تسونامي من تقنيات الذكاء الاصطناعي في ساحات حروب المستقبل
عرض وتلخيص وقراءة نقدية لبحثين في الشئون العسكرية صدرا خلال ديسمبر 2025 عن مركزين إسرائيليين للدراسات الاستراتيجية

صدر عن المراكز البحثية والاستراتيجية الإسرائيلية بحثان في الشئون العسكرية خلال ديسمبر 2025.
البحث الأول بعنوان ” تسونامي من التقنيات الجديدة في ساحة المعركة: تحليل الثورة التكنولوجية في صناعة الأسلحة وأثرها على استراتيجيات الحرب “، عبارة عن دراسة وصفية لأبحاث وحوارات ورؤى دارت في مؤتمر المعهد الملكي للعلوم العسكرية (RUSI) السنوي، الذي عُقد في أكتوبر بلندن. الدراسة أعدها “رون ريس” خبير تطوير الوسائل القتالية في شركة رافائيل، ونشرها “مركز بيجين – السادات” في تل أبيب.
المؤتمر قدم صورة واضحة لثورة تكنولوجية بدلًا من تطور تدريجي. ووصف متحدثون بارزون هذه العملية بأنها تسونامي سيجتاح ساحة المعركة في السنوات القادمة بأسلحة ذكية ورخيصة، وتهديدات هائلة للبنى التحتية. ويشرح كيف أصبحت الحرب في أوكرانيا مصدرًا رئيسيًا للمعرفة اللازمة لحروب المستقبل. يرى البحث أن الاعتماد على الطائرات المسيّرة، مما سيُغيّر جذريًا هيكل الجيش البريطاني الحديث.
البحث يتناول تحوّلًا جذريًا في طبيعة الحرب لدى بريطانيا وأوروبا، حيث يجري الانتقال من جيوش تعتمد على منصات ثقيلة مأهولة إلى قوة قتالية رقمية تعتمد على البرمجيات، البنية الشبكية، والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، مع هدف أن تكون معظم المنصات غير مأهولة بحلول 2035.
جوهر الفكرة:
بريطانيا تتبنى رؤية استراتيجية جديدة (SDR) تقوم على مضاعفة ميزانية الدفاع تقريبًا وإعادة بناء الجيش حول أنظمة ذكاء اصطناعي وأتمتة وكثافة منصات غير مأهولة (جوية، برية، بحرية).
الهدف العددي: نحو 20٪ منصات مأهولة، و40٪ غير مأهولة، و40٪ منصات هجومية غير مأهولة، ما يعني أن أغلب القوة القتالية ستدار عن بعد أو بشكل ذاتي.
هذا التحول مدفوع بتهديد روسي متصاعد، ودروس الحرب في أوكرانيا، وتوقع مواجهة محتملة مع محور روسيا–الصين (ومعه إيران).
دور الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة
الذكاء الاصطناعي يتحول من أداة مساعدة إلى عنصر محوري في بناء القوة، من خلال:
معالجة سريعة لكم كبير من معلومات الاستطلاع.
دمج بيانات من حساسات متعددة في الزمن الحقيقي (فيديو مسيرات، اتصالات، حركة قوات، إشارات RF، بيانات أرض).
تصنيف الأهداف، غلق دوائر الاستهداف، مساعدة القائد في اتخاذ القرار، إدارة نيران معقدة، وملاحة دونGPS
النتيجة المتوقعة: زيادة كبيرة في القدرة على إحداث إصابات والنجاة، وتغيير هيكلي في تشكيل الوحدات، وسلسلة القيادة، وبرامج التدريب، وعقيدة القتال.
دروس الحرب في أوكرانيا:
الحرب في أوكرانيا تُستخدم كـ«مختبر» لتحديث رؤية الجيوش الأوروبية، مع تسليط الضوء على:
انتشار ذخائر رخيصة وذكية: مسيرات FPV انتحارية، مسيرات بحرية مثل Sea Baby، ومسيرات هجومية محمّلة بعبوات بتكلفة منخفضة وقوة تدميرية عالية.
أهمية دمج المعلومات متعددة المصادر لبناء صورة موقف تكتيكية عالية الدقة، تزيد سرعة رد الفعل وفعالية النيران.
روسيا تُوصف كخصم قادر على استنساخ التقنيات بسرعة: حرب إلكترونية، تشويش اتصالات و‑GPS، هجمات بأسراب مسيرات، واستخدام أولي للذكاء الاصطناعي في معالجة المعلومات، مع تأخر في التطوير لكنه تفوق نسبي في سرعة التطبيق العملياتي.
البرامج البريطانية الرئيسة
البحث يعرض مجموعة برامج/أنظمة تشكّل عماد القوة المستقبلية:
- Digital Targeting Web: شبكة استهداف رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لربط الحساسات ووسائط الاستطلاع بوسائط النيران، بهدف تقليص زمن الاستهداف من ساعات إلى دقائق، مع ميزانية تفوق مليار جنيه إسترليني وأفق تشغيل حتى 2027.
- Recce-Strike / ASGARD: منظومة لإغلاق دائرة الاستهداف بعيدة المدى استنادًا إلى ذكاء اصطناعي لتصنيف الأهداف، مستلهمة من التجربة الأوكرانية.
- SCEPTER: بنية ذكاء اصطناعي لقيادة وسيطرة (C2) في مجالات الرؤية الحاسوبية، معالجة الصور، دعم القرار، وربط الحساسات بمؤثرات النيران، مع اعتماد على شركات صغيرة ومتوسطة لتفادي احتكار الصناعات الكبرى.
- Loyal Wingman: مسير قتالي مرافق لمقاتلات مأهولة ضمن برنامج Tempest (مقاتلة الجيل السادس)، يقوم بمهام الهجوم، الحرب الإلكترونية، الاستطلاع، والتمويه.
- THESEUS: منظومة لوجستية ذاتية (مسيرات وUGV) لنقل الذخيرة والإمداد إلى الخطوط الأمامية، مع قدرة عمل دون GPS وتقليل تعرض الجنود للخطر.
- SPOT / V60: روبوتات رباعية الأرجل للمهام الحضرية الخطرة، الاستطلاع، وحمل الحساسات ووسائل الاتصال.
- PANORAMA: نظام ذكاء اصطناعي لإنتاج صورة موقف عملياتية للمستويات التكتيكية، يكتشف تحركات الدروع، يتابع الثغرات في الجبهة، ويقدم تنبؤات عملياتية لدعم القرار.
التحديات والعوائق
التحدي الرئيس ليس تقنيًا بل تنظيمي:
ما يسمى «وادي الموت» للابتكار العسكري، حيث تموت أفكار جيدة أو تتأخر لسنوات بسبب البيروقراطية، إجراءات التعاقد، والمحافظة المؤسسية لدى وزارة الدفاع وهيئات المشتريات والصناعات الكبرى.
صعوبة تحويل التكنولوجيا إلى منظومات مدمجة في القوة القائمة، وتردد المؤسسات في استبدال المنظومات القديمة.
محدودية مواءمة نماذج الذكاء الاصطناعي المدنية مع متطلبات ساحة المعركة:
الحاجة لقدرات ربط سياقي في الزمن الحقيقي، وشفافية في القرار (Explainability)، ومعضلة قلة البيانات القتالية وضرورة عمليات تحقق (Assurance) خاصة.
البعد القانوني والأخلاقي:
جدل بين من يريد الإبقاء على الإنسان في حلقة القرار النهائية وبين تحذيرات قانونية من أنظمة «خارج السيطرة البشرية»، مع مطالبة القانونيين بالمشاركة المبكرة في التطوير، بما قد يبطئ الابتكار.
الثغرات في التعلم والنتائج العامة
البحث يلفت إلى غياب شبه كامل لدروس الشرق الأوسط عن نقاشات المؤتمر، رغم أهميتها لأوروبا وبريطانيا فيما يخص: الصواريخ الدقيقة، الدفاع الجوي متعدد الطبقات، القتال ضد خصوم هجينيين، التعامل مع مئات الإطلاقات اليومية، واستخدام مكثف لمسيرات الهجوم والاعتراض.
الخلاصات الأساسية للمؤلف:
بريطانيا في خضم ثورة عسكرية حقيقية طويلة الأمد تقودها زيادة الإنفاق وموجة مشاريع كبرى في الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة.
نجاح التحول مشروط بتقليص البيروقراطية، فتح المجال لشركات صغيرة ومدنية، وتبني آليات ابتكار مرنة بدل النماذج البطيئة التقليدية.
روسيا والصين (ومعهما إيران) تعمل كعامل تسريع لسباق التسلح التكنولوجي، لكن بقاء فجوات في التعلم (خاصة من الشرق الأوسط) يترك ثغرات في رؤية مفهوم الحرب المستقبلية لدى بريطانيا وأوروبا.
تعقيب لمركز رؤيا
يرى الباحث أن بريطانيا تختلف عن بقية أوروبا في أنها تتعامل مع هذه الثورة العسكرية بوصفها مشروع إعادة بناء شامل للجيش، بينما تنظر معظم الجيوش الأوروبية إليها كتحديث جزئي أو بطيء للبنية القائمة.
مستوى الطموح وحجم التحول
بريطانيا تتجه إلى «جيش جديد» يقوم على أغلبيته من منصات غير مأهولة وشبكات رقمية وذكاء اصطناعي، مع هدف أن تصبح المنصات المأهولة أقلية عددية في القوة بحلول منتصف الثلاثينيات.
دول أوروبية أخرى – بحسب عرض المؤتمر – تركز أكثر على تحسين المنصات التقليدية وزيادة بعض القدرات الرقمية، لا على إعادة تصميم جوهر بنية القوة والقيادة والسيطرة.
الاستثمار والسرعة
بريطانيا أعلنت عن مضاعفة تقريبية في ميزانية الدفاع وتخصيص مبالغ كبيرة لمشاريع ذكاء اصطناعي، استهداف رقمي، أنظمة غير مأهولة، وروبوتات ميدانية (مثل Digital Targeting Web, SCEPTER, Loyal Wingman, THESEUS…).
كثير من الدول الأوروبية ما زال أسيرًا لقيود إنفاق وضغوط سياسية داخلية تجعل وتيرة التحول أبطأ وأقل جذرية، رغم إدراكها لتهديد روسيا.
تصور ساحة المعركة المستقبلية
في الرؤية البريطانية المعروضة، ساحة المعركة المستقبلية شبكة كثيفة من حساسات ومنصات غير مأهولة تعمل مع أنظمة ذكاء اصطناعي تغلق دوائر الاستهداف بسرعة عالية، مع تقليص دور الجندي في الخطوط الأمامية وتقليل الاعتماد على GPS.
العديد من الجيوش الأوروبية ما زالت ترى المستقبل امتدادًا محسّنًا لنموذج المنصات الثقيلة المأهولة (دبابات، مدفعية، طائرات مأهولة) مع إضافة مسيرات وقدرات رقمية، وليس قطيعة بنيوية مع النموذج القديم.
نموذج الابتكار والمؤسسات
بريطانيا تحاول – نظريًا على الأقل – فتح المجال أمام شركات صغيرة ومتوسطة وتبنّي أسلوب ابتكار أسرع، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية مخصّصة بدل الاكتفاء بتكييف التقانات المدنية.
في أوروبا القارية، يظل وزن مجمّعات الصناعات الدفاعية التقليدية والبيروقراطية أعلى، ما يعزز الميل إلى مشروعات تحديث تدريجية بدل ثورات تنظيمية وتكنولوجية واسعة.
البحث الثاني في الشؤون العسكرية، بعنوان “الحسم والنصر: دراسة أدوات إدارة النزاعات على المستويات التكتيكية والاستراتيجية والأمن القومي” ، لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن “JISS”، من إعداد الباحثين العقيد احتياط البروفيسور “جابي سيبوني” والعميد احتياط “إرز فينر”.
هذا البحث يناقش الفرق بين المصطلحين (الحسم والنصر)، وأن هذا ليس مسألة فنية بحتة، بل هو أساس للعقيدة العسكرية التي تؤثر على التخطيط العملياتي، وتدريب القوات، وصنع القرار السياسي، والوعي العام.
البحث يميز بين مفهومين مترابطين لكن مختلفين: الحسم وهو تحقيق تفوق عسكري يقيّد قدرة العدو على القتال في مستوى تكتيكي أو عملياتي، أما النصر فهو تحقيق أهداف سياسية–استراتيجية طويلة الأمد تُحسّن وضع الأمن القومي.

معنى الحسم (הכרעה)
الحسم هو كسر قدرة العدو على العمل بفعالية ضدّنا، أي تحييد قوته المنظمة (وحدات الجيش) وغير المنظمة (المقاومة، الإرهاب، إلخ) بحيث يفقد القدرة أو الإرادة على القتال في ساحة معيّنة.
يُستخدم مفهوم الحسم في مستويين:
المستوى التكتيكي: حسم معركة محددة في زمان ومكان محدودَين بتدمير قوة العدو أو دفعه للاستسلام أو الهرب.
المستوى العملياتي/الاستراتيجي العسكري (المستوى الميداني الواسع): تحقيق أهداف ميدانية كبرى (إضعاف كبير للبنية العسكرية، فرض تهدئة لزمن معيّن)، لكنه حسم مؤقت يعتمد على الزمن والسياق، وقد يتراجع إذا استعاد العدو بناء قوته.
معنى النصر (ניצחון)
النصر مرتبط بمستوى الأمن القومي و«الإستراتيجية الكبرى»، ويُعرَّف بأنه قبول العدو بشروط التسوية ووقف النار التي تفرضها إسرائيل، نتيجة قناعته بأن استمرار القتال لن يحقق أهدافه وسيُهدد بقاءه السياسي والذاتي.
النصر ليس عسكريًا فقط؛ بل هو حصيلة دمج:
حسم عسكري أولي.
تغيير في وعي العدو والرأي العام المحلي والدولي.
تسوية سياسية (اتفاق سلام، قرار مجلس أمن، ترتيبات أمنية).
تحسن استراتيجي ملموس (إزالة تهديد، تغيير نظام، توسيع حدود، إلخ).
العلاقة بين الحسم والنصر
الحسم العسكري شرط ضروري لكنه غير كافٍ للنصر؛ يمكن تحقيق حسم تكتيكي أو عملياتي كبير من دون ترجمة ذلك إلى مكسب سياسي دائم، كما في أمثلة حرب الأيام الستة أو حرب فيتنام (هزيمة تَت عسكريًا مقابل خسارة سياسية لاحقة).
النصر يعني تحويل الحسم العسكري إلى واقع سياسي مستقر طويل الأمد، عبر استثمار القوة العسكرية مع أدوات دبلوماسية وإعلامية واقتصادية، بحيث يتحقق «هدوء طويل» وتحسن دائم في ميزان الأمن القومي، وليس مجرد توقف مؤقت للقتال.
يميّز بشكل منهجي بين الـ«حسم» العسكري (הכרעה) وبين الـ«نصر» السياسي‑الاستراتيجي (ניצחון)، ويزعم أنّ فهم الفرق بينهما شرط لبناء إستراتيجية إسرائيلية ناجحة بعد حرب 7 أكتوبر وما تلاها حتى وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
أمثلة تاريخية لتوضيح الفرق
حرب 1967: تحققت فيها حسم تكتيكي وعملياتي سريع (تدمير معظم سلاح الجو العربي واحتلال سيناء والجولان والضفة)، لكن لم يتحقق نصر إستراتيجي كامل، بدليل حرب الاستنزاف ثم حرب 1973.
هجوم «تِت» في فييتنام: أمريكا حققت حسمًا عسكريًا بقتل عشرات آلاف مقاتلي الفيتكونغ، لكن الصور الإعلامية قلبت الرأي العام الأميركي وأدت في النهاية لهزيمة سياسية؛ أي حسم بلا نصر.
حرب أكتوبر 1973: إسرائيل حققت حسمًا عسكريًا في الجبهتين، لكن النصر السياسي الحقيقي لم يأتِ إلا مع اتفاقيات كامب ديفيد التي أزالت التهديد المصري الطويل الأمد.
تطبيق على حرب غزة
في غزة: يذكر البحث اغتيال يحيى السنوار، وتدمير جزء كبير من بنية حماس التحتية وقيادتها، والسيطرة على محور فيلادلفيا؛ ويعتبر هذه حسمًا عملياتيًا يقيّد قدرات حماس، لكنه غير كامل لغياب احتلال كامل للقطاع وفرض إدارة عسكرية إسرائيلية.
يربط الكاتبان بين الضغط العسكري المتواصل والدعم السياسي الأميركي بقيادة ترامب والوساطة الدولية، وبين قبول حماس بوقف إطلاق نار يشمل إعادة معظم الأسرى واستمرار وجود الجيش داخل القطاع، ويريان أن استكمال تفكيك حماس وسلخ الحكم عنها هو ما يحوّل هذا الحسم إلى نصر.
في لبنان: يُقال إن حزب الله حُسم تكتيكيًا وعملياتيًا بشكل مؤقت دفعه لقبول وقف إطلاق النار، لكن محاولته إعادة بناء قوته تجعل «الحسم» مرتبطًا بالزمن، والنصر يُشترط بنزع سلاحه بضغوط دولية أو إسرائيلية.
في إيران: الضربات المتتالية خلال «حرب الـ 12 يومًا» أدت – وفق البحث – إلى تراجع إرادة القتال الإيرانية وقبول وقف النار، لكن استمرار بناء القوة الإيرانية يعيد التذكير بأن الحسم مؤقت، وقد يلزم قتال جديد إذا عاد التهديد.
الخلاصة الفكرية للبحث
الحسم العسكري ضروري لكنه مؤقت ومشروط بسياق وزمن، ويناسب الحديث عن المستويات التكتيكية والعملياتية أكثر من مستوى الأمن القومي.
النصر هو هدف الأمن القومي، ويتم عبر مزج القوة العسكرية مع الجهد السياسي‑الدبلوماسي والحملة على الوعي، بما يضمن تحسنًا طويل الأمد في ميزان الأمن لصالح إسرائيل.
يشدد الكاتبان أن تحديث «نظرية الأمن القومي» الإسرائيلية يجب أن يدمج بوضوح بين حسم عسكري ونصر سياسي، وأن يشرح للجمهور ما المطلوب في كل جولة قتال وما حدود الحسم وما معنى النصر.
تعقيب لمركز رؤيا
الورقة البحثية نفسها حذرة جدًا في كلامها عن «الحسم» و«النصر» في غزة، وهذا الحذر يعكس مأزقًا حقيقيًا في الواقع الإسرائيلي: يمكن الادعاء بوجود إنجازات عسكرية مهمة، لكن تحويلها إلى نصر سياسي‑استراتيجي واضح ما زال موضع خلاف كبير داخل إسرائيل، خصوصًا مع الكلفة السياسية والاقتصادية الهائلة وعزلة إسرائيل المتزايدة.
لماذا وصف الكاتبان الحسم بأنه «غير كامل»؟
الكاتبان يعرّفان الحسم بأنه كسر القدرة العملياتية للعدو في زمان ومكان محددين، ويقرّان أن ما جرى في غزة لم يصل إلى «تدمير» لحماس ولا إلى سيطرة كاملة ومستقرة على القطاع، لذلك يسمّيانه حسمًا عملياتيًا جزئيًا أو «غير كامل».
هذا التوصيف في ذاته اعتراف ضمني بأن قدرة حماس على إعادة بناء قوتها وشنّ عمليات ما زالت قائمة، وأن جزءًا من تهديدها الصاروخي والتنظيمي لم يُستأصل جذريًا، بخلاف ما يُفترض في أي «حسم كامل».
موقفهما الضمني من «النصر» في غزة
الكاتبان يشترطان للنصر أن ينتج عن الحسم العسكري تغيير سياسي‑استراتيجي طويل الأمد: قبول العدو بقواعد لعبة جديدة، وإزالة تهديد جوهري، وتحسن بيئة إسرائيل الأمنية، ثم يتركان تقييم ما إذا كان ذلك تحقق في غزة مفتوحًا مبهما.
هذا الغموض ليس صدفة؛ فحتى في كتابات أخرى لـ«سيبوني» عن حرب غزة، يُقدَّم المسار على أنه «قابل للتحقق إذا اتُّبعت إستراتيجية متسقة»، لا كأن النصر تحقق فعلاً، أي إن الخطاب أقرب إلى تبرير إمكان النصر لاحقًا، لا الادعاء بوجود نصر مكتمل الآن.
الكلفة السياسية والإستراتيجية للحرب
دراسات متعددة تقدّر كلفة الحرب الاقتصادية المباشرة بعشرات مليارات الدولارات (نحو 250–275 مليار شيكل حتى نهاية 2024، أي ما يقرب من 7–8٪ من الناتج السنوي)، مع توقع رفع كبير طويل الأمد في ميزانية الدفاع على حساب قطاعات مدنية.
تقارير بحثية تشير إلى أن إسرائيل تواجه بعد الحرب أعباء إستراتيجية: استنزاف الجيش في جبهة مفتوحة وطويلة داخل غزة، وتآكل مكانتها الدولية، وتزايد الاتهامات بجرائم حرب وإبادة، بما يضعها أمام عزلة متصاعدة ومخاطر على علاقاتها مع شركائها الغربيين والإقليميين.
هل يمكن تسمية ذلك «نصرًا»؟
وفق تعريف الكاتبين أنفسهما، النصر يفترض تحسنًا واضحًا ومستقرًا في الوضع الإستراتيجي لإسرائيل، بينما الواقع يشير إلى مزيج من مكاسب تكتيكية‑عملياتية مقابل أثمان سياسية‑إستراتيجية وأخلاقية باهظة، تجعل الحديث عن «نصر» بالمعنى النظري الذي يضعانه محل طعن قوي، أو نفي واقعي لنصر موهوم.
لذلك يمكن قراءة الورقة على أنها محاولة لصياغة إطار مفاهيمي يسمح للنخبة الإسرائيلية بالقول: «حققنا حسمًا جزئيًا ونطمح إلى نصر»، أكثر من كونها إثباتًا لوجود نصر حقيقي؛ ومع حجم الدمار في غزة، والتكاليف الداخلية والخارجية على إسرائيل، يصبح ما جرى بعيدا كل البعد عن معنى النصر، حتى بمعايير الكاتبين، وهو ما ينسجم مع كثير من التقييمات الإستراتيجية المعاصرة للحرب.






