طوفان الأقصى وتحولات السياسة والرأي العام بأميركا

أسفر طوفان الأقصى في 7 أكتوبر2023 عن اندلاع أحداث مفصلية وتحولات كبرى بمسار الصراع العربي الصهيوني وقضية فلسطين ومستقبل الكيان الاستيطاني الصهيوني الإمبريالي الإحلالي، وما سبق من إهانة بالغة ومظلومية تاريخية لحقت بالأُمَّة عقب الحرب العالمية الأولى، ووقوعها في براثن الإمبريالية الغربية وتجزئتها وإلغاء وجودها كأُمَّة ورسالة وحضارة.
كذلك، والأهم ربما، شهد العالم “صحوة” تناصر قضية فلسطين وتؤكد رواية النكبة الفلسطينية وترفض السردية الإسرائيلية. وقد شملت الجنوب العالمي ومراكز الميتروبوليتان والعواصم والمدن بمختلف أصقاع الغرب، طارحة بقوة أسوأ كوابيس الصهيونية: انفضاض الرأي العام الغربي عن الكيان الصهيوني وتجريم إسرائيل وإسقاط شرعيتها، خاصة لدى الأجيال الجديدة.
ورافقت حركة التضامن العالمية تحركات وقرارات مهمة من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة، واعترفت دول غربية عديدة بـ”دولة فلسطين”، خارجة بوضوح عن الموقف الأميركي.
شارك في احتجاجات الجماهير على المجازر والإبادة الجماعية الصهيونية في قطاع غزة والانتصار لحقوق شعب فلسطين الإنسانية والوطنية طيف من مختلف أجيال الغرب، يبدأ من ناجين من المحرقة النازية (الهولوكوست)، ولا ينتهي عند شباب من عائلات صهيونية راسخة، يهودية وغير يهودية، لكنهم تمرَّدوا على السردية الصهيونية وأكاذيبها.
بل وامتدت ثورة الوعي الجديد نحو التعرف على الإسلام وحضارته، والبحث عن قصة الإنسان وإجابات عن أسئلة الوجود والمصير الإنساني، وقيم ومبادى الحقِّ ومعايير العدل، والتماهي مع العدالة ونبذ الفاشية والإسلاموفوبيا والعنصرية والعدوانية الإمبريالية، كما تظهر مئات من مقاطع الفيديو باليوتيوب ومنشورات وسائط التواصل الاجتماعي.
شارك في احتجاجات الجماهير على المجازر والإبادة الجماعية الصهيونية في قطاع غزة والانتصار لحقوق شعب فلسطين الإنسانية والوطنية طيف من مختلف أجيال الغرب، يبدأ من ناجين من المحرقة النازية (الهولوكوست)، ولا ينتهي عند شباب من عائلات صهيونية راسخة، يهودية وغير يهودية، لكنهم تمرَّدوا على السردية الصهيونية وأكاذيبها.
تؤسس هذه الحراكات لموجة تحرُّر ثقافي واجتماعي وسياسي، يتصدَّى للرجعية الغربية واحتكار الثروة والسلطة، والفساد السياسي والظلم الاجتماعي والانحطاط الأخلاقي، نحو آفاق العدل والتراحم الإنساني، ويتوقع أن تُغيِّر وجه الغرب ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا نحو آفاق إنسانية حقيقية.
لقد أحيت حركة التضامن العالمية مع فلسطين مختلف ألوان الطيف الغربي الداعية لقيم الإنسانية والعدل الاجتماعي والتحرُّر الأخلاقي من الإمبريالية والعنصرية والنيوليبرالية الاحتكارية والأُحَادية القُطبية التي طغت واستفحلت واستفردت بالعالم بعد تفكُّك الاتحاد السوفياتي وغياب تحديَّاته للمنظومة الإمبريالية الغربية.
لم تقتصر هذه الحراكات على استنكار الإبادة الجماعية والتدمير الشامل والتجويع والمطالبة بوقفها لإنقاذ المدنيين، بل وتجاوزت أكذوبة “حلّ الدولَتَينِ” بسماجتها وسفاهتها إلى مطالبة صريحة بـ”فلسطين حرة”، من النهر إلى البحر!
بل نجد معارضة جذرية بالغرب للمشروع الصهيوني يشترك فيها ناجون من المحرقة النازية وجيل أحفادهم، بعد أن رأوا في الصهيونية والقومية اليهودية حركة عنصرية توسعية.
جاء 7 أكتوبر 2023 في لحظة إفلاس قيمي واختزال معرفي وتجريف أخلاقي للوعي الإنساني والمثل العليا بيد الثقافة الرأسمالية العنصرية الفاشية ومنظومتها المعرفية الإمبريالية المادية، في حين تعاني البشرية فراغًا روحيًّا وأخلاقيًّا، وتستشرف القيم النبيلة والمُثل العليا، وتبحث عن قضية ضمير وحقِّ وعدل لتتماهى معها وتناضل لأجلها.
لَفتَ شعوبَ العالم والغربَ بخاصة إلى عدالة قضية فلسطين، الصمودُ والثباتُ على الأرض والتماسكُ الصلبُ والاستعصاءُ على الانهيار، رغم الإبادة الجماعية والدمار الشامل على مدار الساعة، رفضًا للاقتلاع والتهجير!
كما هو معلوم، كانت ردود فعل حكومات الغرب الأنكلوسكسوني وألمانيا، على أحداث 7 أكتوبر اندفاعًا جنونيًّا، تسليحًا للكيان الصهيوني ودعمًا سياسيًّا وماليًّا ولوجستيًّا واستخباراتيًّا، وتسويغًا لجرائمه، واعتبار الحدث تهديدًا وجوديًّا للغرب والكيان الصهيوني!
كانت لحظة مشهودة أن يعتبر الرئيس الأميركي آنذاك، جو بايدن، المقاومة الفلسطينية مثل “روسيا”، عدوًّا وتهديدًا لنظام الاستيطاني العالمي، الذي تمثله الدائرة الأنكلوسكسونية وألمانيا وغيرها، وشارك بعضها في قيادة الحرب، وأرسلوا ضباطًا وقدرات جمع استخباريِّ حربيِّ وتجسُّس، و”قوة دلتا” الأميركية لحرب المدن.
تأكدت مركزية المشروع الصهيوني الاستيطاني في منظومة الاستيطان العالمي والهيمنة الغربية، أكثر بكثير مما كان يُقدَّر سابقًا.
لذا، سيكون تفكُّك المشروع الصهيوني، سواء بفعل انقساماته وصراعاته الداخلية وفقدانه شرعية الوجود ومقاطعته عالميًّا أو بفعل تصاعد مقاومة الأُمَّة وحلفائها، مؤشرًا دالًّا على نهاية السيطرة الغربية والأُحَادية القطبية، وهذا موضع ترحيب عالم الجنوب وقوى كبرى وإقليمية، تتطلَّع لتفكيك النظام الإمبريالي العالمي لأجل نظام عالمي بديل متوازن متعدِّد الأقطاب.
لكن أضعف حلقات هذا السياق هو النظام العربي الإقليمي أو ما تبقَّى مِن حُطامه، وقد أظهر، بعد كلِّ ما أنجزته المقاومة الفلسطينية، استسلامًا كاملًا للإرادة الإمبريالية الأميركية، وخطط الإخضاع ومحو قضية فلسطين وحقوق شعبها من الأجندة العالمية؛ لفرض القيادة الإسرائيلية والعربدة الصهيونية على العالم الإسلامي!
كما أظهر تواطؤ مواقف دول عربية وإسلامية مع خطة ترامب لإبادة فلسطين سياسيًّا بعد الإبادة الجماعية – بتعبير البروفسور جيفري ساكس، أستاذ الاقتصاد المرموق بجامعة كولومبيا والمسؤول السابق بالأمم المتحدة – وأفضت إلى شرعنتها بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 في نوفمبر 2025.
وويل لنا من نوفمبر الذي شهد معظم حلقات نكبة فلسطين، من وعد بلفور إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 بتقسيم فلسطين، إلى قرار مجلس الأمن الدولي الأخير!
ستحاول هذه المقاربة رصد تحولات السياسة والرأي العام تجاه قضية فلسطين، ولكن الأهم تجاه الكيان الصهيوني والقوى السياسية التي تمثله أو تحتشد تقليديًّا وراءه في الولايات المتحدة، ومستقبل اللوبي الإسرائيلي، لجنة الشؤون العامَّة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) بواشنطن، وآفاق الحزبين الديمقراطي والجمهوري المستقبلية، وعودة الإسلاموفوبيا ردًّا صهيونيًّا على هذه التحولات.
1. انهيار منطق الصهيونية والإجماع حول دعم إسرائيل:
من قادة أوروبيين إلى شخصيات إعلامية أميركية، منطق الصهيونية يتداعى. يُمثل انهيار الإجماع بشأن دعم إسرائيل فرصةً لليسار، خاصةً اليهود المناهضين للصهيونية، لإيصال رسالتهم. ينبغي لهم انتهاز الفرصة، والترحيب بمن بدأوا يرون الحقيقة أخيرًا.
كما انكسر الإجماع الأميركي السابق على دعم إسرائيل، ودخول هذه المسألة نطاق عدم اليقين مستقبلًا، مما يحيل أميركا إلى تحذير توماس جيفرسون (1743-1826)، الرئيس الأميركي الرابع وأحد الآباء المؤسسين من خطورة “التعلُّق العاطفي” الزائف passionate attachment في العلاقات الخارجية و”التورُّط في مساعٍ كُبرى بأغلبية هشة”!
ماكرون: “إن حرب إسرائيل الإجرامية الدائمة وغير القانونية في غزة تُقوِّض المعركة ضد معاداة السامية في فرنسا. وإن أفعال إسرائيل ستشجع من يستخدمونها ذريعةً لمعاداة السامية، وتُعرِّض المجتمعات اليهودية حول العالم للخطر”.
وغدت معارضة سياسات الإدارة الداعمة للكيان الصهيوني قضية رأي عام واسعة النطاق، لأول مرة في تاريخ العلاقة الأميركية الإسرائيلية!
ونتيجة لدعم ومشاركة إدارة بايدن في حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية بغزة، خسر الحزب الديمقراطي الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وعاد دونالد ترامب والجمهوريون إلى البيت الأبيض، وسيطروا على مجلسي الكونغرس بل وحتى المحكمة العليا (الدستورية)، بما يستتبع ذلك من فوضى واضطرابات تمسُّ الديمقراطية الأميركية، والنظام السياسي الأميركي، والحريات الدستورية، والضوابط والتوازنات، وأسس الدولة الأميركية، ومستقبل النظام الدولي.
مَنْ يؤجِّجُ معاداة السامية؟
التقط فيليب فايس، الكاتب اليهودي الأميركي التقدمي ومؤسس موقع “موندوفايس”، خيط التحولات وألقى مزيدًا من الضوء عليها. فقد تلقت إسرائيل أحد أهم التصريحات الغربية في تاريخها بشهر أغسطس 2025، عندما صرَّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن إسرائيل تُؤجِّج معاداة السامية عالميًّا بسبب جرائم الحرب التي ترتكبها.
أطلق ماكرون تصريحه بعد اتهام بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أوروبا بـ”صبِّ الزيت على نار مُعاداة السامية” بخططها للاعتراف بدولة فلسطينية!
كتب ماكرون رسالةً مطولةً إلى نتنياهو، ردَّ فيها الاتهام عليه، قائلًا: إن “حرب إسرائيل الإجرامية الدائمة وغير القانونية في غزة” تُقوِّض المعركة ضد معاداة السامية في فرنسا. وإن أفعال إسرائيل “ستشجع من يستخدمونها ذريعةً لمعاداة السامية، وتُعرِّض المجتمعات اليهودية حول العالم للخطر”!
تقليديًا، كانت حجة ماكرون تُعتبر كفرًا أو هرطقة في لاهوت الصهيونية. وإذا نطق بها أحدٌ جهرًا، فإنه يُتهم فورًا وزُورًا بتسويغ معاداة السامية. لكن أي شخص عاقل سيرى فيها الحقيقة!
بدوره، قال الممثل اليهودي الأميركي الكوميدي آدم فريدلاند مؤخرًا، في مقابلةٍ شهيرة جمعته مع عضو الكونغرس الأميركي المؤيد لإسرائيل، ريتشي توريس: إن الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين تُشكل “تهديدًا” لسلامة اليهود بالغرب.
وأضاف فريدلاند: “أعتقد أن كراهية اليهود قد اندلعت في هذا البلد [أميركا]، وأعتقد أن ذلك بسبب دعمنا لما يبدو وحشية مطلقة”؛ “أقول لك كيهودي إننا نتلقى كراهيةً أكبر كثيرًا بسبب أفعال أصحاب الراية التي تحمل نجمةً يهودية بالآخرين الآن”.
لكن توريس اتهم فريدلاند بتسويغ معاداة السامية، لكن ذلك ارتدَّ عليه؛ “هل جننت؟” قال فريدلاند، ثم طلب من توريس لاحقًا “أن يخرس” لأنه لا يعرف ما يتحدث عنه!
القومية اليهودية وصفة لحروب أبدية:
يرى فيليب فايس أنَّ القلق على سلامة اليهود في خضم إبادة جماعية إسرائيلية للفلسطينيين هو بالطبع مؤشر على المشكلة. فمخاوف اليهود دائمًا ما تكون محور النقاش في الغرب. وهذا التركيز مفهوم في ضوء التاريخ اليهودي في أوروبا. فقد أربكت “المسألة اليهودية” صنَّاع السياسات والمفكرين أكثر من مائة عام: ماذا نفعل بشعب بلا دولة، شعب مضطهد لكنه مؤثر؟ بعد محرقة “الهولوكوست”، قالت أوروبا: إنه يجب أن يكون لليهود دولة خاصة بهم.
والآن تشهد فلسطين بدورها “محرقة” أخرى، وبدأ العالم يدرك أن القومية اليهودية هي وصفة لحروب أبدية لا تنتهي. وهذا هو الخبر السار والأهم في رسالة ماكرون.
الولايات المتحدة تقترب ببُطءٍ أكبر من هذا الفهم. والمؤسَّسة السياسية صامدة أو بالأحرى متصلبة حتى الآن. يعتقد الناخبون الديمقراطيون بأغلبية ساحقة أن غزة تشهد إبادة جماعية، ويريدون قطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل. لكن قادة الحزب الديمقراطي تبنَّوا موقفًا لا يرى هناك شرًّا! إنهم ملتزمون بإرسال الأسلحة إلى إسرائيل، وتجنُّب التصويت العام بشأن هذه المسألة. ويبدو أنهم يأملون أن تختفي قضية إسرائيل تدريجيًّا من اهتمامات الرأي العام، وأن لا تؤثر عليهم انتخابيًّا ما لم يجد خطاب الإبادة الجماعية سبيله إلى صفحات “نيويورك تايمز”!
لكن قاعدة الحزب الديمقراطي تُقوِّض هذه الغطرسة على وسائط التواصل الاجتماعي – فالآنسة ريتشل الرائعة (التي تتعرض الآن لحملة تشويه واسعة واتهامات بالعداء للسامية) تتحدث عبر يوتيوب عن غزة يوميًّا لملايين المشاهدين.
تحالف واسع النطاق:
وفي يوليو/تموز 2025، كريستال بول، مقدمة برنامج “نقاط الانهيار” عبر “يوتيوب”، انتقدت عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، السيناتورة إليسا سلوتكين، بشدَّة بسبب دعمها للإبادة الجماعية؛ فارتبكت سلوتكين وتجمَّدت بمكانها. أقرَّت السيناتورة بأنّ إسرائيل تنتهج “تطهيرًا عرقيًّا” في غزة، وهي جريمة حرب، لكنها رفضت التصريح بأنها ستصوِّت لصالح إنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل.!
كما حاولت إنكار تلقيها أموالًا من اللوبي الإسرائيلي (إيباك)، مع أنها تلقت أموالاً بالفعل.
ولم يكن لدى السيناتورة سلوتكين ما تقوله بينما توسلت إليها كريستال بول لحماية الأطفال الفلسطينيين! “أشعر بالذنب الشديد لأنني لا أفعل ما يكفي”، قالت كريستال بول متحسرة، وهي صرخة يفهمها كل ذي ضمير!
لكن إذلال النائب الصهيوني، ريتشي توريس، كان أسوأ؛ فقد سخر فريدلاند من تركيز عضو الكونغرس على مضايقات يتعرَّض لها الصهاينة. قال فريدلاند: إن إسرائيل تأسَّست على “تطهير عرقي”، والفلسطينيون يتعرَّضون “للإهانة وتجريدهم من إنسانيتهم وللمراقبة”.
وأضاف فريدلاند قائلاً لتوريس: “هذا ما يراه العالم. وتقول لي إن المشكلة تكمن في أن أحد [الصهاينة] يتعرَّض للصراخ في مطعم؟ أنا آسف”!
كما شرح فريدلاند ما وراء عنف يوم 7 أكتوبر2023 قائلًا: “إذا عاملتَ الناس كالحيوانات، فسيثورون عليك أحيانًا”!
يعتقد فايس أن انهيار الإجماع السائد بشأن إسرائيل يُمثِّل فرصةً لليسار لإيصال رسالته. فقد كتبت دانيا راجندرا وريبيكا فيلكومرسون في صحيفة In These Times (ITT): “مع انهيار إنكار “الوسط” للإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، يتفاوض كثيرون في اليسار على كيفية التعامل مع أولئك الذين كانوا – حتى وقت قريب – خصومًا واضحين، والآن قد يكونون حلفاء ضروريين”. ودعت الكاتبتان إلى “مواجهة بتحالف واسع النطاق”.
في الوقت الحالي، يجب بذل كلِّ جهد ممكن لبناء تحالف سياسي لوقف مذبحة وتجويع الفلسطينيين. الرئيس ماكرون مؤيدٌ قديم لإسرائيل، لكن وصفه لأعمال إسرائيل بغزة بأنها “حرب إجرامية دائمة وغير قانونية” يستحق الإشادة.
أوهام الدولة اليهودية:
يدعو فيليب فايس اليهود المناهضين للصهيونية للترحيب بهذا التحول. كما ينبغي تشجيع الصهاينة الليبراليين، مثل جيري نادلر، إما على إخلاء الطريق أو تغيير مواقفهم والانضمام إلى دعوات الديمقراطية في البلاد، كما فعل اليهودي الليبرالي بيتر بَيْنارت. وينبغي الإشادة بآدم فريدلاند، الصهيوني السابق، لقوله: إن التطهير العرقي يُولِّد معاداة السامية. نعم، هذه الحُجَّة تجعل سلامة اليهود جوهر القضية.
ومع ذلك، لن تتوقف المؤسسة الأميركية الحاكمة عن دعم الإبادة الجماعية حتى ينهار المجتمع اليهودي. وسيظل اليهود الأكبر سنًّا الذين يدعمون إسرائيل ركيزة أساسية في الحزب الديمقراطي.
وتُعدّ إسهامات اللوبي الإسرائيلي (إيباك) دليلًا على التزام الأجيال بما يُطلق عليه جيري نادلر “الحلم الصهيوني”.
ولا يزال تشاك شومر، وديفيد أكسلرود، وبراد شيرمان، وبيرني ساندرز وغيرهم من أعضاء الكونغرس يصدِّقون الأوهام اليهودية حول الدولة اليهودية. ولا تزال هذه النظرة تسود وسائل الإعلام الرئيسة، وفيها أصوات مؤثرة مثل توماس فريدمان، وجيك تابر، ودانا باش.
وأفادت تقارير أن شاري ريدستون، 71 عامًا، مالكة شبكة “سي بي أس” (CBS) الإخبارية سابقًا، قررت بيع الشبكة لانزعاجها الشديد من تقرير برنامج “60 دقيقة” حول استقالات بوزارة الخارجية في إدارة بايدن بسبب الإبادة الجماعية.
تعامِي اليهود الأكبر سنًّا المؤيدين لإسرائيل عائقٌ أمام التغيير داخل المؤسسة الليبرالية. وتُشكِّل رسالة ماكرون ومواقف فريدلاند تهديدًا لهذا التعامي. بل يدعو فيليب فايس لكسر هذه السلطة، وستركز وسائل الإعلام الأميركية أخيرًا على الإبادة الجماعية برعاية أميركية، على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. حينها سيرى ترامب الصور وقد يتحرك.
2. ذعر الصهاينة من فقدان السيطرة على الرواية:
في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حلّ جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية المرموق بجامعة شيكاغو، ضيفًا على القاضي أندرو نابوليتانو، مُقدِّم البرنامج الحواري عبر يوتيوب: “الحكم على الحرية ” Judging Freedom، فتحدثا عن “إسرائيل”، وما تشهده من انحطاط أخلاقي لمجتمع لا يدافع فحسب، بل يُشيد بالجنود الذين اغتصبوا سجينًا فلسطينيًا بوحشية!
كما ناقشا جهودًا يائسة يبذلها اللوبي الصهيوني وعملاؤه، مثل مارك ليفين المُقرَّب من ترامب، للردِّ على انتقادات تاكر كارلسون، الإعلامي المحافظ الشهير، لإسرائيل وهي مؤثرة وواسعة الانتشار، عبر تصوير كارلسون عدوًّا لأميركا، ونقيضًا تامًّا لمن يؤمنون بـ”أميركا أولًا”! مع أنَّ ليفين في الحقيقة من دعاة “إسرائيل أولًا”، ويحاول زورًا الظهور كأحد دعاة “أميركا أولاًً”!
كذلك، فإنَّ ذُعر الجماعات الصهيونية بأميركا من فقدان السيطرة على الخطاب العام ورواية الإبادة الجماعية في فلسطين، وتحوُّلات الرأي العام العالمي العميقة إزاء المشروع الصهيوني، وبخاصة لدى شباب اليهود، وعزلة اللوبي الإسرائيلي (إيباك) سياسيًّا بواشنطن، ورفض تبرعاته الانتخابية، نال مؤخرًا اهتمامًا كثيرًا بأميركا وخارجها.
انقسام بين الأجيال اليهودية:
أما سارة هُرويتز، من قادة الرأي بالحزب الديمقراطي وكاتبة خطابات أوباما السابقة، فقد أدلت مؤخرًا بتصريحات كاشفة في مؤتمر الجمعية العامة للاتحادات اليهودية بأميركا الشمالية، مُعربةً عن إحباطها من طريقة رفض الشباب اليهود للحُجَج المؤيدة أو المسوغة لإسرائيل بعد الإبادة الجماعية في غزة.
قالت هُرويتز: “نواجه الآن، كما أعتقد، انقسامًا جديدًا بين الأجيال هنا، وأعتقد أنه صحيح بشكل خاصٍّ؛ لأن وسائط التواصل الاجتماعي أصبحت الآن مصدرنا الإعلامي”.
إذن، لديكم تيك توك يُدمِّر عقول شبابنا طوال اليوم بفيديوهات المذبحة في غزة. لذلك، لا يستطيع الكثير منا إجراء محادثة عقلانية مع شباب اليهود، لأن أي شيء نحاول قوله لهم، يسمعونه من خلال جدار المذبحة. لذلك أريد أن أقدم بيانات ومعلومات وحقائق وحُجج، وهم يرون في أذهانهم: مذبحة. وأبدو أنا فاحشة!
في الماضي، كانت الأخبار بأميركا تُبَثُّ عبر وسائل إعلام أمريكية، وتُمثِّل التيار الرئيس جدًّا؛ وكما تعلمون، لم تكن تُعبِّر عمومًا عن آراء متطرفة معادية لإسرائيل!
كان عليك الذهاب إلى مكتبة غريبة نوعًا ما للعثور على وسائل إعلام عالمية وأخرى هامشية. أما اليوم، فلدينا وسائط التواصل الاجتماعي، وهي وسيلة عالمية يشكِّل مليارات الأشخاص حول العالم لا يُحبُّون اليهود محتوى خوارزمياتها. لذا، وبينما في التسعينيات، لم يكن مُرجَّحًا أن يجد شابٌّ قناة “الجزيرة” أو شخصًا مثل نك فوينتس، فاليوم هذه المنافذ الإعلامية تجدهم على هواتفهم”!
وأضافت هُرويتز: “تمثل هذه الوسائط الإعلامية باطراد ثقافة ما بعد القراءة؛ نصوص أقل فأقل، ومقاطع فيديو أكثر فأكثر”. “إذن، لديكم تيك توك يُدمِّر عقول شبابنا طوال اليوم بفيديوهات المذبحة في غزة. لذلك، لا يستطيع الكثير منا إجراء محادثة عقلانية مع شباب اليهود، لأن أي شيء نحاول قوله لهم، يسمعونه من خلال جدار المذبحة. لذلك أريد أن أقدم بيانات ومعلومات وحقائق وحُجج، وهم يرون في أذهانهم: مذبحة. وأبدو أنا فاحشة”!
انهيار الرهان على الهولوكوست:
ومضت هُرويتز قائلة: إن التوعية بالهولوكوست تأتي بنتائج عكسية، لأنها تُعطي الشباب انطباعًا خاطئًا بأن الإبادة الجماعية سيئة دائمًا.
وأضافت: و”كما تعلمون، أعتقد للأسف، أن الرهان الذكي الذي وضعناه على التوعية بالهولوكوست لتكون تثقيفًا حول معاداة السامية في بيئة الإعلام الجديدة، أعتقد أن هذا الرهان بدأ ينهار، لأن التوعية بالهولوكوست ضرورية للغاية، لكنني أعتقد أنها قد تُربك بعض شبابنا بشأن معاداة السامية”.
واستطردت: “ولأنهم يتعلمون عن النازيين الأقوياء ضخام الأجسام، الذين يؤذون اليهود الضعفاء النحفاء، ويعتقدون أن معاداة السامية أشبه بالعنصرية ضد السود، أليس كذلك؟ البيض الأقوياء ضد السود الضعفاء. لذا، عندما يرون على تيك توك طوال اليوم، إسرائيليين أقوياء يؤذون الفلسطينيين الضعفاء الهزلاء، فليس مستغربًا أن يفكروا: “أوه، أعلم أن درس الهولوكوست هو أن تحارب “إسرائيل”. أن تحارب الأقوياء ضخام الأجسام الذين يؤذون الضعفاء”!
تُعلِّق كايتلين جونستون، الكاتبة الأسترالية المستقلة: يا للهول! هنا الكثير مما يجب شرحه. فمِن المثير للاهتمام حقًّا رؤية كاتبة خطابات سابقة بالبيت الأبيض تطرح عدة نقاط طرحها خصوم الصهيونية لسنوات، لكن مغزاها لدى هُرويتز معاكس تمامًا:
– لطالما أخفت وسائل الإعلام التقليدية السائدة الآراء المعادية لإسرائيل عن الجمهور، وكان ذلك أمرًا جيدًا لدى الصهاينة.
– منحت وسائط التواصل الاجتماعي الفلسطينيين الآن صوتًا وقدرة على كشف حقيقة انتهاكات “إسرائيل”، وهذا أمر سيئ للصهاينة.
– لم يعد الناس ينخدعون بالتلاعب الصهيوني بالروايات، لأنهم رأوا المذبحة في غزة بأم أعينهم، وهذه مشكلة.
– من تعلموا من دروس الهولوكوست أن الإبادة الجماعية جريمة، يطبقون هذه الدروس على الإبادة الجماعية في غزة، وهذا يعني أنهم “مرتبكون”.
لماذا تبدو هُرويتز فاحشة؟
لا تنكر هُرويتز انتهاكات إسرائيل، ولا تُصوِّر فظائع الإبادة الجماعية الإسرائيلية كمشكلة، بل تُصرِّح صراحةً بأن حصول الناس على المعلومات والوضوح الأخلاقي حول الانتهاكات هي المشكلة! ارتكاب الفظائع ليس هو الخطأ، بل المشكلة أن الناس يرونها ويصفونها كما هي!
جونستون يعجبها طريقة شكوى هُرويتز من أنها تبدو “فاحشة” لمحاولتها طرح حُجج وروايات تسوِّغ هولوكوست غزة لمن رأوا “جدار المذبحة” الناجم عن الإبادة الجماعية.
والواضح أن هُرويتز ستبدو فاحشةً إذا حاولت إخبار شخص ما لماذا تظهر لقطات الفيديو الخام للمجازر والأطفال المشوهين وجثث المجوعين الهزيلة في الواقع شيئًا مسوَّغًا ومقبولًا!
فلا يمكن لأحد الوقوف أمام كومة من جثث الأطفال وتسويغ قتلهم، ثم التذمر عندما يتجاهل الناس تهويله، ويحدقون في الجثث الصغيرة! هذا أشبه بقتل عائلة بأكملها ثم إخبار الشرطة: “لكنكم لا تستمعون إلى أسبابي لقتلهم!”
إن المستنكرين للإبادة الإسرائيلية يفعلون الشيء الطبيعي بينما هُرويتز تتصرَّف بفُحش.
انتشر مقطع فيديو لهذه التصريحات اللاذعة على تويتر، وكانت جونستون تتساءل بفضول: إن كانت هُرويتز قد قالت أي شيء بعد انتهاء مقطع الفيديو، مما قد يجعل ما قالته يبدو أقل فظاعة، لذلك ذهبت جونستون لمشاهدة الفيديو الأصلي لقناة الاتحادات اليهودية بأميركا الشمالية على يوتيوب، ولكن لا. لم يتلطف الوضع أبدًا.
فقد أضافت هُرويتز أن الناس مُخطئون في تطبيق دروس التوعية بالهولوكوست على معارضة فظائع الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل، لأن خلال الهولوكوست كانت ألمانيا النازية هي التي تلوم اليهود على جميع مشكلاتها، بنفس الطريقة التي يعتقد بها الناس الآن أن إسرائيل مصدر جميع مشكلات العالم اليوم!
ثم أعربت عن أسفها على الطريقة التي أعاد بها يهود الغرب “تصوُّر اليهودية كديانة على الطراز البروتستانتي” للاندماج في المجتمع الغربي بدل الحفاظ على هوية قوية موالية لدولة إسرائيل.
ليست مجرد ديانة!
قالت هُرويتز: “المشكلة هي أننا لسنا مجرد ديانة”؛ فـ”نحن أُمَّة. حضارة. قبيلة. شعب. والأهم من ذلك كله، نحن عائلة. لذا، إذا كنت شابًّا نشأ بأميركا ويعتقد أن اليهودية ديانة على الطراز البروتستانتي، فإن السبعة ملايين يهودي في “إسرائيل” هم مُجرَّد إخوة في الدين! لذا، إذا نظرتُ إلى إخوة في الدين ووجدتُ أنهم لا يمارسون ديني القائم على العدالة الاجتماعية، وبعض القيم النبوية، فما شأني بهم؟”.
“لكن هذا خطأ تصنيفي”، تستطرد هُرويتز: “السبعة ملايين شخص في إسرائيل، ليسوا فقط إخوة في الدين، بل أشقائي. لكنني أعتقد أنه إذا اعتبرتُهم مجرَّد إخوة في الدين، فمن السهل الانزلاق لمعاداة الصهيونية. ليس بالضرورة أن تربطك بهم هذه الصلة”!
إذًا ترى هُرويتز هنا أن على يهود العالم أن يكونوا مخلصين لإسرائيل مهما فعلت، ليس لأن هذا هو الموقف الأخلاقي أو الموقف الصحيح، بل لأن إسرائيل موطن ولاءاتهم!
بالمقارنة، تقول جونستون: لو كان إخوتي يقتلون المدنيين، لكنت أصبحت عدوَّهم فورًا؛ لن أدافع عن أخي لو كان يتجول ويطلق النار على رؤوس الأطفال، كما يفعل قنَّاصة الجيش الإسرائيلي في غزة، بل سأشعر بمسؤولية خاصَّة لإيقافه لمجرد أنه أخي. لا تُصبح الإبادة الجماعية مقبولةً فجأةً إذا كان مرتكبوها “إخوتك”، إلا إذا كنتَ مختلًّا أو معتلًّا عقليًّا واجتماعيًّا.
من المذهل حقًّا مدى قلق الصهاينة الشديد إزاء فقدان إسرائيل السيطرة على الرواية خلال عامي الإبادة الماضيين. فنراهم يقولون أمورًا هادئة بصوت عالٍ، بينما يكافحون بجنون للسيطرة على التصورَّات والتلاعب بالعقول حول العالم. الواضح أن أشياء كثيرة كانت مخفية في السابق، بدأت تتكشف في العلن.
3.كيف غيَّرت إبادة غزَّة الرأي العامَّ الأميركيَّ؟
بعد عامين من إبادة غزة، شهد الرأي العام تجاه إسرائيل وفلسطين والسياسة الأميركية تحولًا جذريًّا. تُظهر دراسة نتائج استطلاعات الرأي العام أن فلسطين لم تعد قضيةً هامشية، بل قضيةً ذات تداعيات انتخابية حقيقية.
من الهامش إلى التيار الرئيس:
وكانت إدريان لينيت وميرا نابلسي، الباحثتان بمؤسسة ReThink Media، المعنية بتحليل وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي العام وصياغة الرسائل المتعلقة بالسياسة الخارجية الأميركية، قد رصدتا تحولاتٍ مهمةً، نقلت قضية فلسطين لدى الرأي العام الأميركي من الهامش إلى التيار الرئيس.
وجدت الباحثتان أنه بعد عامين من إبادة غزة، شهد الرأي العام الأميركي تحولًا جذريًّا تجاه إسرائيل وفلسطين والسياسة الأميركية. يُظهر تحليل بيانات استطلاعات الرأي أن فلسطين لم تعد قضيةً خاصة أو هامشية، بل قضيةً ذات تداعيات انتخابية حقيقية.
وما كان في السابق قضيةً هامشيةً في السياسة الخارجية بالنسبة لمعظم الناخبين الأميركيين، انتقل الآن لمركز النقاش السياسي العام، مثيرًا انقسامًا واضحًا ونقاشًا، بل وتحفيزًا للناخبين. ولم يكن هذا جليًّا في أي مناسبة أكثر من انتخابات 2024 الأميركية – عندما اضطر منظمو استطلاعات الرأي العام والمرشحون لاعتبار حرب غزة قضيةً انتخابيةً حيويةً – وتسارعت وتيرة تغيُّرات الرأي العام خلال عام 2025.
أصبحت إيباك شديدة السُّميَّة سياسيًّا لدرجة أن يتخلى عنها ديمقراطيون وسطيون! ومع تراجع دعم إسرائيل بين الناخبين الأميركيين، ينأى الديمقراطيون بأنفسهم عن إيباك، وتتخذ جماعات اللوبي الإسرائيلي موقفًا دفاعيًّا.
إجمالًا، استقر الرأي العام الأميركي عقودًا على دعم إسرائيل. لكنَّ اتجاهات استطلاعات الرأي خلال العامين الماضيين تُظهر قصةً مختلفة:
تعاطفًا قياسيًّا مع الفلسطينيين، وتراجعًا في دعم المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وتزايدَ أعداد ناخبين أميركيين يرون أفعال إسرائيل بغزة تجاوزت الحدَّ!
ولا يقتصر هذا التحول على اليسار، بل يشمل المستقلِّين. وهذا مهمٌّ لأن عددًا أكبر من الأميركيين يُعرِّفون أنفسهم الآن كمستقلين وليسوا جمهوريين أو ديمقراطيين. في ظلِّ استقطاب سياسيٍّ، يُعدُّ هذا تحذيرًا للمؤسسة السياسية، بأن فلسطين لم تعد موضوعًا هامشيًّا معزولًا، بل قضية ذات عواقب انتخابيةٍ حقيقية.
“الإبادة الجماعية” :
تؤكد استطلاعات رأي متزايدة ما رجَّحه كثيرون: لقد تحوَّلت آراء الأميركيين بطرقٍ تُشير لانصرافٍ كبيرٍ عن أنماط الدعم الشعبي التلقائي لإسرائيل سابقًا. وليس فقط أن دعم الرأي العام الأميركي لإسرائيل في أدنى مستوياته مطلقًا، بل إنَّ عددًا أكبر من مختلف أطياف الأميركيين السياسية يُريدون أيضًا إنهاء الحرب بغزة.
ما تغفله تحليلات عديدة أن هذا الموقف لا يقتصر على الناخبين التقدميين والشباب؛ بل يشمل جميع الفئات العمرية بالقاعدة الديمقراطية، ونسبة كبيرة من المستقلين.
وترصد الباحثتان تحولاتٍ مهمةً في زيادة نسبة الأميركيين الذين يصفون أفعال إسرائيل بغزة بـ”الإبادة الجماعية”، مما يعكس خطاب الهيئات الدولية ودول عديدة، بما فيها إسبانيا والبرازيل وجنوب إفريقيا، التي رفعت دعوى قضائية ضد إسرائيل بمحكمة العدل الدولية، بتهمة ارتكاب إبادة جماعية، وانضمت إليها عدة دول.
كما رصدت الاستطلاعات شعورًا متزايدًا لدى الأميركيين بأن ردَّ إسرائيل في غزة كان مُفرطًا، حيث يُعرب نحو نصف الأميركيين الآن عن ذلك. ويُمثل هذا انصرافًا حادًّا عن دعم واسع حظيت به إسرائيل فور هجوم 7 أكتوبر2023.
بلغ التعاطف مع فلسطين مستويات قياسية عالية في عدد من استطلاعات الرأي، متجاوزًا أحيانًا التعاطف مع إسرائيل، وهو تغيير كبير مقارنةً بما كان قبل بضع سنوات.
وبينما لا تزال المواقف تجاه الدور الأميركي بالمنطقة متباينة، فإن تزايد التعاطف الملحوظ مع الفلسطينيين يُظهر أن القضية لم تعد على هامش الرأي العام الأميركي. ويُعدُّ هذا تطورًا ملحوظًا بفترة زمنية قصيرة، سيما بعد عقود من تحيز التغطية الإعلامية الأميركية لإسرائيل ضد فلسطين.
بين الديمقراطيين والجمهوريين:
كذلك، نشهد الآن تراجعًا في دعم إرسال مساعدات عسكرية أميركية لإسرائيل. ففي أحدث الاستطلاعات، عارض عدد أكبر من الأميركيين تقديم أميركا مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل، مما يُمثل تراجعًا ملحوظًا عن إجماع نسبي استمر عقودًا بشأن المساعدات العسكرية.
وظهر هذا التحول في تزايد الشكوك حول انخراط بلادهم، وما إذا كان ينبغي توجيه أموال دافعي الضرائب نحو المساعدات العسكرية.
وإذا أخذنا بالاعتبار أن أميركا هي المانح الأكبر لإسرائيل، حيث تقدم لها مساعدات بنحو 4 مليارات دولار سنويًّا (ويتوقع تجاوزها 17.9 مليار دولار عام 2024)، فإن تآكل الدعم الشعبي للمساعدات العسكرية أمر بالغ الأهمية.
تأتي أقوى معارضة لعدوان إسرائيل على غزة من الأميركيين الشباب والتقدميين. ووفقًا لنتائج استطلاع نُشرت في أكتوبر2025، تعتقد أغلبية كبيرة (72%) من الناخبين الديمقراطيين المحتملين أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بغزة، وتؤيد نسبة 65% بشدَّة فرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية، ويعارض تجديد التزام بلادهم بتسليح إسرائيل 75% من المستطلعين.
في المقابل، لا يزال دعم السياسة الأميركية تجاه إسرائيل قويًّا بين الجمهوريين، ويؤيد معظمهم استمرار الدعم العسكري والاقتصادي، وتظل مشاعر التعاطف مع إسرائيل طاغية بينهم. ولكن آراء الحزب الجمهوري بشأن إسرائيل نفسها أصبحت أكثر تباينًا. ويظهر مركز بيو لأبحاث الرأي العام ارتفاع نسبة الآراء السلبية بين الجمهوريين تجاه إسرائيل، خاصة الشباب، وينقسمون الآن بالتساوي في آرائهم حول إسرائيل.
لكن ربما يكون التحول الأكثر لفتًا للانتباه، كما أظهرت استطلاعات رأي عديدة، قد حدث بين المستقلين – ككتلة محورية ومتنامية في الانتخابات الأميركية. في عام 2023، أيد تقريبًا نصف المستقلين تقديم المساعدة العسكرية الأميركية لإسرائيل. حاليًّا، انخفض هذا إلى 30% فقط. يظهر هذا التحرك أن التشكُّك بتصرفات إسرائيل لم يعد يقتصر على اليسار، بل يشمل ناخبين غالبًا ما يحسمون الانتخابات.
وبعيدًا عن النتائج الرئيسة نفسها، فإن مجرد طرح منظمي استطلاعات الرأي المزيد من الأسئلة حول السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وفلسطين أمرٌ له دلالته. لسنوات، كانت هذه الأسئلة تُطرح متقطعة فقط، وتُصاغ غالبًا بشكل ضيق حول الدعم الأميركي لإسرائيل. أما اليوم، فتتضمن أدوات استطلاع التيار الرئيس روتينيًّا بنودًا حول المساعدة العسكرية الأميركية لإسرائيل، وحقوق الفلسطينيين، ودور الولايات المتحدة الأوسع بالمنطقة. يعكس التكرار المتزايد واتساع نطاق الاستطلاعات الاهتمام العام المتزايد، بل ويعزز أهمية متزايدة للقضية في الخطاب السياسي الأميركي. كما تطرح استطلاعات الرأي الآن أسئلة بلغة أكثر حساسية أخلاقيًّا، مثل كلمة “إبادة جماعية”، مما يشير لارتفاع الوعي العام والاستعداد للتعامل مع القضية.
الفجوة بين قيادة الحزب الديمقراطي وقاعدته:
يصعب التنبؤ بكيفية تأثير وقف إطلاق النار الأخير (أكتوبر الأول 2025) بين حماس وإسرائيل على استطلاعات الرأي أو الاهتمام العام بالوضع الميداني. لكن هناك شيء واحد مؤكد: لقد أوجدت الإبادة الجماعية وعيًّا عامًّا جديدًا، وأدَّت لتحولات بالمشاعر العامة تجاه إسرائيل وفلسطين لا رجعة عنها.
لاحظ مراقبون بالفعل الفجوة بين القاعدة الديمقراطية وممثليها المنتخبين. تُعدُّ المواقف تجاه الحرب بغزة مثالًا ساطعًا لهذا الانقسام، وعواقبه الانتخابية الملموسة.
في عام 2024، ذكر 29% تقريبًا من الذين انتخبوا بايدن في انتخابات 2020، وتخلَّوا عن كامالا هاريس – في انتخابات 2024 – أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل هو السبب الرئيس لذلك، وفقًا لمشروع السياسات بمعهد فهم الشرق الأوسط (IMEU).
ولا تزال هذه القضية حاضرة بقوة. فقد أظهر استطلاع المعهد مؤخرًا أن 34% من الناخبين الديمقراطيين المحتملين يقولون إن سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل ستشكل تصويتهم في انتخابات 2026، حيث يفضل معظمهم خفض الدعم لإسرائيل.
كيف سيبدو شكل الحزب الجمهوري وسياساته مستقبلًا تجاه إسرائيل والشرق الأوسط في مرحلة “ما بعد إسرائيل”، أي ما بعد انحسار التعلُّق العاطفي غير المسوَّغ بإسرائيل والتأييد المطلق للكيان الصهيوني؟!
لكن لا يزال غالبية القادة الديمقراطيين يدعمون إسرائيل، ويصوتون ضد رغبات ناخبيهم، مما قد يكلفهم خسارة أصواتهم وثقتهم. لذا، من واجب القادة الديمقراطيين اتخاذ مواقف حازمة ضد تصرُّفات إسرائيل، وتحظى بشعبية واسعة بين ناخبيهم، كخفض المساعدات العسكرية لإسرائيل وزيادة المساعدات الإنسانية لفلسطين.
الأهم، إذا كان الديمقراطيون جادِّين في استعادة السلطة، فعليهم الانتباه ليس فقط لناخبيهم الحزبيين، بل وللناخبين المستقلين. ففي استطلاعات الرأي المتتالية، يقترب الناخبون المستقلِّون أكثر فأكثر من وجهات نظر الديمقراطيين المنتقدة لإسرائيل، فيما يتعلق بالدعم العسكري لإسرائيل أو التعاطف مع الفلسطينيين، أو الشعور بأن إسرائيل “تجاوزت الحدود”.
يُظهر هذا أن اتخاذ موقف ينتقد إسرائيل سيلقى قبولًا واسعًا ليس فقط بمناطق ديمقراطية راسخة كمدينة نيويورك، حيث حظي زُهران ممداني بالثناء على دعمه للفلسطينيين، بل أيضًا بدوائر انتخابية أكثر وسطية أو مختلطة.
من الحكمة أن ينتبه السياسيون لهذه التحولات، والأسباب الأوسع التي تصرف الناخبين عن الأحزاب نحو الكتلة المستقلة. بالنسبة لناخبين يضعون القضايا كأولوية قبل الولاء الحزبي، هناك وعي متزايد بارتباط الإبادة الجماعية والاحتلال الإسرائيلي بتأثير أموال ضرائبهم على الأولويات المحلية. وبازدياد وضوح هذا الارتباط، يُرجح أن يدعم المستقلون مرشَّحين مستعدِّين للخروج عن الوضع القائم وتبني اهتماماتهم.
فرصة التقدميين واليسار:
تُمثِّل هذه اللحظة فرصة غير مسبوقة لقادة التقدميين ويسار الوسط، لاتخاذ مواقف جريئة بشأن إسرائيل وفلسطين، وهناك إجراءات يمكنهم اتخاذها:
أولًا: يمكنهم التعهد برفض أموال اللوبي الإسرائيلي (إيباك)، والانضمام لعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ومسؤولين بالولايات والمحليات قطعوا هذا التعهد بالفعل.
وهذا موقف يحظى بشعبية كبيرة، ليس فقط لمن يجدون تصرفات إسرائيل بغيضة، بل لشرائح واسعة من الناخبين تعارض تدخل المصالح الضيقة في السياسات العامة.
ينبغي للمشرعين الفيدراليين أيضًا المشاركة برعاية تشريعات كمشروع “قانون حظر القنابل” (HR 3565) بمجلس النواب لوقف تزويد إسرائيل بالأسلحة الفتاكة. وجاء واعدًا توقيع نحو 100 مُشرِّع ديمقراطي على هذا المشروع لدى طرحه، لكن لا يزال مطلوبًا أن يحذو كثيرون حذوهم.
كما يمكنهم الدفع بتدابير، تحظى بدعم قوي بين الناخبين الديمقراطيين، وفقًا لاستطلاع أجراه مؤخرًا معهد فهم الشرق الأوسط – كحظر الائتمان الأميركي لسندات إسرائيل (76% دعم)، وتقييد استيراد الأسلحة المصنوعة بإسرائيل (75%)، وحظر دخول المسؤولين والجنود الإسرائيليين (62%).
تعكس هذه السياسات عقوبات عالمية ساعدت بإنهاء نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، ويمكن للديمقراطيين بناء زخم انتخابي بتلبية مطالب ناخبيهم عبر دعمها.
هناك أصوات متزايدة تقول إن اتخاذ موقف جريء ضد إسرائيل الآن ليس مجرد موقف أخلاقي، بل أيضًا موقف براغماتي عملي. يطالب الأميركيون – ديمقراطيون ومستقلون – باضطراد بكبح المساعدات العسكرية، وزيادة الدعم الإنساني، ومحاسبة إسرائيل عن أفعالها بغزة.
بالنسبة للقادة الأميركيين، لم تعد معارضة سياسات إسرائيل مجرد مسألة ضمير. إنه موقف مُتجذِّر في الرأي العام، وبدونه يفشلون في الارتقاء لمستوى مُثلِهم الديمقراطية المعلنة.
إن أولئك الراغبين في التصرف بجرأة الآن لن يكونوا فقط في الجانب الصحيح من التاريخ، بل سيظهرون أيضًا في طليعة المدافعين عن ديمقراطية أميركا بالاستجابة لإرادة ناخبيهم.
4. اللوبي الإسرائيلي.. عبئًا سياسيًّا شديد السُميَّة:
فجأةً، أصبح اللوبي الإسرائيلي، المسمَّى “لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية” (إيباك)، عبئًا سياسيًّا. بل أصبحت إيباك شديدة السُّميَّة سياسيًّا لدرجة أن يتخلى عنها ديمقراطيون وسطيون! ومع تراجع دعم إسرائيل بين الناخبين الأميركيين، ينأى الديمقراطيون بأنفسهم عن إيباك، وتتخذ جماعات اللوبي الإسرائيلي موقفًا دفاعيًّا.
فهل يواجه اللوبي الإسرائيلي مأزقًا يحيله كيانًا منبوذًا في الخريطة السياسية والانتخابات الأميركية ويفقده نفوذه البالغ في واشنطن؟!
على مدى عقود عديدة، لعبت إيباك دورًا محوريًّا في السياسة الأميركية، ليس فقط كمضخة تمويل ضخمة لحملات الانتخابات، بل أيضًا في تسويق وجهات النظر الإسرائيلية بكافة الشؤون وسياسات خارجية منحازة لها. لكن مؤخرًا، ينأى المترشحون الطامحون للفوز بأنفسهم عنها، بل ويعلنون على الملأ رفض تبرعات إيباك السخيَّة، ويردُّون تبرعاتٍ تلقوها منها سابقًا.
فماذا ينتظر اللوبي في ظلِّ تحول إسرائيل إلى عبءٍ سياسيٍّ بعد الإبادة الجماعية بغزة؟
بحسب مايكل أريَّا الصحفي اليهودي الأميركي، بموقع “موندوفايس”، أعلن في شهر أكتوبر2025، سيث مولتون، النائب الديمقراطي عن ماساتشوستس، والطامح لإقصاء السناتور الجمهوري إد ماركي بمجلس الشيوخ بالانتخابات القادمة، توقُّفَه عن قبول التبرعات السياسية من إيباك وسيعيد أموالًا تلقاها منها حتى تاريخه.
وقال مولتون في بيان: “في السنوات الأخيرة، انحازت إيباك بشكل وثيق جدًّا إلى حكومة رئيس الوزراء نتنياهو”. وأضاف: “أنا صديق لإسرائيل، ولكني لست صديقًا لحكومتها الحالية، ومهمَّة إيباك اليوم هي دعم تلك الحكومة. لا أؤيد هذا التوجُّه. لهذا السبب قررت إعادة التبرعات التي تلقيتها، ولن أقبل دعمها”.
يشهد المعسكر المحافظ حربًا أهلية حول الموقف من إسرائيل.
فنصف الجمهوريين – دون الخمسين عامًا – لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
بدوره، ردَّ مارشال ويتمان، المتحدث باسم إيباك، على هذه الخطوة: “يتخلى النائب مولتون عن أصدقائه ليُصبح عنوانًا رئيسًا، مُستسلمًا للتطرُّف بدلًا من التمسُّك بقناعاته”. وأضاف: “يأتي تصريحه بعد سنوات من مطالبته المتكررة لنا (إيباك) بتأييده، وهي رسالة واضحة لأعضاء إيباك بولاية ماساتشوستس، ولملايين الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل بأنحاء البلاد، أنه يرفض دعمهم ولن يقف بجانبهم”.
تغير جذري أم تحوُّل في الخطاب؟!
أثارت هذه الخطوة استغرابًا، فالنائب مولتون ليس سياسيًّا من الحمائم. فبالإضافة لكونه مؤيدًا قديمًا لإسرائيل، دافع مولتون، جندي مشاة البحرية السابق، في 2022 عن تصنيف جماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية. وعندما قصفت إدارة ترامب ثلاث منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025، امتنع عن انتقاد هذه الضربات.
لطالما كان مولتون داعمًا ثابتًا لإسرائيل، ليس فقط خارج أميركا، بل داخلها أيضًا. فقد صوَّت لصالح قانون “التوعية بمعاداة السامية”، وقرارات أخرى تخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، وأدان جامعته الأم، جامعة هارفرد، بسبب رسالة طلابية ألقت باللوم في هجوم 7 أكتوبر2023 على سياسات إسرائيل.
باختصار، ليس مولتون من أعضاء الكونغرس الذين يُتوقع أن ينتقدوا منظمة ضغط إسرائيلية. فعادةً ما تأتي الانتقادات الموجهة لإيباك من يسار الحزب الديمقراطي، من نائبات مثل رشيدة طليب وإلهان عمر وألكساندريا أوكازيو-كورتيز وأيانا بريسلي وكوري بوش.
مع ذلك، فقد تغيَّر هذا الوضع في الأسابيع الأخيرة من الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة. فخطوة مولتون تجعله رابع عضو بمجلس النواب الأميركي يتراجع عن قبول تبرعات إيباك، لينضم إلى النائب مورغان ماكغارفي (ديمقراطي من كنتاكي)، والنائبتين فاليري فوشي وديبورا روس (ديمقراطيتان من كارولاينا الشمالية).
ليس واضحًا بعد، إن كانت هذه القرارات تُمثل تحولًا جذريًّا بأوساط الديمقراطيين، أم مجرَّد تحوُّل في الخطاب؟
في حالة مولتون، يُشير بيانه تحديدًا إلى خلافاته مع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، تاركًا الباب مفتوحًا فعليًّا للعودة إلى إيباك، إذا تغيرت حكومة إسرائيل.
بعد أسابيع قليلة من إعلانه المهم، صرَّح مصدر مطلع لموقع “جويش إنسايدر” أن مولتون سعى لكسب تأييد إيباك لحملته الانتخابية، ولم يرفضها علنًا إلا عندما لم تضمن له ذلك.
لكن، لا شك أن انتقاد لوبي إسرائيل القوي قد اكتسب زخمًا في التيار الرئيس للرأي العام. في الأسابيع الأخيرة، تعرَّض الحاكمان جوش شابيرو وغافين نيوسوم (كلاهما طامحان ديمقراطيان للترشح للرئاسة) لضغوط بشأن علاقتهما مع إيباك.
لم تقتصر هذه التطورات على أحد طرفي الطيف السياسي أو الحزب الديمقراطي وحده. ففي الأشهر الأخيرة، تعرَّضت إيباك لانتقادات، ليس فقط من قِبل محلِّلين مُحافظين مشهورين، مثل تاكر كارلسون، بل من قِبل أعضاء كونغرس جمهوريين مثل مارجوري تايلور غرين وتوماس ماسي.
إيلي كليفتون، مستشار وصحفي استقصائي بمنظمة Responsible Statecraft، “الحكم الرشيد”، يشير لمعالم مهمة في مسيرة إيباك كانهيار اتفاقيات أوسلو، و”الحرب على الإرهاب” عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وصدور مقال ثم كتاب “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية” (2007)، لعالمي السياسة جون ميرشايمر وستيفن والت، باعتبارها لحظات حرجة، لكنه يُلاحظ تراجعًا سريعًا في صورة إيباك كالذي ينبع من الإبادة الجماعية بغزة.
هل القضية إيباك أم تسليح إسرائيل؟
يقول كليفتون: “لقد تغير شيء ما مؤخرًا، والواضح أن ذلك بسبب غزة”. وأضاف: “لم تُغطِّ وسائل الإعلام الرئيسة الأحداث بالقدر الكافي، لكن الناس يرونها على هواتفهم، ووسائط التواصل الاجتماعي. لقد كانت هذه فظائع متتالية”. “إنها إبادة جماعية، لم يتمكن الإسرائيليون والولايات المتحدة من إخفائها”!
بدورها، أيدت استطلاعات الرأي العام باستمرار تأكيد كليفتون. فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” وجامعة سيينا Sienna في سبتمبر/أيلول 2025 أن 34% فقط من الأميركيين يؤيدون إسرائيل، مقارنةً بنحو 47% أيدوها عقب حدث 7 أكتوبر2023 مباشرةً.
واعتبرت “نيويورك تايمز” بمقالٍ حول الاستطلاع هذا التحول انقلابًا مزلزلًا: “بعد مرور عامين تقريبًا على حرب غزة، شهد دعم الأميركيين لإسرائيل تراجعًا هائلًا”، وقالت الصحيفة: “يبدو أن رفض الحرب دفع الناخبين الأميركيين لإعادة تقييمٍ جذرية لتعاطفهم الأوسع مع الصراع المستمر منذ عقود في المنطقة”.
يقول بيتر فيلد، المستشار بالحزب الديمقراطي: إن مثل هذه التحركات تُظهر بوضوح أن إيباك أصبحت منبوذة لدى الجمهور، لكنه يُشير إلى أن الناخبين يريدون أكثر من مجرد معارضتها من مسؤوليهم المنتخبين. إنهم يبحثون عن مُشرِّعين يُعارضون بالفعل أفعال إسرائيل.
وأضاف أن “بعض المرشحين الذين أجروا استطلاعات رأي مؤخرًا يُسيء فهم إيباك باعتبارها القضية الجوهرية، في حين أن دعم تسليح إسرائيل المستمر هو ما أبعد الكثير من الناخبين الديمقراطيين”. ورأى أيضًا أن خطوة مولتون تُظهر كيف أصبحت إيباك الآن “مُشعَّة”، إشعاعًا ضارًّا يدعو للابتعاد عنها.
لم ينعكس هذا الواقع في استطلاعات الرأي العام بشأن إسرائيل فحسب، بل أيضًا من خلال الظهور الإعلامي الأخير لمشرِّعين وسياسيين مؤيدين لإسرائيل. فعلى مدى سنوات، اعتُبرت مناقشة دور أو نفوذ لوبي إسرائيلي من الحرمات، بل خطوةً خطيرةً تُنهي مسيرة السياسي. لكن هذا التحريم كُسر أخيرًا، وأصبح السياسيون الآن مُجبرين بانتظامٍ وإصرارٍ على تناول هذه القضية علنًا.
في حلقة حديثة من برنامج The Breakfast Club، تحدَّى المذيع شارلمان ذا غود حاكم بنسلفانيا الديمقراطي، جوش شابيرو، بشأن إيباك، وسأله عما إذا كانت جماعات الضغط تُشكل السياسة الخارجية الأميركية بدلًا من المصلحة الوطنية. وانعقد لسان غافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا الديمقراطي، واضطرب، في حلقة حديثة من بودكاست Ringer’s Higher Learning، بعد أن أخبر المذيع فان لايثان، الحاكم نيوسوم الطامح للترشح للرئاسة في انتخابات 2028، أنه لن يُصوِّت لمرشح يقبل تمويل إيباك.
اتخذت إيباك موقفًا دفاعيًّا أكثر مع تراجع سمعتها. فأصدرت المنظمة مؤخرًا إعلانًا تُصرُّ فيه على أن عملها يُفيد الأميركيين، في ردٍّ واضح على الانتقادات الأخيرة التي واجهتها من اليمين الأميركي، والتي ازدادت حدتها في أعقاب مقتل تشارلي كيرك، واعتقاد بعض المحافظين بدور إسرائيلي في ذلك.
ومؤخرًا، نشرت إيباك مقطع فيديو قصيرًا تُصرُّ فيه على أن جهودها في الضغط سياسيًّا بالنيابة عن إسرائيل تُفيد الأميركيين بنهاية المطاف. وهو ردٌّ واضح على الانتقادات الموجهة لإسرائيل من قِبل محافظين يرفعون شعار “أميركا أولًا”. وجاء في تغريدة إيباك المثبتة في الفيديو: “بتمويل أميركي. بتوجيه أميركي. نعزز تحالفًا يُفيد أميركا!”
يقول فيليب فايس، مؤسس موقع “موندوفايس”، الذي يُغطي أخبار اللوبي الإسرائيلي منذ عقود: “قاعدة إيباك هي أساسًا قاعدة يمينية الآن، وهم يخسرونها أيضًا. كانت إيباك قادرة على مخاطبة الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء، وأعتقد أن هذا قد انتهى. إنهم في حالة تشظي”.
وقد عكست استطلاعات الرأي العام حول إيباك ولوبي إسرائيل الأوسع نطاقًا هذه الاتجاهات. فوجد استطلاع أجراه “المعهد العربي الأميركي” في أغسطس/آب 2025 أن المرشحين الذين يتلقون دعمًا من جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل هم أكثر عرضة لفقدان دعم الناخبين الأميركيين وليس اكتسابه.
وبدأ بعض المرشحين بالفعل في استيعاب هذا الواقع. فقد جعل مايكل بليك، المشرِّع السابق بولاية نيويورك، من إيباك محورًا رئيسًا في تحديه الأساسي للنائب الحالي ريتشي توريس. وصرح بفيديو إطلاق حملته الانتخابية: “يهتم ريتشي توريس بـ”بيبي” (نتنياهو) أكثر مما يهتم بدائرته الانتخابية (برونكس)، ويهتم بـ”إيباك” أكثر مما يهتم بدراساتكم الأكاديمية”.
كان بليك نائب رئيس لجنة الحزب الديمقراطي (المركزية) سابقًا، وعلى علاقة وثيقة بـ”إيباك”، لكن تراجعه عن موقفه بشأن هذه القضية، بجانب فوز زهران ممداني مؤخَّرًا بمنصب عمدة مدينة نيويورك، يظهر أن المشاعر العامة آخذة في التحول.
شبكة مالية مظلمة وتمويل شبحي:
فهل ستغير هذه الحقائق فعليًّا قدرة إيباك على ممارسة نفوذها في الانتخابات الأميركية؟
ذكر جيمس زغبي، المؤلف والمؤسس المشارك بالمعهد العربي الأميركي، والناشط المخضرم في تنظيم دعم فلسطين داخل الحزب الديمقراطي، أن من الصعب التنبؤ بمستقبل إيباك بالمدى الطويل بناءً على تصريحات الديمقراطيين العلنية، وأشار إلى ارتباط إيباك بأفراد مؤيدين لإسرائيل ينفقون أموالهم مباشرةً على دعم أنصار إسرائيل في الانتخابات دون المرور باللوبي الإسرائيلي أو لجانه.
يقول زغبي: “ليست واضحة العواقب طويلة المدى لهذا الأمر، لأنني متأكد من وجود طرق أخرى عديدة لاستغلال هذه الفرصة”. “لقد اطلعت على تصريحات عديدة حول عدم قبول أموال إيباك، لكن إيباك ليست الطرف الوحيد، ولم تكن يومًا طرفًا وحيدًا”.
ويستشهد زغبي بأمثال جيفري ياس، وبيل أكمان، وكبار المليارديرات المانحين المصطفين مع إيباك، إذ إنهم أسَّسوا صناديق مالية مستقلة خاصة بهم، للإنفاق على الانتخابات دعمًا لمرشحين مؤيدين لإسرائيل.
ولطالما كانت شبكة الأموال “المظلمة” التي يشير إليها زغبي عنصرًا مركزيًّا في عمل إيباك. وعلى مدى عقود، لم تُموِّل إيباك السياسيين مباشرةً، بل أدارت شبكة من المتبرِّعين المصطَّفين أيديولوجيًّا معها في سباقات انتخابية بالغة الأهمية.
يُذكِّر زُغبي بتقرير المعهد العربي الأميركي عام 1990، وكشف أن عائلة متحالفة مع إيباك في شيكاغو قدَّم كلُّ فرد منها الحدَّ الأقصى المسموح به من التبرع السياسي لمرشح واحد.
وأوضح: “كانت إيباك تدَّعي أن هذا النوع من الأعمال لم يكن منسقًّا، لكن هذا الادعاء كان زيفًا. فقد كان الأمر أعقد من أن لا يكون منسقًا”.
تغير هذا عام 2021 عندما عدَّلت إيباك استراتيجيتها، وأطلقت لجنة عمل سياسي (PAC)، ولجنة عمل سياسي فائقة (Super PAC) ، للإنفاق المباشر على الانتخابات لأوَّل مرة. أنفقت هذه اللجنة، المعروفة بـ”مشروع الديمقراطية المتحدة”، ببذخ على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وساعدت في إقصاء منتقدي إسرائيل مثل جمال بومَن وكوري بوش من مجلس النواب. وتجاوز إنفاقها إجمالًا أكثر من 100 مليون دولار على انتخابات 2024. ومع ذلك، ظلَّ جزء كبير من عمل إيباك خفيًّا.
في أكتوبر2025، أجرى ماثيو إيدي، مراسل “إيفانستون ناو”، تحقيقًا حول تبرعات الحملات الانتخابية في الدائرة التاسعة بولاية إلينوي، ووجد أن عضو مجلس شيوخ الولاية، الديمقراطية لورا فاين، حصلت تقريبًا على 300 تبرُّع من أفراد تربطهم “صلات وثيقة” بإيباك وإسرائيل طبعًا. لكن، لم يُذكر في ملفات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن أيًّا من هذه التبرعات قد قُدِّمت بواسطة إيباك.
يقول كليفتون: إن النهج المزدوج يُوحي بأن إيباك بحاجة لزيادة حجم عملها مع استمرار تدهور سمعة “إسرائيل”. ويضيف: “كانوا يفقدون قدرة الحفاظ على سياسات الوضع الراهن التي يدافعون عنها، وكانوا بحاجة لتأمين أموال أكثر بكثير من خلال التجميع والتعبئة والحشد، علنًا أو خُفيةً”. و”أعتقد أن السبب الوحيد الذي قد يدفعك لجمع أو إنفاق هذا المستوى من المال هو الشعور بأنك تفقد على نحو ما نفوذًا كنت تتمتَّع به سابقًا”!
على أي حال، لم يتضح بعد كيف ستؤثر سُمِّية إيباك على قدرتها المستمرة على التأثير في الانتخابات، خاصةً وأنها تُخفي بالفعل دورها في سباقات انتخابية عديدة.
5. الحزب الجمهوري نحو “ما بعد إسرائيل”؟!
في سياق تحولات السياسة والرأي العام الأميركي، شهد صفوف اليمين الأميركي مؤخرًا حربًا أهلية حول الجدل الدائر بخصوص الموقف من إسرائيل وملفات جيفري إبستين، وكيف سيبدو شكل الحزب الجمهوري وسياساته مستقبلًا تجاه إسرائيل والشرق الأوسط في مرحلة “ما بعد إسرائيل”، أي ما بعد انحسار التعلُّق العاطفي غير المسوَّغ بإسرائيل والتأييد المطلق للكيان الصهيوني.
حرب أهلية يمينية حول إسرائيل:
في أكتوبر2025، كيفن روبرتس، رئيس مؤسسة التراث Heritage Foundation، أحد أهم مراكز الأبحاث والتفكير والسياسات المحافظة، وحظيت بأهمية كبيرة في عهد الرئيس الجمهوري الأسبق رونالد ريغان، تصدَّر عناوين الصحافة، وأثار ردود فعل غاضبة، بعد إعلانه أن المؤسسة لن تنأى بنفسها عن المحلل السياسي اليميني الشهير بانتقاده لإسرائيل، تاكر كارلسون.
جاء تصريح روبرتس ردًّا على منتقدي كارلسون في تيار اليمين الذين هاجموه بعد أن أجرى مقابلة بودكاست مع الناشط في القومية البيضاء، نك فوينتس. قال روبرتس لاحقًا إنه (كارلسون) “لم يكن يعرف الكثير عن هذا الرجل فوينتس”، وأصرَّ على أن نصَّ الفيديو الخاص به كتبه مساعدٌ استقال لاحقًا، لكن هذا لم يُخمد الجدل الدائر حول الموضوع وتداعياته، وكيف يتطور هذا الجدل حول إسرائيل في أوساط اليمين.
حول هذه المعركة، قدم أندرو داي، محرر مجلة The American Conservative، المعبرة عن التيار الرئيس للاتجاه المحافظ بأميركا، بعض الخلفيات المهمة؛ يقول داي: إنَّ نِك فوينتس شاب يميني متطرف ومعادٍ للسامية، وقد أثار هذا جدلًا واسعًا.
المعلوم أن تاكر كارلسون ونك فوينتس كانا عادة على خلافٍ حادٍّ. فقد تلفظا بألفاظٍ جارحةٍ عن بعضهما البعض في برامجهما، والواضح أن كارلسون رأى من المناسب التواصل مع فوينتس واستضافته في البرنامج. ورأى كثيرون هذا: “أمرًا لا مفر منه”.
كان فوينتس بمثابة فيل في الغرفة. ويتمتع بشعبيةٍ كبيرةٍ بين المحافظين الشباب. ربما درجة شعبيته، مثلًا، بين المحافظين من “جيل زد” في الكابيتول هيل (الكونغرس) قد بولغ فيها، لكنه يتمتع بشعبيةٍ كبيرةٍ في أميركا والعالم. ولديه الكثير من المشاهدين والمتابعين، لذا وصل كارلسون إلى مرحلةٍ رأى فيها أنه يستحق الاستضافة.
انتُقد كارلسون لإجرائه ما اعتبره كثيرون مقابلةً وديةً، لكن قراءة أندرو داي للأمر مختلفة قليلًا: كارلسون كان يُجري المقابلة بوضوح بروح ونبرة أبوية. كان يُعارض معاداة فوينتس للسامية، مُحاولًا التمييز بين انتقاد إسرائيل وإلقاء اللوم على اليهود، أو انتقاد اليهود عمومًا. مع ذلك، تعرَّض كارلسون لانتقادات كثيرة بسبب المقابلة التي بدت دافئة نوعًا ما، بنظر كثيرين.
بعد أسبوع تقريبًا، أصدر رئيس مؤسسة التراث، كيفن روبرتس، بيانًا مصورًا (فيديو) دافع فيه عن تاكر كارلسون، وقال إنه لن يُشارك في “إلغاء” تاكر كارلسون. وقال: إن كارلسون صديق لمؤسسة التراث، وأنهم لن يتخلوا عن صديقهم. كما قال: إنه لا يرى وجوب إلغاء مقابلة فوينتس، لكنه أوضح أنه يمقت آراء فوينتس المعادية للسامية.
يبدو أن روبرتس لم يكن مُستعدًّا لذلك الردِّ الذي كان شرسًا للغاية. فاستاء كثيرون، ليس فقط خارج مؤسسة التراث، بل تحديدًا داخلها. أصدر روبرتس بيانين تراجع فيهما عن تصريحاته. وعُقِد اجتماعٌ بمؤسسة التراث، قال فيه روبرتس: إن إصدار بيان مُصوَّر كان خطأً.
لم يكن هذا كافيًّا للناس. استقال أحدهم بسبب هذا: روبرت جورج، باحث بارز، وعضو مجلس إدارة مؤسسة التراث. وكان آخر من استقال. كان مسوِّغه أنه رغم إبداء روبرتس بعض الأسف بشأن البيان المُصَوَّر، إلا أنه لم يتراجع عن محتواه بقدر ما يراه جورج ضروريًّا.
هذه القضية المستمرة، وسرَّعت بالفعل وتيرة الحرب الأهلية في صفوف اليمين، وتدور بشكل كبير حول الموقف من إسرائيل. وفي الدوافع والخلفيات، يتمحور جزءٌ كبيرٌ من الجدل حول العلاقة بإسرائيل، إذ انتقد كارلسون مرارًا الدعم الأميركي لها.
انقسام بين أجيال المحافظين:
وعن الأطراف الفاعلة في هذه الحرب الأهلية بين مكونات اليمين، يقول أندرو داي: يمكن القول إن هناك انقسامًا جيليًّا في اليمين الأميركي أيضًا بشأن إسرائيل. يعود هذا الانقسام في الواقع إلى سنوات قبل 7 أكتوبر2023. كان واضحًا أن الأميركيين الشباب أصبحوا أكثر تشكُّكًا في صواب ومسوِّغات الدعم الأميركي لإسرائيل، وأكثر انفتاحًا على وجهة نظر الفلسطينيين. كان هذا الانقسام أوضح في اليسار الأميركي، لكنه كان يتطور أيضًا في اليمين الأميركي.
في السنوات الأخيرة، أظهرت استطلاعات الرأي العام تراجعًا في دعم إسرائيل حتى بين الإيفانجيليين، وهم تاريخيًّا الجماعة الدينية الأكثر دعمًا لإسرائيل، بجانب يهود أميركا.
يقول داي: في الواقع، كان هناك الكثير من النوايا الحسنة تجاه إسرائيل بعد 7 أكتوبر2023 مباشرةً، لكن طريقة ردِّ إسرائيل عليها والصور المُرَوّعة للدمار في غزة ومقتل الأطفال، جعلت الأميركيين والغربيين عمومًا ينفرون منها. والاستطلاعات واضحة جدًّا.
حاليًّا، نصف الجمهوريين – دون الخمسين عامًا – لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل. هذا أمر خطير للغاية على لوبي إسرائيل، وهو بوضوح تحالف فضفاض من منظمات وأفراد يروجون لدعم الولايات المتحدة لإسرائيل ولسياسة خارجية أميركية منحازة لها.
يفاقم هذه الخطورة على لوبي إسرائيل أنها خسرت اليسار بالفعل. فخلال إدارة أوباما، راهن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فعليًّا على الجمهوريين. راهن عليهم، والآن يبدو أنه يخسر الجمهوريين باستثناء جيل الطفرة السكانية Baby Boomers، أو فئة المواليد بين عامي 1945 و1965.
هذا أمرٌ خطيرٌ للغاية لأنصار إسرائيل، وازدادت حدَّة النقاش حول إسرائيل في الجانب الجمهوري. لا يريد اللوبي الإسرائيلي خسارة الجمهوريين. ربما تكون إسرائيل مستعدةً في مرحلةٍ ما للتخلي عن المساعدات الأمنية الأميركية، لكن الواضح أنها لم تبلغ هذه المرحلة بعد. ولا يريدون انسحابًا مفاجئًا.
هذا هو السياق الأوسع لهذه الحرب الأهلية بين صفوف وأجيال اليمين الأميركي.
رغم انقلابهم على إسرائيل، لا يصوِّت الناخبون الأميركيون تقليديًّا بناء على السياسة الخارجية، بل على قضايا مثل الاقتصاد والهجرة. لذا، يُعدُّ هذا التحول أمرًا لا يمكن تجاهله بسهولة أو التنبؤ بتداعياته.
لقد جعل مبدأ “أميركا أولًا” هذه المعركة حتمية؛ فبدأ الشباب المحافظون يتساءلون: لحظة! لماذا تُستثنى إسرائيل من مبدأ “أميركا أولًا”؟ لماذا نُقدِّم هذا الدعم السخي غير المشروط لإسرائيل، حتى عندما يكون ذلك غالبًا ضد مصالحنا أو يُعطِّل دبلوماسيتنا مع إيران، مثلًا!
أبرز شخصيات هذا الاتجاه تاكر كارلسون، وهناك ستيف بانون، وأيضًا مجلة “أميركان كونسيرفاتيف ” The American Conservative.
وعلى الجانب المؤيد لإسرائيل، ثمة أصوات مثل مارك ليفين من فوكس نيوز، وبن شابيرو من ديلي واير. والصهيونية المسيحية جزء لا يتجزأ منه؛ فليس اليهود الأميركيون وحدهم من يدعمون إسرائيل كما يعتقد البعض، بل أشخاص مثل السيناتور تيد كروز من تكساس، الذي يبدو أنه يُعدُّ لخوض انتخابات الرئاسة القادمة عام 2028، على أساس أنه مختلف عن تاكر كارلسون. إنه يُصوِّر نفسه جمهوريًّا مُتزمِّتًا لا يزال داعمًا لإسرائيل.
الواضح أن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هكابي، كان سابقًا واعظًا إيفانجيليًّا. وهو بالتأكيد جزء من لوبي إسرائيل. يُقال إنه يتصرف غالبًا كسفير لإسرائيل لدى الغرب وأميركا أكثر منه كسفير لأميركا لدى إسرائيل، وهذا دقيق!
ملفات إبستين وإسرائيل:
تصدرت ملفات الملياردير جيفري إبستين وفضائحه وعلاقة ترامب به عناوين الأخبار. يُبدي العديد من مُقدِّمي البرامج المحافظين الذين ينتقدون الدعم الأميركي لإسرائيل قلقًا بالغًا بشأن هذه القضية. كما شهدنا أيضًا هجومًا من ترامب على شخصيات جمهورية كالنائب توماس ماسي والنائبة مارجوري تايلور غرين، إذ كانا صريحين بشأن إبستين وإسرائيل.
فهل هناك رابط بين المسألتين في أوساط اليمين؟
يبدو هذان الأمران مُرتبطين بالتأكيد في نقاش أو خطاب المحافظين، لأن كثيرين من اليمين واليسار يعتقدون أن إبستين كان عميلًا استخباراتيًّا لإسرائيل أو “الموساد”.
إبستين كان لديه بالفعل علاقات وثيقة بمسؤولين حكوميين إسرائيليين. وكانت لديه علاقات برؤساء دول وشخصيات سياسية نافذة بجميع أنحاء العالم، لكن علاقته بأشخاص مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، بدت أقوى وأهم وأوضح من علاقاته السياسية الأخرى.
ويعتقد كثيرون أنه كان عميلًا للموساد، وأنه كان يُسيء لشخصيات سياسية أميركية لصالح إسرائيل. ففي 1 ديسمبر/كانون الأول 2025، كان جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، ضيفًا في بودكاست “أميريكانو” مع فريدي غراي. وتحدثا عن مراسلات إلكترونية بين ألان ديرشويتز، محام يهودي من غلاة الصهاينة، وجيفري إبستين، نُشرت مؤخرًا وتُظهر تعاونهما الوثيق في أبريل/نيسان 2006 لتشويه سمعة ميرشايمر وستيف والت، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد، وذلك بعد نشر مقالهما الشهير: “لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية” بمجلة “لندن ريفيو أوف بوكس”. ربما كان ديرشويتز آنذاك هو من أسهم أكثر من أي شخص آخر في تصويرهما زورًا معادين للسامية، وأنهما كتبا نسخة جديدة من “بروتوكولات حكماء صهيون” المسيئة لليهود. وسيكون مثيرًا للاهتمام أن نرى إذا كان هناك مراسلات أخرى بينهما (وربما مع آخرين) بهذا الشأن عندما تنشر وزارة العدل ملفات إبستين الهائلة بحوزتها.
وربما كان إبستين على صلة ما بوكالات استخبارات مُختلفة حول العالم. وكان مُتلاعبًا بارعًا، يُبالغ باستمرار في درجة صلته وتأثيره عند التحدث عبر رسائل البريد الإلكتروني، كالتي نشرها مؤخرًا الديمقراطيون ثم الجمهوريون بمجلس النواب.
الواضح أن الرئيس ترامب وجد في قضية ملفات إبستين شوكة في خاصرته. لقد ترشح ضد الفساد، وكشخص سيُواجه المؤسسة الحاكمة ويُجفِّف المستنقع. وفضيحة إبستين برمتها وصداقته السابقة معه تُعقِّد الأمور عليه وعلى حركة “أميركا عظيمة مجددًا” MAGA التي يقودها، وتُهدد بتقويض شرعيته بين ناخبيها.
وكان ترامب قد نشر على موقع “تروث سوشيال” منشورًا قال فيه: إنه سيشجع الجمهوريين بمجلس النواب على التصويت لصالح نشر ملفات إبستين. يُعدُّ هذا تصريحًا غير مألوف، لأن إدارة ترامب قادرة على نشرها بنفسها، ولا حاجة لإجبارها بواسطة الكونغرس. لكنها كانت هذه إشارة إلى أنه لن يهاجم كل نائب جمهوري بالكونغرس يُعلن تأييده نشر ملفات إبستين.
ليست مصادفة أن ترامب هاجم توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين، نائبين جمهوريين لهما شعبية بين جمهور حركة “أميركا عظيمة مجددًا”، ويطالبان بنشر ملفات إبستين. وليست مصادفة أنهما أثارا أيضًا عداء اللوبي الإسرائيلي.
سيواجه النائب توماس ماسي حملة إعادة انتخاب صعبة للغاية في كنتاكي، لأن هؤلاء المانحين المؤيدين لإسرائيل، مثل بول سينغر وميريام أديلسون، يُمولون المعارضة ضده في كنتاكي. إنه يواجه معركة صعبة.
كذلك، يمثل انتقاد ترامب للنائبة مارجوري تايلور غرين بشدة دائمًا خطرًا من أنه يُضعف شعبية الجمهوريين بذلك، وهذا سبب استخدام ترامب لسلطته بفعالية، وسبب قلق الجمهوريين من مواجهته.
تشير الأدلة إلى أن ترامب كان على علم بجرائم إبستين. وليس واضحًا مدى تورطه فيها بناءً على رسائل إبستين عبر البريد الإلكتروني المنشورة. يقول إبستين أشياءً مثل: “حسنًا، بالطبع كان ترامب على علم بالفتيات. لقد طلب من غيسلين ماكسويل أن تتوقف”. لكن تستر إدارة ترامب ربما أكثر خطورةً سياسيًّا من مجرد نشر الملفات.
جيمس فانس و”ما بعد إسرائيل“:
وكان أندرو داي قد كتب مؤخرًا مقالًا عن نائب الرئيس، جيمس فانس، بعنوان: “جيه. دي. فانس قادر على قيادة أميركا ما بعد إسرائيل”، متحدثًا عن احتمال فوز فانس بالرئاسة في انتخابات 2028، وعن إدارته للحزب الجمهوري “ما بعد إسرائيل”.
فكيف ستبدو هذه النسخة من الحزب الجمهوري “ما بعد إسرائيل”؟
تلقَّى الكاتب انتقادات وهجمات كثيرة من مُعلِّقين مؤيدين لإسرائيل على منصة (X) بسبب العنوان. كان الكاتب يتصوَّر حزبًا جمهوريًّا ليس بالضرورة معاديًّا لإسرائيل أو مؤيدًا لها، بل لم يعد “مهووسًا” بالعلاقة مع إسرائيل، وقادرًا على تجاوز الحرب الأهلية الدائرة داخله حول هذه القضية والتركيز على قضايا أخرى.
توقع الكاتب أن جو بايدن سيُنظر إليه كآخر رئيس ديمقراطي مؤيد (مطلق) لإسرائيل، وأن هناك احتمالًا كبيرًا أن يُعتبر ترامب آخر رئيس جمهوري مؤيد (مطلق) لإسرائيل، كذلك. تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن الشعب الأميركي لم يعد راغبًا بدعم هذه العلاقة الخاصة، التي لم تعد تتمتع بالمكانة الثقافية التي كانت عليها سابقًا. لقد تضاءل هذا التقارب السابق كثيرًا خلال حرب غزة.
ما نوع التحول الذي يمكن أن يحدث هنا؟ قد يحدث الكثير في العامين المقبلين، ولا يمكن التنبؤ بيقين بأن نائب الرئيس فانس سيكون مرشح الحزب الجمهوري، لكن يُرجح جدًّا أنه سيكون كذلك.
إنه المرشح الأوفر حظًا بين اليمين الذي يُفضِّل الواقعية وضبط النفس في السياسة الخارجية. هذا التيار يميل لانتقاد إسرائيل لاعتقاده أن الولايات المتحدة تنجرُّ إلى حروب في الشرق الأوسط بسببها.
في الوقت نفسه، لا يُعرف فانس بمعاداته لإسرائيل.
في الماضي، زار أماكن مثل معهد كوينسي، الذي يُفضِّل الواقعية وضبط النفس، ودافع فانس عن علاقة أميركا بإسرائيل، وشكَّل استثناءً في آرائه المؤيدة لضبط النفس لصالح إسرائيل.
أما الآن، فنرى بعض خطابه يتغير. مؤخرًا، في فعالية دعت إليها “نقطة تحول”، المنظمة التي كان يرأسها تشارلي كيرك حتى اغتياله، كان فانس ينوب عنه، وواجه أسئلة من طلاب ينتقدون إسرائيل.
لقد اتخذ فانس موقفًا أساسيًّا مفاده أننا يجب أن نبدأ بمعاملة إسرائيل كدولة أجنبية عادية.
أحيانًا تتوافق مصالحنا مع إسرائيل، وفي هذه الحالة، يمكننا العمل معها. وأحيانًا لا تتوافق مصالحنا معها، وفي هذه الحالة، لا يمكننا التعاون معها أو دعمها حقًّا.
يعتقد الكاتب أن هذا هو الموقف الذي يجب اتباعه، ويجب على الجمهوريين الالتزام به بمصداقية للمضي قدمًا. لأنه، كما تُظهر فعاليات “نقطة تحول” بوضوح، سئم الشباب الأميركي الأمر، وهم مهتمون جدًّا بالموضوع، ولن يتجاهلوه.
لقي مقال داي معارضة شديدة من مؤيدي إسرائيل، مما جعله يدرك أنهم يكرهون فانس بشدة، ولا يريدونه أن يكون المرشح الرئاسي الجمهوري القادم. ويُرجِّح أن يؤيدوا تيد كروز تمامًا، ولهذا السبب يتوجه الأخير أو يتموضع باتجاه إسرائيل حاليًّا.
يتوقع الكاتب أنه إذا رشح الجمهوريون تيد كروز للرئاسة فسيتعرضون لهزيمة ساحقة أمام الديمقراطيين، في حين أن فانس، بسبب مصداقيته لدى اليمين الأميركي، وجاذبيته بين الشباب، ومهارته السياسية والخطابية، يستطيع التموضع بالطريقة اللازمة لتوحيد الحزب الجمهوري وجذب المعتدلين والوسطيين، رغم أن هذا قد يشكل صعوبةً بسبب ارتباطه بإدارة ترامب.
6. الرد الصهيوني: تأجيج الإسلاموفوبيا في العالم!
مؤخرًا، تشهد الولايات المتحدة والغرب عودة “الإسلاموفوبيا” والكراهية العنصرية ضد الإسلام والمسلمين، ردًّا على انهيار شعبية إسرائيل لدى الرأي العام العالمي بعد الإبادة الجماعية الإسرائيلية بغزة، وظهر تداخل واضح بين أنصار إسرائيل ودعاة الإسلاموفوبيا.
لاحظ كتاب ومحللون أن الصهاينة هم الذين يروجون رهاب الإسلام وكراهيته وعداءه والتحريض عليه، واستدعاء العنصرية الغربية ضد المسلمين والعالم الإسلامي، لأن إقناع الغربيين بكراهية المسلمين أسهل من إقناع الناس بحب إسرائيل، بعد الإبادة الجماعية المروّعة في قطاع غزة وتوحش مشروع الاستيطان والاقتلاع والقمع في الضفة الغربية المحتلة!
تتساءل كايتلين جونستون: هل لاحظتم يومًا أنه كلما رأيتَ أشخاصًا يُروِّجون لكراهية المسلمين، فإنكم ستجدون تسعة من كل عشرة منهم يفعلون ذلك هم من أنصار إسرائيل؟ بالتأكيد هناك سببٌ لذلك!
ففي سياق أحداث العامين الماضيين وما نفذته “إسرائيل” من عدوان وتدمير وتهجير وتجويع وإبادة جماعية، شملت قتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء وجرح ضعف ذلك، ودمار مقومات الحياة الأساسية، يجعل استمرار الرأي العام الغربي في دعم إسرائيل أمرًا صعبًا.
فإسرائيل كما تشير الشواهد مجرد دولةٍ شريرةٍ بغيضةٍ مليئةٍ بالأشرار، ولا تمتلك أيَّ مزايا تسوِّغ وجودها كدولة. لا أحد يستطيع تفسير أن تكون هذه الدولة حليفًا مهمًّا لأحد بطريقةٍ منطقية؛ فجميع المشكلات التي يدَّعون أنها تُساعد في حلِّها تخلقها إسرائيل نفسها بدعم الغرب وإقراره! وما لم يكن المرءُ صهيونيًّا يهوديًّا أو صهيونيًّا مسيحيًّا، فلا شيء في دولة إسرائيل الحديثة يُثير ميله لدعمها بطبيعة الحال.
لكن استدعاء العنصرية الغربية ضد العالم الإسلامي واستمالتها أسهل بكثير من تسويغ الاستمرار في دعم إسرائيل. فهناك في الغرب اتجاهات وفصائل سياسية بأكملها ضمن التيار الرئيس، تتجهم برامجها السياسية ومنصاتها اشمئزازًا من أي شخص يبدو أو يتصرف بشكل مختلف عما يعتقدونه مقبولاً وطبيعيًّا.
إنّ ترسيخ العنصرية البيضاء عميقًا حالة متأصلة في الغرب، والغربيون يحاربون المسلمين ويقتلونهم منذ قرون؛ لذا هناك ذاكرة ثقافية غربية وفيرة – في بغض المسلمين – يمكن الاستناد إليها في هذا النوع من الكراهية تحديدًا.
لذا، لا يهتمون كثيرًا بشرح أي جوانب إيجابية لإسرائيل، بل يركزون بدلًا من ذلك على إثارة الخوف من الدين الذي يقع أتباعه غالبًا ضحايا للعنف العسكري الإسرائيلي. لا يمكنهم إقناع الجمهور الغربي بأن إسرائيل جيدة بحد ذاتها، لكنهم يستطيعون إقناع الكثيرين في الغرب بأنه من الجيد إلقاء القنابل الحربية الفتاكة على المسلمين.
ورم خبيث في جسد البشرية:
وكما يلاحَظ، سنجد إذًا أن معظم رهاب الإسلام وكراهيته وعدائه في الغرب تأتي من الصهاينة أنصار إسرائيل ومن أشخاص روَّجوا دعايتها. هناك أقلية صغيرة في الغرب تنتمي إلى اليمين المتطرف يكرهون المسلمين واليهود على حد سواء، لكن أغلبية كراهية المسلمين هي نتاج الدعم الغربي لإسرائيل، وتحريض الغرب على الحرب في الشرق الأوسط، وتلعب فيه إسرائيل الدور الأبرز باستمرار.
لهذا السبب، سترى، مثلًا، صفحات أو حسابات إسرائيلية بارزة على وسائط التواصل الاجتماعي تُثير المخاوف بشأن تزايد أعداد المسلمين في أوروبا.
قد لا تظن لأول وهلة مثلًا أن وجود كثير من المسلمين في بلجيكا – أو غيرها من الدول – سيُثير قلق إسرائيل، لكن مصلحة الكيان الصهيوني سياسيًّا إبقاء الغرب خائفًا مُشمئزًا تجاه أتباع الإسلام.
وهكذا سنشهد المزيد والمزيد من هذا الموقف العدائي تجاه الإسلام والمسلمين، مع تزايد عزلة إسرائيل لدى الجمهور الغربي المتموضع سياسيًّا في الوسط، وكذلك الاتجاه التقدمي في السياسة والاجتماع بالغرب، واعتماد إسرائيل بشكل متزايد على دعم اليمين “العنصري”.
ومع فقدان السردية القائلة بأن [اليهود] كأقلية دينية “مسكينة” و”مضطهدة” تحتاج لوطن خاص بها، نراها تُستبدل بها بشكل متزايد رواية أن هؤلاء المسلمين في الشرق الأوسط بحاجة إلى أن يقتلوا، يا للهول!
وكان موقع “دروب سايت نيوز” قد نشر مقالًا للكاتب رَيان غريم في سبتمبر/أيلول 2025، تناول تقريرًا مُسرَّبًا حول استطلاع رأي، تم إجراؤه بتكليف من وزارة الخارجية الإسرائيلية، وخلص فعليًّا إلى أن إحياء “الإسلاموفوبيا” وترويجها هو الطريقة الأكثر فعالية لمكافحة انقلاب الرأي العام العالمي ضد إسرائيل.
أي أن “أفضل تكتيك لإسرائيل لمواجهة ذلك، وفقًا للاستطلاع، هو إثارة الخوف من الإسلام “الراديكالي” و”الجهادي”، اللذَين لا يزالان فاعلين”.
ومن هذه الاستراتيجية المدروسة: “تسليط الضوء على دعم إسرائيل لحقوق المرأة والمثليين جنسيًّا، وإثارة المخاوف من سعي حماس لـ”تدمير جميع اليهود ونشر الجهاد”، وبالتالي ارتفع الدعم لإسرائيل بمعدل يتجاوز 20 نقطة مئوية بكل دولة” من الدول التي أجري فيها الاستطلاع.
تخلص كايتلين جونستون إلى أنَّ إسرائيل تجعل كلَّ شيء مقرفًا فظيعًا. وتجعل العالم أكثر عنفًا واعتلالًا واضطرابًا اجتماعيًّا، وأكثر مدعاة للكراهية. هذه الدولة بأكملها قائمة على العنف المتواصل والكراهية المستمرة. إنها ورم خبيث في جسد الجنس البشري.
7. نتائج وخلاصات:
في ضوء ما سبق من تغيرات ومعطيات، يمكن رصد تحولات دالة في السياسة والرأي العام في الغرب ستنعكس بالضرورة على الحياة السياسية والسياسات المتعلقة بالشرق الأوسط مستقبلًا:
- انهيار السردية الصهيونية وانكسار الإجماع السابق، غربيًّا وأميركيًّا، على تأييد ودعم الكيان، ودخول الأمر نطاق عدم اليقين مستقبلًا.
ولأول مرة، غدت معارضة سياسات دعم الكيان قضية رأي عام واسع النطاق، كما وقع في عام انتخابي حرج (2024). وأدَّى دعم ومشاركة إدارة بايدن في الإبادة بغزة لخسارة الحزب الديمقراطي لانتخابات 2024 الرئاسية والتشريعية، وعودة دونالد ترامب واليمين والقومية البيضاء، وما يستتبع ذلك من فوضى واضطرابات تمسُّ بالدولة العميقة والنظام الدولي.
- تحولات مهمة نقلت قضية فلسطين لدى الرأي العام الأميركي من الهامش إلى التيار الرئيس.
بعد عامين من إبادة غزة، شهد الرأي العام الأميركي تحولًا جذريًّا تجاه إسرائيل وفلسطين والسياسة الأميركية. يُظهر تحليل بيانات استطلاعات الرأي أن فلسطين لم تعد قضيةً خاصة أو هامشية، بل قضيةً ذات تداعيات انتخابية حقيقية. وكان هذا جليًّا في انتخابات 2024، عندما اعتبرت حرب غزة قضيةً انتخابيةً حيويةً، وتسارعت وتيرة تغيرات الرأي العام خلال 2025.
- تظهر استطلاعات الرأي العام خلال العامين الماضيين تعاطفًا قياسيًّا مع فلسطين، وتراجع دعم المساعدات العسكرية لإسرائيل.
ولا يقتصر هذا التحول على اليسار، بل يشمل المستقلِّين. وفي ظلِّ استقطاب سياسيٍّ، يُعدُّ هذا تحذيرًا للمؤسسة السياسية بأن فلسطين قضية ذات عواقب انتخابيةٍ حقيقية.
- يرجَّح أن جو بايدن سيكون آخر رئيس ديمقراطي مؤيد مطلقًا لإسرائيل، وأن يكون ترامب آخر رئيس جمهوري بنفس الصفة.
فاستطلاعات الرأي العام تظهر أن الشعب الأميركي لم يعد راغبًا بدعم هذه العلاقة الخاصة، التي لم تعد تتمتع بمكانة كانت عليها سابقًا. وتضاءل هذا التقارب كثيرًا خلال حرب غزة.
- أصبح اللوبي الإسرائيلي (إيباك) عبئًا شديد السُّمِّيَّة سياسيًّا، وأصبح منبوذًا لدى الجمهور الأميركي، ويتخلى عنه حتى الديمقراطيون الوسطيون.
ومع تراجع دعم إسرائيل بين الناخبين الأميركيين، تتخذ جماعات اللوبي الإسرائيلي موقفًا دفاعيًّا. ويريد الناخبون من مسؤوليهم المنتخبين لا مجرد معارضة إيباك، بل معارضة أفعال إسرائيل ووقف دعمها المستمر بالسلاح، هذا الدعم نفَّر ناخبي الحزب الديمقراطي ومرشحيه.
- تظهر خريطة أصوات الناخبين الأميركيين المؤيدة للحزب الديمقراطي، والأوزان النسبية لكل كم جناحه التقدمي، والشباب، والعرب والمسلمين، صعوبة فوز مرشحي الحزب لمناصب الرئاسة والكونغرس مستقبلاً، بنفس سياسات إدارة بايدن تجاه الكيان الصهيوني وقضية فلسطين.
- يشهد المعسكر المحافظ حربًا أهلية حول الموقف من إسرائيل.
فنصف الجمهوريين – دون الخمسين عامًا – لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل. وهو أمر خطير للغاية على لوبي إسرائيل التي خسرت اليسار بالفعل، عندما راهن نتنياهو على الجمهوريين. والآن يخسر الجمهوريين، باستثناء جيل المواليد بين عامي 1945 و1965. وازدادت حدة النقاش حول إسرائيل فيما بين الجمهوريين، وهو تحول لا يمكن تجاهله. لقد جعل مبدأ “أميركا أولًا” هذه المعركة حتمية. فبدأ الشباب يتساءلون: لماذا تُستثنى إسرائيل من مبدأ “أميركا أولًا”؟ لماذا نُقدِّم هذا الدعم السخي غير المشروط لإسرائيل، حتى عندما يكون ذلك غالبًا ضد مصالحنا؟!
- يشهد العالم عودة “الإسلاموفوبيا”، والكراهية العنصرية ضد الإسلام والمسلمين، ردًّا صهيونيًّا على انهيار شعبية إسرائيل لدى الرأي العام العالمي، بعد الإبادة الجماعية الإسرائيلية بغزة، وظهر تداخل واضح بين أنصار إسرائيل ودعاة الإسلاموفوبيا، ذلك أن إقناع الغربيين بكراهية المسلمين أسهل من إقناع الناس بحب إسرائيل!
- أظهرت الأحداث أن تفكيك الكيان الصهيوني أحد مفاتيح تفكيك النظام الدولي الإمبريالي الراهن، أي أن تحرير العالم من السيطرة الغربية يمرُّ بقيام تحالف عالمي لتحرير فلسطين.
وقد أكّد زعيم الحركة الجمهورية (شين فين) بإيرلندا الشمالية، ديكلان كيرني، على دور سياسات التحرر الوطني ومحورية فلسطين في بديل عالمي جديد. وأن مستقبل فلسطين يتجاوز بكثير حقوق شعبها، بل أصبحت سؤالًا حاسمًا حول مستقبل البشرية.






