الرؤية الإسرائيلية لأزمة الاقتصاد المصري: هل يتدخل الجيش لحلها؟

مقدمة:
تعكس التحليلات الصادرة عن وسائل إعلام إسرائيلية، وعلى رأسها ما نشره موقع نتسيف نت، اهتمامًا متزايدًا لديها بتطورات الأزمة الاقتصادية في مصر، حيث يتم تناولها من زاوية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية المباشرة لتشمل تأثيراتها السياسية والاستراتيجية.
ووفقًا لهذه الرؤية، فإن مصر تقف أمام مفترق طرق حاسم، في ظل تصاعد الضغوط المالية وتراجع قدرة الدولة على تلبية التزاماتها الخارجية، وهو ما يدفع إلى طرح سيناريوهات جديدة، وفي مقدمتها مطالبة المؤسسة العسكرية بالمساهمة في إنقاذ الاقتصاد.
وفي هذا السياق، تبرز ملاحظة مهمة تتعلق بكيفية تصوير هذه الرؤية الإسرائيلية لدور الجيش، إذ تبدو وكأنها تتعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها كيانًا اقتصاديًا منفصلًا عن الدولة، وليس جزءًا أصيلًا من بنية الدولة ومؤسساتها، فبدلًا من النظر إلى موارد الجيش ضمن الإطار العام للاقتصاد الوطني، يُقدم كفاعل موازٍ يمتلك ميزانية خاصة وأولويات مستقلة.
وترى هذه القراءة أن مجرد طرح فكرة تدخل الجيش اقتصاديًا بهذه الصورة يعكس عمق الأزمة، ويشير إلى أن أدوات المعالجة التقليدية لم تعد كافية، سواء عبر الاقتراض الخارجي أو الاعتماد على الدعم الإقليمي.
وتعد المتابعة الإسرائيلية لهذه المؤشرات بمثابة محاولة استشراف الوضع السياسي المصري، أكثر من كونها تحليلًا آنيًا للأزمة، إذ لا يقتصر الأمر على توصيف الوضع الاقتصادي في مصر، بل يمتد إلى محاولة فهم اتجاهات التغير المحتملة داخل بنية الدولة نفسها.
* دعوات للجيش المصري للمساهمة من ميزانيته في إنقاذ مصر من الانهيار المالي ومصر الآن تعاني حاليًا من عجز مالي، لكن الجميع يرفض الاعتراض! ([1])

تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن هناك أصواتًا من المقربين من السيسي آخذة في الازدياد تطالب الجيش المصري بالمساهمة بجزء من ميزانيته في مواجهة العجز المالي المتفاقم.
وتكتسب هذه الدعوات أهميتها بحسب ما ورد بالتقرير من كون ميزانية الجيش تقع خارج نطاق الموازنة العامة، وتحظى بحماية قانونية ودستورية، ما يجعلها بعيدة عن الرقابة التقليدية.
غير أن تفاقم الأزمة، وارتفاع الالتزامات المتعلقة بخدمة الديون الخارجية إلى نحو 38 مليار دولار خلال فترة قصيرة، دفع إلى إعادة النظر في هذه المعادلة مع اقتصاد الجيش.
ويُنظر إلى هذا الرقم باعتباره مؤشرًا على حجم التحدي الذي تواجهه الدولة، خاصة في ظل نقص حاد في العملات الأجنبية.
فمصر تعاني من صعوبة في توفير الدولار اللازم لسداد ديونها الخارجية، وفي الوقت ذاته تحتاج إلى تأمين واردات أساسية مثل الغذاء والدواء.
ويؤدي هذا التناقض إلى ضغط مزدوج على الاقتصاد، يزيد من تعقيد المشهد ويحد من قدرة الحكومة على المناورة.
في هذا السياق، تقوم المؤسسات الدولية بتوجيه السياسات الاقتصادية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، الذي يربط تقديم الدعم المالي بتنفيذ شروط هيكلية تشمل تقليص دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد.
وتشمل هذه الإصلاحات إلغاء الامتيازات الضريبية التي تتمتع بها الشركات التابعة للجيش، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للمنافسة بشكل أكثر عدالة.
كما تتقاطع هذه الضغوط مع تغير في موقف الدول الداعمة لمصر، خاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث لا تقدم هذه الدول دعمًا ماليًا غير مشروط، بل تشترط الحصول على أصول اقتصادية مقابل ضخ الاستثمارات.
ويعكس الأمر مخاطر استمرار الدعم دون إصلاحات، كما يزيد من الضغوط على الحكومة المصرية لاتخاذ خطوات اقتصادية جذرية.
تصاعد الضغوط الاقتصادية وتآكل النموذج القائم:
على الصعيد الداخلي يشير التقرير إلى تفاقم الأزمة نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، التي تجاوزت نسبتها 35%، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى ما يُوصف بامتيازات المؤسسة العسكرية، التي لا تخضع لنفس القواعد الاقتصادية المفروضة على بقية القطاعات.
ويُنظر إلى هذه الانتقادات على أنها تعبير عن حالة من الاحتقان الاجتماعي، خاصة في ظل الفجوة المتزايدة بين الأوضاع المعيشية للمواطنين وبين أداء بعض القطاعات الاقتصادية التي تتمتع بحماية خاصة.
ومن هنا، فإن الدعوات لمساهمة الجيش لا تنفصل عن هذا السياق، بل تعكس محاولة لإعادة توزيع الأعباء الاقتصادية بشكل جديد.
في الوقت ذاته، تبرز إشكالية المشروعات القومية الكبرى التي تمت خلال السنوات الماضية، مثل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، والتي يرى البعض أنها لم تحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا بالدولار، وقد ساهمت هذه المشروعات في زيادة الإنفاق العام، ما أدى إلى تفاقم العجز المالي وزيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي.
كما أن تراجع قيمة العملة المحلية بشكل حاد أدى إلى زيادة كلفة خدمة الدين، حيث أصبحت الالتزامات المقومة بالدولار أكثر عبئًا على الدولة، ويُضاف إلى ذلك ضعف مصادر الدخل بالعملة الأجنبية، سواء من السياحة أو الاستثمار الأجنبي، ما يزيد من حدة الأزمة.
الجيش كفاعل اقتصادي وتحديات التدخل المحتمل
تشير التقديرات الواردة بالتقرير إلى أن الجيش المصري يمثل أحد أكبر الفاعلين الاقتصاديين في البلاد، حيث يمتد نشاطه إلى قطاعات متعددة تشمل الصناعة والبناء والخدمات، ويُعتقد أن هذه الإمبراطورية الاقتصادية تستفيد من مزايا تنافسية كبيرة، مثل الإعفاءات الضريبية واستخدام العمالة منخفضة التكلفة، ما يمنحها قدرة على تحقيق أرباح مرتفعة.
وفي ضوء ذلك، فإن مطالبة الجيش بالمساهمة في مواجهة الأزمة تطرح تساؤلات معقدة حول طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في مصر.
فمن ناحية، قد يؤدي تدخل الجيش إلى توفير موارد مالية تساعد في تخفيف حدة الأزمة، لكنه من ناحية أخرى قد يثير توترات داخل المؤسسة العسكرية، التي تُعد العمود الفقري للنظام السياسي بقيادة عبد الفتاح السيسي.
وتطرح هذه التطورات أيضًا تساؤلات حول مستقبل النموذج الاقتصادي الذي تأسس منذ عهد جمال عبد الناصر، والذي يقوم على دور مركزي للدولة في إدارة الاقتصاد.
ويبدو أن الضغوط الحالية قد تدفع نحو إعادة صياغة هذا النموذج، بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الجديدة.
في هذا الإطار، يمكن فهم الدعوات المطروحة على أنها جزء من عملية اختبار تدريجي لردود الفعل، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو في الشارع، تمهيدًا لاتخاذ قرارات قد تكون غير مسبوقة، ويعكس هذا النهج إدراكًا لحساسية الموقف، ومحاولة لتجنب أية تداعيات غير محسوبة.
تعقيب مركز رؤيا:
تكشف المعالجة التي قدمها التقرير عن زاوية نظر تحمل قدرًا من التركيز الإسرائيلي على رصد مثل هذه الدعوات بوصفها قد تكون مؤشرات مبكرة على تحولات محتملة داخل بنية النظام في مصر، إذ يُتعامل معها ليس كطرح عابر، بل كإشارات تستحق المتابعة والتحليل والقياس حتى ذكر التقرير في ختامه أن هذه الدعوات بمثابة “بلونات اختبار” تهدف إلى تهيئة الرأي العام (والجيش نفسه) لخطوات مؤلمة تتمثل في إعادة تأميم أو بيع الأصول العسكرية لإنقاذ البلاد من الانهيار المالي.
ويعكس هذا الأمر حساسية إسرائيلية على تتبع أي نقاش يمس العلاقة بين السلطة والمؤسسة العسكرية، باعتبارها عنصرًا حاسمًا في المعادلة السياسية في مصر.
من الناحية التحليلية، لا يمكن إنكار أن الضغوط التي تواجهها مصر – سواء بسبب قروض صندوق النقد الدولي أو من خلال ديون شركائها الإقليميين – قد تدفع باتجاه إعادة النظر في بنية الاقتصاد، بما في ذلك دور المؤسسة العسكرية.
غير أن افتراض أن هذه الضغوط ستؤدي بالضرورة إلى “إجبار” الجيش على التخلي عن أصوله أو موارده يتجاهل طبيعة النظام السياسي المصري، الذي يقوم على توازنات دقيقة بين مراكز القوة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية نفسها.
في المقابل، يسلط التقرير الضوء – بشكل مهم – على إشكالية هيكلية تتعلق بتداخل الاقتصاد مع المؤسسة العسكرية، وتأثير ذلك على بيئة الاستثمار والقطاع الخاص.
وهذه النقطة تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية المصرية من خلال الامتيازات التي تتمتع بها بعض الكيانات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، مثل الإعفاءات الضريبية وغيرها، ليصبح تحقيق نمو اقتصادي مستدام أمرًا أكثر تعقيدًا، وهي النقطة التي سعت قوى وطنية إلى معالجتها خلال ثورة 25 يناير 2011، حيث طُرحت آنذاك مطالب بإعادة تنظيم العلاقة الاقتصادية مع الدولة، كما استمرت تحذيراتها من هذه المسألة في أعقاب انقلاب 30 يونيو 2013 حيث تفاقمت الأوضاع بصورة أكبر.
بشكل عام، يمكن القول إن هذه الرؤية كما يعكسها التقرير تميل إلى قراءة المؤشرات الحالية باعتبارها قد تكون مقدمات لتحولات هيكلية، حتى وإن لم تكن هذه التحولات وشيكة بالضرورة، فهي تلتقط بالفعل إشارات حقيقية تتعلق بتزايد الضغوط الاقتصادية وتنامي النقاش حول أدوار المؤسسة العسكرية داخل مصر، وهو رصد لا شك يمهد لبلورة تصورات مسبقة تخص هذه التحولات إن حدثت، سواء من حيث انعكاسها على تماسك النظام أو على توازناته الخارجية مع إسرائيل.






