إيران من الداخل

إيران وضغوط الاقتصاد: سجال داخلي حول حدود الاستمرار في الحرب

📖
ملخص المقال — اضغط للقراءة والاستماع
تُبرز المناظرة بين الدبلوماسي السابق كوروش أحمدي وأستاذ جامعة الإمام الصادق روح الأمين سعيدي سجالًا داخليًا إيرانيًا عميقًا يتجاوز مجرد تقييم الكلفة…
⌄

تُبرز المناظرة بين الدبلوماسي السابق كوروش أحمدي وأستاذ جامعة الإمام الصادق روح الأمين سعيدي سجالًا داخليًا إيرانيًا عميقًا يتجاوز مجرد تقييم الكلفة الاقتصادية للحرب، ليشمل جدوى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وحدود الاعتماد على التفاوض، وفاعلية أدوات الردع الإيرانية، ومستقبل العلاقة مع واشنطن. يركز أحمدي على ضرورة تخفيف الضغط عن الاقتصاد والمجتمع وإعادة الإعمار لتجنب استنزاف يمتد للأجيال القادمة، بينما ينطلق سعيدي من حسابات المواجهة الاستراتيجية وضرورة عدم التفريط بأوراق الضغط، مثل مضيق هرمز. كما يختلفان في تفسير دوافع ترامب ومدى تباين الأهداف الأمريكية عن أهداف حكومة نتنياهو، حيث يرى أحمدي أن واشنطن قد لا تتطابق مصالحها مع إسرائيل في دفع إيران نحو التفكك.

تُظهر المناظرة إدراكًا بأن القوة العسكرية وحدها لا تضمن أمنًا مستدامًا ما لم تستند إلى اقتصاد قوي يدعمها، وأن المصالح الإيرانية قد لا تتطابق بالضرورة مع حسابات روسيا والصين أو أولويات القوى الكبرى. ينتقد أحمدي مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، مشيرًا إلى إشكالات قانونية تتعلق بطبيعتها ومدى إلزاميتها، وغياب آليات واضحة للتحقق من الالتزامات ومعالجة الخلافات، وضعف الخبرة التفاوضية المتخصصة لدى الطرفين. يحذر أحمدي من أن استمرار الحرب يفاقم الضغوط على العملة والأسعار والمعيشة، ويؤثر سلبًا على مستويات استهلاك الغذاء، خاصة لدى الأطفال والمراهقين، مما قد يؤدي إلى مشكلات ذهنية وجسدية طويلة المدى.

في المقابل، يرى سعيدي أن مضيق هرمز يمثل ورقة ضغط استراتيجية لا ينبغي التفريط بها دون مقابل ملموس، بينما يحذر أحمدي من حدود التعويل على المضيق كرادع دائم، مشيرًا إلى أن إغلاقه يؤثر على مصالح دول عديدة، بما فيها الصين وروسيا ودول الجوار. ينتقد أحمدي أيضًا مدى استعداد روسيا والصين لتقديم دعم فعلي لإيران، مستشهدًا بعدم تزويد روسيا لإيران بمقاتلات "سوخو" وعدم تقديم الصين شيئًا، ويربط ذلك بعلاقاتهما الممتازة مع إسرائيل. يرى أحمدي أن أدوات الردع الإيرانية السابقة لم تمنع وقوع الهجمات، مما يفرض إعادة تقييم قدرتها على منع الحرب، ويدعو إلى الواقعية في تقدير الفجوة الاقتصادية والعسكرية مع الولايات المتحدة، والبحث عن حل سياسي يحد من احتمالات تكرار الحرب.

تُظهر المناظرة خلافًا حول ما إذا كان ينبغي اعتبار خرق الولايات المتحدة للتفاهمات السابقة سببًا كافيًا لرفض المسار التفاوضي، حيث يركز أحمدي على أن إيران لا تملك رفاهية استمرار الاستنزاف، وعليها السعي إلى تسوية تسمح بإعادة الإعمار وتخفيف الأعباء عن السكان. تكشف المناظرة أن كلفة الحرب والعلاقة بين متطلبات المواجهة والقدرة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد أصبحت موضوعًا للنقاش العلني داخل إيران. كما تطرح المناظرة أسئلة حول العلاقة بين هوية النظام الإيراني ومصالح الدولة، وما إذا كان العداء للولايات المتحدة وإسرائيل جزءًا ثابتًا من الهوية السياسية، أو يمكن التمييز بين المواقف المبدئية وإدارة الصراع على المستوى التكتيكي.

يُشير تعقيب مركز رؤيا إلى أن المناظرة تعكس مراجعة لجدوى أدوات القوة الإيرانية تحت ضغط الحرب، وتكشف عن خلاف بين أولوية مواصلة الضغط للحفاظ على أوراق التفاوض، وأولوية تخفيف الكلفة عن المجتمع والبحث عن مخرج دبلوماسي. ومع ذلك، لا تثبت المناظرة وحدها أن النظام يتجه إلى تغيير استراتيجي، ولا تقدم آلية مضمونة لإنهاء الحرب، حيث إن قرار إنهاء الحرب لا يقع في يد طهران وحدها. كما تكشف المناظرة عن حدود التعويل على روسيا والصين، وأن التحدي أمام إيران ليس قطع هذه الشراكات، بل تقدير حدودها الواقعية وعدم بناء استراتيجيتها الأمنية على افتراضات لا تسندها التزامات واضحة.

تثير المناظرة مسألة التناسب بين طموحات النظام الإيراني الاستراتيجية والقدرة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع على تحمل أعبائها، حيث إن امتلاك القدرات الصاروخية والنووية وبناء شبكة من العلاقات الإقليمية لم يمنع وقوع الهجمات على إيران. تظهر الخيارات التفاوضية في النقاش كاتجاهات عامة، لا خطة تفاوضية متكاملة، مع مخاوف من أن تكون التهدئة مؤقتة ما لم ترتبط بإجراءات واضحة للتحقق من الالتزامات وتحديد عواقب الإخلال بها. في الختام، تؤكد المناظرة ضرورة أن تدرك الشعوب العربية أن امتلاك القوة العسكرية وأوراق الضغط لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن أو حماية المصالح، وأن الحروب قد تتحول إلى أعباء تستنزف المجتمعات وتضع مستقبل الأجيال أمام مخاطر متزايدة، مما يستدعي فهمًا أعمق لكلفة الحروب على الشعوب.

تكشف المناظرة التي جمعت الدبلوماسي الإيراني السابق والباحث في السياسة الخارجية كوروش أحمدي، مع روح الأمين سعيدي، أستاذ جامعة الإمام الصادق، عن سجال داخلي يتجاوز كلفة الحرب على الاقتصاد إلى تقييم مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وحدود الرهان على التفاوض، وأدوات الردع الإيرانية ومستقبل العلاقة مع واشنطن.

ويظهر النقاش تباينًا في ترتيب الأولويات: فطرح أحمدي يركز على ضرورة تخفيف الضغط عن الاقتصاد والمجتمع، وإعادة الإعمار، وتجنب استنزاف يمتد إلى الأجيال المقبلة، بينما ينطلق سعيدي من حسابات المواجهة الاستراتيجية وضرورة عدم التفريط بأوراق الضغط، وفي مقدمتها مضيق هرمز. كما تتباين تقديراتهما في تفسير دوافع ترامب، ومدى اختلاف الأهداف الأمريكية عن أهداف حكومة نتنياهو.

وتبرز أهمية المناظرة في جمعها بين نقد قانوني لمذكرة التفاهم، وتشكيك في كفاية الضمانات وآليات التنفيذ، ونقاش سياسي بشأن مآلات الحرب وتكشف كذلك عن إدراك أن القوة العسكرية وحدها لا تضمن أمنًا مستدامًا ما لم تستند إلى اقتصاد قادر على دعمها، وأن المصالح الإيرانية لا تتطابق بالضرورة مع حسابات روسيا والصين أو مع أولويات القوى الكبرى.

تأتي المناظرة بين كوروش أحمدي وروح الأمين سعيدي حول تداعيات استمرار الحرب على الاقتصاد الإيراني والحياة اليومية ومستقبل المجتمع.

وأحمدي، وهو دبلوماسي وباحث إيراني معروف باهتمامه بقضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، يتبنى في هذه المناظرة طرحًا يركز على ضرورة منح الاقتصاد فرصة للتعافي، ويضع التداعيات الاجتماعية والمعيشية للحرب في صلب تقييمه لمسار المواجهة. أما سعيدي فهو أستاذ في جامعة الإمام الصادق، وهي مؤسسة أكاديمية ترتبط بالبيئة الفكرية للمحافظين والمؤسسات الأيديولوجية في إيران، الأمر الذي يضع النقاش بين الرجلين ضمن تباين أوسع في قراءة الأولويات الإيرانية خلال الحرب.

وتناولت المناظرة أولًا طبيعة مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية التي سبقت إعلان واشنطن الانسحاب منها، إذ رأى أحمدي أن الوثيقة تثير إشكالات قانونية تتعلق بتحديد طبيعتها ومدى إلزاميتها. فالتسمية وحدها، بحسب طرحه، لا تحسم ما إذا كانت الوثيقة مجرد تفاهم سياسي أم التزامًا قانونيًا بل يتوقف ذلك على مضمونها والصياغات المستخدمة فيها.

وأشار إلى تكرار مصطلحات تفيد التعهد والالتزام، لكنه لفت إلى أن وجود هذه الصيغ لا يعوض غياب قواعد واضحة لتنفيذ الالتزامات.

وركز أحمدي على أن الوثيقة لا تتضمن، وفق قراءته، آليات كافية للتحقق من وفاء كل طرف بتعهداته، ولا مسارًا محددًا لمعالجة الخلافات أو مهلة واضحة للتفاوض عند وقوع النزاع.

كما رأى أن بعض الصياغات الغامضة تتيح لكل طرف تفسير البنود على نحو مختلف وقد يساعد الغموض أحيانًا في تمرير تفاهم سياسي متعثر، لكنه يصبح مصدرًا للنزاع حين يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل وقف إطلاق النار والعقوبات وحرية الملاحة.

وبذلك لا ينحصر اعتراضه في المصطلحات القانونية، بل يشمل هشاشة الأساس الذي يفترض أن يحمل التفاهم عند اختلاف المصالح.

وربط أحمدي هذه الثغرات بما اعتبره ضعفًا في الخبرة التفاوضية المتخصصة لدى الفريقين، ولا سيما في الجانب الأمريكي في ظل تراجع دور المؤسسات المهنية والبيروقراطية المعنية بالسياسة الخارجية والأمن القومي، واعتماد ترامب على دائرة من المقربين والمبعوثين لا يراهم أحمدي بديلًا كافيًا عن الخبرة القانونية والدبلوماسية.

وأبدى تحفظًا أيضًا على مدى حضور الاستشارة القانونية المتخصصة في الجانب الإيراني، مع إقراره بأن بعض الصياغات قد تبدو في مصلحة طهران.

وانتقل النقاش من بنية الوثيقة إلى تفسير أسباب قبول ترامب بها. وعرض أحمدي سيناريو يرى أن الرئيس الأمريكي وجد نفسه أمام مخرج من حرب لم تحقق أهدافها الأساسية، بعد أن بُنيت توقعات على أن الضربات المفاجئة واغتيال القيادات وإحداث الصدمة ستفضي سريعًا إلى انهيار النظام الإيراني.

وبحسب هذا التفسير، بالغت حكومة نتنياهو ومؤيدوها في تقدير قابلية إيران للانهيار، ولم تتوافر خطة أمريكية واضحة للتعامل مع حرب طويلة أو مع تداعيات تفكك الدولة الإيرانية.

وشدد أحمدي على أن أهداف واشنطن لا تتطابق بالضرورة مع أهداف حكومة نتنياهو. ففي تقديره، قد تسعى القيادة الإسرائيلية إلى إضعاف إيران بصورة أوسع وربما دفعها نحو التفكك، بينما تتحفظ القوة الأمريكية على مخاطر انهيار دولة كبيرة وما قد يطلقه ذلك من أزمات في الخليج والعراق والقوقاز وجنوب آسيا.

واستشهد بما حدث في غزة بوصفه مثالًا، على أن التدمير العسكري الواسع لا يضمن وحده إسقاط القوة السياسية والتنظيمية للخصم.

وخلص هذا الطرح إلى أن ترامب ربما احتاج إلى تفاهم يتيح له إعلان تحقيق أهدافه أو حفظ ماء الوجه، والانتقال إلى ملفات أخرى، بدل الاستمرار في حرب مفتوحة.

ومع ذلك، لم يستبعد النقاش السيناريو الأكثر تشاؤمًا، الذي يفترض أن التفاهم قد يكون إجراءً مؤقتًا لا يمنع استئناف المواجهة بعد إعادة ترتيب القدرات العسكرية.

وفي هذا الاحتمال، قد تُستخدم فترة التهدئة لخفض أسعار الطاقة واحتواء الضغوط السياسية والاقتصادية، ثم تعود الأطراف إلى الصراع.

ولهذا لم يكن الخلاف حول نوايا ترامب وحدها، بل حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم تفتح مسارًا فعليًا لتسوية الخلافات أم تمنح الطرفين استراحة قصيرة قبل جولة جديدة ينطلق أحمدي من قلق رئيسي يتعلق باستمرار الحرب وتأثير ذلك على الاقتصاد.

فهو يرى أن المشكلة لا تقتصر على تكلفة آنية يمكن تجاوزها بمجرد انتهاء العمليات العسكرية، وإنما قد تتطور إلى أزمة تمتد آثارها إلى أجيال لاحقة إذا لم تُمنح المنظومة الاقتصادية الإيرانية فترة تستطيع خلالها استعادة قدر من القدرة على التعافي. ولذلك يركز على ضرورة أن تمنح إيران اقتصادها «مهلة»، وأن تبذل جهدًا حقيقيًا لمعالجة أوضاعه، محذرًا من أن عدم القيام بذلك قد يقود إلى مشكلة حادة عابرة للأجيال.

وكان مضيق هرمز من أكثر نقاط الخلاف وضوحًا في المناظرة، فقد رأى سعيدي أن إيران امتلكت عبر المضيق ورقة ضغط استراتيجية أظهرت قدرتها على التأثير في حركة الطاقة والتجارة، وأن التخلي عنها من دون مقابل ملموس قد يضعف موقعها في أي تفاوض لاحق.

ووفق هذا التصور، فإن القدرة على تعطيل الملاحة أو التأثير فيها لم تكن مجرد أداة عسكرية، بل وسيلة لفرض حسابات إيرانية على الأطراف الأخرى بعد أن أخفقت أدوات الردع السابقة في منع الهجمات.

لكن أحمدي أظهر أيضًا حدود التعويل على المضيق بوصفه رادعًا دائمًا، فقد نُبّه إلى أن حرية الملاحة تحكمها اعتبارات قانونية ودولية، وأن إغلاق المضيق لا يقتصر أثره على الولايات المتحدة أو الاحتلال، بل يمتد إلى دول وشركات ترتبط مصالحها بالتجارة البحرية، بما فيها الصين وروسيا ودول الجوار.

كما أن العقوبات الأمريكية تؤثر في قدرة إيران على الاستفادة من علاقاتها مع دول أخرى، فلا يعني تضرر إيران من العقوبات أن هذه الدول ستشاركها بالضرورة في استخدام المضيق ورقةً للمواجهة.

لذلك برزت مفارقة بين أهمية المضيق جغرافيًا وبين صعوبة تحويله إلى ضمانة سياسية مستدامة ولا يقدم أحمدي هذا التحذير في صورة اقتصادية مجردة، وإنما يربطه مباشرة بمستوى المعيشة والتغذية لدى الإيرانيين، وبصفة خاصة الأطفال والمراهقين، ويستشهد بمستويات استهلاك اللحوم وبعض المنتجات الغذائية. ويستخدم أحمدي الأرقام باعتبارها مؤشرًا على تغيرات تمس الحياة اليومية للسكان، ولا سيما الفئات الأصغر سنًا، فبالنسبة إليه، القضية لا تتعلق فقط بانخفاض القدرة على شراء الغذاء أو تغير نمط الاستهلاك، وإنما بما يمكن أن يترتب على استمرار هذه الظروف من آثار طويلة المدى على الأطفال والمراهقين الذين ينشؤون في ظلها، ولهذا يحذر من أن هؤلاء الذين يكبرون الآن قد يعانون من مشكلات ذهنية وجسدية، ويجعل من مستقبل هذه الفئة أحد أهم دوافع قلقه بشأن استمرار الحرب.

وفي جانب آخر من المناظرة، ينتقل أحمدي إلى تقييم علاقات إيران مع روسيا والصين، مستشهدًا بما حدث خلال الحرب لتقديم قراءة نقدية لمدى استعداد هاتين الدولتين لتقديم دعم فعلي لإيران، ويقول إن روسيا لم تزود إيران بمقاتلات «سوخو»، وإن الصينيين لم يقدموا لها شيئًا، ويربط ذلك بعلاقاتهما الممتازة مع الاحتلال، وبهذا ينتقل النقاش من تكلفة الحرب على الاقتصاد الداخلي إلى السؤال المتعلق بمدى فاعلية شبكة العلاقات الخارجية التي تعتمد عليها إيران في مواجهة الضغوط.

ويستند أحمدي في هذا السياق إلى موقف نسبه فلاديمير بوتين خلال حرب الأيام الاثني عشر، عندما قال، بحسب روايته، عن الاحتلال: «إسرائيل نوع من روسيا بسبب المهاجرين الموجودين فيها»، ويشير إلى أن هذا التصريح صدر في منتصف الحرب، في وقت كانت فيه إسرائيل تعتدي على إيران، ويستخدم أحمدي هذه الواقعة في سياق التشكيك في طبيعة الحسابات التي تحكم مواقف موسكو، وفي مدى إمكانية النظر إلى روسيا باعتبارها حليفًا يمكن التعويل عليه في ظروف المواجهة.

وفيما يتعلق بالصين، ميز النقاش بين رغبتها الاستراتيجية في بقاء إيران وعدم انهيارها، وبين استعدادها لتحمل كلفة المواجهة أو الانحياز الكامل إلى طهران، فالصين تعتمد على استقرار الملاحة والتجارة، ولها علاقات اقتصادية واسعة مع دول الخليج، وهي مصالح قد تدفعها إلى تفضيل خفض التصعيد على الدخول في مواجهة مباشرة.

كما أن قدرتها على تسهيل الحوار أو استضافة الأطراف لا تعني بالضرورة قدرتها على فرض تسوية أو ضمان تنفيذها.

وبذلك لا يلغي احتمال استفادة إيران من الدور الصيني حقيقة أن حسابات بكين أوسع من علاقتها بطهران وبذلك يجمع طرح أحمدي بين مسارين مترابطين في تقييمه لاستمرار الحرب، المسار الأول داخلي، ويتعلق بضرورة إعطاء الاقتصاد فرصة وإصلاحه قبل أن تتحول الأضرار الحالية إلى أزمة ممتدة عبر الأجيال، والمسار الثاني خارجي، ويتعلق بحدود ما تستطيع إيران الحصول عليه من روسيا والصين في ظروف الحرب، في ظل العلاقات التي تربطهما بالاحتلال.

ولا يقدم أحمدي المسارين باعتبارهما قضيتين منفصلتين، إذ إن التشكيك في حجم الدعم الخارجي يتزامن لديه مع الدعوة إلى تخفيف الضغط عن الاقتصاد الإيراني.

اقرأ أيضًا: ماذا بعد تمديد وقف إطلاق النار في إيران – المخطط والمألات | إدارة الصراع في عالم مضطرب: قراءة في رؤية ويليام بيرنز وانعكاساتها على الحرب مع إيران

وامتد النقاش إلى مراجعة منظومة الردع الإيرانية نفسها، فقد أشار أحمدي إلى أن أدوات الردع التي اعتمدت عليها طهران خلال السنوات السابقة، بما فيها النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي والصواريخ والطائرات المسيّرة، لم تمنع وقوع الهجمات، وهو ما يفرض إعادة تقييم قدرتها على منع الحرب لا مجرد الرد عليها بعد اندلاعها. وفي المقابل، فإن اتساع الجغرافيا الإيرانية وموقعها على الخليج ومضيق هرمز يمنحانها عناصر قوة لا يمكن تجاهلها، لكنهما لا يصنعان توازنًا عسكريًا مع الولايات المتحدة.

ورفض أحمدي افتراض أن بإمكان إيران الوصول إلى تكافؤ عسكري مع واشنطن عبر الاستنزاف وحده، داعيًا إلى الواقعية في تقدير الفجوة الاقتصادية والعسكرية، وإلى حل سياسي يحد من احتمالات تكرار الحرب.

ووفق هذا المنظور، لا يمكن بناء الردع المستدام على الصواريخ أو الموقع الجغرافي فحسب، بل يحتاج إلى قاعدة اقتصادية قادرة على تمويل القوات الجوية والبحرية وتطوير القدرات الدفاعية، وإلى دبلوماسية تحدد ما يمكن تحقيقه وما يتجاوز الإمكانات المتاحة.

على الجانب الآخر، يدافع سعيدي عن وجهة نظر النظام الإيراني من منطلق أن المواجهة لا يمكن تقييمها بالاستناد إلى كلفتها الاقتصادية والمعيشية وحدها، بل ينبغي وضعها في سياق الصراع الأوسع وما يفرضه من حسابات سياسية واستراتيجية.

وأشار أحمدي إلى أن استمرار الوضع القائم يفاقم الضغوط على العملة والأسعار والمعيشة، وأن البلاد تحتاج إلى وقت لإصلاح البنية التحتية وإعادة بناء قدرات مؤسساتها العسكرية والسياسية.

ومن هذا المنطلق، رأى أن السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أخلّت بتعهداتها سابقًا فحسب، بل ما إذا كان الرد على الإخلال يحقق مصلحة إيران في الظروف الراهنة أم يطيل وضعًا لا يستطيع المجتمع تحمّل كلفته.

وظهر في المناظرة خلاف حول ما إذا كان ينبغي اعتبار خرق الولايات المتحدة للتفاهمات السابقة سببًا كافيًا لرفض المسار التفاوضي أو مواصلة الضغط عبر مضيق هرمز، فحذر سعيدي الأكثر تشددًا من التفريط بورقة استراتيجية قبل الحصول على مقابل مضمون، بينما ركز أحمدي على أن إيران لا تملك رفاهية استمرار الاستنزاف، وأن عليها السعي إلى تسوية تسمح بإعادة الإعمار وتخفيف الأعباء عن السكان. ولم يكن هذا الموقف إنكارًا لتاريخ الإخلال الأمريكي بالوعود، بل دعوة إلى تقدير كل حالة بحسب توقيتها وكلفتها ومصالح البلاد الوطنية

والمناظرة هي سجال إيراني يتجاوز تقييم الأداء الاقتصادي إلى الخلاف حول ترتيب الأولويات في زمن الحرب، فمن جهة، يضع أحمدي الضغوط المعيشية وتراجع الاستهلاك الغذائي والآثار المحتملة على الأطفال والمراهقين في صلب حجته، محذرًا من أن استمرار الحرب قد يخلّف أعباء اجتماعية تتجاوز الخسائر الاقتصادية المباشرة. ومن جهة أخرى، تتيح مشاركة سعيدي رصد المقاربة المحافظة للقضية، كما أن نشر المناظرة في صحيفة «انتخاب»، المحسوبة على التيار المعتدل، يمنح النقاش مساحة لعرض الانتقادات الاقتصادية والاجتماعية للتوجهات القائمة وتتمثل الدلالة الأساسية للمادة في إظهار أن كلفة الحرب والعلاقة بين متطلبات المواجهة والقدرة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد أصبحتا موضوعًا للنقاش العلني داخل إيران..

وفي ختام الحوار، اتسع النقاش إلى العلاقة بين هوية النظام الإيراني ومصالح الدولة.

فقد طُرحت مسألة ما إذا كان العداء للولايات المتحدة وإسرائيل تمثل جزءًا ثابتًا من الهوية السياسية يصعب تغييره، أم أن بالإمكان التمييز بين المواقف المبدئية وإدارة الصراع على المستوى التكتيكي.

كما برزت دعوة إلى جعل المصالح الوطنية ومعيشة السكان معيارًا أكثر حضورًا في القرار، مع الإقرار بأن التسوية لا تعني بالضرورة التخلي عن الهوية أو قبول التطبيع مع إسرائيل.

تكشف المناظرة عن سجال إيراني يتجاوز تقييم القدرة العسكرية على مواصلة الحرب، ليطرح أسئلة أعمق حول جدوى الاستراتيجية الإيرانية، وكلفة المواجهة على المجتمع، وحدود الاعتماد على الحلفاء، وفرص التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة

كما تثير طبيعة الندوة نفسها تساؤلًا حول ما إذا كان إتاحة المجال لعرض وجهة نظر ناقدة للاستمرار في الحرب يهدف، جزئيًا، إلى امتصاص الضغوط الداخلية وإظهار أن هناك من يعبّر عن مخاوف الناس الاقتصادية والاجتماعية داخل النقاش العام.

لكن لا تكفي المناظرة وحدها لإثبات أن هذا هو هدفها الدعائي، إذ يمكن الأقرب أنه تعبير عن خلاف حقيقي حول كلفة الحرب ومردودها، أو محاولة لاختبار حدود المقبول لدى الرأي العام الإيراني.

وفي هذا السياق، يبرز طرح كوروش أحمدي بشأن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانعكاس ذلك على مستوى معيشة الإيرانيين وصحة الأجيال الأصغر سنًا.

غير أن تحذيراته، رغم أهميتها في كشف الكلفة الداخلية لاستمرار الحرب، لا ترقى بمفردها إلى تقديم آلية واضحة لإنهائها، فهو يطرح دوافع قوية للبحث عن مخرج، لكنه لا يحدد مسارًا تنفيذيًا متكاملًا يوضح كيفية وقف القتال، وشروط الاتفاق، والضمانات المطلوبة، وكيفية التعامل مع احتمال تجدد الهجمات، ومن ثم فإن قيمة مداخلته تكمن أساسًا في تشخيص المأزق والكلفة، أكثر من تقديم خطة عملية لحله.

كذلك، فإن قرار إنهاء الحرب لا يقع في يد طهران وحدها، وتستطيع إيران أن تعلن استعدادها للتفاوض، أو تعدل حساباتها العسكرية والسياسية، لكنها لا تستطيع ضمان توقف الحرب ما لم تقبل الولايات المتحدة والاحتلال بتسوية تتفق مع أهدافهما وحساباتهما.

وتكشف المناظرة أيضًا عن حدود التعويل على روسيا والصين، فالعلاقات معهما تمنح إيران فرصًا للتعاون السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، وقد تتيح وساطة أو دعمًا في بعض الملفات، لكنها لا تعني بالضرورة وجود تحالف دفاعي ملزم يضمن التدخل لحماية إيران عند تعرضها لهجوم.

وتدل الانتقادات التي طُرحت خلال الحوار على فجوة بين ما قد تتوقعه طهران من شركائها وما هم مستعدون لتقديمه فعليًا عندما تتعارض مساندة إيران مع مصالحهم الأوسع، ولا يكفي التقارب السياسي معهما لضمان تحوله إلى حماية عسكرية مباشرة.

وعليه، فإن التحدي أمام إيران وفق ما جاء في المناظرة ليس قطع هذه الشراكات، بل تقدير حدودها الواقعية، وعدم بناء استراتيجيتها الأمنية على افتراضات لا تسندها التزامات واضحة.

ومن القضايا التي تطرحها المناظرة كذلك مدى التناسب بين طموحات النظام الإيراني الاستراتيجية والقدرة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع على تحمّل أعبائها.

فامتلاك القدرات الصاروخية والنووية، وبناء شبكة من العلاقات الإقليمية، واستخدام الموقع الجغرافي لممارسة الضغط، لم يمنع وقوع الهجمات على إيران، كما أن امتلاك أدوات الردع لا يعني تلقائيًا تحقيق الأمن أو تحسين شروط التفاوض.

وفي المقابل، فإن استمرار المواجهة يستنزف الموارد ويضغط على مستوى المعيشة، وقد ينعكس على التغذية والصحة والفرص المتاحة للأجيال الجديدة، وهنا تظهر المسألة الأساسية: هل تستطيع إيران الاستمرار في طموحاتها الخارجية من دون قاعدة اقتصادية واجتماعية أكثر قدرة على تحمّل تكاليفها؟ لا تقدم المناظرة إجابة حاسمة، لكنها تكشف عن فجوة بين متطلبات الاستراتيجية والموارد الفعلية التي تستند إليها.

أما الخيارات التفاوضية التي ظهرت في النقاش، فتتمثل في العودة إلى المسار الدبلوماسي، ومحاولة استثمار ما تحقق من أداء عسكري وأوراق ضغط لتحسين شروط الاتفاق، والاستفادة من وساطات القوى الخارجية، كما طُرح اتجاه يقوم على تقديم التسوية داخليًا باعتبارها نتيجة تحقق مكاسب أو تمنع خسائر أكبر، بما يتيح الانتقال إلى التفاوض من دون الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع بلا مقابل.

وظهر كذلك تصور أوسع يتعلق ببناء ترتيبات أمنية إقليمية تقلل احتمالات تجدد المواجهة. لكن هذه الخيارات وردت في صورة اتجاهات عامة، لا خطة تفاوضية متكاملة، إذ لم توضح المناظرة بالتفصيل ترتيب الأولويات، أو التنازلات الممكنة، أو الضمانات القابلة للتحقق، أو آليات التعامل مع إخلال أي طرف بالتزاماته.

كما أن ضعف الضمانات القانونية وآليات التنفيذ في مذكرة التفاهم يثيران مخاوف من أن تكون التهدئة مؤقتة، ما لم ترتبط بإجراءات واضحة للتحقق من الالتزامات وتحديد عواقب الإخلال بها.

ولذلك، لا تتمثل المسألة في الاحتفاظ بأوراق الضغط أو التخلي عنها بصورة مطلقة، بل في معرفة ما يمكن انتزاعه من مقابل محدد، وكيفية تجنب تحوّل هذه الأوراق إلى مصادر استنزاف إضافية.

وخلاصة التعقيب أن المناظرة تعكس مراجعة لجدوى أدوات القوة الإيرانية تحت ضغط الحرب، وتكشف عن خلاف بين أولوية مواصلة الضغط للحفاظ على أوراق التفاوض، وأولوية تخفيف الكلفة عن المجتمع والبحث عن مخرج دبلوماسي، لكنها لا تثبت وحدها أن النظام يتجه إلى تغيير استراتيجي، ولا تقدم آلية مضمونة لإنهاء الحرب.

وختامًا تكشف هذه المناظرة عن ضرورة أن تدرك الشعوب العربية أن امتلاك القوة العسكرية وأوراق الضغط لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن أو حماية المصالح، وأن الحروب قد تتحول إلى أعباء تستنزف المجتمعات وتضع مستقبل الأجيال أمام مخاطر متزايدة.

ومن هنا، فإن المطلوب هو تجاوز الانفعال بنتائج المواجهة، سواء أكانت مكاسب عسكرية أم تراجعًا سياسيًا، إلى فهم كلفتها على الشعوب، ومدى ارتباطها بأهدافها الحقيقية ومصالح الأطراف المتصارعة، من أجل تعزيز وعي يرفض العدوان الأمريكي، دون أن يبرر السياسات الإيرانية التي تضر أو يجعل طموحات طهران الإقليمية جزءًا من مصالح الأمة.

  1. https://www.entekhab.ir/fa/news/942596 ↩︎
زر الذهاب إلى الأعلى