إصداراتتقدير موقف

من أمن مستورد إلى قوة إقليمية فاعلة: معادلة جديدة لدول الخليج

شنت إيران اعتداءات متكررة على دول الخليج، شملت بنى تحية ومقدرات اقتصادية حيوية. أكثر هذه الاعتداءات كانت بلا أي استفزاز عسكري، وإنما كانت لمجرد “تمرير رسائل” ضغط على الولايات المتحدة. بعض آثار تلك الاعتداءات ربما تستمر لسنوات قادمة. الاعتداءات الإيرانية شملت هجمات عديدة بعد وقف إطلاق النار في 7 إبريل 2026

خلال هذه الهدنة الهشة للحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران تجد دول الخليج نفسها في مأزق صعب، بين عداوة إيرانية واهتزاز الثقة في الحليف الأمريكي. في ظل أجواء احتمالات تجدد الحرب، لا تهتم الدوائر السياسية والإعلامية الأمريكية بوضع دول الخليج العربي وما تمثله الحرب من تهديدات مصيرية لها، ولا تظهر في هذه الدوائر ما يعكس كون هذه الدول حلفاء للولايات المتحدة، بل تتعامل مع الأضرار التي لحقت بدول الخليج بمزيج من الاستخفاف واللامبالاة. من الطرح القليل أو النادر، ما كتبه ديفيد روبرتس[1] لمجلة الشئون الخارجية هذا الأسبوع تحت عنوان (نظام جديد للخليج: يجب على المنطقة أن تبني أمنها بنفسها، لا أن تشتريه – A New Order for the Gulf: The Region Must Build Its Own Security, Not Buy It)[2]، العنوان بذاته يؤكد تخليا أمريكيا عن دول الخليج في ساعة الحاجة، ويقدم رؤية مختلفة لإعادة هيكلة الأمن الخليجي والإقليمي.

توطين صناعة الدفاع: الانتقال من مجرد تجميع الأسلحة إلى تصنيع قطع غيار وأنظمة مسيّرات خليجية، لتجنب الحظر وقت الحرب.

نقدم أولا تقييما لهذا الطرح الأمريكي “المطلع”، ثم الخيارات الواقعية المتاحة لدول الخليج.

1. تشخيص دقيق لأزمة الثقة: يكشف التحليل بصدق “وهم الحماية” الخارجية، مستشهدًا بخيبات أمل تاريخية متكررة من بريطانيا وأمريكا، مثل التخلي البريطاني عن ثلثي مساحة الكويت عام 1922، التخلي عن اليمن عام 1960 والانسحاب من الخليج عام 1971 والسماح لإيران وقتها باحتلال 3 جزر إماراتية، وأن المواقف الأمريكية لم تكن أفضل حالا، بعدم الرد على هجوم أبقيق بالسعودية 2019، أو قصف قطر 2025، هذه أمثلة مؤلمة ومألوفة للدوائر الخليجية. الحالة الإيجابية الوحيدة كانت تحرير الكويت 1991، ولكن الجميع أصبح على قناعة أن أمريكا قامت بهذا لمصالحها الذاتية فقط عندما تحولت للقطب العالمي الأوحد آنذاك.

2. فضح الاعتماد السلبي: ينتقد التحليل بشكل صارم أن الخليج استأجر الأمن بدلًا من بنائه، مستشهدًا بعدم تطوير قدرات محلية لمواجهة ألغام البحرية في مضيق هرمز – وهو ضعف مُميت.

3. واقعية تجاه إيران: يرفض التحليل سيناريو انهيار النظام الإيراني بالضغط فقط، مستندًا إلى تاريخها في الصمود خلال حرب الثماني سنوات والعقوبات. هذا تقدير متوازن.

4. حل مبتكر لكنه صعب: فكرة “الانسحاب الأمريكي التدريجي مقابل تنازلات إيرانية شاملة” (وهو نفس المقترح الإيراني الحالي على طاولة المفاوضات: تقييد برنامج نووي وصاروخي، وقف العداء، وتطبيع مع الخليج) هي صفقة كبرى تعيد تشكيل المنطقة على غرار “وستفاليا[3] الخليج”. إنها محاولة جادة لكسر الجمود.

1. افتراض حسن النية الإيراني: يعترف الكاتب بأيديولوجية إيران الثابتة (عداء إسرائيل، دعم الوكلاء)، لكن اقتراحه يبالغ في تقدير استعداد طهران لتقديم “تنازلات واسعة” مقابل انسحاب أمريكي. التاريخ يظهر أن إيران تستخدم المفاوضات لكسب الوقت وتعزيز موقعها، وليس لنزع سلاحها الإستراتيجي.

2. صعوبة تطبيق القيود على برامج الصواريخ والطائرات المسيرة: التحليل نفسه يعترف أن إنتاج المسيرات “لا يمكن مراقبته بنظام تفتيش تقليدي”. فكيف ستضمن دول الخليج أن إيران لن تعيد التسلح سرًا أو عبر وكلاء بعد انسحاب أمريكا؟

3. استبعاد إسرائيل والفاعلين غير الدوليين: الاتفاق المقترح خماسي (الخليج + أمريكا + إيران). لكن إسرائيل (التي تملك الردع النووي) وحلفاء إيران الإقليميين (حزب الله، الحوثيون) يمكنهم إفشاله. ماذا لو قصفت إسرائيل منشأة نووية إيرانية خرقًا للاتفاق؟

4. عدم واقعية الطرح سياسيًا: في خضم حرب ساخنة، فكرة أن تنسحب أمريكا من قواعدها (مثل قاعدة العديد في قطر أو الظفرة في الإمارات) مقابل “وعد” إيراني غير قابل للتحقق تبدو مستحيلة البيع للإدارة الأمريكية والكونغرس والجمهور الإسرائيلي، وفيها لا مبالاة مزرية بالحليف الخليجي.

لا تعني هذه المعدلات الفائقة للإنفاق العسكري أنها كانت بلا أي جدوى، فبشكل عام كان أداء الدفاعات الخليجية في الحرب الأخيرة معقولا، وإن لم يكن كافيا بطبيعة الحال.

خلاصة الدراسة أن اتفاقا أمريكيا إيرانيا، سيربح فيه الطرفان، بينما يترك دول الخليج في مهب الريح، إذ تستنتج في نهايتها المواقف الثلاثة على النحو الصريح التالي:

  • بالنسبة لواشنطن، يُقدّم الانسحاب التدريجي المدعوم بتسوية إقليمية شاملة ما لا يُقدّمه المسار الحالي: خروجٌ كريمٌ يُظهر حنكة سياسية لا تراجعًا. إنّ تسويةً تُقيّد طموحات إيران النووية بشكلٍ ملموس، وتُنهي عقودًا من الانتشار المتقدم، وتُنتج اتفاقًا خليجيًا مستدامًا، من شأنها أن تُعالج عدة مشاكل في آنٍ واحد: العبء المالي للوجود الدائم، واضطراب سوق الطاقة الناجم عن عدم الاستقرار الإقليمي، وإرهاق الرأي العام الأمريكي من التورط غير المحدود في الشرق الأوسط.
  • إنّ الجائزة بالنسبة لإيران هي ما لم تُحقّقه أربعون عامًا من الموقف الثوري وسياسة حافة الهاوية النووية. إنّ تخفيف العقوبات بشكلٍ كافٍ لإعادة تنشيط النمو أهمّ بالنسبة للنظام من أيّ نصر عسكري خارجي؛ فالتهديد الداخلي من شعبٍ شابٍّ مُتعلّمٍ مُهمّشٍ يُشكّل خطرًا أكبر على الجمهورية الإسلامية من أيّ تحالفٍ أجنبي. بعد أن نجا النظام من أشد الضغوط العسكرية في تاريخه، بات يتمتع بالمصداقية الكافية لتقديم تنازلات لخصومه الخارجيين ولمواطنيه دون إهانة، وتحويل الصمود إلى تسوية وانتعاش اقتصادي.
  • أما بالنسبة لدول الخليج، فإن غريزة البقاء ضمن حضن الأمن الأمريكي تعكس قرنًا من العادات المؤسسية، والتنشئة الاجتماعية للنخب، والتكاليف الباهظة لبنية أمنية أثبتت جدواها في بعض الأحيان. لكن الأمن لا يُشترى من الخارج، بل يُبنى في الداخل. ستغادر الولايات المتحدة المنطقة في نهاية المطاف، بغض النظر عما تفضله الأنظمة الملكية. السؤال الوحيد هو: هل ستحدد دول الخليج شروط هذا الرحيل أم سيتشكل مستقبلها بشروط ذلك الرحيل؟

بدلًا من انتظار لحظة “وستفاليا” المثالية في الطرح الأمريكي، ينبغي لدول الخليج أن تواجه لحظة “الحقيقة“، وتتحرك على مسارات متوازية. هذه الخيارات البديلة تتطلب: توفر الإرادة السياسية لكسر حلقة التبعية المحيطة بالعالم العربي كله، وتتطلب أيضا إعادة ترتيب الخصوم والأعداء استراتيجيا، بعيدا عن الأطر الحابسة، ثم العناية الفائقة بالتماسك الداخلي وحمايته من التفكك، ليصبح درعا لصلابة السياسة الخارجية.

 الخيارات الواقعية البديلة تجمع بين الدبلوماسية الوقائية وبناء القدرات، وذلك على النحو التالي:

1. الخيار الدبلوماسي: من “شراء الأمن” إلى “إدارة التصعيد”

الوساطة النشطة: قطر وسلطنة عمان يمكنهما استئناف دور الوسيط بين إيران والغرب، لكن من موقع قوة خليجية موحدة وليس كجهات منفردة.

فك الارتباط الاقتصادي التدريجي: الاستمرار في تطوير علاقات اقتصادية مع إيران (مثل استيراد الغاز) مع إنشاء آلية خليجية للردع الاقتصادي، بحيث يصبح أي هجوم إيراني على منشأة خليجية يقابله تجميد فوري للاستثمارات والتحويلات المالية.

إحياء “حوار إستراتيجي إقليمي” يضم الخليج + إيران + العراق + الأردن، مع وضع جدول أعمال عملي (إدارة المياه، مكافحة التهريب، أمن الملاحة) – وهذا أخف من معاهدة شاملة لكنه يبني ثقة تدريجية.

2. الخيار العسكري: بناء “قوة ردع خليجية هجينة”

التكامل الخليجي الوظيفي: بدلًا من جيش خليجي موحد (وهذا قد يكون مستحيلًا سياسيًا)، تخصص كل دولة في قدرة معينة، فمثلا:

السعودية: الدفاع الجوي والبعيد المدى.

 الإمارات: القوات البحرية ومكافحة الألغام.

 قطر: سلاح الجو والإنذار المبكر.

 مع إنشاء قيادة عمليات خليجية موحدة (تشبه قيادة سينتوركوم الأمريكية) لكنها خليجية بالكامل.

الانتقال من الدرع الصاروخي إلى الغطاء الصاروخي: شراء أنظمة دفاع جوي لا يمكن اختراقها بسهولة (مثل THAAD، Patriot PAC-3 MSE، ودمجها مع منظومة “سما” الإماراتية/السعودية)، مع توزيعها بشكل لا مركزي بحيث لا تؤدي ضربة مركزة إلى شل الدفاع.

قدرات هجومية مضبوطة: تطوير قوات خاصة وصواريخ دقيقة لضرب قواعد إطلاق المسيرات داخل إيران، مع إعلان صريح أن هذا حق دفاعي مشروع، لردع إيران عن التفكير في حرب بالوكالة دون ثمن.

3. الخيار الأمريكي المُعدَّل: “إعادة التفاوض على الوجود لا إنهاؤه”

فبدلًا من الانسحاب الكامل (كما يقترح روبرتس)، تطلب دول الخليج من أمريكا إعادة هيكلة القواعد:

 تحويل القواعد الكبيرة إلى قواعد صغيرة ومتنقلة أقل وضوحًا كأهداف.

 إبقاء المخابرات والدعم اللوجستي، لكن تقليل الوحدات القتالية البرية.

 إدراج ضباط خليجيين في غرف العمليات الأمريكية كمراقبين (ومن غير الواضح مدى القبول الأمريكي لهذا)، لضمان عدم استخدام القواعد في هجمات استباقية على إيران بدون تنسيق.

عقد أمني مشروط: تجديد الاتفاقيات الأمنية (مثل اتفاقية التعاون الدفاعي مع قطر 2024) بحيث تكون الحماية الأمريكية مشروطة بالتزام أمريكا بعدم جر الخليج إلى حرب مع إيران إلا إذا هوجمت القواعد مباشرة.

الخيار الاقتصادي والدعوي: “تحصين الداخل”

تأمين الغذاء والمياه والطاقة محليًا: بناء مخزون استراتيجي لأشهر (وليس أسابيع) من الحبوب وتحلية المياه بالطاقة الشمسية، لأن مضيق هرمز قد يغلق مستقبلا بعد أي تسوية.

توطين صناعة الدفاع: الانتقال من مجرد تجميع الأسلحة إلى تصنيع قطع غيار وأنظمة مسيّرات خليجية، لتجنب الحظر وقت الحرب.

إدارة السردية العامة: عدم إظهار الخلافات الخليجية-الإيرانية كحرب مذهبية، بل كصراع إقليمي على النفوذ، لتقليل فرص التحريض الداخلي من قبل خلايا إيران النائمة في المنطقة الشرقية بالسعودية أو البحرين. وفي نفس الوقت تبني برامج دعوية ناضجة للمواطنين الخليجيين من الشيعة، تأخذ بأيديهم إلى القواسم الإيمانية المشتركة، وتنمي فيهم الانتماء إلى مجتمعهم الذي نشأوا فيه، مع الحرص على عدم إقصائهم اجتماعيا.

يوجد حاليًا مشروعان متوازيان: المشروع الخليجي-الأمريكي (الدرع الصاروخي الموحد الذي تقوده أمريكا) قائم ولكن فاعليته كانت مخيبة لآمال الخليجيين في الحرب الحالية، والمشروع الخليجي-التركي-الباكستاني، قد ينظر إليه كمنافس أو كبديل لا كمكمل.

من المفيد الرجوع لهذه الأرقام جنبا إلى جنب مع الواقع السياسي والعسكري الذي وجدت فيه دول الخليج نفسها خلال الحرب الأخيرة. استنادًا إلى البيانات المتاحة من البنك الدولي (مؤشرات التنمية العالمية)[4]، هذه أرقام الإنفاق العسكري لدول “العالم العربي” كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الست الأخيرة (2019-2024)، والتي تعكس بشكل كبير واقع دول الخليج التي تشكل الثقل الأساسي في هذا المؤشر.

السنة201920202021202220232024
الإنفاق العسكري % من الناتج المحلي الإجمالي5.249%5.563%4.965%4.495%5.169%5.257%

ملاحظات مهمة لفهم هذه الأرقام:

– هذه النسب تعكس أولوية الأمن: هذه النسب عالية جدًا عالميًا. للمقارنة، متوسط الإنفاق العالمي (كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) يتراوح عادة بين 2-2.5%، بينما معظم دول الخليج تنفق أكثر من 4-6% من ناتجها المحلي، مما يجعلها من بين أعلى الدول إنفاقًا على الأمن في العالم.

بخصوص إنفاق الدول الخليجية منفردة[5]، وفقًا لبيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) التي تم تجميعها بواسطة منصة “عالمنا في البيانات” (Our World in Data) والتداول الاقتصادي (Trading Economics)، يمثل الجدول التالي تفصيلا دقيقا للإنفاق العسكري للسعودية وقطر والإمارات خلال السنوات الست الأخيرة (2020-2025). تم تعديل جميع الأرقام لتعكس قيمة ثابتة بالدولار الأمريكي لعام 2024 لضمان دقة المقارنة عبر السنوات.

السنةالدولةالإنفاق العسكري (مليار دولار)ملاحظات
2020السعودية73.78 
 قطر12.2 
 الإمارات19.3 
2021السعودية66.80 
 قطر14.4 
 الإمارات22.1 
2022السعودية78.69 
 قطر15.9عام استضافة كأس العالم وشراء أنظمة متطورة
 الإمارات20.7 
2023السعودية81.90عودة الإنفاق للصعود مع ارتفاع أسعار النفط
 قطر16.3 
 الإمارات24.1 
2024السعودية80.33استقرار عند مستويات مرتفعة
 قطر16.5 
 الإمارات23.8 
2025السعودية83.18أعلى قيمة خلال العقد (ما بعد اتفاق أوبك+) يمثل الإنفاق في السنوات الست استثمارًا ضخمًا في تحديث سلاح الجو (مثل صفقات “تايفون” وشراء مقاتلات أمريكية) وتطوير أنظمة دفاع جوي متطورة بعد هجوم أبقيق 2019
 قطر19.0قفزة كبيرة مرتبطة بتسلم طائرات “رافال” و”يوروفايتر”| تعكس أرقام قطر في السنوات الست فلسفتها الفريدة في التسلح: جيش صغير للغاية بأغلى المعدات في العالم.
 الإمارات25.1تتجه الإمارات أكثر نحو التوطين والصناعة الدفاعية أكثر من الشراء الأعمى. الاستثمارات تركز على بناء قاعدة صناعية (مثل “إيدج” القابضة) وأنظمة دفاع جوي إقليمية متكاملة.

لا تعني هذه المعدلات الفائقة للإنفاق العسكري أنها كانت بلا أي جدوى، فبشكل عام كان أداء الدفاعات الخليجية في الحرب الأخيرة معقولا، وإن لم يكن كافيا بطبيعة الحال.

الفكرة الجوهرية للمحور السني البديل: الخروج من فكر “استئجار الحارس” (الأمن كسلعة) إلى فكر “بناء التحالف” (الأمن كقدرة مشتركة)، مستفيدًا من التنوع الاستراتيجي الذي توفره دول مثل مصر وتركيا وباكستان.

مع تسارع الأحداث على الأرض في قلب التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة اليوم، ظهرت تقارير مفادها أن دول الخليج لا تفكر فقط في شراكة عسكرية مع تركيا وباكستان، بل هي في طور بناء حلف إقليمي جديد، وإن كان ذلك بحذر شديد. هذا “الحلف الإسلامي” آخذ في التبلور. تقارير عديدة تؤكد أن باكستان تسعى لتوسيع اتفاقها الدفاعي مع السعودية ليشمل تركيا وقطر.

في سبتمبر 2025، وقعت السعودية وباكستان “اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي (SMDA)”، التي تنص على أن “أي عدوان على أحد الطرفين يُعتبر عدوانًا على الطرف الآخر”، وهي صيغة تذكرنا بالمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي. أعلن وزير الدفاع الباكستاني لاحقا أن تركيا وقطر مرشحتان للانضمام. هذا من شأنه أن يخلق “محورًا” جديدًا يضم:

 باكستان: القوة النووية والردع الاستراتيجي.

 تركيا: التكنولوجيا العسكرية المتقدمة (مسيرات، أنظمة دفاع) والجيش الثاني في الناتو.

 السعودية وقطر: التمويل والبنية التحتية والقبول السياسي.

ثقل غير مسبوق: هذا المزيج (مال + تكنولوجيا + ردع نووي) يمنح هذا الحلف قدرات لا تمتلكها أي جهة أخرى في العالم الإسلامي.

هذا التطور قد يمثل الإجابة العملية على “أزمة الثقة” مع أمريكا التي وصفها تحليل مجلة الشئون الخارجية، أو هو الرد على التخلي الأمريكي، خاصة بعد قصف المنشآت في السعودية وقطر، حيث شعرت دول الخليج أن الردع الأمريكي غير كافٍ. هذا الحلف الناشئ هو رسالة مفادها: “لدينا بدائل” لا تعني بالضرورة القطيعة مع أمريكا، بل تنويع خياراتنا. تركيا في حال تبلور هذا الحلف، ستكون في وضع متقدم دون أن تطلق رصاصة واحدة، حيث سترسخ تركيا مكانتها كوسيط وضامن أمني. “حيادها النشط” جعلها الخيار الأكثر جاذبية للخليج، حيث تقدم تعاونًا عسكريًا متقدمًا بدون الشروط السياسية التي تفرضها واشنطن. إذا أضفنا إلى محفزات هذا الحلف أن التسليح تقريبا بلا شروط، على عكس أمريكا التي تمنع بيع F-35 للإمارات بسبب “هواوي”، أو لتركيا بسبب “S-400″، فإن باكستان وتركيا تبيعان أسلحة دون قيود، وهو ما يتماشى مع استراتيجية دول الخليج في “توطين الصناعة العسكرية” التي ذكرناها في البدائل الخليجية المحتملة.

المفارقة أن هذا الحلف المحتمل بمزاياه الواضحة، قد يُعقد المشهد الإقليمي، وأمامه تحديات كبيرة، أهمها:

  • استفزاز أمريكا وإسرائيل: أي “حلف إسلامي” يضم باكستان (عدوة الهند حليفة واشنطن) وتركيا (العضو المتمرد في الناتو) ستنظر إليه واشنطن بارتياب شديد. إسرائيل سترى في هذا الحلف خطرًا استراتيجيًا. تصريحات مسؤولين هنود سابقين حذرت بالفعل من أن هذا “الناتو الإسلامي” قد يشكل تهديدًا لإسرائيل. هذا قد يدفع إسرائيل لاتخاذ إجراءات استباقية ضد هذا التقارب.
  • غموض الردع الباكستاني (الورقة الأكثر حساسية): باكستان لديها سجل من التردد في الدفاع عن حلفائها. عندما طلبت السعودية مساعدتها في اليمن عام 2015، رفضت باكستان إرسال قوات. باكستان أيضا لديها أقلية شيعية كبيرة (حوالي 15%) وحدود طويلة مع إيران. إغراق المنطقة في حرب مع إيران يمثل كابوسا لباكستان. هذا كله يثير شكوكا أن “الدرع الباكستاني” قد لا يتحرك بسرعة عند أول اختبار حقيقي.
  • يوجد حاليًا مشروعان متوازيان: المشروع الخليجي-الأمريكي (الدرع الصاروخي الموحد الذي تقوده أمريكا) قائم ولكن فاعليته كانت مخيبة لآمال الخليجيين في الحرب الحالية، والمشروع الخليجي-التركي-الباكستاني، قد ينظر إليه كمنافس أو كبديل لا كمكمل. هذا التعدد في الولاءات قد يسبب ارتباكًا في غرفة العمليات وقت الأزمات. هل تعتمد السعودية على الرادار الأمريكي أم التركي؟ هل تقوم بتنسيق هجومها مع باكستان أم واشنطن؟

بناءً على التطورات الميدانية والدبلوماسية الأخيرة، هناك تصور آخر تتحدث تقارير عنه يتكون من الرباعية (مصر + تركيا + السعودية + باكستان)، بحيث لا يصبح تحالفًا عسكريًا شاملًا على غرار الناتو، بل هو تنسيق استراتيجي متعدد الطبقات مدفوع بالخوف المشترك من التوسع الإسرائيلي وعدم اليقين بشأن الضمانات الأمريكية. هذه الرباعية تتوزع أدوارها المحتملة كالتالي:

مصر: الثقل العسكري البري الأكبر في المنطقة العربية (الجيش المصري)، والقدرة على نشر دفاعات جوية (مثل نشر مقاتلات رافال في الإمارات مؤخرًا).

 تركيا: التكنولوجيا العسكرية المتقدمة (طائرات مسيرة، نظام كاآن للطائرات الشبح)، والقدرة على التدخل السريع، والوساطة السياسية.

السعودية: التمويل، والقبول السياسي، والبنية التحتية، والربط مع المحور الأمريكي.

باكستان: الردع الاستراتيجي (القوة النووية)، والخبرة القتالية، والوساطة بين إيران والغرب.

هذا ليس حلفا بالمعنى التقليدي. المصطلح الأكثر دقة هو “تنسيق إقليمي” (Regional Coordination Framework)  أو “الرباعية”.  هذه الرباعية بدورها يشكك في جدواها التردد الباكستاني، وتاريخ الخلافات التركية/المصرية والتركية/السعودية، وكون السعودية والإمارات ومصر لا تزال تراهن على وجود عسكري أمريكي قوي في المنطقة.

ربما تعزز الدراسات الإسرائيلية العديدة التي تحذر من نمو النشاط العسكري المصري في سيناء، والشكوى من الصخب الإعلامي المصري غير المعتاد ضد إسرائيل، تعزز من الهواجس من انضمام مصر لمثل هذا التكتل الرباعي أو غيره.

مع الأسف، لا توجد أي تصريحات رسمية من كل هذه الدول بشأن هذه التقارير.

الدراسة الأمريكية تبدو مقنعة في تشخيص المرض (شراء الأمن من الخارج)، ولكن مجحفة في تصور (الانسحاب الأمريكي الكامل مقابل معاهدة مع إيران)، وغير مبالية بالحلفاء الخليجيين.

أما الخيارات الواقعية لدول الخليج فهي:

على المدى القصير: التهدئة عبر الوساطة، وتحسين الدفاع الجوي المشترك، ووضع قواعد اشتباك واضحة مع إيران ولو عبر قنوات خلفية.

على المدى المتوسط: بناء قدرات عسكرية هجومية ودفاعية متكاملة خليجيًا، مع إعادة التفاوض على الوجود الأمريكي ليصبح أقل استفزازًا لإيران وأكثر خدمة لمصالح الخليج.

على المدى الطويل: التحول التدريجي من “دولة الريع الأمني” إلى “دولة القدرات الذاتية“، لكن هذا يتطلب إصلاحات داخلية عميقة في أنظمة التجنيد والتدريب والقيادة، وهو ما قد يستغرق جيلًا.

الخطر الحقيقي الذي لا يذكره التحليل الأمريكي بوضوح: أن تختار إيران التصعيد بدل التفاوض بعد انسحاب أمريكا، عندها ستكون دول الخليج وحدها في مواجهة جيش إيراني يعاني من العقوبات لكنه لا يزال يمتلك صواريخ باليستية ومئات الآلاف من المسيّرات. لذلك، أي انسحاب أمريكي يجب أن يكون مشروطًا بوجود بديل خليجي جاهز، وليس العكس.

الخيار الثالث (سواء حلف خليجي باكستاني تركي، أو رباعية تنسيقية باكستانية سعودية مصرية تركية) مسار انتقالي تحيطه بعض الشكوك والمخاطر، وربما يجب النظر إليه كـ “سياسة تحوط قصوى” وليس كبديل جاهز. السيناريو الأرجح في هذا الخيار حاليا هو استمرار دول الخليج في المراوحة بين الحلين. ستحتفظ بقواعدها الأمريكية كضمانة أولى (كما فعلت السعودية بفتح قاعدة الطائف للأمريكيين مؤخرًا)، وفي نفس الوقت ستبني وتدرب “الحلف الإسلامي” كورقة ضغط وقدرة احتياطية. هذا السيناريو الوسيط قد يمنح دول الخليج نفوذًا في المدى القصير، لكنه قد يجعلها في صراع مع حلفائها الجدد والقدامى على المدى البعيد إذا لم تتم إدارة هذه العلاقات بحكمة. إنها مغامرة محسوبة في زمن تتغير فيه ولاءات القوى الكبرى.

د. محمد هشام راغب


[1] ديفيد ب. روبرتس هو محاضر في دراسات الأمن في الشرق الأوسط في كلية كينجز كوليدج لندن، ورئيس معهد كينجز للدراسات الأمنية التطبيقية، ومؤلف كتاب “السياسات الأمنية لممالك الخليج”.

[2] https://www.foreignaffairs.com/iran/new-order-gulf

[3] وستفاليا (Westphalia) هي منطقة تاريخية تقع في شمال غرب ألمانيا وتُشكل الجزء الشرقي من ولاية “شمال الراين – وستفاليا” الحالية. وتشتهر عالميًا بـ “صلح وستفاليا” الذي أُبرم فيها عام 1648 وأسس النظام الدولي الحديث ومبدأ سيادة الدول.

[4] https://data.worldbank.org/indicator/MS.MIL.XPND.GD.ZS?locations=1A

[5] https://ourworldindata.org/grapher/military-spending-sipri

زر الذهاب إلى الأعلى