إسرائيل من الداخلإصداراتحدث ورؤياملفات

كيف ترى دوائر البحث الإسرائيلية التمركز العسكري المصري في سيناء؟

يتناول هذا التقرير البحثي السياسي ثلاث ورقات وتقارير إسرائيلية نُشرت خلال مايو 2026، تناولت بصورة مباشرة ومتقاطعة تصاعد القلق الإسرائيلي من تنامي الوجود العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء، خاصة في المناطق القريبة من الحدود المصرية مع فلسطين.

وقد جاءت هذه المواد الإعلامية في سياق أمني وإقليمي بالغ الحساسية، تزامن مع استمرار الحرب في غزة.

تركز الورقة الأولى، المنشورة في موقع القناة السابعة الإسرائيلية تحت عنوان “الجيش المصري في سيناء – الطريق إلى الحرب”، على ما تعتبره “انتهاكات مصرية متراكمة” لاتفاقية السلام، عبر نشر قوات كبيرة ومنظومات دفاع جوي متطورة وبناء بنية تحتية عسكرية في سيناء.

وتقدم الورقة تصورًا تحذيريًا يرى أن إسرائيل تتعامل باستخفاف مع تنامي القدرات العسكرية المصرية، مطالبة برد علني وحازم.

أما الورقة الثانية، المنشورة في صحيفة “معاريف” تحت عنوان “بدأ الأمر كذريعة لمحاربة “الإرهاب” وتحوّل إلى تهديد استراتيجي جديد لإسرائيل”، فتعالج القضية من زاوية استراتيجية وسياسية أوسع، حيث ترى أن الزيادة العسكرية المصرية بدأت بذريعة مكافحة تنظيم داعش، لكنها تحولت تدريجيًا إلى تمركز دائم يغير ميزان القوى في المنطقة.

 كما تربط الورقة بين السلوك المصري في سيناء والمواقف السياسية المصرية في المحافل الدولية، معتبرة أن هذا التراكم يثير مخاوف إسرائيلية متزايدة من المستقبل.

في حين يركز التقرير الثالث، المنشور في موقع “نتسيف نت” بعنوان “تنفيذ تدريب بدر 2026 للجيش المصري بالقرب من الحدود”، على المناورات العسكرية المصرية واسعة النطاق التي جرت في سيناء خلال أبريل 2026، والتي شاركت فيها عشرات الآلاف من القوات وآلاف المدرعات والطائرات، مع تدريبات على اختراق خطوط دفاع وإنزال قوات خاصة واستخدام الذخيرة الحية بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

وتكشف القراءة الجامعة لهذه التقارير أن الخطاب الإسرائيلي الحالي لم يعد يركز فقط على نوايا مصر السياسية، بل بات ينظر بقلق متزايد إلى القدرات العسكرية المصرية المتنامية في سيناء، وإلى ما يعتبره تحولًا تدريجيًا من ترتيبات أمنية استثنائية مرتبطة بمحاربة “الإرهاب” إلى واقع عسكري دائم قد يغيّر طبيعة البيئة الأمنية على الحدود الجنوبية لإسرائيل.

كما تعكس هذه التقارير دعوات داخل إسرائيل لإعادة تقييم التعامل مع مصر، وتعزيز الرقابة على تنفيذ اتفاقية السلام، مع المطالبة بموقف أمريكي أكثر وضوحًا باعتبار واشنطن ضامنًا رئيسيًا للاتفاقية.

المصدر:

موقع القناة السابعة الإسرائيلية (INN) ([1])  

المحتوى:

نشر الكاتب الصحفي “حاجي هوبرمان” تقريرًا في موقع القناة السابعة الإسرائيلية بتاريخ 10 مايو 2026، تناول فيه ما وصفه بالتوسع غير المسبوق للوجود العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء، معتبرًا أن هذا التطور يمثل مصدر قلق استراتيجي متزايد لإسرائيل، بل ويمهد – وفق توصيفه – إلى “الطريق نحو الحرب”.

استند التقرير إلى ما نشره الصحفي “يائير ألتمان”، الذي تحدث عن تجاوز حجم القوات المصرية المنتشرة على حدود سيناء حاجز الستين ألف جندي، إلى جانب ما يقارب ألف دبابة ومئات منظومات المدفعية.
 كما أشار التقرير إلى ورود معلومات عن نقل تعزيزات إضافية تضم نحو عشرة آلاف جندي بري إلى سيناء، ترافقها مركبات مدرعة ومعدات ثقيلة ومنظومات دفاع جوي متطورة.

وأشار التقرير إلى أن الجيش المصري نشر في المنطقة منظومات دفاع جوي تشمل إس-300، وأنتي-2500، وبوك إم2، وتور إم2، وهي أنظمة يعتبرها الكاتب ذات قدرات متقدمة يمكن أن تمنح مصر مظلة دفاعية واسعة في سيناء.

ورأى التقرير أن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، التي كانت تقوم على مبدأ الحد من الوجود العسكري المصري في سيناء، لم يتبق من قيودها العسكرية سوى القليل، معتبرًا أن ما وصفه بـ”الميزة الاستراتيجية” المتمثلة في تجريد سيناء من السلاح قد تآكلت بصورة شبه كاملة خلال السنوات الأخيرة.

كما نقل التقرير معلومات إضافية من موقع “نتسيف نت”، تحدثت عن وجود وحدات نخبة وأسلحة متطورة في المنطقة الواقعة بين العريش والحدود الإسرائيلية.

ووفقًا لهذه المعلومات، فقد جرى نشر دبابات أبرامز وناقلات جند مدرعة في مناطق كان يُسمح فيها سابقًا فقط بوجود قوات خفيفة التسليح.

وتناول التقرير كذلك ما اعتبره توسعًا في منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى، مع الإشارة إلى نشر منظومات HQ-9B الصينية وبطاريات صاروخية متطورة، كما تحدث عن إنشاء منشآت عسكرية تحت الأرض، تشمل ملاجئ محصنة ومستودعات داخل المناطق الجبلية، لا سيما في جبل الحلال، بغرض استخدامها للقيادة والسيطرة وتخزين الصواريخ.

وفي الجانب الجوي، أشار التقرير إلى قيام مصر بتوسيع مدارج الإقلاع في مطارات سيناء، ومنها مطارا جفجافة وأم خشيب، بهدف تعزيز قدرة الطائرات المقاتلة على تنفيذ العمليات الجوية انطلاقًا من شبه الجزيرة.

ويذهب التقرير إلى أن إسرائيل تتعامل مع هذه التطورات بقدر كبير من التهاون، معتبرًا أن التجارب التاريخية، سواء في حرب 1967 أو حرب أكتوبر 1973 أو أحداث السابع من أكتوبر 2023، تؤكد أن الخطر يجب أن يُقاس بالقدرات العسكرية لا بالنوايا السياسية.

وفي هذا السياق، دعا الكاتب الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ خطوات علنية وصريحة، تشمل إرسال قوات مدرعة إسرائيلية إلى الحدود المصرية بصورة معلنة، ومطالبة الولايات المتحدة – بوصفها ضامنًا لاتفاقية السلام – بالضغط على مصر لسحب القوات التي يعتبرها مخالفة للاتفاقية، بل ودعا إلى توجيه تهديدات علنية للجيش المصري من أجل خلق حالة ردع ورسائل إعلامية واضحة.

واختتم التقرير بالقول إن “الصمت الإسرائيلي” تجاه ما يحدث في سيناء يمثل في حد ذاته مصدر القلق الأكبر.

المصدر:

صحيفة معاريف الإسرائيلية

المحتوى:

في مقال نشرته صحيفة “معاريف” بتاريخ 9 مايو 2026، تناول الكاتب “ديفيد بن باست” التحولات التي شهدها الوجود العسكري المصري في سيناء، معتبرًا أن ما بدأ كمبرر أمني لمكافحة “الإرهاب” تحول تدريجيًا إلى تهديد استراتيجي جديد بالنسبة لإسرائيل.

استهل الكاتب مقاله بالتأكيد على أن اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، الموقعة عام 1979، مثلت لعقود حجر الأساس للاستقرار الإقليمي، خاصة أنها تضمنت ترتيبات واضحة تحد من انتشار القوات العسكرية المصرية في سيناء بهدف منع الاحتكاك العسكري وبناء الثقة المتبادلة.

إلا أن الكاتب يرى أن الواقع الحالي بات يبتعد بصورة متزايدة عن نص وروح الاتفاقية، مشيرًا إلى أن التبرير المصري الرئيسي لزيادة التواجد العسكري في سيناء كان مرتبطًا بمحاربة تنظيم الجماعات المسلحة التي نشطت في المنطقة وشكلت تهديدًا للاستقرار الداخلي المصري.

ويقر المقال بأن إسرائيل نفسها وافقت خلال السنوات الماضية، بصورة ضمنية أو علنية، على إدخال تعزيزات عسكرية مصرية إضافية إلى سيناء بسبب التهديدات الأمنية المرتبطة بالتنظيمات المسلحة.

غير أن الكاتب يرى أن المشكلة تكمن في أن هذه الإجراءات الاستثنائية تحولت تدريجيًا إلى واقع دائم.

ويصف المقال هذا التحول بأنه “تدخل تدريجي زاحف”، حيث جرى قبول كل زيادة عسكرية على أنها إجراء مؤقت وضروري، لكن تراكم هذه الخطوات أدى في النهاية إلى تغيير جوهري في ميزان القوى العسكري.

ويشير الكاتب إلى أن مصر لم تكتف بزيادة أعداد الجنود، بل أدخلت أيضًا وسائل قتالية ثقيلة وبنية تحتية عسكرية متطورة، إضافة إلى إنشاء قوات لوجستية دائمة، معتبرًا أن ذلك يتم خلافًا لروح الاتفاقية الأصلية.

كما يؤكد المقال أن التقارير الدولية تتحدث عن اقتراب الوجود العسكري المصري بصورة متزايدة من الحدود مع إسرائيل، وهو ما يراه الكاتب تطورًا ذا دلالة استراتيجية كبيرة، لأن وجود قوات كبيرة ومجهزة قرب الحدود قد يجعل أي أزمة سياسية أو إقليمية قابلة للتحول السريع إلى مواجهة عسكرية.

وفي الوقت نفسه، يشير المقال إلى أن مصر تواصل التأكيد على أن تحركاتها العسكرية تأتي في إطار مكافحة “الإرهاب”، وأنها لا تستهدف تقويض اتفاقية السلام.

لكن المقال يطرح تساؤلًا محوريًا مفاده: إذا كان التهديد “الإرهابي” قد تراجع، فلماذا يستمر الانتشار العسكري المصري بهذا الحجم؟

ويؤكد الكاتب أن القلق الإسرائيلي لا يقوم على افتراض نية مصر شن حرب فورية، بل يرتبط بإمكانية تغير الظروف السياسية والاستراتيجية مستقبلًا، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات السياسية تبقى مرهونة باستمرار الإرادة السياسية التي تحافظ عليها.

وفي جانب آخر، يربط المقال بين التمركز العسكري المصري وبين مواقف القاهرة السياسية في المحافل الدولية، وهو ما يخلق – بحسب وصفه – فجوة بين التعاون الأمني القائم على الأرض والمواقف السياسية والدبلوماسية المصرية.

ويرى المقال أن هذه الفجوة تساهم في تعميق الشعور الإسرائيلي بعدم الارتياح، خاصة في ظل ما يعتبره الكاتب “تآكلًا تدريجيًا” للقيود العسكرية المنصوص عليها في اتفاقية السلام.

كما يناقش المقال الرأي القائل إن إسرائيل وافقت ضمنيًا على التحركات المصرية، لكنه يعتبر أن هذا لا يبرر تحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم، مشددًا على أن أي تعديل في الاتفاقية يجب أن يتم بصورة علنية ومتفق عليها وليس عبر خطوات تدريجية صامتة.

ويخلص المقال إلى أن إسرائيل مطالبة بإعادة التفكير في طريقة تعاملها مع المتغيرات الحاصلة في سيناء، عبر المطالبة بالشفافية ومراقبة التطورات الميدانية بشكل دقيق، للحفاظ على اتفاقية السلام ومنع تآكلها البطيء.

كما يحذر الكاتب من أن تاريخ الشرق الأوسط مليء باتفاقيات بدت مستقرة لفترات طويلة قبل أن تنهار بصورة مفاجئة، معتبرًا أن السؤال الأهم بالنسبة لإسرائيل ليس ما إذا كانت مصر تنوي انتهاك الاتفاق، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على إدراك التحولات الاستراتيجية في الوقت المناسب.

المصدر: موقع نتسيف نت

المحتوى

أفاد موقع “نتسيف نت” في تقرير نشر بتاريخ 10 مايو 2026 بأن الجيش المصري نفذ تدريبًا عسكريًا واسع النطاق حمل اسم “بدر 2026”، واعتبره الموقع من أكبر التدريبات العسكرية التي أجرتها مصر في شبه جزيرة سيناء خلال السنوات الأخيرة.

وأشار التقرير إلى أن هذه المناورات أثارت اهتمامًا وقلقًا كبيرين في إسرائيل، خصوصًا بسبب اتساع نطاقها وقرب بعض الأنشطة العسكرية من الحدود الإسرائيلية، حيث ذكر التقرير أن بعض التدريبات جرت على بعد يقارب مئة متر فقط من السياج الحدودي.

ووفق التقرير، شاركت في المناورات قوات ضخمة جمعت مختلف أفرع الجيش المصري، مع حشد كبير للقوات في شمال سيناء، وقدرت أعداد القوات المشاركة بما يتراوح بين أربعين ألفًا واثنين وأربعين ألف جندي موزعين على نحو ثمانية وثمانين كتيبة.

كما تحدث التقرير عن مشاركة حوالي ألف وخمسمئة دبابة ومركبة مدرعة، من بينها دبابات “إم1 أبرامز” و” إم60″، إضافة إلى انتشار واسع للمدفعية الثقيلة ومنظومات الدفاع الجوي، بما في ذلك منظومة HQ-9B الصينية.

وأشار التقرير إلى مشاركة القوات الجوية المصرية عبر طائرات إف-16 ومروحيات هجومية، في إطار تدريب مشترك متعدد الأسلحة.

وبيّن التقرير أن القوة الرئيسية المشاركة كانت الجيش الثالث الميداني، المسؤول عن جنوب قناة السويس وأجزاء واسعة من سيناء، إلى جانب مشاركة وحدات خاصة من قوات الصاعقة والمظليين.

كما شملت التدريبات تنفيذ عمليات إنزال جوي ومداهمات خاصة، فضلًا عن تدريبات لسلاح المدرعات والمشاة الميكانيكي على اختراق خطوط الدفاع.

وتحدث التقرير عن مشاركة وحدات متخصصة في الصواريخ المضادة للدبابات، ضمن سيناريوهات تحاكي حربًا عالية الكثافة.

وركزت المناورات – بحسب التقرير – على تنفيذ عمليات هجومية مشتركة، تضمنت تدريبات على اختراق التحصينات، والتنسيق بين القوات الجوية والمدفعية والقوات البرية، إضافة إلى استخدام مكثف للذخيرة الحية بالقرب من الحدود.

وأشار التقرير إلى أن التدريب جرى تحت إشراف مباشر من وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، وأن الهدف المعلن منه كان إظهار الجاهزية العملياتية وتعزيز الردع في مواجهة التحديات الإقليمية.

وفي المقابل، أوضحت مصر – وفق التقرير – أن المناورات تأتي ضمن التدريبات الروتينية الهادفة للحفاظ على كفاءة القوات المسلحة، بينما أبدت إسرائيل قلقها من تنفيذ تدريبات بالذخيرة الحية بالقرب من الحدود، معتبرة ذلك سابقة تستدعي الانتباه والمتابعة.

تكشف التقارير الثلاثة الواردة في الملف عن تزايد القلق الإسرائيلي من الوجود العسكري المصري في سيناء، حيث لم يعد الخطاب الإسرائيلي ينظر إلى هذه التحركات باعتبارها مجرد إجراءات استثنائية، بل بدأ يتعامل معها كتحول استراتيجي قد يؤثر على الوضع الأمني معها.

ومن خلال متابعة ما ورد في هذه التقارير، يتضح أن الخطاب الإسرائيلي يحاول بناء صورة متدرجة للخطر، تبدأ بالحديث عن وجود تجاوزات أو خروقات لاتفاقية السلام، ثم تنتقل إلى التحذير من تغير ميزان القوى العسكري، وصولًا إلى التخوف من اهتزاز حالة الاستقرار التي استمرت منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

كما يظهر أن القلق الإسرائيلي لا يرتبط بشكل أساسي بالنوايا المصرية الحالية، خاصة أن التقارير نفسها تؤكد عدم وجود مؤشرات على نية مصر الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل، إلى جانب استمرار التعاون الأمني بينهما.

 لكن التركيز الإسرائيلي بات منصبًا على تنامي القدرات العسكرية المصرية في سيناء، انطلاقًا من فكرة أن تقييم التهديدات يجب أن يعتمد على القدرات العسكرية وليس فقط على النوايا السياسية والتي قد تتغير بتغير القيادة السياسية في أي وقت، وهي فكرة حاضرة بقوة في التفكير الأمني الإسرائيلي منذ حرب أكتوبر 1973.

وتكشف التقارير أيضًا عن وجود أصوات داخل إسرائيل تدعو إلى عدم الاستمرار في سياسة الصمت تجاه هذه التحركات، والمطالبة باتخاذ مواقف أكثر وضوحًا، سواء عبر الضغط الأمريكي أو عبر تحركات عسكرية وإعلامية إسرائيلية، وهو ما يعكس وجود نقاش داخل إسرائيل حول كيفية التعامل مع مصر في ظل التطورات الإقليمية الحالية.

ومن ناحية أخرى، يمكن ملاحظة أن بعض هذه التقارير تميل إلى المبالغة في تصوير حجم التهديد المصري أو احتمالات حدوث مواجهة مستقبلية، خصوصًا أن العلاقات المصرية الإسرائيلية ظلت طوال العقود الماضية قائمة على قدر كبير من التوازن الأمني، كما التزمت مصر تاريخيًا باتفاقية السلام حتى في أوقات التوتر الإقليمي.

كما أن الجيش المصري لم يعد يعتمد عقيدة مواجهة إقليمية كبرى ضد إسرائيل، كما كان يعلن في الماضي، وتحول اهتمامه نحو دور اقتصادي وسياسي داخلي قوي تحت قيادة السيسي، مع تركيز على الاستقرار الداخلي والاقتصاد الخاص به، وهذا التحول يعكس ابتعاداً نسبياً عن العقيدة العسكرية الهجومية التقليدية تجاه إسرائيل، مما يجعل القلق الإسرائيلي من مصر يستمد قوته أكثر من الذاكرة التاريخية والحساسيات الموروثة، ويبقى التعاون الأمني بينهما شاهداً على متانة التعاون بينهما، رغم بعض التوترات الإعلامية.

ومع ذلك، فإن أهمية هذه التقارير لا تتوقف عند المعلومات التي تقدمها فقط، بل تكمن أيضًا في كونها تعبر عن تغير نسبي في المزاج الاستراتيجي داخل بعض الأوساط البحثية الإسرائيلية، التي بدأت تعيد تقييم البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر، وما سببته من اهتزاز في الثقة بالمفاهيم الأمنية التقليدية.

وبشكل عام، تعكس هذه المواد انتقالًا تدريجيًا في النظرة الإسرائيلية إلى الجبهة المصرية، من حالة الاطمئنان النسبي التي استمرت لسنوات، إلى مرحلة يغلب عليها الحذر وإعادة الحسابات الأمنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة اعتبار مصر تهديدًا مباشرًا أو خصمًا وشيكًا.

وفي هذا السياق، لم يمر الخطاب الذي أطلقه الإعلامي المصري عمرو أديب مرور الكرام حال تعلقيه على تفاعل جماهيري داعم لتدريبات “اختراق الضاحية” لقوات الصاعقة والتي هتفت ضد إسرائيل بأحد الشوارع المصرية، بل تحول إلى مادة تحليلية مُقلقة داخل إسرائيل، فكتب إيدي كوهين، مقالاً بصحيفة “معاريف” رصد فيه بقلق بالغ تصاعد لهجة التعبئة حتى وإن صدرت من شخصية إعلامية غير رسمية في تعليقه على حجم هذا التماهي الشعبي مع خطاب يكرر مفردات “العدو”، “التضحية”، في فضاء مفتوح.  

من جانب آخر، فهذا الطرح غير معهود منذ فترة في صراحته فهل كان جزءًا من حالة توظيف إعلامي لصرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية والمعيشية المتراكمة التي يعيشها المواطن، عبر إعادة إحياء سردية الكرامة واليقظة العسكرية؟
لعل هذا التأويل يجد له ما يدعمه من شواهد، خاصة وأن تصريح أديب نفسه أكد بأن “مصر ليست في حالة حرب ولن نكون على ما أتصور”.

ختاما، يظهر التقرير حجم التحول الجذري في العقلية الأمنية الإسرائيلية نحو حالة من ” الفزع الأمني” عقب أحداث السابع من أكتوبر، فلقد انتقلت إسرائيل من حالة اليقين الاستراتيجي الآمن الذي كفلته معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية لأكثر من نصف قرن، إلى حالة من “الرهاب الفكري والأمني” الشامل.

هذا التحول لم يعد مقتصراً على الجبهات التقليدية المباشرة في لبنان وسوريا والعراق فحسب، بل امتد ليشمل الجبهة المصرية التي كانت تُعدّ حصن الطمأنينة الأبرز، مما ولد شعوراً متراكماً بالحصار والتهديد المحيط من كل اتجاه.

إن انعكاسات هذا الضغط النفسي المستمر تتجاوز الغرف العملياتية لتخترق عمق المجتمع الإسرائيلي، حيث يعاني الداخل من إرهاق وجودي حاد، ويتجلى هذا التوتر بوضوح لدى شريحة المواطنين ذوي الجنسيات المزدوجة، الذين يجدون أنفسهم في مرمى نيران هذا القلق الوجودي، مما يعقد حياتهم اليومية ويضعهم في حالة من الترقب الدائم وعدم الاستقرار، وبذلك يتحول هذا القلق المتراكم من مجرد رد فعل أمني عابر إلى مأزق استراتيجي عميق قد يشير إلى بداية مرحلة تراجع الصعود الإسرائيلي في المنطقة وفي الأرض المحتلة.


([1])https://www.inn.co.il/news/696485

([2])https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1318736

زر الذهاب إلى الأعلى