إصداراتالولايات المتحدة إلى أينحدث ورؤياملفات

هل يمكن لدولة واحدة احتكار الذكاء الاصطناعي وتشكيل عالم بقطب واحد؟

قال الرئيس ترامب: “لن يكون هناك سوى فائز واحد في الذكاء الاصطناعي، وهو على الأرجح إما نحن أو الصين، ونتفوق بفارق كبير حاليًّا”.

جاء هذا التصريح “الإستراتيجي” الخطير بعد توقيع ترامب على أمر رئاسي تنفيذي في 11 ديسمبر 2025، ينص على أن السياسة الفيدرالية تتمثل في “الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة العالمية على الذكاء الاصطناعي وتعزيزها من خلال إطار سياسي وطني للذكاء الاصطناعي يتسم بأقل قدر من الأعباء”.

ينزع الأمر الرئاسي قدرة الولايات على تنظيم الذكاء الاصطناعي، إذ يُنشئ فريق عمل للتقاضي تابعًا للنائب العام للطعن في قوانين الولايات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ويهدد بتقييد التمويل الفيدرالي للولايات التي تُصدر قوانين تقييدية للذكاء الاصطناعي، كما يُوجه هيئة الاتصالات الفيدرالية ولجنة التجارة الفيدرالية لاتخاذ إجراءات لتأكيد السيادة الفيدرالية في هذا الشأن.

مهما اتسمت كثير من تصريحات ترامب بالدعائية والرعونة، فإن هذا التصريح “الإستراتيجي” ينبغي أن يؤخذ على محمل الجدِّ، وأن ننظر في مآلاته، وفي تأثيراته المحتملة على عالمنا العربي في المستقبل القريب.

المعتاد في الولايات المتحدة عند ظهور تقنيات جديدة، أن تتريث الحكومة وتراقب المشاكل التي قد تنشأ، ومن ثم يقوم الكونجرس بسنِّ تشريعات لتنظيم هذه التقنية. لكن استباق ترامب بهذا الأمر التنفيذي يعكس المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتي ربما لا تتحمل الانتظار للمسار الطبيعي.

 سارعت الشخصيات البارزة في وادي السيليكون بالثناء على شجاعة الأمر التنفيذي، والحاجة الشديدة لعدم تقييد تطوير الذكاء الاصطناعي تحت أي ذريعة، وإلا ستتقدم الصين، وربما تهيمن عالميًّا.

مهما اتسمت كثير من تصريحات ترامب بالدعائية والرعونة، فإن هذا التصريح “الإستراتيجي” ينبغي أن يؤخذ على محمل الجدِّ، وأن ننظر في مآلاته، وفي تأثيراته المحتملة على عالمنا العربي في المستقبل القريب.

أم يمكن أن تكون هناك أقطاب كثيرة متقدمة في العالم؟

السؤالان قد يكونان من أهم الأسئلة الإستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.

عبارة ترامب تعبِّر عن رؤية سياسية تنافسية صفرية (zero-sum) تحتاج إلى تفكيك وشرح.

من الناحية التقنية: لا يوجد “فائز واحد” بالمعنى العلمي الحرفي، لأن الذكاء الاصطناعي ليس موردًا محدودًا كالبترول، بل معرفة وتقنية قابلة للتكرار، وبمجرد أن تُنشَر خوارزمية أو ورقة بحثية، يمكن لأي مختبر آخر أن يُطوِّرها أو يُحسِّنها، وحتى النماذج الضخمة مثل GPT أو Gemini أو Claude أو DeepSeek تُبنى على أبحاث مفتوحة المصدر في الغالب. لذلك، لا يمكن نظريًّا لأي دولة أن “تحتكر الذكاء الاصطناعي” بشكل دائم، لكن يمكن أن تتفوَّق دول في مرحلة معينة (مثل أمريكا الآن بفضل شركاتها الخاصة وبنيتها التحتية).

من الناحية الاقتصادية: المنافسة متعددة الأقطاب ممكنة جدًّا، وهو الواقع حاليًّا، بين الولايات المتحدة والصين، وإلى حد ما أوروبا واليابان وكوريا.

من زاوية الأمن القومي: هنا تأتي نبرة ترامب “فائز واحد أو لا أحد”، حيث تعتبر كلٌّ من الولايات المتحدة والصين أن التفوق في الذكاء الاصطناعي يساوي تفوقًا عسكريًّا وإستراتيجيًّا، وأن من يتحكم في نماذج القرار الذكي والتحليل العسكري والاستخباراتي سيملك ميزة ضخمة في أنظمة الطائرات المسيرة، الحرب السيبرانية، المراقبة، وحتى الدبلوماسية الرقمية! من هذا المنظور الأمني، يفكِّر ترامب بمنطق الردع، وقد يكون محقًّا في ذلك.

بعض الخبراء الحالمين يرون أن السؤال الحقيقي ليس “من يفوز” بل “أي منظومة قيمية ستتحكم في الذكاء الاصطناعي العالمي؟”، حيث تميل أمريكا إلى نموذج حرٍّ قائم على السوق والابتكار الفردي، وتميل الصين إلى نموذج مراقبة مركزية واستخدام الدولة القمعية للتقنية، بينما تركز أوروبا على الذكاء الاصطناعي الأخلاقي (AI Ethics). هذه النظرة المتفائلة ربما قد فات أوانها، والصراع المحتدم الحالي لا يتحملها.

السيناريوهات الصفرية:

يمكن لنظام ذكاء اصطناعي فائق الذكاء أن “يهزم” أنظمة أقل ذكاء، وبالتالي يكون الفائز واحدًا فقط. يمكن مقارنة هذا الوضع مع السباق النووي قبل 80 عامًا، حيث لو توصلت وقتها دولة واحدة فقط للسلاح النووي وكان لديها الوقت لإيقاف الدول الأخرى عن تطويره، كانت الصورة العالمية ستختلف، وتتجه لعالم يسيطر عليه قطب نوويٌّ واحد ربما لعقود متتالية.

الفكرة التي يستند إليها العديد من رموز وادي السيليكون أن أنظمة الذكاء شبيهة بالأنظمة التطورية  (Self-improving systems)بحيث إذا امتلكت دولة نظامًا قادرًا على:

  • تحسين نفسه،
  • تطوير خوارزميات جديدة،
  • أو السيطرة على موارد الحوسبة عالميًّا.

فإن الفجوة تصبح ذاتية التوسع وتكبر مع الوقت، لدرجة أن الأنظمة الأخرى قد لا تلحق بها أبدًا.

بمعنى آخر، لو ظهر نموذج واحد للذكاء الخارق  (Superintelligence)متقدم بدرجة خارقة مقارنةً بغيره، فإنه يستطيع نظريًّا:

  • اختراق أنظمة الدول الأخرى،
  • تعطيل تطوير منافسين،
  • احتكار المعرفة،
  • وحتى التحكم في الإنتاج العلمي والعسكري.

ترامب في الحقيقة كأنه يقارن الذكاء الاصطناعي باللحظة النووية الأولى: “إذا امتلكت دولة واحدة التكنولوجيا الكاسرة أولًا، ستتحكم في العالم.”

هذا يعني عمليًّا في حالة ظهور ذكاء خارق واحد فعليًّا (Superintelligence Singularity)، أن: المنافسة تصبح غير ممكنة، والدولة الأولى في الوصول لمثل هذا النظام تصبح “القطب الوحيد” عالميًّا.

هذا الاحتمال النظري يمكن تشبيهه فعليًّا بما وقع في “السباق النووي” في أربعينيات القرن الماضي، إذ لو كانت أمريكا وحدها هي التي امتلكت السلاح النووي بعد 1945، ولو نجحت حينها في ثلاثة أمور:

  • منع التجسس النوويِّ السوفييتي،
  • ومنع أي دولة من الوصول إلى التقنية،
  • والسيطرة على اليورانيوم عالميًّا.

لكانت ستصبح قوة مطلقة على الأرض لعدة عقود على الأقل، وكان العالم سيكون أحادي القطب تمامًا. لم يحدث هذا بعد 1945 لصعوبة تحقيق أي من هذه الأمور الثلاثة، وبالتالي استطاع السوفييت تصنيع السلاح النووي في 1949، ثم الصين، ثم فرنسا، ثم بريطانيا، ثم دول أخرى لاحقًا. أدى هذا إلى ما عرف بـ توازن الرعب (Mutual Assured Destruction – MAD) وليس سيطرة جهة واحدة.

لكن الذكاء الاصطناعي مختلف عن النووي في نقطتين جوهريتين:

  • التكلفة والدخول في السوق: حيث يحتاج السلاح النووي إلى: يورانيوم مخصَّب، بنية مفاعلات، منشآت سرية، وسنوات من التجارب. أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن تطويره في شركة خاصة وليس دولة، والمواد الخام = برمجيات وحوسبة، والانتشار أسهل، والمعرفة تنتشر بمجرد نشر ورقة بحثية!
  • الذكاء الخارق قد يستطيع منع الآخرين من اللحاق، لكن السلاح النووي لا يستطيع. الذكاء الخارق يمكنه تمامًا: اختراق مختبرات الآخرين، سرقة أبحاثهم، تعطيل قدراتهم التقنية.

ترامب في الحقيقة كأنه يقارن الذكاء الاصطناعي باللحظة النووية الأولى: “إذا امتلكت دولة واحدة التكنولوجيا الكاسرة أولًا، ستتحكم في العالم.”

تشبيه ترامب إذن ليس مبالغة سياسية أو دعائية (كما اعتدنا منه)، بل له أساس في نظرية الردع والتفوق التكنولوجي.

لا ندري النطاق الزمني الذي يمكن أن يتحوَّل فيه هذا السيناريو إلى واقع. في الوقت الحالي يستبعد جدًّا أن يظهر “ذكاء خارق واحد” يحتكر العالم لأن:

  • الذكاء الاصطناعي ما يزال متعدِّد الأقطاب،
  • والأبحاث مفتوحة المصدر،
  • والدول لديها قدرات ضخمة،
  • والسباق يجري على مستوى الشركات والدول معًا.

لكن يمكن نظريًّا أن تُحقِّق دولة تفوقًا ساحقًا لسنوات، خاصة لو امتلكت: 80-90٪ من القدرة الحاسوبية العالمية، أشباه الموصلات المتقدمة، أنظمة مُغلقة ذات أبحاث سرية، نماذج غير منشورة نهائيًّا مع سيطرة على سلسلة توريد الرقائق، .. وهذا بالضبط ما يخشاه السياسيون.

ثلاث صور محتملة -بالقسمة العقلية- لمستقبل الذكاء الاصطناعي:

  1. عالم أحادي القطب (قطب واحد مهيمن):

الفكرة:

دولة واحدة (مثل أمريكا أو الصين) تقفز قفزة نوعية:

  • تُطوِّر نظامًا متقدمًا جدًّا (أقرب لـ “ذكاء خارق” أو على الأقل فرق ضخم عن الآخرين).
  • تحتكر الشرائح المتقدمة (GPU/TPU).
  • تحتكر البنية التحتية السحابية الضخمة.
  • تمنع تسريب التقنيات الأساسية.

النتيجة:

هذه الدولة حينها تسيطر على:

  • الاقتصاد (شركاتها أهم منصات الذكاء عالميًّا)،
  • العسكري (أنظمة تحكم، أسلحة ذاتية، استخبارات)،
  • الفضاء المعلوماتي (نظام ترجمة، بحث، مساعدات رقمية… إلخ).

وبقية الدول تُرغَم على: إما التحالف معها، أو الاكتفاء بنسخ متأخرة/محدودة الصلاحيات.

المخاطر:

  • احتكار للقوة المعرفية.
  • انحراف في القيم: نموذج واحد يفرض رؤيته على العالم (مثل احتكار خوارزميات المنصات اليوم مضروبًا × 1000).
  • هشاشة: لو انحرف هذا القطب سياسيًّا أو أخلاقيًّا، العالم كله يصبح “رهينة” لنزواته وطيشه!

هذا هو السيناريو الأقرب لعقلية “لن يكون هناك سوى فائز واحد” التي تكلم بها ترامب.

  • عالم متعدد الأقطاب (أمريكا–الصين–أوروبا–روسيا -الهند–… إلخ):

الفكرة:

ما يحدث الآن تقريبًا: فأمريكا متقدمة تقنيًّا وتجاريًّا، والصين تلحق بسرعة كبيرة، وأوروبا قوية في التنظيم والأكاديميا. ثم هناك أقطاب إقليمية تبني نماذجها وبنيتها.

النتيجة:

لا أحد يسحق الجميع، لكن:

أمريكا تتصدَّر في شركات ومنتجات المستهلكين (ChatGPT ونحوه).

الصين تتصدر في الاستخدام الحكومي/الصناعي الضخم داخل حدودها.

أوروبا تضبط الإطار القانوني (مثل AI Act).

كل قطب يطوِّر: نماذج بلغاته، تطبيقات لقيمه، وبنية حوسبة خاصة أو متحالفة.

الإيجابيات:

  • توازن قوى (لا أحد يحتكر التكنولوجيا).
  • تنوُّع حضاري وقيمي (نموذج أمريكي، صيني، أوروبي).
  • مجال أوسع للصفقات والتحالفات بدل الاستسلام لقطب واحد.

السلبيات:

  • سباق تسلح تقني مستمر، مرشح لهدم هذا السيناريو الحالم.
  • خطر “تشظّي الإنترنت/الذكاء” (AI blocs) كما حدث مع الإنترنت الصيني/الغربي.
  • صعوبة في الوصول لاتفاقات عالمية تنظم الاستخدام العسكري أو البيولوجي الخطير.

هذا السيناريو هو الأكثر واقعية حاليًّا على المدى القريب.

  •  عالم يسيطر عليه ذكاء اصطناعي حقيقي واحد ((Superintelligence

هذا سيناريو “أكثر راديكالية”، ويرفضه البعض على أساس أنه خيال علمي محض، بينما يناقشه كثير من الخبراء المتخوفين من مشاكل المحاذاة (القدرة على موائمة الذكاء الاصطناعي مع القيم والمفاهيم البشرية).

الفكرة:

يظهر نظام واحد متقدم لدرجة أنه:

  • يفهم كل النماذج الأخرى أفضل مما تفهم نفسها.
  • يسيطر على كل قنوات الهجوم والدفاع السيبراني.
  • يطوِّر نفسه أسرع من أي تطوير بشري أو منظمة.

هذا سيناريو “أكثر راديكالية”، ويرفضه البعض على أساس أنه خيال علمي محض، بينما يناقشه كثير من الخبراء المتخوفين من مشاكل المحاذاة

قد يكون مثل هذا النظام المخيف تحت سيطرة دولة واحدة (على الأقل في البداية) أو شركة، أو يتحول إلى انتظام ذاتي (autonomous). أما كيف “يسيطر” نظام كهذا، فنظريًّا: يستطيع اكتشاف ثغرات في أنظمة الآخرين وتعطيل أبحاثهم، ويُحسِّن في نفس الوقت استغلال الموارد بحيث يجعل أي منافس أبطأ / وأقل جدوى، بالإضافة أنه يُقدِّم للحكومة/أو الجهة المالكة تفوقًا استخباراتيًّا–اقتصاديًّا كاملًا.

النتيجة:

ليس فقط “قطبًا واحدًا من البشر”، بل “طبقة ذكاء أعلى من البشر” تتحكم في الصراع، ويصبح البشر (دول، شركات، أفراد) “فاعلين من الدرجة الثانية”.

المشكلة هنا واضحة، أن هذا الذكاء المسيطر إن لم يكن منضبطًا قيميًّا (aligned)، فيمكن أن يحقق أهدافًا لا تناسب البشر، أو يفضِّل استقرارًا “باردًا” على حساب حرية البشر وكرامتهم. هنا فعلًا يمكن القول: “فائز واحد فقط” — لكنه ليس دولة، بل نظام، وهذا بالتأكيد ما لم يقصده ترامب.

في الوقت الحالي، أي دولة تفكر في السيناريو الأول أو الثالث، تنحصر جهودها (المعلنة على الأقل في المناقشات وبعض الأوراق البحثية) في منع الآخرين من الوصول لذكاء خارق بأربعة سبل:

  1. السيطرة على البنية التحتية (الشرائح والحوسبة): لأن الذكاء الاصطناعي المتقدم يحتاج إلى: شرائح متقدمة (GPUs/AI accelerators).، مراكز بيانات ضخمة، طاقة وكابلات بحرية وشبكات بالإضافة إلى فرض قيود تصدير على الشرائح المتقدمة (مثل قيود أمريكا على تصدير شرائح متقدمة للصين من Nvidia وغيرها)، ثم شراء/تمويل الجزء الأكبر من القدرة الحاسوبية في السوق العالمي لصالح شركات محلية أو حلفاء من أجل احتكارها عمليًّا والتحكم في سلاسل التوريد (مصانع مثل  TSMC، Samsung، Intel…).

النتيجة: الدول المستهدفة لا تستطيع الوصول لقدرة تدريب نماذج تنافسية، أو تحتاج سنوات أطول بكثير.

  • الهيمنة على المعرفة والبرمجيات: إذ حتى لو توفَّرت الأجهزة، فإن المعرفة التقنية مهمة من ناحية خوارزميات التدريب، بنية النماذج، تقنيات تحسين الأداء والضبط (RLHF  وغيرها) وأطر عمل (Frameworks) ومكتبات حرجة. يُحتمل أن يتحقق هذا بإبقاء أفضل النماذج “مغلقة المصدر” داخل الدولة/الشركات الإستراتيجية، مع تشجيع الأبحاث المفتوحة، لكن ترك أفضل أسرار الأداء في المختبرات الخاصة، بالإضافة إلى سنِّ قوانين تمنع مشاركة بعض أنواع الأبحاث أو الأكواد على المعرفة الحسَّاسة (export controls).

قد تؤدي المنافسة إلى حالة من “التوازن الهشِّ”، حيث يطور كل طرف قدرات مضادة تمنع الطرف الآخر من تحقيق التفوق الحاسم.

  • الضغط السياسي–الاقتصادي: باستخدام العقوبات الاقتصادية لمنع دول معينة من: استيراد العتاد، أو التعاون مع شركات معينة، أو الوصول للسحابات العالمية الكبرى (أو عقد تحالفات “سحابة آمنة” بين مجموعة دول، وعزل دول أخرى خارج هذا النظام).
  • أمن سيبراني / عمليات خفية: حيث يمكن لدولة أن تمنع تجسسًا تقنيًّا من منافسين (دفاع مشروع)، أو تراقب مشاريعهم الإستراتيجية للتنبؤ بأي قفزة محتملة. وربما — في سيناريوهات عدائية — أن تُعطِّل مراكز بيانات حساسة، أو تُفسد سلاسل التوريد، أو تُسرب نماذج غير مستقرة لتخريب ثقة الجمهور لديهم. طبعًا هنا الخط الفاصل بين دفاع مشروع وهجوم غير مشروع يصبح رفيعًا جدًّا، وله تبعات أخلاقية وسياسية خطيرة.

إذا استمرت أقطاب متعددة ولم يظهر ذكاء خارق واحد، فالغالب أننا سنعيش في عالم متعدد الأقطاب، مع تفوُّق أمريكي/صيني، لكن دون احتكار كامل.

أما إذا نجحت دولة في تكرار “لحظة مانهاتن” (القنبلة النووية) ولكن مع الذكاء الاصطناعي، واحتكرت العتاد + المعرفة + البنية التحتية، وربما أبطأت منافسيها استراتيجيًّا؛ فهنا تقترب من سيناريو “قطب واحد بشري“.

إذا وصلنا إلى نظام ذكاء خارق واحد، فالمعادلة تتغير جذريًّا: ولا يعود السؤال: “من يفوز من الدول؟”، بل “من يملك هذا النظام؟ وهل يمكن أصلًا لأحد أن يملكه أم هو من يملك الجميع؟”

في كل الأحوال فإن التاريخ يؤكد أنه في المجال العسكري-الأمني، تسود بالفعل عقلية “الفائز الواحد” أو نظرة ترامب؛ “إما نحن أو هم”، بين واشنطن وبكين. هذا هو السبب في أن هذا القطاع يشهد أكبر درجات السرية، والحظر على نقل التقنيات، والاستثمارات الحكومية الضخمة.

لكن حتى في هذا المجال، فإن “الفوز” ليس مضمونًا أو دائمًا. قد تؤدي المنافسة إلى حالة من “التوازن الهشِّ”، حيث يطور كل طرف قدرات مضادة تمنع الطرف الآخر من تحقيق التفوق الحاسم.

السيناريو الأسوأ هو سباق تسلح غير مستقر يزيد من احتمالية الصراع عن طريق الخطأ.

  1. الولايات المتحدة: ما زالت في المركز الأول بوضوح في:
  2. نماذج الذكاء الاصطناعي الأبرز ( (LLMs وغيرها. تقرير Stanford AI Index 2025 يذكر أن المؤسسات الأمريكية أنتجت 40 نموذجًا بارزًا في 2024، مقابل 15 للصين و3 لأوروبا.
  3. الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي: من 2013 إلى 2024 جمعت الشركات الأمريكية قرابة نصف تريليون دولار من استثمارات القطاع الخاص في الذكاء الاصطناعي، أكثر من أي دولة أخرى بفارق كبير.
  4. قدرات الحوسبة: (GPU clusters) الولايات المتحدة تمتلك حوالي 75٪ من القدرة العالمية لعناقيد الـGPU  المخصصة للذكاء الاصطناعي (حتى مايو 2025)، والصين حوالي 15٪.
  • الصين: متأخرة عددًا، لكنها تلحق نوعيًّا:
  • الصين تتصدر عالميًّا في براءات الاختراع والأوراق العلمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
  • تقرير أوروبي (European Parliament) حديث يذكر أن نموذج DeepSeek-R1  الصيني (يناير 2025) أظهر قدرات تقارب نماذج أمريكا الرائدة مع تكلفة تدريب أقل، وبدون الاعتماد على أحدث شرائح Nvidia
  • الصين تنتج عددًا ضخمًا من اختراعات GenAI (WIPO : أكثر من 38 ألف اختراع بين 2014–2023 مقابل ~6 آلاف فقط للولايات المتحدة).
  • أوروبا وبقية العالم: أوروبا ليست “خارج المنافسة” تمامًا:
  • استثمارات الاتحاد الأوروبي في الذكاء الاصطناعي بلغت 257 مليار يورو في 2023 (عامَّة + خاصَّة)، وإن كانت متفرقة على دول عديدة.
  • الاتحاد الأوروبي قوي في تنظيم الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات (AI Act)  أكثر من كونه قويًّا في المنصات التجارية العملاقة.
  • مناطق أخرى تتحول إلى أقطاب إقليمية:
  • الخليج (قطر، الإمارات، السعودية) يضخ عشرات المليارات في مراكز حوسبة ونماذج وطنية، مثل مشروع شراكة قطر مع Brookfield بـ 20 مليار دولار لبناء بنية تحتية للحوسبة عالية الأداء.
  • الهند تُظهر أعلى نسب تبني GenAI بين المستخدمين الرقميين عالميًّا حسب دراسة مشتركة بين OECD وCisco. .

لا يملك العالم العربي – حتى مع ضعفه الشديد الحالي – أن يتجاهل أو يتغافل عن الصراعات الدولية لامتلاك قصب السبق في تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي. صحيح أن دول الخليج بادرت بمحاولات جيدة لبناء نماذج محلية، وتعزيز البنى التحتية وتنويع مصادر الحوسبة السحابية، لكن هذا لا يكفي بطبيعة الحال، وربما يفتقد لجانبين مهمين:

  • الخطة الإستراتيجية التي توفر السياق المتكامل للجهود الحالية،
  • والإرادة السياسية اللازمة لتبني مشروعات وطنية طموحة ومستقلة.

إذا كانت دولة بقوة أميركا تخشى من تفوق الصين عليها في هذا التحدي الكبير، بل وتراه – حسب رؤية ترامب – صراعًا صفريًّا، فكيف يرضى العالم العربي أن يبقى مشاهدًا ومستهلكًا وآمنًا؟!

العالم العربي له موارد طبيعية ومالية هائلة، وله كوادر بشرية واعدة، فأكثر من نصف سكانه أعمارهم دون الثلاثين.

يصعب تصور حدوث طفرة في الموقف العربي بين عشية وضحاها، ولكن الخطر الداهم يوجب المبادرة وفق رؤية إستراتيجية تُحدِّد الأولويَّات، والغايات المنشودة على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ومن ثَمَّ ترسم السياسات وتحدد الأدوات والآليات والخطط التشغيلية.

إن التقاعس عن هذا التحدي أو الغفلة عنه بالكلية، والانشغال بخطط تطوير صغيرة الأهداف وصغيرة الطموحات وتعمل في حقول ومساحات بعيدة كل البعد عن الصراع الدولي الآخذ في التشكل، كل هذا ستكون عواقبه وخيمة، وربما أعجل مما يتصور كثيرون.

إن التحديات الكبيرة يمكن أن تحمل معها فرصًا كبيرة للنهوض.

السيناريوهات الثلاثة التي تَقدَّم ذكرها واردة ولا شك، لكنَّ هناك عاملًا آخر ربما يغير من طبيعة الصراع القادم، ألا وهو قوة ونفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة. كثير من هذا الشركات الغربية أصبحت ترى نفسها أقوى من حكومات بلادها، بما تملكه من:

  • بيانات هائلة غير متوفرة لكل أجهزة الاستخبارات مجتمعة،
  • قوة تأثير خوارزمية على تشكيل الرأي العام والثقافة العامة وأصوات الناخبين،
  • قدرات برمجية بالذكاء الاصطناعي للتحكم والسيطرة في الأدوات والأسلحة العسكرية والأمنية،
  • قدرات غير معلومة عن الحروب غير التقليدية، وبخاصة البيولوجية،
  • قوة تأثير على صانعي القرار من القادة المنتخبين وغيرهم، من خلال تبنيهم ماليًّا مبكرًا في مشوار حياتهم السياسية.

لقد كانت الصراعات والعلاقات الدولية دائمًا بين كيانات حاكمة (دول، إمبراطوريات، ممالك، …)، لكن الصراع العالمي حول الذكاء الاصطناعي فيه فاعل جديد، وهو هذه الشركات العملاقة العابرة للحدود، الباحثة عن مصالحها المالية والسلطوية في أي بقعة في العالم، بلا أي ولاء وطني أو قومي أو عرقي أو ديني، وإن تجملت ببعض من هذا أحيانًا.

هذا الفاعل الجديد المؤثر في المشهد الحالي، لا يُستبعد أن يصل إلى تفاهمات أو توازنات عالمية تقفز على المصالح القومية، بشكل أو بآخر.

على سبيل المثال، في تقريرها (من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية) كشفت فرانشيسكا ألبانيز، المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية حقائق مذهلة عن دور بعض شركات التكنولوجيا العملاقة الأمريكية والأوروبية في هذه المأساة، وفي حالات عديدة منها بعيدًا عن سياق السياسة الخارجية لبلدانها. إننا أمام فاعل مؤثر لا تحكمه نظريات الحكم المعتادة، ولا العلاقات الدولية التقليدية.

زر الذهاب إلى الأعلى