سيستان وبلوشستان: مطالب أهل السنة في إيران بين التهميش والمقاربة الأمنية!

يتناول هذا التقرير ورقة منشورة في "موقع إنصاف نيوز" الإيراني، والتي تقدم قراءة نقدية للمقاربات الأمنية المتبعة تجاه محافظة سيستان وبلوشستان، مسلطة الضوء على جذور انعدام الأمن الاجتماعية والسياسية، ومطالبة بمعالجة الأسباب البنيوية بدلاً من الاقتصار على التعامل مع النتائج. تعكس الورقة مطالب مشروعة لسنة إيران، الذين يعانون من التمييز القومي والمذهبي، والحرمان الاقتصادي، وضعف التمثيل في مؤسسات الدولة، وتؤكد على دور القيادات الدينية والمحلية في معالجة التوترات. تنتقد الورقة المقاربة الأمنية التي تعتمد على الوسائل العسكرية والتحقيقات فقط، وتربط انعدام الأمن بالفقر والبطالة والتمييز وسوء توزيع الموارد، محذرة من أن استمرار هذه العوامل يبقي أسباب الاضطراب قائمة. كما تطالب بضمان حقوق متساوية للبلوش وغيرهم من الأقوام الإيرانية، وإتاحة المشاركة الفعلية في الإدارة العليا ومراكز صنع القرار بعيدًا عن الاعتبارات التمييزية. وتطرح تساؤلات حول نصيب المحافظة من عائدات المعادن والموانئ والموارد الجوفية، في مقابل استمرار حرمان أهلها من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والمياه والطرق وفرص العمل، رغم موقعها الاستراتيجي، داعية إلى توزيع أكثر عدالة للموارد ومنافع التنمية. وتدعو الورقة إلى إيفاد وفود متخصصة لمعالجة الحرمان التاريخي بالتوازي مع الوفود الأمنية، والاستفادة من العلماء والوجهاء، وفي مقدمتهم مولوي عبد الحميد، لبناء الثقة واحتواء التوترات. وتؤكد أن سكان المحافظة هم الأكثر تضررًا من انعدام الأمن، وأن مطالبهم الأساسية تتمثل في الاستقرار والحياة الكريمة، لا في استمرار الوصم الأمني، وتدعو إلى إجراءات عملية لمعالجة أسباب التهميش. يكشف المقال عن جانب من الحراك السياسي والاجتماعي داخل إيران، حيث يحاول المكون السني البلوشي نقل قضية سيستان وبلوشستان من إطار مكافحة التمرد إلى إطار المواطنة والعدالة في توزيع الموارد والتمثيل السياسي. ويبرز المقال تناقضًا صارخًا بين الخطاب الرسمي الذي يروج للتسامح والمساواة، والممارسة الداخلية التي تعامل المواطن السني كتهديد أمني دائم، وتكشف عن زيف دعوى "المواطنة المتساوية" و"عدالة توزيع الثروات". ويعد المقال وثيقة إدانة استراتيجية تثبت أن "التسامح والمساواة" في أدبيات الجمهورية الإسلامية هي مقولات للاستهلاك الإعلامي والسياسي الخارجي فقط، بينما تشير الممارسة العملية على الأرض إلى نظام "أبرتهايد" مذهبي وقومي.
الملخص التنفيذي:
يتناول هذا التقرير ورقة منشورة في “موقع إنصاف نيوز” الإيراني بعنوان: “قراءة نقدية للمقاربات الأمنية تجاه محافظة سيستان وبلوشستان” يتناول انعدام الأمن في محافظة سيستان وبلوشستان وجذوره الاجتماعية والسياسية، وتنتقد تعامل السلطات مع الحوادث الأمنية في المحافظة دون معالجة أسبابها البنيوية.
وتعكس المادة مطالب مشروعة لسنة إيران بشأن ما يعانونه من التمييز القومي والمذهبي، والحرمان الاقتصادي، وضعف التمثيل في مؤسسات الدولة، ودور القيادات الدينية والمحلية في معالجة التوترات.
وتتمثل أبرز أفكار الورقة في النقاط الآتية:
- نقد المقاربة الأمنية: يرى الكاتب أن معالجة انعدام الأمن بالوسائل العسكرية والتحقيقات الأمنية وحدها لا تعالج أسبابه، التي يربطها بالفقر والبطالة والتمييز والحرمان التاريخي وسوء توزيع الموارد، ويحذر من أن استمرار هذه يُبقي أسباب الاضطراب قائمة.
- المواطنة والتمثيل السياسي: تطالب الورقة بضمان حقوق متساوية للبلوش وغيرهم من الأقوام الإيرانية، وإتاحة المشاركة الفعلية في الإدارة العليا ومراكز صنع القرار، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية والتمييزية.
- التنمية وتوزيع الموارد: تطرح المادة تساؤلات بشأن نصيب المحافظة من عائدات المعادن والموانئ والترانزيت والموارد الجوفية، في مقابل استمرار حرمان أهلها من حقوقها في التعليم والصحة والمياه والطرق وفرص العمل، رغم موقعها الاستراتيجي. ويكشف ذلك عن مطالبة بتوزيع أكثر عدالة للموارد ومنافع التنمية.
- دور العلماء والقيادات المحلية: يدعو الكاتب إلى إيفاد وفود متخصصة لمعالجة الحرمان التاريخي بالتوازي مع الوفود الأمنية، والاستفادة من العلماء والوجهاء، وفي مقدمتهم مولوي عبد الحميد () ، كونهم أطرافًا يمكن أن تسهم في بناء الثقة واحتواء التوترات وتحسين العلاقة بين السكان ومؤسسات الدولة.
- الأمن بوصفه نتيجة للعدالة والاستقرار: تؤكد الورقة أن سكان المحافظة هم الأكثر تضررًا من انعدام الأمن، وأن مطالبهم الأساسية تتمثل في الاستقرار والحياة الكريمة، لا في استمرار الوصم الأمني، وتدعو إلى إجراءات عملية لمعالجة أسباب التهميش بدلًا من الاقتصار على التعامل مع نتائجه. ()

الدلالة:
تكشف المادة عن جانب من الحراك السياسي والاجتماعي داخل إيران، حيث يحاول المكوِّن السني البلوشي نقل قضية سيستان وبلوشستان من إطار مكافحة التمرد إلى إطار المواطنة والعدالة في توزيع الموارد والتمثيل السياسي، وهي بذلك تعكس فجوة بين المقاربة الأمنية للدولة ومطالب قطاعات محلية ترى أن الاستقرار يرتبط بإصلاحات اقتصادية وإدارية وسياسية، كما تتيح فهم دور علماء الدين السنة في التعبير عن هذه المطالب، ومحاولة توظيف مكانتهم الاجتماعية في التفاوض مع السلطة.
- النص المترجم:
بالتزامن مع اغتيال الدكتور نصرت افتخاري، نائب قائد الشرطة في سيستان وبلوشستان للشؤون الثقافية والاجتماعية، على محور “چشمه زيارت” في زاهدان، أوفد إسكندر مؤمني، وزير الداخلية، وفدًا إلى المحافظة لدراسة أبعاد هذه الحادثة، وجاء هذا الإجراء بعد وقت قصير من وفاة البروفيسور حبيب الله سالارزهي، رئيس حديقة العلوم والتقنية في سيستان وبلوشستان، في ظروف غامضة ومريبة؛ غير أنه لم يُجرَ في تلك الحادثة، كما كان يتوقع أهالي المحافظة توضيحٌ شفافٌ للأمر، ولم تصدر عن المسؤولين على المستوى الوطني رسالة تعزية لائقة.
وقد أثار هذا التفاوت اللافت في رد فعل المسؤولين تجاه الحادثتين أسئلة كثيرة في الرأي العام.
ويتساءل أهالي بلوشستان: أليس إيفاد وفود التحقيق، دون الالتفات إلى جذور انعدام الأمن في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مجرد مكافحة للمعلول (النتيجة)؟!
لا يمكن تحليل انعدام الأمن في محافظة سيستان وبلوشستان أو معالجته بالمقاربات العسكرية وحدها، فمشكلات هذه المنطقة تعود جذورها إلى عوامل مثل التمييز والفقر والبطالة والحرمان التاريخي وسوء توزيع الموارد، وهي عوامل زادت مع مرور الزمن من السخط واليأس بين الناس.
إن مواجهة انعدام الأمن تتطلب مقاربة شاملة، مقاربة تركز، إلى جانب توفير الأمن، على إزالة التمييز وزيادة المشاركة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين الناس والمؤسسات المسؤولة، وما دام الفقر والاضطرار يسوقان شباب هذه الأرض إلى طرق الموت والمهن عالية الخطورة، فلن تكون زيادة الحضور العسكري ضامنة لأمن مستدام.
يتحقق الأمن الحقيقي حين يشارك الناس في تقرير مصيرهم، وينعمون بفرص عمل وتعليم متكافئة، ويؤدّون دورًا حقيقيًّا وفاعلًا في العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبدلًا من النظرة الأداتية والوعود الجوفاء، فإن المطلب الأساسي هو المشاركة الحقيقية في المستويات الإدارية العليا وفي عمليات اتخاذ القرار وصناعته؛ وتتحقق المشاركة الحقيقية حين تُضمن حقوق المواطنة لجميع الأقوام الإيرانية، من بلوش وكرد وغيرهم، بمعزل عن النظرات السياسية والذوقية.
سيادة وزير الداخلية إن جذور التطرف والعنف تنمو في بيئة من اليأس والفقر وانعدام الثقة! والأجدر بدلًا من مكافحة المعلول أن يُركَّز على تجفيف جذور التمييز في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
لو أُوفدت، إلى جانب الوفود الأمنية، وفود متخصصة لرفع الحرمان التاريخي وتمكين المجتمع المحلي، لخُفّف جزء من معاناة أهالي بلوشستان ولحُلَّ كثير من القضايا المتعلقة بأمن المنطقة واستقرارها، ينبغي الإفادة إلى أقصى حد من طاقات العلماء والوجهاء، وفي مقدمتهم قدرات مولوي عبد الحميد، الذي يحرص على خير الراعي والرعية.

وهو، بصفته شخصية مؤثرة في المنطقة، يستطيع أن يسهم في إرساء الاستقرار وإعادة بناء الثقة العامة، إن تحقيق أمن مستدام يتطلب تغيير نظرة الحكم (السلطة)، ويجب الاعتراف بالأعيان والنخب المحلية شركاء فاعلين في مسارات التنمية وتوفير الأمن؛ فالبرامج القائمة على التنمية قادرة على نقل أهالي بلوشستان من الهامش إلى المتن وتحويلهم إلى فاعلين رئيسين في أمن المنطقة وإعمارها.
يطرح أهالي محافظة سيستان وبلوشستان أسئلة صريحة: أين الحصة الحقيقية لأبناء المحافظة من المعادن وعائدات الترانزيت والموانئ والموارد الجوفية؟!
لماذا لا تزال محافظة بهذا الموقع الاستراتيجي، الواقعة على مسار الممرات الدولية، تعاني حرمانًا واسعًا في التعليم والصحة والمياه والطرق والتشغيل؟!
لماذا لا تزال حصة البلوش في القوات المسلحة والإدارات العليا ومراكز اتخاذ القرار وصناعته ضئيلة جدًّا، وفي بعض الحالات معدومة؟!
بعد مرور أكثر من 45 عامًا، كان تعيين محافظ محلي بلوشي خطوة جديرة بالتقدير ونقطة تحول؛ ولكن هل يمكن لوجود محافظ محلي، دون إصلاح النظرات والبنى القائمة ودون مراعاة التنوع القومي والثقافي، أن يكون مؤثرًا بمفرده؟!
ما الفلاتر _المرشّحات_ التي جعلت العرق البلوشي في محافظة سيستان وبلوشستان، خلال العقود الأخيرة، عاجزًا عن أداء دور في المستويات العليا الإدارية والتنفيذية والأمنية والاقتصادية، على أساس مبدأ الكفاءة وبعيدًا عن التمييز؟!
وفي الختام نؤكَّد أن أهالي محافظة سيستان وبلوشستان تضرَّروا من انعدام الأمن أكثر من أي أحد آخر، وأنهم يطلبون الهدوء والاستقرار والحياة الكريمة، ويتوقعون ألا يُردّ على صوت مطالبتهم بأحكام ظالمة و”وصمات أمنية”، بل أن تُتخذ إجراءات فعالة للقضاء على جذور الفقر والحرمان.
- تعقيب مركز رؤيا:
إن هذا المقال يُعد “صرخة تحذير حذرة” من داخل البيئة السنية في إيران، ويكشف عن جانب من معاناة أهل السنة البلوش في إيران، حيث تتداخل مشكلات التمثيل السياسي والحرمان الاقتصادي مع التعامل الأمني مع المحافظة.
ويعكس خطاب الكاتب محاولة لإبراز أن انعدام الأمن لا ينفصل عن السياسات التي يشعر السكان بأنها تمثل تمييزًا ضدهم، وأن الاستقرار لا يتحقق بمجرد زيادة الوجود العسكري، ما دامت أسباب السخط والتهميش قائمة.
وتبرز أهمية المطالب الواردة في النص في أنها تتجاوز الاعتراض على حادثة بعينها إلى مساءلة عن بنية العلاقة بين الدولة وأبناء المحافظة، فالسؤال عن نصيب البلوش من الموارد، وضعف حضورهم في المؤسسات العليا، واستمرار النقص في الخدمات الأساسية، يكشف عن فجوة بين الأهمية الاستراتيجية للمنطقة وما يحصل عليه سكانها من فرص التنمية والمشاركة، كما أن تعيين مسؤول محلي من أبناء المحافظة، على أهميته، لا يكفي وحده إذا لم يصاحبه تغيير في معايير التوظيف والترقي والوصول إلى مواقع القرار.
ويستحق تأكيد الكاتب أن سكان المحافظة هم الأكثر تضررًا من انعدام الأمن اهتمامًا خاصًّا ولا يجوز اختزال مطالبهم في التهديدات الأمنية، كما أن المطالبة بحقوق المواطنة والمشاركة العادلة لا ينبغي أن تُعامل بوصفها شبهة أمنية، بل باعتبارها مطالب سياسية واجتماعية تستحق النظر الجاد، وتزداد أهمية ذلك في حالة أهل السنة الذين يواجهون، إلى جانب التحديات الاقتصادية والتنموية، أسئلة تتعلق بتمثيلهم ومكانتهم في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، فإن الدعوة إلى الاستفادة من مولوي عبد الحميد والعلماء والوجهاء المحليين تعكس إدراكًا لأهمية المرجعيات الاجتماعية والدينية في بناء الثقة واحتواء التوترات، غير أن نجاح هذا الدور يتوقف على استعداد السلطات للتعامل مع هذه المرجعيات بوصفها أطرافًا لها حضورها ومطالبها.
وبهذا تكشف المادة عن تناقض في التعامل مع المحافظة: فموقعها الاستراتيجي ومواردها يمنحانها أهمية كبيرة للدولة، لكن هذه الأهمية لا تنعكس، على مستوى الخدمات والفرص المتاحة للسكان، بما يجعلهم أمام تهميش مركب يتجاوز الفقر إلى محدودية فرص التأثير التي تحدد مستقبل مناطقهم.
إن مطالب أهل السنة البلوش تمثل إشكالية أعمق في بنية الدولة الإيرانية، تتمثل في الفجوة بين الاعتراف بالتنوع القومي والمذهبي وبين انعكاسه الفعلي على توزيع السلطة والموارد. وهذا يجعل القضية مرتبطة بطبيعة إدارة الدولة لأطرافها، ومدى استعدادها لتجاوز الاعتبارات الأمنية والسياسية التي تحد من مشاركة أبنائها في إدارة شؤونهم.
إن إنصاف أهل السنة ليس منَّة يطلبونها، بل حق لا يجوز إخضاعه للمساومة أو التأجيل، فقضية سيستان وبلوشستان تكشف عن اختبار حقيقي لعلاقة الدولة الإيرانية بأهل السنة البلوش: هل تتعامل معهم بوصفهم مواطنين لهم حقوق ومصالح ومطالب مشروعة، أم تستمر في النظر إلى المحافظة من زاوية أمنية تطغى على بقية جوانب حياتها؟!
فلا يمكن أن تظل مطالبهم في الحقوق المتساوية والتمثيل العادل وتحسين أوضاعهم المعيشية معلّقة مع مرور الوقت، فإن استمرار التهميش، مع اختزال مطالب أهل السنة في الاعتبارات الأمنية، لا يعالج أسباب الاضطراب، والدولة التي لا تنصف مواطنيها لا تستطيع أن تجعل القبضة الأمنية بديلًا عن العدالة، ولا أن تطلب استقرارًا دائمًا مع إبقاء أسبابه السياسية والاجتماعية قائمة.
يكشف المقال عن فكرتين محورتين في تعامل النظام الإيراني مع سنة إيران:
الأولى: أن المظلومية الحقيقية لأهل السنة في إيران لا تكمن فقط في حجم التمييز الذي يمارسه النظام ضدهم، بل تكمن أيضًا في تجاهل النظام لهذه اليد الممدودة بالتعايش والوطنية.
لقد أثبت المكون السني، عبر عقود من الضغط، نضجًا لافتًا؛ حيث تمسك بخيار “الدولة ” في وجه نظام يعامله بعقيدة “الاستبعاد والحظر الأمني”.
وهذا الموقف المسئول يُسقط الحجة الأمنية للنظام، ويضعه أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية أمام الشارع الإيراني والعالم.
الفكرة المحورية الثانية: والتي يكشف عنها هذا المقال:
أنه يمثل إدانة من الداخل تُسقط بالكلية السردية الرسمية والدعائية التي يروجها نظام “الجمهورية الإسلامية” حول “التسامح المذهبي”، و”الأخوة الإسلامية”، و”المساواة بين القوميات” بموجب مفهوم المواطنة.
ويكشف عن زيف هذه الشعارات عبر عدة مستويات بنيوية وحقوقية:
1. زيف دعوى “المواطنة المتساوية” (التمييز المؤسسي والدستوري):
حيث تُردد أدبيات النظام الإيراني في المحافل الدولية أن جميع الإيرانيين “مواطنون متساوون أمام القانون”. لكن المقال يفضح هذا التزييف عبر تسليط الضوء على “الفلاتر والمرشحات” التي تحرم أهل السنة والبلوش من تولي مناصب قيادية.
2. التناقض الصارخ بين “الخطاب الخارجي” و”الممارسة الداخلية”:
فبينما يصرف النظام الإيراني ملايين الدولارات سنويًا عبر مؤسسات مثل “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية” و*”مؤتمرات الوحدة الإسلامية”* لترويج صورة خطابية عن التسامح والتقريب، إلا أن الواقع الذي يكشفه المقال بخلاف ذلك تمامًا؛ فيُعامل المواطن السني الإيراني في سيستان وبلوشستان، أو كردستان، أو الأحواز كـ “تهديد أمني دائم” وليس كمواطن، كما أن إن اعتماد “المقاربة العسكرية والوصم الأمني” بدلًا من “المقاربة التنموية والحقوقية” يثبت أن نظرة المركز لأهل السنة هي نظرة الشك والسيطرة بالقوة، لا التسامح والاحتواء.
3. زيف عدالة “توزيع الثروات والموارد”:
ففي الوقت الذي تعتمد أدبيات النظام على معزوفة “العدالة الاجتماعية ونصرة المستضعفين”، يكشف المقال التناقض الصارخ بين غنى محافظة سيستان وبلوشستان بالمعادن والموانئ الاستراتيجية (مثل ميناء شابهار) والمقومات الاقتصادية، وبين الحرمان المطبق لأهلها من أحدث مقومات الحياة (المياه الصالحة للشرب، الصحة، التعليم، والرقابة على الموارد).
4. التمييز حتى في “قيمة دماء المواطنين” (ازدواجية معايير أجهزة الدولة):
فالمقارنة الذكية التي عقدها المقال بين:
- استنفار الدولة بوفد وزاري: لمقتل ضابط شرطة ينتمي للنظام.
- والصمت والتحكم الأمني: عند وفاة/اغتيال أكاديمي وباحث بلوشي بارز (د. حبيب الله سالارزهي) في ظروف غامضة، دون حتى صدور رسالة تعزية.
فهذا السلوك يسقط دعوى التسامح في أخص حقوق الإنسان، وهو “الحق في الحياة والكرامة”، ويثبت أن الدولة تقسم مواطنيها إلى درجات: (درجة أولى: تابعة للمؤسسة الأمنية والمذهبية الحاكمة، ودرجة ثانية/مهدورة الحقوق: تنتمي للمكونات القومية والمذهبية المخالفة).
الخلاصة:
إن المقال ليس مجرد شكوى تنموية، بل هو وثيقة إدانة استراتيجية تثبت أن “التسامح والمساواة” في أدبيات الجمهورية الإسلامية هي مقولات للاستهلاك الإعلامي والسياسي الخارجي فقط؛ بينما تشير الممارسة العملية على الأرض إلى نظام “أبرتهايد” مذهبي وقومي، يدار عبر عقيدة أمنية استعلائية ترى في المكون السني الإيراني شريحة يجب تحييدها وتهميشها، وليس مجتمعًا يتمتع بالحقوق الأصيلة للمواطنة.
وتفرض قضية أهل السنة البلوش على الشعوب العربية ضرورة تجاوز التعامل مع معاناة الأقليات والمناطق المهمشة بوصفها قضايا داخلية تخص الدول التي يعيشون فيها، إلى إدراك ارتباطها بمسألة العدالة والإنصاف، فالتضامن مع أهل السنة في سيستان وبلوشستان ينبغي أن ينطلق من رفض التمييز والتهميش، والدفاع عن حقوقهم لبناء وعي عربي قادر على الدفاع عنهم.

