إسرائيل من الداخلإصداراتتقدير موقفملفات

تقدير مراكز البحث الإسرائيلية لقوة إيران خلال الحرب معها

يعرض هذا التقرير قراءة تحليلية موسّعة لعدد من الدراسات والتقارير الصادرة عن مراكز بحثية ووسائل إعلام إسرائيلية تناولت تقدير قوة إيران في سياق الحرب الدائرة معها، سواء بصورة مباشرة أو عبر أذرعها الإقليمية.

ويهدف التقرير إلى تقديم عرض لأبرز ما ورد في هذه المواد من تقديرات تتعلق بطبيعة الاستراتيجية الإيرانية، وبالقدرات العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وبالتهديدات السيبرانية والبحرية، إضافة إلى تقييم الأداء الإسرائيلي في مواجهتها.

تُظهر هذه الدراسات أن التقدير الإسرائيلي لقوة إيران لم يعد يقتصر على البعد النووي، بل بات ينظر إلى إيران بوصفها خصماً استراتيجياً متعدّد الأبعاد، يمتلك أدوات ضغط متنوعة قادرة على التأثير في موازين الردع الإقليمية، وفي استقرار الاقتصاد العالمي، وفي الجبهة الداخلية الإسرائيلية على حد سواء.

كما تكشف هذه القراءات عن إدراك متزايد بأن طهران بنت على مدى سنوات منظومة ردع متراكمة، قوامها الصواريخ الدقيقة، والتموضع الإقليمي، والحرب غير المتكافئة، والتهديدات البحرية، والاختراقات السيبرانية، فضلاً عن التقدم المستمر في البرنامج النووي.

المصدر: تحليل للجنرال “أوري هالبيرين” – صحيفة “معاريف”

يرى الجنرال أوري هالبيرين، كما أوردته صحيفة “معاريف”، أن الحرب مع إيران وحزب الله تمثل تحولاً نوعياً مقارنة بالجولات السابقة التي اعتادت إسرائيل خوضها في الإقليم. ويشير الكاتب إلى أن الأسابيع الأولى من المواجهة أظهرت أن ما يجري ليس عملية عسكرية قصيرة الأمد، بل صراع مختلف في طبيعته وأدواته، الأمر الذي فرض على المخططين العسكريين في تل أبيب وواشنطن إعادة النظر في تعريف أهداف الحرب، ومدى قابلية تحقيقها في ظل المعطيات الميدانية الجديدة.

ويلفت التحليل إلى أن التخطيط الأولي شابه قدر من الاستخفاف بالخصم، سواء من حيث تقدير مستوى استعداده أو فهم منطقه الاستراتيجي.
فإيران، وفق القراءة المعروضة، لا تخوض المواجهة بمنطق تحقيق نصر عسكري تقليدي قائم على تحطيم قدرات الخصم دفعة واحدة، بل بمنطق مختلف يقوم على منع الخصم من تحقيق نصر حاسم.

وفي هذا السياق، يورد الكاتب نصاً صريحاً يعبّر عن جوهر هذه الرؤية، إذ يقول:

” كل الدراسات التي حللت الأهداف الاستراتيجية الشاملة لإيران، وخلصت إلى أنها كانت تستعد على مر السنين لحرب غير متكافئة لا تهدف لهزيمة الخصم، بل لمنعه من الفوز، لجعل أي صراع طويل الأمد، ومكلفا، ولا يمكن التنبؤ به، وبالتالي ضمان بقاء النظام، وحريته الاستراتيجية في العمل”.

ويكشف هذا النص بوضوح أن التقدير الإسرائيلي يتعامل مع الاستراتيجية الإيرانية بوصفها استراتيجية بقاء قبل أن تكون استراتيجية توسع أو حسم، فإطالة أمد الصراع، ورفع كلفته، وتعقيد مساراته، ليست نتائج جانبية للحرب، بل هي أهداف مقصودة ضمن تصور استراتيجي متكامل.

كما يشير التحليل إلى أن هذا النمط من التفكير ينسجم مع بنية النظام الإيراني ذاته، الذي راكم خبرة طويلة في إدارة الأزمات تحت الضغط والعقوبات، وطور أدوات تسمح له بامتصاص الضربات والاستمرار في العمل.
ومن هنا، فإن أي مواجهة مع إيران لا تُقاس فقط بحجم الخسائر العسكرية المباشرة، بل بقدرة كل طرف على الصمود.

ويخلص الكاتب إلى أن أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية – كما تراها القراءة الإسرائيلية – يتمثل في قدرتها على تحويل الحرب من معركة سريعة قابلة للحسم إلى مسار استنزاف طويل، يجعل تحقيق الأهداف الإسرائيلية الكاملة أمراً شديد التعقيد، ويمنح طهران في المقابل هامش حركة استراتيجي أوسع.

 ويبرز تحليل الجنرال أوري هالبيرين، كما أوردته صحيفة “معاريف”، البعد البحري في القوة الإيرانية بوصفه أحد أهم عناصر الردع الاستراتيجي التي بنتها طهران خلال السنوات الماضية.

فإيران، وفق هذا التقدير، لا تعتمد على أسطول تقليدي كبير لمواجهة القوى البحرية الغربية، بل طورت نموذجاً غير متكافئ يمنحها قدرة فعالة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز.

ويؤكد تكمن قوة هذا النموذج في الجمع بين عدة أدوات: منظومات صاروخية ساحلية بعيدة ومتوسطة المدى، زوارق سريعة مسلحة، ألغام بحرية، وطائرات مسيّرة قادرة على الاستطلاع والاستهداف.

هذه المنظومة المتكاملة لا تهدف إلى السيطرة التقليدية على البحر، بل إلى جعل حرية الملاحة مكلفة وخطِرة في حال اندلاع مواجهة واسعة.

ويشير التحليل إلى أن إدراك الإيرانيين لقدرتهم على إغلاق المضيق – أو تعطيله جزئياً – حتى في حال تعرضهم لضربات مكثفة، يستند إلى طبيعة الجغرافيا نفسها، فالمضيق ضيق نسبياً، وسواحله الإيرانية الممتدة تمنح طهران عمقاً دفاعياً يسمح بنشر بطاريات صاروخية يصعب تحييدها بالكامل عبر الضربات الجوية وحدها.

وتنعكس أهمية هذه القدرة في تأثيرها العالمي، إذ يمر عبر المضيق جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، وبالتالي فإن أي تهديد لحركة الملاحة يترتب عليه ارتفاع فوري في أسعار الطاقة واضطراب في الأسواق، ومن المنظور الإسرائيلي، يعني ذلك أن إيران تمتلك أداة ضغط لا تستهدف إسرائيل مباشرة فقط، بل تؤثر أيضاً في حسابات حلفائها الغربيين، وتجعل قرار التصعيد محفوفاً بتداعيات اقتصادية عالية.

كما يُفهم من التحليل أن تحييد هذه القدرة الإيرانية قد يتطلب عمليات معقدة، وربما برية، للسيطرة على مناطق استراتيجية مطلة على الخليج، وهو ما يرفع سقف المخاطرة العسكرية ويطيل أمد الصراع، بما يتسق مع الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الاستنزاف ومنع الحسم السريع.

بناءً عليه، فالقراءة الإسرائيلية تُظهر أن القوة البحرية الإيرانية، رغم عدم تكافؤها تقليدياً مع الأساطيل الكبرى، تشكل ركيزة ردع فعالة بفضل توظيفها الذكي للجغرافيا والأدوات غير المتكافئة، وتحويل مضيق هرمز إلى ورقة استراتيجية ذات تأثير كبير.

المصدر: تصريحات “يوسي كارادي” – القناة “آي 24”

تكشف تصريحات رئيس الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الإسرائيلي، يوسي كارادي، عن بعد متصاعد في تقدير قوة إيران، يتمثل في الفضاء السيبراني.
فقد أقرّ بأن نحو 50 مؤسسة وشركة إسرائيلية تعرضت لتدمير رقمي أدى إلى محو قواعد بياناتها بالكامل منذ بدء العملية العسكرية.

وتشير المعطيات التي نقلتها القناة إلى أن نحو 20 خلية هجومية مرتبطة بإيران وحزب الله تنفذ حملات يومية ضد أهداف إسرائيلية، مع تسجيل عشرات الهجمات خلال فترة قصيرة. وتستهدف هذه الهجمات شبكات الحاسوب والبنى التحتية الرقمية، بهدف التعطيل أو الإتلاف أو التشويش.

كما أن اعتراف المسؤول الإسرائيلي بوجود ثغرات، مثل ضعف كلمات المرور ومستويات الحماية، يعكس إدراكاً بأن ساحة المواجهة الرقمية قد كشفت نقاط ضعف مهمة، ومن منظور استراتيجي، يمنح هذا المجال إيران أداة منخفضة الكلفة نسبياً، وعالية الأثر، تتيح لها توسيع نطاق الصراع دون المخاطرة بمواجهة عسكرية مباشرة.

المصدر: تقرير موقع “واللاه”

يُبرز تقرير موقع “واللاه” أحد أهم عناصر القوة الإيرانية كما تراها الدوائر الإسرائيلية، والمتمثل في القدرات الصاروخية المتطورة التي طورتها طهران على مدى سنوات، سواء من حيث المدى أو الدقة أو طبيعة الرؤوس الحربية.
فقد أشار التقرير إلى إخفاق صواريخ اعتراضية إسرائيلية في اعتراض هجمات استهدفت مدينتي ديمونا وعراد، رغم تحديث منظومات الدفاع وتعزيز جاهزيتها.

وتكشف هذه المعطيات أن التحدي الذي تفرضه الصواريخ الإيرانية لا يرتبط فقط بالكثافة العددية، بل بالنوعية التقنية، فإيران، وفق القراءة الإسرائيلية، طورت رؤوساً حربية معقدة قادرة على إرباك أنظمة الرصد والاعتراض، سواء عبر المناورة في المرحلة النهائية من المسار، أو عبر تصميمات تقلل من فعالية أنظمة التتبع، أو عبر إطلاق متزامن يرهق المنظومات الدفاعية.

ويعني ذلك أن التفوق الإسرائيلي في مجال الدفاع الجوي، رغم تعدد طبقاته، لا يوفر حصانة مطلقة ضد إصابة العمق، بل إن مجرد نجاح عدد محدود من الصواريخ في اختراق المظلة الدفاعية يحقق لإيران هدفاً استراتيجياً يتمثل في إظهار القدرة على الوصول إلى أهداف حساسة داخل إسرائيل، بما في ذلك مناطق ذات أهمية استراتيجية أو رمزية.

كما أن تناثر الشظايا ووقوع إصابات في العمق الإسرائيلي، حتى لو كانت محدودة نسبياً، يحمل بعداً نفسياً يتجاوز الأثر المادي المباشر، نظراً لاعتماد إسرائيل على تماسك الجبهة الداخلية وثقة الجمهور بفاعلية أنظمة الحماية.

وتشير هذه القراءة إلى أن البرنامج الصاروخي الإيراني بات يشكل ركيزة أساسية في معادلة الردع، ليس فقط لقدرته التدميرية، بل لقدرته على تعقيد الحسابات العملياتية الإسرائيلية. فكل عملية عسكرية ضد إيران يجب أن تأخذ في الحسبان احتمال تعرض المراكز الحيوية والبنية التحتية لهجمات صاروخية دقيقة أو مكثفة، وهو ما يرفع كلفة القرار السياسي والعسكري.

المصدر:
ورقة بعنوان: هل يقترب التهديد الإيراني المتعدد الأبعاد من نقطة تحوّل؟” – شاي هار – تسفي، معهد السياسات والاستراتيجية – جامعة ريخمان. ([1])  


 
تقدم هذه الورقة قراءة استراتيجية شاملة للتهديد الإيراني، ويرى أن الهدف المركزي للنظام في طهران هو ضمان بقائه في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
ويشير إلى أن إيران تسعى إلى خلق بيئة إقليمية مضطربة، خصوصاً عبر استهداف بنى الطاقة في الخليج، بما يؤدي إلى رفع الأسعار وإحداث توترات في سوق الطاقة العالمية.

ويؤكد التحليل أن النظام، رغم الضربات التي تلقاها، ما زال يُظهر قدرة على ضبط الداخل عبر أجهزة أمنية فاعلة وقمع صارم لأي احتجاجات، وفي الوقت ذاته، يواصل توظيف أدوات الردع الخارجي، بما في ذلك إطلاق صواريخ بعيدة المدى، في رسائل محسوبة تعكس استعداداً للتصعيد.

ويحدد المقال عقبتين رئيسيتين في سياق المواجهة: الأولى تتعلق بإغلاق مضيق هرمز، بما يحمله من تداعيات عالمية؛ والثانية تتمثل في امتلاك إيران 440 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى يقربها من العتبة النووية.

ويخلص الكاتب إلى أنه في حال نجح النظام في الصمود، فمن المرجح أن يسعى إلى إعادة بناء قدراته بوتيرة أسرع، مع تركيز خاص على خيار السلاح النووي كضمانة ردع نهائية. ويعكس هذا التقدير خشية إسرائيلية من أن تؤدي الحرب، إذا لم تحقق أهدافها بشكل حاسم، إلى تسريع المسار النووي الإيراني بدلاً من إيقافه.

عند جمع هذه القراءات، تتضح صورة مركبة لقوة إيران في التقدير الإسرائيلي، فهي ليست قوة تقليدية قادرة على تحقيق انتصار عسكري شامل، لكنها تمتلك أدوات تجعل من الصعب إلحاق هزيمة حاسمة بها.
وتقوم هذه الصورة على عناصر مترابطة:

  1. القدرة على إطالة أمد الصراع عبر الحرب غير المتكافئة.
  2. القدرة على تهديد الاقتصاد العالمي من خلال مضيق هرمز وأسواق الطاقة.
  3. القدرة على إرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر الهجمات السيبرانية والصاروخية.
  4. القدرة على الاقتراب من العتبة النووية بما يعزز الردع الاستراتيجي.

وتشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن إسرائيل تنظر إلى إيران بوصفها خصماً يمتلك شبكة متكاملة من أدوات الضغط، كما تُظهر إدراكها بأن أي مواجهة شاملة قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تُحسم بسرعة، وهو أمر غير مضمون في ظل تعقيد البيئة العملياتية.

تُظهر الدراسات والتقارير الإسرائيلية محل العرض أن تقدير قوة إيران بات قائماً على الاعتراف بطبيعة التهديد المركّب الذي تمثله، فإيران، وفق هذه القراءات، نجحت في بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد، تشمل قدرات صاروخية متطورة، وأدوات ضغط بحرية، ونشاطاً سيبرانياً فعالاً، وتقدماً في البرنامج النووي، إضافة إلى استراتيجية تقوم على إطالة أمد الصراع ومنع الخصم من تحقيق نصر حاسم.

وفي الوقت ذاته، تكشف بعض المواد عن اعتراف بوجود فجوات في التخطيط أو في الجاهزية الدفاعية، سواء في المجال السيبراني أو في التصدي للرؤوس الحربية المعقدة.

وتشير المعطيات محل العرض إلى أن إيران حققت بعض المكاسب من أبرزها سرعة اختيار قيادة جديدة، وتعزيز موقعها التفاوضي عبر ورقة مضيق هرمز، والحفاظ على تماسكها الداخلي واستمرار فاعلية حلفائها، إضافة إلى فشل واشنطن في تشكيل تحالف دولي واسع ضدها، بما منحها هامش حركة أوسع في إدارة الصراع.

إن أحد الدروس المستفادة التي يمكن أن نرصدها في هذا السياق، في قدرة إيران على تطوير قاعدة تصنيع عسكري محلية، خصوصاً في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما أتاح لها الاستمرار في إطلاق النيران والحفاظ على وتيرة العمليات رغم الضغوط والعقوبات، ورغم مقتل عدد من قادة الصف الأول، وربما الثاني، فلم يؤدِّ ذلك إلى شلل في منظومة القرار أو العمليات، ما يشير إلى وجود بنية تنظيمية قادرة على امتصاص الصدمات واستبدال القيادات بسرعة.

وعليه، يمكن القول إن صورة إيران في تقدير المراكز الإسرائيلية هي صورة خصم صلب، قادر على الصمود والمناورة، وعلى تحويل أي مواجهة إلى استنزاف طويل ومكلف، وهي صورة ينبغي أن تدفع نحو إعادة التفكير في كيفية الاستفادة من نتائج هذه التجربة على مستوى العام العربي والإسلامي، فيما يتعلق ببناء عناصر القوة الذاتية وتعزيز القدرات في مواجهة التهديدات الخارجية.


([1])https://www.runi.ac.il/research-institutes/government/ips/activities/newsletter/insights/insights-22-3-26h

زر الذهاب إلى الأعلى