حياة الإيرانيين: حالة انتظار وعدم يقين

يعيش الشعب الإيراني حالة من الترقب والانتظار، حيث تتسم حياتهم اليومية بعدم اليقين في ظل التهديدات المستمرة بالحرب والضغوط الاقتصادية، وهو ما يصفه الدكتور فرهاد نوايي في مقاله بـ "تحول الحياة إلى حالة مؤقتة". تبدأ صباحاتهم بأخبار عن استعدادات عسكرية محتملة وهجمات على منشآت حيوية، وتتخللها تصريحات لمسؤولين إسرائيليين عن إعادة إيران إلى "العصر الحجري"، ثم تتبعها أخبار عن مفاوضات قد توقف الاشتباكات أو تغير قرارات واشنطن. هذا الجو المشحون لا يقتصر تأثيره على الخوف من الحرب أو صعوبة المعيشة، بل يمتد ليشمل إحساسًا بفقدان الحياة صلاحيتها الزمنية، حيث يصبح اتخاذ أي قرار، حتى البسيط منه، مرتبطًا بسؤال "هل من المعلوم ما سيحدث حتى ذلك الحين؟". هذا الإحساس بالتوقيت المؤقت يجعل البرامج والأفراح والعلاقات وحتى تصورات المستقبل معلقة، مما يدفع الأفراد إلى تأجيل القرارات المهمة كـ "الزواج بعد أن تتضح الأوضاع" أو "الاستثمار بعد أن يُعرف مصير السياسة"، ليتحول هذا "البَعد" إلى زمن بلا تاريخ محدد، وتصبح الحياة كغرفة انتظار لا يعلم فيها أحد متى سيصل القطار أو إن كان سيصل أصلًا. ورغم استمرار الناس في العمل واتخاذ القرارات اليومية، إلا أنهم لا يشعرون بالتقدم، وتضعف لديهم تجربة بناء المستقبل، وهو ما تؤكده الأبحاث النفسية التي تربط الأحداث الجماعية المولدة للتوتر، كالحرب والأزمات الاقتصادية، بإضعاف توجه الأفراد نحو المستقبل. كما أن القلق المزمن وصعوبة تحمل الغموض يؤديان إلى تراجع القدرة على الاستمتاع بالانفعالات الإيجابية، حيث يتلاشى الحد بين الاحتمال واليقين في التجربة اليومية، حتى لو لم يُتخذ أي قرار نهائي بهجوم جديد. ولا يمكن للحكومة أن تنسب هذا الإحساس بالتعلق إلى العدو الخارجي وحده، فالسياسات الداخلية غير المتوقعة والمعلومات العامة غير الكافية وغموض مسؤولية القرارات تقلل من قدرة الناس على التخطيط. ويختتم الكاتب مقاله بتحذير من أن الخطر الأكبر يكمن في أن يتحول الإحساس بالتوقيت المؤقت إلى أرسخ مشاعر الحياة، وأن يكتشف الإيرانيون يومًا أن ما ظنوه احتمالًا مؤقتًا كان عمرهم كله، وأنهم قضوا حياتهم في انتظار "بعد" لا موعد له، في مأساة مريرة لأمة ذات تاريخ عريق.
كيف يعيش الشعب الإيراني لأكثر من سبعة شهور حالة الحرب المفاجئة ومصرع معظم قيادات البلاد، ثم حالة هدنة، ثم حالة لا حرب ولا سلم؟ هل يعيش المواطن العادي بنفس حالة التحلي بالشجاعة ورباطة الجأش التي يحاول المسئولون الإيرانيون الظهور أو التظاهر بها؟ وإلى أين قد يؤدي التململ الشعبي في تغيير مسار الحالة الراهنة؟
نعرض أولا مقال رأي للدكتور فرهاد نوايي كتبه في 14 أكتوبر 2026 (۲۲ مهر ۱۴۰۵)، في جريدة “شرق” المحسوبة على التيار الإصلاحي، ثم نناقش دلالاته.
النص المترجم
كتب فرهاد نوايي[1] تحت عنوان “تَحوُّل الحياة إلى حالة مؤقتة: الإيرانيون يعيشون في الانتظار” (موقتیشدن زندگی و زیستن ایرانیان در انتظار)[2]:
“تبدأ صباحك بخبر عن استعداد الجيش الأمريكي لهجمات جديدة على إيران؛ وبعد ساعات يضع أمامك عنوانٌ آخر احتمالَ استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية. ويتحدث مسؤول إسرائيلي عن إعادة إيران إلى «العصر الحجري»، ثم يشير الخبر التالي عن المفاوضات إلى احتمال توقف الاشتباك أو تغيّر قرار واشنطن.
وقبل أن تجد بعدُ فرصة لفهم معنى هذه الأخبار حتى ترسم أسعار الصرف وأسعار السلع الضرورية وقيود التجارة والقلق على مستقبل الدخل صورةً أخرى للغد. وفي مثل هذا الجو لا تقتصر المسألة على الخوف من الحرب أو صعوبة المعيشة؛ فكأن الحياة نفسها تفقد صلاحيتها الزمنية. لا أحد يعرف إن كان القرار الذي يتخذه اليوم سيظل ذا معنى بعد ثلاثة أشهر. دعوة عائلية، أو برنامج رحلة قصيرة، أو شراء غرض بسيط، أو بدء نشاط اقتصادي، أو حتى تخيّل حفلة عيد ميلاد، يقترن فجأة بسؤال: «هل من المعلوم ما سيحدث حتى ذلك الحين؟».
في مثل هذا الجو لا تقتصر المسألة على الخوف من الحرب أو صعوبة المعيشة؛ فكأن الحياة نفسها تفقد صلاحيتها الزمنية
وهذا السؤال، الحذِر في ظاهره، إذا صار جملة ثابتة في الحياة، فقد يصنع تجربة أعمق يمكن تسميتها «الإحساس بالتوقيت المؤقت»؛ إحساسًا لا تبقى فيه البرامج وحدها معلّقة، بل الأفراح والعلاقات وحتى الصورة التي يرسمها الإنسان لمستقبله. التوقيت المؤقت جزء من الحياة في الظروف العادية. فكل إنسان يعلم أن كل شيء يتغير وأنه لا مستقبل مضمونًا. لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين القبول الطبيعي بالتغيير والعيش في جو يذكّر باستمرار باحتمال انهيار الخطط. وفي الحالة الثانية قد يؤجل الفرد القرارات المهمة، لا عن عدم مسؤولية بل عن إنهاك في اتخاذ القرار: الزواج «بعد أن تتضح الأوضاع»، والإنجاب «بعد استقرار الاقتصاد»، والاستثمار «بعد أن يُعرف مصير السياسة»، وحتى الراحة «بعد تجاوز هذه المرحلة». وتبدأ المشكلة من اللحظة التي يصير فيها هذا «البَعد» بلا تاريخ محدد. فتتحول الحياة إلى غرفة انتظار قد يصل فيها القطار وقد يتغير مساره وقد تُغلق المحطة أصلًا.
وفي مثل هذا الوضع قد يظل الناس مشغولين ويعملون ويتخذون كل يوم عشرات القرارات الصغيرة، لكنهم لا يشعرون بالتقدم؛ فالنشاط مستمر لكن تجربة بناء المستقبل تضعف. وتقدّم الأبحاث النفسية كذلك شواهد لاختبار هذا التصور، ليس بوصفها حكمًا على جميع الإيرانيين بالطبع. فقد أفاد باسيليتشي وزملاؤه في مراجعة منهجية عام 2025 بأن أحداثًا جماعية مولّدة للتوتر، مثل الحرب والأزمة الاقتصادية، ارتبطت في كثير من الدراسات بإضعاف توجه الأفراد نحو المستقبل؛ وإن لم تكن النتائج متجانسة ولم تثبت علاقة سببية قاطعة. والمعنى الاجتماعي لهذا الأمر مهم: فالمستقبل ليس مجرد مجموعة من الأيام التي لم تأتِ بعد، بل فضاء ذهني يتخيل فيه الإنسان إمكان الاختيار والتقدم واستمرار حياته. وحين يضيق هذا الفضاء قد يُعاش الحاضر أيضًا بصورة أفقر. فمثلًا لا تتوقف متعة عشاء عائلي على الطعام الموضوع على المائدة فحسب، بل ترتبط أيضًا بالقدرة على الحضور في تلك اللحظة. وإذا أُحيل الذهن باستمرار إلى غد مجهول، فقد تنقطع حتى المتعة الصغيرة قبل اكتمالها بشعور بالذنب أو الحذر أو بعبارة «هل هذا وقت الفرح الآن؟».
قد يتلاشى الحد بين الاحتمال واليقين في التجربة اليومية، حتى لو لم يُتخذ في الواقع أي قرار نهائي بهجوم جديد
وقد وجد ماليفوار وزملاؤه في دراسة عام 2022 علاقة بين القلق المزمن وصعوبة تحمّل الغموض وتراجع القدرة على الاستمتاع بالانفعالات الإيجابية. لكن لا ينبغي هنا استخلاص نتيجة أحادية من العلم؛ فقد بيّن غريغوري وزملاؤه في دراسة أخرى أن تجربة بعض أشكال عدم اليقين قد تزيد حتى الالتفات إلى المتع اللحظية. فالادعاء إذن ليس أن كل تهديد يدمّر الفرح؛ بل تبدو المسألة أخطر حين تتكرر التهديدات وتضيق سبل تأثير الفرد ويكون أفق نهاية الأزمة مجهولًا. وفي هذه الأثناء لا تكتفي وسائل الإعلام بنقل الخبر؛ فترتيب الأخبار وتكرارها ونبرتها قد تسهم في تشكيل الإحساس بالزمن. فحين يقترن التهديد بالهجوم كل ليلة بتحليلات عن الانهيار الاقتصادي والغد السياسي، قد يتلاشى الحد بين الاحتمال واليقين في التجربة اليومية، حتى لو لم يُتخذ في الواقع أي قرار نهائي بهجوم جديد.
ولا تستطيع الحكومة بدورها أن تنسب هذا الإحساس بالتعلق إلى العدو الخارجي وحده. فحين تكون السياسات الداخلية غير قابلة للتوقع والمعلومات العامة غير كافية ومسؤولية القرارات غامضة، تقل قدرة الناس على التخطيط؛ وقد لا يكون حتى الهدوء النسبي قابلًا للتصديق. ومع ذلك لا ينبغي اختزال صورة المجتمع في جمهور بلا إرادة محروم من الفرح. فقد يصنع كثيرون، في قلب عدم اليقين ذاته، سندًا لأنفسهم بالصداقة والفكاهة والتعاطف والأعمال اليومية الصغيرة. وهذه المرونة مهمة، لكن لا ينبغي أن تحل محل مسؤولية المؤسسات صاحبة القرار.
وفي دراسة نوعية عن تجربة الحرب في غزة، بيّن فيرونيزي وزملاؤه عام 2026 كيف يمكن للانتظار الطويل وتعليق الحياة أن يغيّرا إدراك الأفراد لمرور الزمن وإمكان المستقبل؛ ولا يمكن تعميم تجربة ذلك المجتمع على إيران مباشرة، لكنها تطرح سؤالًا مشتركًا: ماذا يحلّ بأناس يُضطرون باستمرار إلى تأجيل حياتهم حتى «تتضح الأوضاع»؟ ولعل المأساة الخفية في هذا الوضع أن يزول الخطر يومًا، وقد أُنفق جزء من العمر في انتظار الحياة. فالمجتمع الذي يُحال دائمًا إلى الغد قد لا يعيش يومه. والخطر ليس فقط أن يكون في الطريق مستقبل غير مؤكد؛ بل الأكبر أن يتحول الإحساس بالتوقيت المؤقت إلى أرسخ مشاعر الحياة.
يا لها من مأساة مريرة أن تبلغ أمة ذات تاريخ يمتد آلاف السنين ومجد حضاري، بكل ما لديها من تراث ثقافي وفكر وآمال كبيرة، زمنًا يستيقظ فيه أبناؤها لا لبناء الحياة بل لمجرد عبور الأيام
يا لها من مأساة مريرة أن تبلغ أمة ذات تاريخ يمتد آلاف السنين ومجد حضاري، بكل ما لديها من تراث ثقافي وفكر وآمال كبيرة، زمنًا يستيقظ فيه أبناؤها لا لبناء الحياة بل لمجرد عبور الأيام؛ يرجئون آمالهم إلى أيام أهدأ، ويعيشون الأفراح الصغيرة بتردد، ويبقون سنوات في انتظار غدٍ قد لا يأتي أبدًا. غير أن المأساة الأكبر قد تنكشف يومًا حين لا يبقى أي أثر للتهديد والأزمة، فيدرك الإيرانيون أن ما كان عليهم أن يتحمّلوه مؤقتًا كان عمرهم كله، وما أشدّ الحزن في أن يرتبط مصير أمة بهذا الماضي العريق بانتظار الحصول على حياة عادية.”
تعقيب مركز رؤيا:
- المقال في صحيفة شرق الإصلاحية يتكلم بمرارة عن تحوّل حياة الإيرانيين إلى حالة انتظار وعدم يقين تحت ظل التهديد بحرب جديدة، ويرصد الأثر المجتمعي والنفسي للحرب على المعيشة اليومية. يستند الكاتب إلى عدة دراسات نفسية، ورغم انتباهه إلى أن نتائجها غير متجانسة ولا تثبت علاقة سببية قاطعة، إلا أنه يشير إلى تأثيرها الجمعي المؤكد على مجمل الشعب الإيراني.
- يرى الكاتب أن النظام الحاكم، بسياساته غير القابلة للتوقع ومعلوماته الناقصة وغموض المسؤولية، تتحمل نصيبًا من هذه الحالة التي يمر بها الشعب، ولا يصح عزوها إلى العدو الخارجي وحده.
- الفكرة التي ختم بها الكاتب لها دلالاتها، بأن الخطر الأكبر أن يصير الإحساس بالتوقيت المؤقت أرسخ مشاعر الحياة، وأن يكتشف الإيرانيون يومًا أن ما ظنّوه احتمالًا مؤقتًا كان عمرهم كله، وأنهم ينتظرون «بَعد» لا موعد له.
الدلالة: تعرض المادة، من منظور صحيفة «شرق» الإصلاحية، البعدَ النفسي والاجتماعي للأزمة الإيرانية في ظل التهديد بالحرب والضغوط الاقتصادية، بعيدًا عن الحسابات العسكرية والدبلوماسية المعتادة، وهو ما يفيد القارئ العربي في فهم المزاج العام داخل إيران. وهي تعكس نبرة الصحافة الإصلاحية في الجدل الداخلي: تحمّل الدولة جانبًا من المسؤولية عن الغموض وغياب الشفافية إلى جانب الضغوط الخارجية، وتدعو إلى الاعتراف بحق المجتمع في أفق مستقر للحياة.
[1] فرهاد نوائي باحث وكاتب إيراني في العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي، وله تحليلات في العلاقات الدولية، وحاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع السياسي من فرع شهرضا بجامعة آزاد الإسلامية.
[2] https://www.sharghdaily.com/%D8%A8%D8%AE%D8%B4-%D8%B1%D9%88%D8%B2%D9%86%D8%A7%D9%85%D9%87-100/1134660-%D9%85%D9%88%D9%82%D8%AA%DB%8C-%D8%B4%D8%AF%D9%86-%D8%B2%D9%86%D8%AF%DA%AF%DB%8C-%D8%B2%DB%8C%D8%B3%D8%AA%D9%86-%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86%DB%8C%D8%A7%D9%86-%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%A7%D8%B1