إيران في زمن الحرب: ضبط الاحتجاج أم قمع الجبهة الداخلية

يتناول هذا التقرير مقالًا منشورًا في موقع "تابناك" الإيراني المحافظ، بعنوان: "هل شعار فئة محدودة هو صوت الجميع؟ تدخل القيادة لمواجهة التفرقة لم يكن بلا سبب!"، ويناقش الجدل الدائر حول الشعارات التي ترفعها التجمعات الليلية المنتقدة للمسؤولين، وحدود حرية الاحتجاج، ومسؤولية الإعلام الرسمي في التعامل مع خطاب المحتجين. وينتقد المقال تصريحًا لأحد مقدمي البرامج الذي رفض تحديد ما ينبغي للناس قوله، مؤكدًا أن احترام المواطنين لا يعني تأييد جميع شعاراتهم أو إعفائها من النقد إذا تضمنت اتهامات للمسؤولين أو أسهمت في تأجيج الانقسام الداخلي. ويكشف المقال عن حراك سياسي وإعلامي داخل المعسكر المحافظ بشأن كيفية إدارة الاعتراض الشعبي، وحدود النقد المسموح به، ودور هيئة الإذاعة والتلفزيون في نقل الاحتجاجات وتأطيرها. ويستند الكاتب إلى تأكيدات المرشد الإيراني المتكررة على الوحدة الوطنية وتجنب التفرقة والنيل من المسؤولين، لتسويغ ضرورة التدخل في الخطاب العام والتمييز بين المطالب المشروعة وما يراه تهديدًا للتماسك الداخلي. ويبرز المقال أهمية النقاش في إظهار أن الجدل لا يقتصر على العلاقة بين النظام والمحتجين، بل يمتد إلى الخلاف داخل المؤسسات والدوائر القريبة من النظام حول كيفية تمثيل صوت الشارع. ويوجه المقال انتقادًا مباشرًا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية لعدم رسمها حدًا واضحًا بين الاحتجاج والشعارات التي يراها الكاتب مثيرة للفرقة، ويطالبها بتقييم مضمون الشعارات ومناقشة تبعاتها بدلًا من الاكتفاء بنقل صوت المواطنين. ويختتم المقال بالتأكيد على أن دور الناس في الحفاظ على البلاد لا يمنح أي مجموعة حق فرض شعاراتها على المجتمع، محذرًا من أن يؤدي الدفاع غير المشروط عن الشعارات إلى تقسيم المجتمع وإضعاف الثقة العامة، لكنه لا يتناول مسؤولية السلطات عن معالجة أسباب الاحتجاج. ويشير تعقيب مركز رؤيا إلى أن المقال يتناول استقرار الدولة من زاوية حماية الوحدة ومنع الإساءة إلى المسؤولين، دون تقديم تقييم موازن لمدى استجابة المؤسسات للمطالب الشعبية أو لفاعلية قنوات الاعتراض المتاحة. ويؤكد التعقيب أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب معيار واضح يفصل بين النقد المشروع والتخريب، وأن الدعوة إلى الوحدة الوطنية تحتاج إلى اقترانها بتحديد مسؤوليات متبادلة بين الجمهور والسلطة والإعلام. كما يرى التعقيب أن المقال لا يقدم بيانات كافية عن حجم التجمعات أو تحليلًا لمطالب المشاركين، مما يجعله تعبيرًا عن رؤية محافظة لطبيعة المشكلة الحالية، لا دليلًا مستقلًا على دوافع المحتجين.
الملخص التنفيذي:
يتناول هذا التقرير مقالًا منشورًا في موقع ” تابناك” الإيراني المحافظ بعنوان: هل شعار فئة محدودة هو صوت الجميع؟ تدخل القيادة لمواجهة التفرقة لم يكن بلا سبب!
يناقش الجدل حول الشعارات التي ترفعها التجمعات الليلية المنتقدة للمسؤولين، وحدود حرية الاحتجاج، ومسؤولية الإعلام الرسمي في التعامل مع الخطاب الصادر عن المحتجين. وينطلق المقال من انتقاد تصريح أحد مقدمي البرامج الذي رفض تحديد ما ينبغي للناس قوله، باعتبار أنهم هم من حافظوا على البلاد، ليؤكد كاتب المقال في نقده لهذا التصريح أن احترام المواطنين لا يعني تأييد جميع الشعارات التي تصدر عنهم، ولا إعفاءها من النقد إذا تضمنت اتهامات للمسؤولين أو أسهمت في تأجيج الانقسام الداخلي.
وتكشف المادة عن حراك سياسي وإعلامي داخل المعسكر المحافظ بشأن كيفية إدارة الاعتراض الشعبي، وحدود النقد المسموح به، ودور هيئة الإذاعة والتلفزيون في نقل الاحتجاجات وتأطيرها.
كما يستند الكاتب إلى تأكيدات المرشد الإيراني المتكررة على الوحدة الوطنية وتجنب التفرقة والنيل من المسؤولين، لتسويغ ضرورة التدخل في الخطاب العام والتمييز بين المطالب المشروعة وما يراه الكاتب تهديدًا للتماسك الداخلي.
وتبرز أهمية المقال في إظهار أن الجدل لا يقتصر على العلاقة بين النظام والمحتجين، بل يمتد إلى الخلاف داخل المؤسسات والدوائر القريبة من النظام حول كيفية تمثيل صوت الشارع.
عنوان المقال: هل شعار فئة محدودة هو صوت الجميع؟ تدخل القيادة لمواجهة التفرقة لم يكن بلا سبب.. ([1])
حول تمثيل الشارع وحدود تأييد شعاراته:
يناقش المقال تصريحًا لأحد مقدمي برنامج “به وقت إيران” على شاشة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، مفاده أنه لا ينبغي تحديد ما يقوله الناس أو توجيههم بشأن شعاراتهم؛ لأنهم هم الذين حافظوا على البلاد، ويرى الكاتب أن هذا الموقف يخلط بين الاعتراف بدور المواطنين في حماية الدولة وبين منح كل ما يصدر عنهم حصانة من النقد، متسائلًا عما إذا كان تقدير دور الناس يقتضي تأييد كل شعار أو إجراء تتبناه مجموعة محدودة في التجمعات!
ويقر المقال بأن بعض الشعارات والمطالب المطروحة في التجمعات قد تنسجم مع تعزيز قوة البلاد ودعم المسؤولين، وقد تتضمن مواقف يراها الكاتب منطقية لكنه يرفض تحويل هذه الحالات إلى مسوغ عام لتأييد جميع الشعارات، مؤكدًا أن الاعتراف بمكانة المواطنين لا يعني الموافقة المطلقة على كل ما يقولونه، وأن الاحتجاج حق لا يلغي ضرورة تقييم مضمونه وآثاره.
ويتركز الخلاف هنا على معنى تمثيل الشارع: هل يكفي أن يصدر الشعار عن مجموعة من المواطنين حتى يُعامل بوصفه تعبيرًا عن الإرادة العامة، أم أن نطاقه المحدود ومضمونه يفرضان التمييز بينه وبين الموقف الشعبي الأوسع؟
ينحاز المقال إلى الاحتمال الثاني، ويرفض مساواة حضور المحتجين في الشارع بإجماع المجتمع على مطالبهم أو أساليبهم.
الفصل بين الاحتجاج المشروع والإساءة إلى المسؤولين:
يؤكد الكاتب أن المواطنين يملكون حق الاحتجاج وانتقاد المسؤولين، لكنه يطرح تساؤلات حول الشعارات التي تتضمن تشويهًا لصورة المسؤولين أو اتهامهم بالخيانة، معتبرًا أن ترديدها في الشارع لا يجعلها بمنأى عن المساءلة والنقد ومن هذا المنطلق، يطرح سؤالًا محوريًّا: أين ينتهي التعبير عن المطالب المشروعة ويبدأ التخريب؟
لا يقدم المقال تعريفًا دقيقًا للتخريب، لكنه يضع مجموعة من الممارسات في دائرة الاعتراض، أبرزها التشويه وإطلاق الاتهامات وتأجيج الخلافات السياسية والاجتماعية.
ويعكس هذا الطرح توجهًا محافظًا يسعى إلى تقليص الخطاب الاحتجاجي من خلال رفع شعار الفصل بين المطالب التي يمكن استيعابها ضمن المجال السياسي وبين الشعارات التي يُنظر إليها بوصفها تهديدًا للوحدة الداخلية.
مسؤولية هيئة الإذاعة والتلفزيون عن نقل الاحتجاجات وتأطيرها:
يوجه المقال انتقاده بصورة مباشرة إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية متسائلًا عن سبب عدم رسمها حدًّا واضحًا بين الاحتجاج والشعارات التي يراها الكاتب مثيرة للفرقة، رغم التأكيد المتكرر على الوحدة الوطنية وتجنب النيل من المسؤولين!
ويطالب الهيئة بألا تكتفي بنقل صوت المواطنين، بل أن تقيّم مضمون الشعارات وتناقش تبعاتها ووفق هذا المنطق، فإن المسؤولية الإعلامية لا تقتصر على إتاحة المجال للتعبير، وإنما تشمل أيضًا منع تحول التغطية إلى وسيلة لتوسيع الانقسام أو منح شعارات محدودة تمثيلًا أكبر من حجمها.
والمقال لا يكتفي بمطالبة الإعلام بالدفاع عن موقف السلطة، بل ينتقد أداءه من داخل الإطار المحافظ نفسه، لأنه يرى أن الهيئة لم توفق بين نقل مطالب الناس والالتزام بما يعتبره مقتضيات الوحدة الوطنية.
وفي المقابل، لا يحدد النص آلية واضحة لتطبيق هذا الفصل بين الاحتجاج والتفرقة، ولا يبين الجهة التي ينبغي أن تحكم على الشعارات أو المعايير التي تستند إليها، وهذه ثغرة مهمة؛ لأن منح المؤسسة الإعلامية دورًا في تقييم مضمون الاحتجاجات قد يتحول إلى تدخل في حرية التعبير إذا غابت الضوابط، أو إذا أصبحت حماية المسؤولين معيارًا أعلى من حق المجتمع في مساءلتهم.
حضور المواطنين بين ضبط الشعارات ومساءلة السلطة:
يختتم المقال بتأكيد أن دور الناس في الحفاظ على البلاد لا يمنح أي مجموعة حق فرض شعاراتها على المجتمع.
ويستخدم المقال هذا التمييز لتسويغ ضرورة ضبط الخطاب الاحتجاجي والإعلامي، محذرًا من أن يؤدي الدفاع غير المشروط عن الشعارات إلى تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة وإضعاف الثقة العامة.
لكن النص لا يتناول بصورة مماثلة مسؤولية السلطات عن معالجة أسباب الاحتجاج، أو دور السياسات العامة في إنتاج التوترات التي تظهر في الشعارات! وبهذا تظل المسؤولية في طرحه متركزة أساسًا على المحتجين والإعلام الذي ينقل خطابهم، بينما لا تحظى مساءلة المؤسسات الرسمية عن أسباب الاستياء بالمساحة نفسها.
تعقيب مركز رؤيا:
تبرز أهمية هذا النقاش بالنسبة إلى فهم الشأن الإيراني في أن استقرار الدولة لا يُطرح هنا بوصفه مسألة أمنية فقط، بل باعتباره قضية تتصل بالشرعية السياسية، والقدرة على تمثيل المجتمع، ودور المؤسسات الإعلامية في توجيه المجال العام، إلا أن المادة تتناول هذه المسائل من زاوية حماية الوحدة ومنع الإساءة إلى المسؤولين، ولا تقدم تقييمًا موازنًا لمدى استجابة المؤسسات للمطالب الشعبية أو لفاعلية قنوات الاعتراض المتاحة.
غير أن المشكلة الأساسية في هذا الطرح ليست في الدعوة إلى تجنب التحريض أو التفرقة، بل في غياب معيار واضح يفصل بين النقد المشروع والتخريب فاتهام مسؤول بالتقصير أو الفساد أو الخيانة، على سبيل المثال، لا يمكن الحكم عليه من خلال حدته اللفظية وحدها، بل يتطلب النظر في مضمونه وأدلته وسياقه، كما أن الإساءة الشخصية تختلف عن النقد السياسي والخلط بينهما قد يؤدي إلى حماية المسؤولين من المساءلة بدلًا من حماية المجتمع.
وتحتاج الدعوة إلى الوحدة الوطنية إلى أن تقترن بتحديد مسؤوليات متبادلة فالجمهور مطالب بتجنب التحريض والاتهامات غير المسندة، والسلطة مطالبة بإتاحة المجال للنقد ومعالجة أسباب الاستياء، والإعلام مطالب بنقل الوقائع دون تضخيم الشعارات أو حجبها وفق معايير سياسية مسبقة أما مطالبة الإعلام بتقييم الشعارات من دون تحديد معايير التقييم والجهة التي تراقب تطبيقها، فقد تفتح المجال أمام تحويل الخطاب الرسمي عن الوحدة إلى وسيلة لتقييد الاعتراض.
كذلك، لا تكفي توجيهات القيادة الإيرانية المتكررة لإثبات أن الشعارات التي ينتقدها المقال واسعة الانتشار أو أنها تمثل خطرًا فعليًّا على التماسك الداخلي؛ فالمادة لا تقدم بيانات عن حجم التجمعات، ولا تحليلًا لمطالب المشاركين، ولا شواهد كافية على أثر تلك الشعارات في المجتمع! ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها تعبيرًا عن رؤية محافظة لطبيعة المشكلة الحالية وكيفية التعامل معها، لا بوصفها دليلًا مستقلًا على دوافع المحتجين.
وتكتسب التجمعات المطروحة في المقال دلالتها من وقوعها في سياق الحرب على إيران، وما أثارته من تفاعلات داخلية بشأن أداء المسؤولين، وحدود النقد الموجه إليهم، كما تظهر اتساع الخلاف داخل التيار المحافظ نفسه بين من يرى أن الاعتراف بدور الناس في حماية البلاد يستوجب عدم توجيه ما يقولونه، ومن يرى أن هذا الدور لا يمنح أي مجموعة حق فرض شعاراتها على المجتمع، وبذلك صار استدعاء «دور الناس في الحفاظ على البلاد» حجة يستند إليها الطرفان في اتجاهين متعاكسين.
والخلاصة أن المقال مهم بوصفه شاهدًا على محاولة داخل التيار المحافظ الإيراني لضبط حدود الاحتجاج والإعلام بالاستناد إلى خطاب الوحدة الوطنية، لكنه لا يقدم ما يكفي لإثبات أن الشعارات المنتقدة تمثل تهديدًا واسعًا، ولا يوازن بين واجب منع التحريض وواجب مساءلة المسؤولين! ومن هنا؛ فإن معيار التماسك الحقيقي لأي دولة لا يتمثل في تقليص مساحة النقد، بل في قدرة المؤسسات على التمييز بين الاعتراض المشروع والتحريض، والاستجابة للمطالب، ومنع توظيف الخلاف الداخلي أو الخارجي للإضرار بالشعوب ومصالحها.
([1]) : https://www.tabnak.ir/fa/news/1398429/شعار-عده-ای-محدود-صدای-همه-است-ورود-رهبری-برای-مقابله-با-تفرقه-بی-دلیل-نبود