إصداراتالولايات المتحدة إلى أينحدث ورؤياملفات

هل تستعد كندا لغزو أمريكي محتمل؟

تحدث قادة أوروبيون بعصبية وغضب حول خطط ترامب لاحتلال جزيرة جرينلاند الغنية بمواردها الطبيعية، وتسابقوا في المنتدى العالمي بدافوس لوصف الولايات المتحدة بأوصاف أقرب لعدو من حليف. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، للمندوبين خلال كلمتها: “عندما بدأتُ التحضير لخطابي لهذا العام، لم يكن الأمن في أقصى الشمال هو الموضوع الرئيس”. لكنها أضافت أن أساليب الضغط التي يتبعها ترامب تُذكِّرنا بضرورة “تسريع أوروبا لجهودها نحو الاستقلال، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الدفاع إلى الديمقراطية… المهم هو أن العالم قد تغيَّر بشكل دائم، وعلينا أن نتغيّر معه”

وقد زاد من قتامة المشهد، نشرُ ترامب على منصته لصورة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لقادة أوروبيين، بمن فيهم معظم قادة مجموعة الدول السبع الكبرى، مُلتفين حوله في المكتب البيضاوي، يُحدِّقون في ملصق لخريطة تُظهر أراضي جرينلاند وفنزويلا وكندا كجزء من الولايات المتحدة!

بعدها توجه ترامب إلى المنتدى وألقى خطبة أزال بها كل لبس محتمل حول نواياه التسلطية التوسعية، وضرب معولًا آخر في دفن النظام العالمي الذي كان. الغرب بات مقتنعًا بأن تملق ترامب، والحرص على عدم إثارة غضبه لا يُجدي نفعًا، بل يزيد من تماديه وأطماعه.

ملخص كلام ترامب في دافوس:

  • تعهد بعدم استخدام القوة لضم جرينلاند، بعد أن أكد مرات عديدة قبل ذلك بأنه سيحصل على جرينلاند بشكل أو بآخر، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية.
  • ألغى التعرفات الجمركية التي هدد بتطبيقها ضد ثمان دول أوروبية “معترضة” على بيع جرينلاند لأمريكا.
  • أكد تصميمه على ضم جرينلاند لحماية الأمن القومي الأمريكي من التمدد الصيني والروسي.
  • كال الإهانات لأوروبا الجاحدة لحماية أمريكا لها في الحرب العالمية الثانية، واستهان بقوتها الذاتية لحماية بلادها.
  • أعلن عن اتفاق إطاري (غامض) مع الأمين العام للناتو حول قضية جرينلاند.

ما يبدو للوهلة الأولى أن ترامب تراجع، وإن استمر في أسلوبه وغطرسته.

لقد ألقت الضجة غير المتوقعة حول جزيرة القطب الشمالي، التي أثارها ترامب، بظلالها على فعاليات دافوس، وعززت الشعور بنقطة تحوُّل ناشئة في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا. زعماء أوروبا في ورطة حقيقية، وينطبق عليهم وصف حاكم كاليفورنيا جافن نيوسوم في نفس المنتدى أنهم “كلهم مثيرون للشفقة، وهم ماضون في تملق ترامب وعدم مواجهته!”.

ربما ترى أوروبا للمرة الأولى أن وقوفها بقوة وتلويحها بإجراءات اقتصادية موجعة، قد أدى لتراجع ترامب عمليًّا. لكن يبدو أن كندا بدأت تأخذ مسارًا واقعيًّا مختلفًا، وتفكر في خطوات عملية أبعد كثيرًا مما يظهر على سطح المشهد السياسي.

فبحسب مسؤولَين كنديين رفيعي المستوى تحدثا لصحيفة “ذا جلوب آند ميل” أثناء انعقاد منتدى دافوس، وأشارا إلى أن القوات المسلحة الكندية تتوقع استخدام تكتيكات التمرد المشابهة لتلك التي استخدمها المجاهدون الأفغان، وأنه وللمرة الأولى منذ أكثر من مائة عام، يُجري الجيش الكندي محاكاةً لردِّه على غزو أمريكي مُحتمل، في ظلِّ تصاعد التوترات بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحلفاء الناتو، وفقًا لهذين المسئولين.

يُبيِّن النموذج إستراتيجية القوات المسلحة الكندية متعددة المحاور لمواجهة أي توغل عسكري أمريكي مُحتمل. ويتضمن خططًا لاستخدام تكتيكات غير متكافئة، وحرب الطائرات المُسيَّرة، وطلبات دعم أوروبي.

يُعدُّ النموذج نظريًّا واحترازيًّا بحتًا، حيث يُشدِّد المسؤولون على أن الغزو الأمريكي مُستبعد الحدوث. ومع ذلك، يُوضِّح مدى تدهور العلاقات بين البلدين – الحليفين التاريخيين والشريكين التجاريين المهمين – خلال العام الماضي. وفي هذا السياق، أظهر استطلاع رأي أُجري هذا الصيف أن معظم الكنديين ينظرون الآن إلى الولايات المتحدة على أنها أكبر تهديد لبلادهم.

منذ توليه منصبه منذ عام، أعرب ترامب مرارًا وتكرارًا عن رغبته في ضمِّ كندا، التي وصفها في مناسبات عديدة بأنها “الولاية الحادية والخمسون!”. وفي الأسابيع الأخيرة، أفادت التقارير أنه وجَّه اهتمامه مجددًا إلى كندا، مركِّزًا على “هشاشة” البلاد أمام الخصوم الأجانب في مناطقها القطبية.

أثارت تحركات ترامب قلق شركاء الناتو، بما في ذلك فرنسا وألمانيا، ودفعتهم إلى نشر قوات في جرينلاند. ويدرس المسؤولون الكنديون أيضًا إرسال قوات إلى الجزيرة القطبية.

وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس: “فيما يتعلَّق بالسيادة القطبية، نقف بحزم مع جرينلاند والدنمارك، وندعم بشكل كامل حقَّهما الفريد في تقرير مستقبل جرينلاند”.

وفي نفس الوقت، تعهد بتعزيز العلاقات مع الصين وصياغة “نظام عالمي جديد”، مما يؤكد التراجع الواضح لنظام التحالفات الذي تقوده الولايات المتحدة.

يتوقع النموذج العسكري الكندي أن يبدأ الغزو الأمريكي من الجنوب، حيث يتحرك الأمريكيون بسرعة خاطفة للاستيلاء على مواقع إستراتيجية. ذكرت صحيفة جلوب آند ميل أن القوات الكندية لا تملك ما يكفي من الجنود أو المعدات لصدِّ هجوم تقليدي، لذا ستعتمد على “الحرب غير التقليدية”، والتي تشمل التخريب والكمائن وحرب الطائرات المسيَّرة. وقال مسؤول: إن النموذج مستوحى من حركة المجاهدين الأفغان الذين حاربوا الروس في الحرب السوفيتية الأفغانية، ثم الأمريكان باستخدام تكتيكات الكرِّ والفرِّ. وأضاف المسؤول: “الهدف من هذه التكتيكات هو إلحاق خسائر فادحة بقوات الاحتلال الأمريكية”.

في حال شنَّت الولايات المتحدة هجومًا، فمن المرجح أن تطلب الحكومة الكندية المساعدة من قوى نووية أخرى، بما فيها فرنسا والمملكة المتحدة.

وقال اللواء المتقاعد ديفيد فريزر، الذي قاد القوات الكندية في أفغانستان: “إذا هاجمت كندا، فسيلحق بك العالم أجمع، بل وأكثر مما لحق بك في جرينلاند. يهتم الناس بما يحدث لكندا، على عكس فنزويلا. قد نرى سفنًا ألمانية وطائرات بريطانية في كندا لتعزيز سيادة البلاد”.

ومع ذلك، صرَّح مسؤول بأن العلاقات بين القوات العسكرية الكندية والأمريكية لا تزال إيجابية. وقد تعاون البلدان هذا الأسبوع في مناورة مشتركة لقيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية (نوراد) في جرينلاند.

وصرح الفريق المتقاعد مايك داي، الذي قاد قيادة القوات الخاصة الكندية، لنفس الصحيفة “ذا جلوب آند ميل” بأن الاعتقاد بأن الأمريكيين سيشنون غزوًا على كندا “وهمي”، وأن المسؤولين والخبراء يؤكدون أن عملية أمريكية غير مرجحة، وأن هذه السيناريوهات مجرد تصوُّرات نظرية.

تعقيب لمركز رؤيا:

  1. ترامب يسابق الزمن للتخلص من النظام العالمي القائم ودفنه، ومن غير الواضح ما البديل الذي يخطط له (أنظمة إقليمية تسمح لأمريكا بالسيطرة على نصف العالم الغربي، أو أنظمة دولية “قطاع خاص” مثل مجلس السلام المزعوم، وحتى منبر دافوس بديلًا عن الأمم المتحدة التي من المفترض أن تناقش مثل هذه النزاعات الدولية: غزة، فنزويلا، جرينلاند …).
  2. التحالف عبر الأطلسي يتهاوى، وأوروبا تسابق الزمن لحماية أمنها.
  3. مسألة تغيير اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب ليست شكلية فقط، وإنما محملة بحمولة أيديولوجية، عبر عنها وزير الحرب هيجسيث حرفيًا منذ سنوات، بأنه “حتى تعود أمريكا عظيمة مرة أخرى، فلابد من حملة صليبية أمريكية جديدة”
  4. التقارير الصحفية -التي تستشهد بمسؤولين غير مُسمَّين- غالبًا ما تنقل سيناريوهات تخطيطية نظرية تُجرى في أروقة التخطيط العسكري والأمني. الجيوش المهنية تدرس عادةً مجموعة واسعة من الاحتمالات – حتى غير المرجحة – كجزء من استعدادها.
  5. السياق الكندي: كندا دولة مستقرة مؤسساتيًّا، واحتمالية حدوث تمرد مسلح واسع النطاق على النمط الأفغاني فيها ضعيف جدًّا بسبب ظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة جذريًّا عن أفغانستان.
  6. من الطبيعي أن تقوم القوات المسلحة في أي دولة – بما فيها كندا – بدراسة سيناريوهات مختلفة، بما في ذلك أسوأ السيناريوهات، كجزء من واجبها في التأهب لحماية الأمن الوطني. هذا لا يعني أن هذه السيناريوهات مرجحة الحدوث، بل هو جزء من التخطيط العسكري الروتيني الشامل.
  7. بالنظر للجانب العملياتي، فإن المسؤولين أنفسهم أكدوا أن عملية عسكرية أمريكية (يفترض في السياق لمواجهة مثل هذا السيناريو) غير مرجحة، مما يدعم فكرة أن هذه مجرد تمارين تخطيطية نظرية.

الخلاصة: حول التقرير الكندي

من المرجح أن هذه التقارير تعكس تمارين تخطيطية أكاديمية داخل المؤسسة العسكرية. إن تسريبات انتقائية كهذه قد يكون لها أهداف تبعث رسائل سياسية أو مؤسسية داخلية، ويبقى أي إعداد روتيني لسيناريوهات متطرفة جزءًا من ثقافة التخطيط الإستراتيجي، حتى مع استقرار الدولة ومتانة مؤسساتها.

وإذا كان بلد غني ومستقر مثل كندا يأخذ باعتبار وحذر التغيرات الدولية العاصفة، فكيف ببلاد هشة سياسيًّا، وضعيفة بنيويًّا تتجاهل الأخطار المحدقة بها. بلادنا العربية تقترب من لحظة مواجهة الحقائق على الأرض!

زر الذهاب إلى الأعلى