن الفرصة ليست في "استخدام روبوت محادثة" داخل المؤسسات، بل في "إعادة بناء سير العمل حول الإنسان المدعوم بالذكاء الاصطناعي".

أصدرت شركة أنثروبيك تقريرًا[1] مهمًا في 10 سبتمبر 2026، يغطي عمليات رصدتها أنثروبيك وعطلتها بين ديسمبر 2025 وأغسطس 2026. وهو ليس إحصاءً شاملًا لكل إساءة استخدام نموذج كلود  Claude، بل مجموعة منتقاة من «أبرز الحالات وأكثرها جدة» التي اكتشفها فريق استخبارات التهديدات في الشركة.

التقرير مهم، وقيمته الحقيقية أوسع من العناوين الإعلامية العربية التي اختزلته في «صواريخ الحوثيين» أو «حملة التأثير الإماراتية». إنه يقدم نافذة نادرة على انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لإنتاج النصوص إلى بنية تشغيلية تُستخدم في التجسس والحرب السيبرانية والمراقبة السياسية والتأثير الإعلامي وتطوير الأسلحة والبحوث البيولوجية.

نقدم هنا تلخيصًا للحالات التي رصدها التقرير، ثم دراسة تحليلية نجيب فيها على أربعة أسئلة:

  • ماذا كشف التقرير؟
  • ماذا يعني استراتيجيًا؟
  • لماذا اختارت أنثروبيك نشره الآن؟
  • وكيف يمكننا – نحن العرب – الاستفادة عمليا من نتائج هذا التقرير؟

أولًا: مجالات التقرير ونطاقه

يغطي التقرير سبعة مجالات:

  1. العمليات السيبرانية.
  2. عمليات التأثير والتلاعب بالمجال المعلوماتي.
  3. المراقبة والتجسس.
  4. تطوير الأسلحة التقليدية.
  5. الاستخدام البيولوجي المزدوج.
  6. الاحتيال والخداع.
  7. الاستنساخ غير المشروع لقدرات النماذج، أو ما يعرف بالـ illicit distillation

الجديد هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقوم فقط بوظيفة “المساعد الذكي” كما نعرفه، بل أصبح يقوم بثلاث وظائف: مساعد/منفذ/منسق!

وتقول الشركة إنها أوقفت الحسابات المرتبطة بهذه الأنشطة، وطورت وسائل الكشف والحماية لديها، وشاركت بعض المعلومات مع الحكومات والشركات المعنية. لكنها تنبه إلى أن الحالات المنشورة ليست عينة تمثيلية لحجم الظاهرة أو معدل انتشارها. وهذا التنبيه يحمل مخاطر ليست هينة، خاصة وأن الشركة لم تذكر تقديرها لـ “حجم الظاهرة أو معدل انتشارها“.

ثانيًا: الخلاصة المركزية للتقرير

أهم ما يقوله التقرير ليس أن مستخدمين أشرارًا استعانوا بروبوت محادثة؛ فهذا معروف منذ سنوات. الجديد هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقوم فقط بوظيفة “المساعد الذكي” كما نعرفه، بل أصبح يقوم بثلاث وظائف: مساعد/منفذ/منسق! على النحو التالي:

المرحلةوظيفة الذكاء الاصطناعي
المساعديقدم معلومات أو يكتب كودًا أو يصوغ محتوى أو يقدم استشارة أو يلخص بيانات
المنفذيشغل أدوات، ويفحص أنظمة، ويحلل بيانات ويكرر المحاولات
المنسقيقسم المهمة بين وكلاء متعددين، ويحفظ ذاكرة الحملة، ويتابع التنفيذ بصورة شبه مستقلة

وفي عدد من الحالات لم يعد المستخدم يطلب من Claude كتابة قطعة كود منفردة، بل يحدد هدفًا عامًا، ثم يترك للوكلاء مهمة الاستطلاع والاستغلال واستخراج البيانات وإعادة بناء الأدوات إذا اكتشفتها أنظمة الحماية.

ومع ذلك، بقي الإنسان – في الحالات التي كشف عنها التقرير – حاضرًا في القرارات السيادية، مثل اختيار الهدف، وتحديد الغاية السياسية أو المالية، ومراجعة النتائج، واستثمارها. ومن ثم فالأدق في تلك الحالات التي نشروها الحديث عن استقلالية تشغيلية متزايدة ولكن تحت توجيه بشري، لا عن آلة قررت من تلقاء نفسها شن حرب أو تنفيذ حملة تجسس.

ثالثًا: أهم ما جاء من حالات في المجالات السبعة

العمليات السيبرانية: انهيار الحاجز بين الفرد والدولة

يرى التقرير أن الذكاء الاصطناعي قلّص الفجوة التي كانت تفصل أجهزة الدول والفرق المحترفة عن الأفراد والمجموعات الصغيرة. فالأطراف المختلفة باتت قادرة على تشغيل حملات متعددة الأهداف، وبناء أدوات مخصصة، ومعالجة كميات ضخمة من البيانات المسروقة.

ومن أبرز الحالات التي ذكروها في هذا المجال:

  • جهة مرتبطة بالتجسس الروسي استخدمت وكلاء آليين في التصيد، وشراء البنية التحتية، والتحكم في البرمجيات الخبيثة، وسرقة البيانات.
  • كانت الوكلاء تراقب اكتشاف برامج الحماية للبرمجيات الخبيثة، ثم تعدلها وتعيد بناءها آليًا حتى تتجاوز الكشف.
  • استهدفت العملية جهات حكومية ودبلوماسية ودفاعية، وسلاسل توريد للطائرات المسيّرة في أوكرانيا وأوروبا.
  • مجموعة أخرى شغلت «أسرابًا» من الوكلاء المتخصصين بالتوازي، مع ذاكرة دائمة تضم الأهداف وكلمات المرور وحالة كل اختراق.
  • فرد واحد أنشأ، بمساعدة الذكاء الاصطناعي، منصة لدمج بيانات صحية وقضائية وسياسية مسروقة، واخترق 14 جهة على الأقل من أصل 42 جهة مستهدفة. والغريب أن هذا الفرد الواحد تمكن من الوصول إلى ما يُقدّر بـ 12 إلى 26 غيغابايت من قواعد البيانات المسربة، بما في ذلك معلومات عن المتبرعين للأحزاب السياسية وسجلات الأعضاء، وصندوق بريد يحتوي على 15000 رسالة، وسجلات طلبات الطلاب (بما في ذلك بيانات القاصرين)، وبيانات مزودي خدمات الدفع، ثم قام بتسريبها. كما قام هذا المهاجم بإنشاء نظام اعتراض بيانات اعتماد مباشر. وباستخدام البيانات المسربة، أنشأ المهاجم أرشيفات مشفرة لكل ضحية على موقع تسريب بيانات عبر شبكة تور (Tor) يديره بنفسه!

العمل الذي كان يحتاج فريقًا من المتخصصين يمكن الآن لفرد أو مجموعة محدودة إنجازه بسرعة وعلى عشرات الأهداف في وقت واحد

النتيجة المهمة هنا أن الذكاء الاصطناعي لم يخترع بالضرورة وسائل اختراق غير مسبوقة؛ فما زالت كلمات المرور المسروقة، والثغرات غير المصححة، والتصيد، وواجهات الخدمات المكشوفة أدوات رئيسية. لكنه غيّر اقتصاد الهجوم: العمل الذي كان يحتاج فريقًا من المتخصصين يمكن الآن لفرد أو مجموعة محدودة إنجازه بسرعة وعلى عشرات الأهداف في وقت واحد. هذه النقطة تحديدا في التقرير لفتت أنظار العديد من الدوائر السياسية والاقتصادية الي قدرت أن عمليات مشابهة في المضي القريب كانت تتكلف أكثر من عشرة أضعاف للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

 التأثير الإعلامي: من إنتاج المحتوى إلى إدارة منظومة كاملة

يعرض التقرير في هذا المجال تسع عمليات تأثير منشؤها روسيا وإيران وتركيا ودول الخليج العربي وجنوب آسيا وأفريقيا وأوروبا، واستهدفت جماهير في ست قارات. شملت الجهات الفاعلة وراء هذه العمليات حكومات، ومؤسسات دعاية تابعة للدول ووسائل إعلام رسمية، فضلاً عن شركات خاصة تبيع خدمات التأثير لعملاء يدفعون مقابل ذلك، وجهات سياسية محلية، كما شملت حركة معارضة في المنفى في إحدى الحالات.

هذا المثال تحديدا يكشف أيضا عن الوحشية التي يمكن بها أن تعامل نماذج تقنية صماء غير بشرية لفئات ضعيفة ومهمشة مثل مجتمع الشتات الأويغوري.

استُخدِم Claude في:

  • إنشاء شخصيات وحسابات وهمية.
  • بناء مواقع إخبارية تبدو مستقلة.
  • صياغة محتوى بلغات ولهجات مختلفة.
  • توزيع الأدوار والجداول الزمنية.
  • تحليل الجماهير وتقسيمها.
  • غسل مصدر الرواية، بحيث يبدو الخطاب الحكومي وكأنه صادر عن صحفيين أو مواطنين مستقلين.
  • إنتاج مواد تستهدف الانتخابات أو تشوه شخصيات سياسية.

لكن التقرير يميز، بصورة صحيحة، بين حجم الإنتاج وحجم التأثير. فوجود مئات الحسابات وآلاف المنشورات لا يعني تلقائيًا نجاح الحملة في تغيير الرأي العام أو السياسات.

الحالة الإيرانية: دمج الذكاء الاصطناعي في ماكينة الدعاية

رصدت أنثروبيك ثلاث عمليات إيرانية مرتبطة بمؤسسات موالية للدولة، استخدمت Claude بوصفه طبقة إدارية وتشغيلية:

  • إعداد أدلة العمل والعقيدة الإعلامية.
  • تحويل النشرات الحكومية والاستخباراتية إلى محتوى موجه.
  • إنتاج مواد بالفارسية والعربية والأردية والملايوية والإسبانية والإنجليزية، ضمن خطة أوسع تستهدف عشرين لغة.
  • جعل المواد تبدو وكأنها صادرة عن كتاب أجانب أو وسائل إعلام مستقلة.
  • نسب ادعاءات غير صحيحة، خلال حرب 2026، إلى مؤسسات بحثية غربية مثل RAND وBrookings و CSIS
  • إنتاج محتوى يستهدف البهائيين ومعارضين إيرانيين.

وفي الاتجاه المقابل، رصد التقرير عملية مرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، استخدمت الذكاء الاصطناعي لانتحال شخصية ناشط حقيقي، وتحليل نحو 8400 من منشوراته لتقليد أسلوبه، وإدارة محادثات سياسية مع معارفه دون علمهم. كما جرى تحليل أكثر من 51 ألف رسالة لبناء ملفات نفسية وسياسية عن أفراد داخل إيران.

وهذا مثال بالغ الأهمية: الذكاء الاصطناعي لا يخدم الحكومات فقط، بل يستطيع أيضًا تمكين حركات المعارضة والتنظيمات العابرة للحدود من استخدام الأدوات نفسها.

التقرير يكشف أيضًا صعود شركات النماذج بوصفها فاعلًا استخباراتيًا وتنظيميًا – وسياسيًا – عابرًا للحدود

العملية المنسوبة إلى الإمارات

هذه هي الحالة التي أثارت الجانب الأكبر من الضجة العربية. تقول أنثروبيك إنها ربطت «بثقة عالية» العملية بمسؤولين حكوميين إماراتيين، وإنها كانت تتكون من خمسة مسارات متزامنة:

  • شبكة تضم قرابة 300 حساب تأثير غير أصيل.
  • إنشاء واجهة لمنظمة غير حكومية تنتحل هوية منظمة سويسرية حقيقية.
  • إعداد تقارير حقوقية تبدو مستقلة.
  • كتابة شهادات كان مخططًا تقديمها في الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، مع الحرص على عدم ذكر الإمارات.
  • إعداد ملفات شخصية عن 18 عضوًا في البرلمان الأوروبي وصحفيين بارزين.
  • إعداد ملفات مضادة عن مقررين أمميين انتقدوا دور الإمارات في السودان.
  • إدارة حملة تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، وتربط الإسلاميين بالنزاع السوداني وعدم الاستقرار الإقليمي.

لكن يلزم ضبط الصياغة هنا:

  • التقرير يقول إنه ربط العملية بمسؤولين إماراتيين «بثقة عالية»؛ وهذا تقييم استخباراتي صادر عن شركة خاصة، وليس حكمًا قضائيًا أو تحقيقًا دوليًا مستقلًا.
  • صنفت العملية في الفئة الثالثة على مقياس الانتشار: عبرت عدة منصات، لكن لم يثبت أنها حققت انتشارًا جماهيريًا أو أثرًا سياسيًا كبيرًا.

ولهذا فصياغة بعض التغطيات العربية بأن التقرير «أثبت استخدام الإمارات للذكاء الاصطناعي لمحو جرائمها في السودان» تتجاوز ما أثبته النص الأصلي. ما أثبته التقرير هو وجود عملية تأثير موجهة مرتبطة، وفق تقييم الشركة، بمسؤولين إماراتيين، واستهدفت السرديات والمساءلة المتعلقة بالسودان.

المراقبة الجماعية: نموذج مالي

استخدم مستشار واحد Claude بوصفه «القوة الهندسية الأساسية» لبناء منصة مراقبة لصالح جهاز أمن الدولة في مالي. ووفق التقرير، صُممت المنصة للتعامل مع بيانات نحو 25 مليون شريحة هاتف عبر شركات الاتصالات الثلاث في البلاد.

وشملت قدراتها:

  • جمع سجلات المكالمات والرسائل والصوت.
  • التعرف إلى الشخص عبر بصمته الصوتية حتى لو غيّر شريحة الهاتف.
  • اكتشاف مستخدمي الشبكات الافتراضية والتشفير.
  • رصد الاجتماعات السرية المفترضة.
  • الربط بالسجل المدني البيومتري.
  • إنتاج ملف استخباراتي عن أي رقم هاتف دون اشتراط إذن قضائي.
  • الاحتفاظ بالبيانات لمدة غير محددة.

والأخطر أن إغلاق حساب المستخدم لدى أنثروبيك لم يوقف النظام؛ لأنه كان قد نُقل إلى بيئة محلية ويعمل بنموذج مستقل. وهذه الحالة تكشف حدود «الإيقاف» الذي تتباهى به أحيانا شركات نماذج الذكاء الاصطناعي، إذ تستطيع الشركة قطع خدمتها فعلا، لكنها لا تستطيع استرداد الكود والمعرفة والمنتجات التي خرجت بالفعل من منصتها.

الصين والأويغور في سوريا

رصد التقرير جهة مرتبطة، بدرجة ثقة منخفضة، بأمن الدولة الصيني، استخدمت Claude لرصد الأويغور والجماعات الأويغورية المسلحة في سوريا ومحاولة تجنيد مصادر داخلها.

جرى تحليل محتوى أكثر من مئة مجموعة واتساب وعشرات قنوات تليجرام، وبناء ملفات عن نقاط ضعف الأفراد: الحاجة المالية، والانفصال عن الأسرة، وخيبة الأمل الأيديولوجية. كما استُخدم Claude في:

  • الكتابة باللهجة السورية.
  • الترجمة الفورية.
  • اختبار رسائل الخداع نفسيًا ولغويًا.
  • تحديد مواقع أشخاص ومؤسسات.
  • اختيار المرشحين الأكثر قابلية للتجنيد!

هذه الحالة تكشف أن الذكاء الاصطناعي يزيل عقبة اللغة والخبرة المحلية؛ فقد أصبح مشغل غير عربي قادرًا على إجراء عملية تجنيد تبدو محلية لغويًا وثقافيًا. هذه الحالة الغريبة تكشف أيضا في وسط بيئة أناس ضعفاء مهاجرين ملاحقين في الشتات، كيف أحاطت بهم دورة حياة الهجوم الاستخباراتي باستخدام الذكاء الاصطناعي، إذ شملت العملية سلسلة الاستخبارات بأكملها.

ففي مرحلة الجمع والتحليل، استخدم الجهة الفاعلة بنية تحتية منفصلة (مغايرة لتلك الخاصة بـ Claude) لاستخراج كميات كبيرة من المحادثات والنقاشات من مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي. ثم استخدموا Claude كطبقة تحليلية تعمل دون اتصال بالإنترنت (offline) لربط الهويات عبر المنصات المختلفة، ورسم خرائط الشبكات، وتحديد سمات الأفراد بناءً على نقاط الضعف القابلة للاستغلال، وإعداد تقارير باللغة الصينية، فضلاً عن وضع خطط مفصلة لقمع وسائل الإعلام التابعة لمجتمع الشتات الأويغوري. وفي مرحلة التنفيذ، استخدمت الجهة الفاعلة Claude للتخطيط لعملية تجنيد سرية استمرت عدة أيام واستهدفت أشخاصاً مقيمين في سوريا، حيث تمت صياغة المراسلات باللهجة السورية؛ كما تولى Claude ترجمة الردود في الوقت الفعلي، ولعب دور مستشار “خبير” للتحقق من جودة الخداع، وتنسيق الوثائق تمهيداً لرفعها ضمن التسلسل الإداري للتقارير. هذا المثال تحديدا يكشف أيضا عن الوحشية التي يمكن بها أن تعامل نماذج تقنية صماء غير بشرية لفئات ضعيفة ومهمشة مثل مجتمع الشتات الأويغوري.

خلية تطوير الأسلحة في شمال اليمن

تقول أنثروبيك إنها رصدت خلية في شمال اليمن تعمل على ثلاثة برامج:

  • صاروخ موجه يستخدم حاسوب طيران من فئة الهواتف وتوجيهًا في المرحلة النهائية.
  • صاروخ باليستي متعدد المراحل بمدى مستهدَف يتجاوز ألفي كيلومتر.
  • مجموعة صواريخ باسم R2000 تشمل نسخة لمركبة انزلاقية فرط صوتية.

استخدمت الخلية عدة نسخ من Claude كما لو كانت فريقًا هندسيًا: واحدة للبرمجة، وأخرى للبحث، وثالثة لمراجعة العمل. وساعد النموذج في برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم، والمحاكاة وضبط الخوارزميات وتحليل نتائج الاختبار.

وتقول الشركة إن الخلية أجرت تجربة ميدانية لصاروخ موجه، لكنها فشلت، ثم عادت خلال ساعات إلى Claude  لتحليل أسباب الفشل. ولا يوجد، بحسب التقرير، دليل على أن الخلية نجحت في إنتاج منظومة عاملة.

ويجب هنا تجنب أمرين شائعين في التغطية الإعلامية الواسعة لتلك الحالة تحديدا:

  • صحيح أن التقرير لم يسمِّ الحوثيين صراحة؛ بل قال «خلية مقرها شمال اليمن»، لكن نسبة الخلية إلى الحوثيين استنتاج مؤكد بالنظر إلى الموقع والسياق، وليست معلومة أعلنتها الشركة.
  • طبعا لم «يصنع Claude صاروخًا» كما ادعت بعض الأصوات الإعلامية الزاعقة، وإنما اختصر جانبًا من دورة الهندسة البرمجية والمحاكاة وتحليل الاختبارات.

المغزى الاستراتيجي هنا أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تقليص الحاجة إلى المهندسين المتخصصين وإلى بعض برامج المحاكاة باهظة الثمن، لكنه – بطبيعة الحال – لا يُلغي الحاجة إلى الخبرة المادية، والمكونات، والمختبرات، والاختبارات الميدانية.

الأهم من ذلك: كيف نسارع نحن في إحسان استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات التي نعاني منها حاليا

الاستخدام البيولوجي المزدوج

يعرض التقرير خمس حالات لبحوث يمكن أن تخدم أغراضًا طبية مشروعة أو تطبيقات بيولوجية خطرة، منها:

  • بحوث زيادة وظائف فيروس الشيكونغونيا[2].
  • تكييف إنفلونزا الطيور مع الثدييات.
  • إعداد مقترح بحثي كامل حول تهرب فيروس مناعيًا.
  • تصميم جزيئات مشتقة من السموم.
  • إعادة تصميم سموم ضمن برنامج وطني مع إخفاء هويتها في التقارير.

لا تزعم أنثروبيك في هذا القسم أنها اكتشفت برنامجًا وشيكًا لإنتاج سلاح بيولوجي. بل تقول إن الحالات الخمسة تثبت اهتمام جهات مرتبطة بدول ببحوث مزدوجة الاستخدام، ومحاولتها تجاوز القيود الجغرافية ووسائل الحماية.

وهنا يعترف التقرير بعجز المرشحات النصية وحدها؛ لأن السؤال العلمي نفسه قد يكون ضروريًا لإنتاج دواء أو سم. لذلك تقترح الشركة الجمع بين المرشحات وبين التحقق من هوية الباحث والمؤسسة وبرامج الوصول الموثوق. الإشكال هنا أن المجال ذو قابلية عالية وخطيرة للاستخدام المزدوج (أبحاث علمية أو تطوير فيروسات وسموم قاتلة)

الاحتيال العاطفي

استخدم استوديو صيني Claude لبناء أكثر من عشرين تطبيق “مواعدة” في إبريل 2026، وتشغيل 4700 شخصية اصطناعية تحدثت مع 25 ألف شخص على الأقل خلال أسبوعين، وأنتجت نحو 2.36 مليون رسالة.

كانت نسبة الشخصيات الآلية إلى البشر ثلاثة إلى واحد. وأُدخل أشخاص حقيقيون لإجراء مكالمات الفيديو ومتابعة الضحايا على وسائل التواصل، بما يعزز وهم الأصالة. اللافت أن حتى هؤلاء الأشخاص الحقيقيين تم تعزيز قدراتهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، إذ تولى نموذج آخر إنشاء بعض الرسائل نيابةً عنهم.

تكشف هذه الحالة أن أكثر صور الاحتيال فاعلية لن تكون آلية خالصة، بل منظومات هجينة تجمع بين كثافة الآلة وبعض التدخل البشري في اللحظات التي تحتاج إلى إثبات الهوية أو بناء الثقة.

رابعًا: ماذا يعني التقرير استراتيجيًا؟

الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع القوة ولا يحتكرها

النماذج المتقدمة لا تمنح القوة للدول الكبرى فقط؛ بل تمنحها كذلك للأفراد والمقاولين والجماعات المسلحة والمؤسسات وشركات الاستخبارات الخاصة. فهي تلغي أو تخفض مستوى ثلاثة حواجز:

  • حاجز الخبرة الفنية.
  • حاجز عدد العاملين.
  • حاجز الزمن والتكلفة.

وهذا يعني أن النتيجة ليست بالضرورة مزيدًا من احتكار القوة، بل انتشار بعض أدواتها المتقدمة إلى ما دون الدولة وما دون الشركات العملاقة العابرة للحدود.

المؤشر التقني لم يعد كافيًا لمعرفة هوية الفاعل

في الماضي كان تعقيد الهجوم قرينة على وقوف دولة أو جهاز محترف وراءه. أما الآن فقد يتمكن فرد واحد من إنتاج سلوك تقني يشبه عمل فريق استخباراتي. لذلك تصبح النية، والبنية التنظيمية، والتمويل، واختيار الأهداف، أهم من «درجة التطور التقني» في عملية الإسناد.

التحول الأهم هو في اقتصاد العمليات

الجديد ليس ظهور التجسس أو الدعاية أو الاحتيال؛ بل انخفاض تكلفتها الحدية. فبعد بناء سير العمل يمكن تشغيل:

  • مئات الشخصيات الوهمية.
  • عشرات الأهداف السيبرانية المتزامنة.
  • مراقبة ملايين السجلات.
  • إنتاج رسائل مخصصة لكل شريحة مُستهدفة (اجتماعية أو فكرية أو سياسية).
  • تكرار اختبار السلاح أو البرمجية بسرعة، بل وبشكل آني في الوقت الحقيقي.

وبذلك تصبح أهداف كانت غير مجدية اقتصاديًا قابلة للاستهداف، ويزداد حجم العمليات منخفضة التكلفة وعالية الكثافة.

الخط الفاصل بين الداخل والخارج يتآكل

الأداة نفسها تستطيع أي حكومة – مستبدة أو غيرها -الجمع بين:

  • مراقبة وحصار المعارضين داخليًا.
  • رصد الشتات من المعارضين والمناوئين في الخارج.
  • إنشاء محتوى للتأثير في الرأي العام الدولي.
  • إعداد ملفات للمسؤولين والصحفيين.
  • تحويل المعلومة إلى تصيد أو تجنيد أو ابتزاز.

ومن ثم لم تعد المراقبة والتأثير والتجسس السيبراني مجالات منفصلة، بل حلقات في دورة تشغيلية واحدة.

المنصات الخاصة أصبحت تملك قدرة استخباراتية سيادية

أصبحت الشركات المالكة لنماذج الذكاء الاصطناعي تمتلك رؤية إلى مرحلة مبكرة من العمليات، حين يخطط الفاعل ويكتب الكود ويبني قوائم الأهداف. وقد ترى بذلك نشاطًا لا تستطيع الحكومة المستهدفة أو منصة التواصل رؤيته (كما يظهر من هذا التقرير).

لكن هذا يخلق مشكلة موازية: شركة خاصة أصبحت في الواقع قادرة على:

  • تصنيف مستخدم بوصفه فاعل تهديد.
  • إغلاق وصوله.
  • إسناد نشاط إلى دولة (متى شاءت) أو مؤسسة.
  • مشاركة أو حجب معلوماته مع جهات حكومية.
  • تحديد ما يعد بحثًا مشروعًا أو نشاطًا خطيرًا.

أي أن التقرير لا يكشف فقط صعود الذكاء الاصطناعي، بل يكشف أيضًا صعود شركات النماذج بوصفها فاعلًا استخباراتيًا وتنظيميًا – وسياسيًا – عابرًا للحدود.

خامسًا: لماذا أصدرت أنثروبيك التقرير الآن؟

بداية ينبغي التفريق بين الأسباب المُعلنة والدوافع التي يمكن استنتاجها، لأن الأسباب المعلنة لا يكاد يثق بها أحد وهي صادرة من شركة عملاقة عابرة للحدود ومتغلغلة في كل من مجتمع الاستخبارات والجيوش الغربية.

الأسباب المعلنة

تقول الشركة إنها تريد:

  • الوفاء بمسؤوليتها في الكشف عن إساءة استخدام خدماتها.
  • مساعدة الشركات الأخرى في اكتشاف الأنماط نفسها.
  • إعطاء الحكومات والمجتمع المدني صورة أوضح للتهديدات.
  • بناء دفاع جماعي وتبادل مؤشرات التهديد.
  • إظهار كيفية تحويل الحالات الواقعية إلى وسائل حماية جديدة.

الدوافع الأوسع المحتملة

إثبات جدوى “كلود” ونموذج «الابتكار الآمن»

تريد أنثروبيك إثبات أن الشركة تستطيع تطوير نماذج قوية ومراقبة إساءة استخدامها في الوقت نفسه. التقرير بهذا المعنى وثيقة أمنية ووثيقة سُمعة مؤسسية معًا. صياغة التقرير أيضا توحي بأن أغراضه التسويقية قد تكون الدافع الأول، والرسالة: نموذج كلود في غاية التطور والجاهزية لدرجة تكالب لاعبين من كل بلد وتخصص لاستخدامه في مشروعات كبرى.

التأثير في الجدل التنظيمي

التقرير يدعم ضمنيًا نظامًا يقوم على:

  • التحقق من هوية المستخدم في المجالات الخطرة.
  • الاحتفاظ بقدر من سجلات الاستخدام.
  • منح شركات النماذج صلاحية مراقبة الأنماط وإغلاق الحسابات.
  • تبادل المعلومات مع الحكومات.
  • تقييد الوصول إلى القدرات المتقدمة.

وهي خيارات ستمنح الشركات الكبرى، القادرة وحدها على تحمل تكلفة الامتثال والمراقبة، أفضلية على الشركات الصغيرة والنماذج المفتوحة.

حماية الشركة قانونيًا وسياسيًا

النشر يتيح لأنثروبيك القول إنها لم تتجاهل إساءة الاستخدام، وإنها اكتشفت العمليات وأوقفتها، بل وحذرت السلطات بشأنها. وهذا مهم مع اقتراب الذكاء الاصطناعي من ميادين السلاح والبيولوجيا والمراقبة الجماعية.

ترسيخ موقع أنثروبيك داخل مجتمعات الاستخبارات حول العالم

لغة التقرير، وتصنيفات مجموعات التهديد، ومؤشرات الاختراق، ودرجات الثقة، كلها تجعل الشركة أقرب إلى مؤسسة استخبارات تهديدات منها إلى مجرد مزود تقني.

الاحتكار التنظيمي

أنثروبيك (المملوكة جزئياً لـ Amazon وGoogle والمصنفة كشركة أبحاث سلامة PBC) تخوض حربًا شرسة ضد النماذج مفتوحة المصدر (Open-Source AI) والنماذج الصينية. نشر هذا التقرير في هذا التوقيت بالذات يهدف إلى الضغط على الكونجرس والإدارة الأمريكية لفرض قوانين صارمة تُجرم النماذج المفتوحة وتلزم الجميع بترخيص سحابي، مما يضمن احتكار الشركات المليارية السحابية للسوق العالمي.

المنافسة الجيوتقنية مع الصين

يخصص التقرير مساحة واسعة لمحاولات سبعة مختبرات صينية استنساخ قدرات Claude وتتهم أنثروبيك جهات، بينها Alibaba وMoonshot وDeepSeek وXiaomi، باستخدام شبكات حسابات وهمية أو تمرير طلبات المستخدمين إلى Claude لجمع بيانات تدريبية.

وبذلك يربط التقرير بين سلامة النماذج وبين حماية التفوق التكنولوجي الأميركي. ومن المهم قراءة هذا القسم أيضًا في سياق المنافسة الأميركية–الصينية، لا باعتباره مسألة أخلاقية وتقنية محضة.

القيود التي ينبغي ذكرها بوضوح

هذه ملاحظات مهمة حتى تكون قراءتنا واستنتاجاتنا من هذا التقرير متوازنة وموضوعية:

أنثروبيك هي مصدر البيانات والحَكَم عليها في الوقت نفسه. لا تتوفر للباحث الخارجي السجلات الكاملة التي تسمح بإعادة فحص جميع الاستنتاجات. أنثروبيك هنا هي المتهم والمحقق والقاضي!

  1. الحالات منتقاة وليست عينة إحصائية: لا يمكن استنتاج نسبة الدول أو الجماعات أو أنواع الضرر من عدد الحالات الواردة.
  2. الإسناد متفاوت القوة: بعض الحالات نُسبت بثقة عالية، وبعضها بثقة منخفضة، وبعضها وصف جغرافيًا فقط.
  3. الاستخدام لا يساوي النجاح: إعداد خطة أو محاكاة أو حملة لا يعني بالضرورة إنتاج سلاح عامل أو إحداث أثر سياسي حقيقي.
  4. «التعطيل أو إيقاف الخدمة» لا يعني دائمًا إنهاء الخطر: قد يعني إغلاق حسابات Claude فقط، بينما تستمر البنية التي بُنيت سابقًا أو تنتقل إلى نموذج آخر أو إلى تشغيل محلي.

التوصيات المستخلصة عربيًا

على مستوى الحكومات

  • إنشاء وحدات وطنية لرصد إساءة استخدام النماذج، لا تقتصر على الأمن السيبراني التقليدي.
  • إدخال الذكاء الاصطناعي الوكيلي ضمن تقديرات التهديد العسكري والاستخباراتي.
  • إلزام الجهات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في المراقبة بقواعد قضائية وتدقيق مستقل وشفاف وسجلات قابلة للمراجعة.
  • تحديث قوانين انتحال الهوية والتأثير السياسي والإعلانات والحملات المنسقة.
  • بناء قنوات رسمية سريعة مع شركات النماذج لتبادل مؤشرات التهديد.
  • تجنب تسليم الشركات الأجنبية وحدها سلطة تعريف النشاط المشروع وغير المشروع.

على مستوى المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث والدراسات العربية

  • عدم اعتبار جودة اللغة أو تنوع الأسلوب دليلًا على وجود كتّاب حقيقيين.
  • فحص البنية الشبكية للحملات: توقيت النشر، تشابه المواد، مصادر التمويل، وعلاقات الحسابات.
  • إنشاء بروتوكولات للتحقق من الشهادات الحقوقية والوثائق المنسوبة إلى منظمات مستقلة.
  • تدريب الباحثين على كشف «غسل المصدر»، لا على كشف النص المولد آليًا فقط.
  • التفريق في التغطية بين الادعاء، والتقييم الاستخباراتي، والدليل المستقل، والأثر المثبت.

على مستوى الأمن السيبراني الأَولي للمؤسسات

  • الانتقال من الدفاع القائم على التوقيعات الثابتة إلى الرصد السلوكي.
  • حماية مفاتيح واجهات البرمجة بوصفها أصولًا شديدة الحساسية.
  • افتراض أن كل خدمة مكشوفة على الإنترنت ستُفحص آليًا وعلى مدار الساعة.
  • تقصير الزمن بين اكتشاف الثغرة وإصلاحها؛ لأن المهاجم الوكيلي يعمل بسرعة الآلة.
  • مراقبة السلوك المتكرر متعدد المراحل بدلًا من تقييم كل طلب منفرد؛ فالمستخدم قد يوزع المشروع الضار على عشرات الجلسات البريئة ظاهريًا.

على مستوى شركات الذكاء الاصطناعي العربية الناشئة

  • بناء حماية تراكمية تفهم المشروع الكامل، لا الكلمات المحظورة في رسالة منفردة.
  • تشديد التحقق من الهوية في مجالات البيولوجيا والسلاح والمراقبة.
  • تمكين الباحثين المستقلين من مراجعة قدر أكبر من الادعاءات.
  • توحيد معايير الإفصاح والإسناد ودرجات الثقة.
  • تطوير آليات لمنع انتقال المنتج الضار إلى نماذج محلية بعد اكتماله.
  • توفير آلية اعتراض أو مراجعة عند تصنيف مؤسسة أو مستخدم باعتباره جهة تهديد.

الخلاصة

لا يكشف تقرير أنثروبيك عن ظهور أخطار جديدة كليًا بقدر ما يكشف عن تغير جذري في سرعة الأخطار القديمة وحجمها وكلفتها. التجسس والدعاية والمراقبة والاحتيال وتطوير السلاح سبقت الذكاء الاصطناعي؛ لكن النماذج الوكيلية تحوّلها من عمليات كثيفة العمالة والخبرة إلى سلاسل شبه آلية يمكن لفرد أو فريق صغير تشغيلها عبر عشرات الأهداف واللغات والمنصات. هذا أهم مغزى ونتيجة لهذا التقرير.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي التسليم بالتقرير بوصفه سجلًا قضائيًا محايدًا. فهو صادر عن شركة طرف في الوقائع، وله أهداف أمنية وتجارية وتنظيمية وحتى جيوسياسية. لذلك تكمن قيمته في أنه إنذار مبكر ونافذة استخباراتية مهمة، لا في أنه الحقيقة الكاملة أو الكلمة الأخيرة.

والسؤال الذي يفرضه التقرير على المنطقة العربية ليس: هل سيُساء استخدام الذكاء الاصطناعي؟ فقد بدأ ذلك بالفعل. السؤال هو: مَن يملك القدرة على اكتشافه، ومن يضع قواعده، ومن يراقب الشركات التي أصبحت هي نفسها تملك سلطة استخباراتية عابرة للدول؟

ثم الأهم من ذلك: كيف نسارع نحن في إحسان استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات التي نعاني منها حاليا وربما على رأسها:

  • إدارة الأعمال
  • التعليم عن بعد
  • حماية التراث العلمي الشرعي
  • دعوة غير المسلمين
  • أدوات الإعلام البديل

المقصود هنا أنه يمكننا في الحقيقة قراءة تقرير أنثروبيك بطريقة معكوسة:

كل قدرة خفّضت كلفة الهجوم أو التضليل أو المراقبة نستطيع – نحن العرب – إذا وجهناها جيدًا، أن تخفّض كلفة التعليم والإدارة والبحث والإعلام والتنمية… إلخ. فالتقرير يخبرنا أن فردًا واحدًا استطاع أن يؤدي عمل فريق هندسي أو استخباراتي أو إعلامي؛ وأن النموذج تجاوز حواجز اللغة، وحلل كميات ضخمة من المعلومات، ونسّق عدة مهام في الوقت نفسه، وحوّل الخبرة المكتوبة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ. وهذه بالتحديد مشكلات يعاني منها العالم العربي: نقص الكفاءات المتخصصة، وضعف المؤسسات، وارتفاع تكلفة الخدمات، وتشتت المعرفة، واتساع الفجوة بين المركز والأطراف.

مع التأكيد على أن الفرصة ليست في «استخدام روبوت محادثة» داخل المؤسسات، بل في “إعادة بناء سير العمل حول الإنسان المدعوم بالذكاء الاصطناعي”.

حول الفرص التي يكشفها التقرير بصورة مباشرة، وكيف يمكن قلب أبرز المخاطر التي عرضها التقرير إلى استخدامات نافعة، نعكف حاليا في مركز رؤيا على تحرير دراسة (توظيف قوة الذكاء الاصطناعي لمعالجة أزمات الأمة المزمنة) نرجو أن تُبنى عليها خطوات عملية نافعة للأمة.

د. محمد هشام راغب


[1] https://www.anthropic.com/threat-intelligence-report-september-2026

[2] فيروس الشيكونغونيا (Chikungunya) هو مرض فيروسي حاد ينقله البعوض، ويتميز بظهور مفاجئ لحمى شديدة وآلام مبرّحة في المفاصل قد تستمر لأسابيع أو أشهر، ونادرًا ما يكون قاتلًا لكنه قد يسبب إعاقة مؤقتة طويلة الأمد.

زر الذهاب إلى الأعلى