إصداراتحدث ورؤيامفاهيم

هل يمكن أن نفهم إيران وتفهمنا غدًا بصورة أوضح؟

تموضعات مجتمعية جديدة

حين يتم تناول الحالة الإيرانية فإن غالب القصور يكمن في أمرين:

تناول القضية – هي معضلات قضايا – وتحليلها بمنظار الاشتباكات الخارجية والدولية الإيرانية مع غياب البعد البنيوي الداخلي والمحلي لها. أو على العكس من ذلك تماما، يغيب البعد الدولي الخارجي لصالح الروايات المحلية وحدودها، كما يفعل بعض الباحثين ممن درس في إيران وتحول إلى الترجمة ثم الدراسات والتحليل.

أو أن يتم تناول إيران عموما بكل أبعادها وحاضرها وماضيها من خلال الجانب السياسي أو العقائدي أو الاقتصادي مع عدم تشخيص وتسكين ذلك ضمن الأرضية الاجتماعية وتحركاتها المعقدة.

وينطبق مثل هذا مثلا على مفهوم ودور البازار، والبعد القومي، وتشكيلة العقل والشخصية الإيرانية.

حين كتب د. محمد الأحمري مقالته الشهيرة الجدلية قبل عقدين بعنوان خدعة التحليل العقدي، فإنه كان يحاول فرملة أُحادية أو لزوم عاملٍ معين في التحليل مهما كان مُهمًّا، لأنه قد يختصر التركيبات والفواعل إلى حدٍ مخلٍ…

فما بالنا وقد اعتبر بعض العلماء أن البرغماتية الممنهجة بحد ذاتها تلامس الاعتقاد وتتضمنه، فالبرغماتية قد تصبح منهج حياة مسيطر.

 أي إنّ الفواعل في فهم المواقف المتحركة والمتناقضة متداخلة بشكلٍ معقد، وقد لا يفضّها أو يفضحها شيءٌ سوى قوة مشرط الأخلاق الكلية الثابتة كالعدالة والحرية التي أمر بها رب العالمين وأقرتها العقول السوية، فأمهات الأخلاق تنهي جدل التمترس خلف دعاوى عقدية وربما باطنية متلونة لا تنتهي. لكن هذا في شأن تفسير مفردات وفرادى الأحداث والمواقف المتحركة.

إنّ ما سبق لا يتناقض مع حقيقة أنّ الاستقراء الصحيح لمجموع الأحداث بصورة كلية، سينتج لنا نموذجا تفسيرا أوضح لنسق البواعث الإيرانية كمواقف ذات بعدِ فكري وعقدي وسياسي واجتماعي.

فها هنا يمكننا ممارسة التفريق المطلوب بين فرادى الأحداث والمراحل واللحظات الفارقة، وبين الكليات التي تنطلق من ثوابت معينة، ولكن ضمن نطاقٍ زمني أوسع من المراحل واللحظات الفارقة.

يحسن بنا دوما جميعا إعادة قراءة إيران كنسيجٍ مجتمعي معقدٍ أكثر من تعقيد السلطة ذاتها، مهما كنّا أقرب من غيرنا إلى الصواب، ومهما كانت ثوابتنا ومنطلقاتنا وقناعاتنا مع أو ضد، وذلك لسببٍ بسيط وهو أن إيران خفية ومركبة وهي أعقد من رأس النظام.

إذ إن هناك مساحات اجتماعية ومجتمعية كبيرة متحركة على مستوى الشعب – بأطيافه – لا بدّ من إعادة رصدها في ظلال وطأة الحدث وما يحدثه من تحولات أو تموضعات.

أليس من الغريب – على سبيل المثال – أن نجدّ أهم المفكرين الإيرانيين الأمريكيين كنصر والي، وتريتا بارسي، وراي تاقيه – رغم نشاطهم في اللوبي الإيراني الأمريكي وعلاقاتهم الودية بدولة الكيان – يهاجمون دولة الكيان التي كشفت عن وجهٍ بغيض لا يعبأ يإيران الشعب من خلال التلويح بإعادة إيران بكل ما فيها إلى العصر الحجري !!

إنّ ذات الموقف من عدوان دولة الكيان بات يتشكل بين العلمانيين الإيرانيين، بالفعل القومي وغيره…

وهو تحولٌ في غاية الأهمية، فالجروح التي أحدثها الهجوم الوحشي ودعاياته الكاذبة على مرافق الشعب العادية، لم يمرّ دون صدماتٍ في وجدان وكبرياء الإيرانيين لا سيما الفرس عموما.

إن هذا الاستعداء العام للشعب الإيراني المقهور الذي ينزع غالبه إلى العلمانية – بأطيافه داخل وخارج أيران – يمثل خسارةً سياسيةً سافرةً للمشروع الصهيوني في المنطقة، بعدما كان يروج لصداقةٍ وتحالفٍ مستقبلي بين الكيان والشعب الإيراني العلماني.

لذا، لم يكن غريبا أن يهاجم نصر والي المفكر العلماني الإيراني الأمريكي على قناة الCNN  ابن الشاه الذي سكت عن تهديد ترمب ونتنياهو بإعادة إيران إلى العصر الحجري.

كما إنّ هناك تيارًا متناميًا داخل النظام الإيراني بدأ يدرك بدوره، تحت قسوة وشدة الهجوم الوحشي عليه والصلف، أنّ حلم تقاسم إيران المصالح مع دولة الكيان أو حتى الجمهوريين لم يعد ممكنا وأنه كان مجرد مرحلة نفعية مضت، بعد أن بلغت منطقتنا ضعفا كبيرا يغني الكيان الدخيل عن تقاسم المصالح مع أي أحد.

إنّ نزعة ساسة إيران البرغماتية المستمرة التي تحاول دوما أن تتفاوض مع أمريكا – ولو من خلال إحلال الأمر الواقع كما في لبنان – بلغة تقاسم النفوذ على حساب المنطقة كما حصل في العراق وأفغانستان وغيرها، انتهت إلى استهداف إيران ذاتها، وباتت تلك القوى الصهيونية ترى أنها قادرة على بلع الجميع وحدها.

 إنّ هذا الدرس القاسي اليوم يحتّم على ما بقي من إيران أو من قد يغير في كيان سلطتها أن ينسحب من حالة التمدد ووهم ملأ الفراغات في المنطقة كما فعل في سوريا… ويتحتم على إيران أن تعي أنّ ذات المعضلة التي تستنزف بها العراق سترتد عليها إن لم تتعلم الدرس. ذلك الدرس الذي جعل رفسنجاني ينصح خامنئي أن يكف عن غلوه في نظرية أذرع إيران على طريقة أمثال سليماني والتي أدت إلى كارثة في المنطقة، لم تلبث ان التهمت خامنئي وسليماني والكثير.

هل ستعقل إيران غدا – سواء تغير النظام فيها جزئيا أو غير ذلك – أنها لا تستطيع التنفس دون علاقة طبيعية هي أحوج إليها مع دول سنية محيطة بها كباكستان وتركيا وعمان وقطر بل والسعودية ؟؟

وهل ستفهم إيران أنها أخطأت حين ظنت أنّ غالب دول المنطقة العربية ستتبع السياسة الأمريكية وتعادي إيران “بالريموت كونترول”، وهي تحملت ضربات وصواريخ إيران عليها، كي لا تُستدرج إلى معركة عبثية.

كما إنّ الدول العربية والمنصات الاعلامية والمفكرين، مدعوون لتوجيه رسائل صحيحةٍ إلى الشعب الإيراني كشعبٍ، بما فيهم الفرس والعلمانيين، وهي: إنّ إسرائيل ليست صديقة لنا ولكم.

زر الذهاب إلى الأعلى