المسيح الدجال في العقيدتين اليهودية والنصرانية

مدخل
إن الخوض في البحث عن «المسيح الدجال» في اليهودية يقتضي ابتداءً تحديد المظلة الموضوعية التي تندرج تحتها هذه المباحث؛ وهي ما اصطُلح عليه في الدراسات الحديثة بـ:«الإسكاتولوجيا»، أي: علم الأُخرويات، أو: الأُمور الأخيرة. وهذا العلم هو المناظر لما استقرَّ في المدونة العقدية الإسلامية تحت أبواب: الفتن والملاحم، وأشراط الساعة، وما يعقبها من أهوال القيامة والجزاء[1].
وبتتبع المرويات الإسكاتولوجية اليهودية يمكننا أن نلحظ أن الإيمان بالمسيح المخلص المنحدر من نسل داود عليه السلام وترقبه واحدٌ من أصول الاعتقاد عند اليهود، وقد دُوِّنت في شأن ما يُنتظر وقوعه قبيل مجيئه وعقبه عدة كتابات.
وفي الإصحاح السابع من (دانيال) يتنبأ عن أربع إمبراطوريات عالمية متعاقبة، في صورة أربعة وحوش، ويرى بعض المفسرين أن الوحش الرابع هو الدولة الرومانية، التي يخرج منها قرونٌ، يكون آخرها الدجال
ومما يقع قبيل ظهور المسيح المخلص: شدة عظيمة تلحق ببني إسرائيل، وانتشار الشرِّ واستفحاله، متمثلًا في النصوص المدراشية المتأخرة في شخصية: «أرميلوس»، وتذكر النصوص له صفاتٍ وأفعالًا تجعله أقرب ما يكون إلى المسيح الدجال[2]، مع فروقات نتعرض لها في مبحث القراءة النقدية.
أولًا: في العهد القديم
على أنه لم يرد ذكرٌ صريحٌ لأرميلوس باسمه في العهد القديم؛ فقد وردت إشارات نُزِّلت فيما بعد عليه، كما في (دانيال 7:25) في وصف الملك المتجبر: ” ويتكلم بكلام ضد العلي ويبلي قديسي العلي ويظن أنه يغير الأوقات والسنة ويسلمون ليده إلى زمان وأزمنة ونصف زمان”، وورد ادعاء هذا المتجبر للألوهية في (دانيال 11:36): ” ويفعل الملك كإرادته ويرتفع ويتعظم على كل إله ويتكلم بأمور عجيبة على إله الآلهة وينجح إلى إتمام الغضب لأن المقضي به يجرى”، ويقترن هذا التجبُّر بكونه باطلًا، وبعاهةٍ في عينه وذلك في (زكريا 11:17): ” ويل للراعي الباطل التارك الغنم، السيف على ذراعه وعلى عينه اليمنى، ذراعه تيبس يبسًا، وعينه اليمنى تكل كلولًا”، فهذا المتجبر المشار إليه صفةً لا اسمًا في هذه النصوص يجمع بين: تغيير الشرائع، وادعاء الألوهية، وتلف العين- العور.
وفي الإصحاح السابع من (دانيال) يتنبأ عن أربع إمبراطوريات عالمية متعاقبة، في صورة أربعة وحوش، ويرى بعض المفسرين أن الوحش الرابع هو الدولة الرومانية، التي يخرج منها قرونٌ، يكون آخرها الدجال.
ووردت الإشارة إلى قتل الشرير على يد المسيح في (إشعياء 11:4): “ويميت المنافق[3] بنفخة شفتيه”، فُسِّرت لاحقًا بأنها قتله على يد المسيح المخلص، كما في ترجوم يوناثان بن عزيئيل: ” وبنفخة شفتيه يقتل أرميلوس الشرير”، ويرى Robert Gordon أن لفظة أرميلوس مقحمة في الترجوم في الحقبة الجاؤونية التي عاصرت بزوغ فجر الإسلام تأثرًا بالمرويات الإسلامية عن الدجال[4].
بيدَ أن هذه الإشارات المحتملة للتأويل في العهد القديم تحولت في قرونٍ تاليةٍ إلى شخصية متكاملة، بأوصافٍ تفصيليةٍ، وذلك ابتداءً من سفر زربابل المكتوب في القرن السابع؛ حيث بدأت الإشارة صراحةً إلى أرميلوس ووصفه تفصيلًا[5]، ثم ظهرت بصورةٍ أشد وضوحًا في نصوص المدراشيات مثل نص علامات المسيح، وفي الحقبة الإسلامية في نص نستاروت رابي شمعون بن يوحاي -الذي يُرجح تدوينه في أواخر الدولة الأموية وبدايات العباسية- اكتسبت شخصية أرميلوس بعدًا سياسيًّا جديدًا؛ إذ رُبِط ظهوره بسقوط مملكة إسماعيل -أي: الإسلام- وعودة عابرة لمملكة أدوم -الروم-[6].
وقد تُوج هذا المسار في القرن العاشر الميلادي مع سعيد بن يوسف الفيومي المعروف بسعديا في كتابه الأمانات والاعتقادات؛ حيث نقله من الصورة الأسطورية الخيالية إلى صورة ملكٍ ظالمٍ متجبرٍ، وهو بهذا يقترب من الوصف العام الوارد في نصوص العهد القديم، غير أنه توسَّع في وصف أفعاله وظلمه ونهايته، ولم يكثر من وصف شكله[7]، أما في مدراش فايوشا -الذي يعود إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر- فقد تضخمت صورة أرميلوس، وتركز الكلام على صفاته الجسدية المرعبة باستفاضة[8].
اشتقاق اسم أرميلوس
يتراوح رأي الباحثين في اللغويات والأدبيات الرؤيوية اليهودية في اشتقاق اسم أرميلوس بين فرضيتين رئيستين:
الأولى: تربطه بتحريف صوتي للاسم اللاتيني “رومولوس” (Romulus) وهو المؤسس الأسطوري لمدينة روما، وتحمل هذه الفرضية دلالةً رمزيةً في السرديات الميدراشية؛ إذ تجعل أرميلوس تجسيدًا لأدوم ومملكة الشرِّ المناوئة للخلاص المسيحاني.
الثانية: تنظر إلى احتمالية اشتقاق اللفظ من الكلمة اليونانية إريمولاوس (Eremolaos) التي تعني: مُهلك الشعب أو مُبيد الأمم، وهذه الفرضية تمنح الاسم بعدًا وظيفيًّا يتسق تمامًا مع الدور التخريبي الموصوف للشخصية[9].
ثانيًا: صفات أرميلوس
عند استقراء النصوص اليهودية لا سيما الرؤيوية -الأبوكاليبتية- والمدراشية منها؛ نلفي صورة أرميلوس تتراوح بين الإجمال في الوصف الشكلي والتوسع في وصف الأفعال وذلك في المصادر العقلانية، وبين التفصيل الغرائبي في الصفات الشكلية وذلك في المصادر المدراشية، ويمكن تلخيص ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الصفات المتفق عليها: ونقصد هنا أن نذكر القدر المشترك من صفات أرميلوس في المصادر المختلفة زمانيًّا، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أ) تتفق المصادر على أنه العدو الألد لبني إسرائيل في آخر الزمان، والملك الطاغية الذي يظهر قُبيل الخلاص النهائي.
ب) اتفقت الروايات على أنه سيقتل المسيح بن يوسف -نحميا بن هوشييل- الذي يمهد للمسيح الأصلي، وأن أرميلوس سيشتت شمل اليهود في المنافي.
جـ) يلقى حتفه على يد المسيح بن داود -مناحم بن عميئيل- بنفخة شفتيه كما في (إشعياء 11:4)، وذلك بعد أن يكون قد قتل المسيح بن يوسف -وهو ملك عادل- ونفى بني إسرائيل في الصحراء.
د) كما ذكرت أكثر المصادر الرؤيوية أنه يولَد من تمثالٍ حجريٍّ، فيما لم يذكر ذلك سعديا ومن نحا منحاه[10].
ثانيًا: ما انفرد به كل مصدر على حدة من الصفات: فعلى الرغم من اتفاق المصادر اليهودية المتأخرة على ما سبق من القدر المشترك في صفاته؛ إلا أن اختلافًا كبيرًا في صفاته الشكلية وُجِد بينها، ويمكن إجماله فيما يلي:
أ) في سفر زربابل حُدِّدت نشأته في نينوى زاعمًا أنه ابن للشيطان بليعال من تمثال لفتاة عذراء، وصوَّره بشعرٍ ذهبيٍّ وجسدٍ أخضر بالكامل من الرأس حتى القدمين، وبوجهٍ عرضه شبر، وعينين غائرتين، ورأسين -أو قرنين-، وذكر علامات ظهوره، وأنه يجبر الناس على عبادته، ويقيم أربع مذابح وثنية.
ب) وفي نص (علامات المسيح) نُقِل مشهد ولادته إلى روما، حيث ينتج عن جماع وثنيين لتمثال رخامي، ليخرج منه عملاق ضخم يبلغ طوله قرابة خمسة أمتار وعرضه متر، له شعرٌ ذهبيٌّ، وباطن قدميه أخضر، ويعلن أنه الإله والمسيح.
جـ) وفي نصوص أخرى مثل نِستاروت رابي شمعون ومدراش فايوشا نجد تركيزًا على رسم ملامح تشير إلى العاهات الدالة على الشرِّ؛ فوُصِف بأنه أصلع، في جبهته برص، وعيناه صغيرتان متغايرتان، وذراعاه متفاوتتان في الطول، وله أذنان إحداهما يُمنى لا يسمع بها يصغي بها حين سماع الخير فلا يتلقاه، ويُسرى يسمع بها يصغي بها حين سماع الشرِّ فيعيه[11].
والخلاصة: أن هذه المصادر مجمعة على رسم صورة غير آدمية له، فهو يخرج من تمثال حجري، ويتصف بالصفات الشكلية المنفرة الموحية بالشرِّ، على أن أمثال سعديا لم يتجهوا هذا الاتجاه الوصفي، بل مالوا إلى وصف أفعاله، وركزوا على كونه مجرد ملك متجبر.
ثالثًا: حضور شخصية أرميلوس في الأدبيات اليهودية المتأخرة
بعد العرض التاريخي الموجز لتطور الشخصية وما حيك حولها من أوصاف؛ نتعرض لبيان موقع هذه الشخصية في الأدبيات اليهودية المتأخرة وصولًا إلى العصر الحديث؛ لاستجلاء مكانها في العقيدة اليهودية.
أولًا: عند موسى بن ميمون: في حديثه عن عصر الخلاص والمسيح المنتظر في ختام كتابه مِشناه توراه لم يأتِ على ذكر أرميلوس إطلاقًا، ولا ذكر قصة ولادته من تمثال حجري، واكتفى بذكر حرب جوج ومجوج.
يدل هذا المسلك على أن شخصية أرميلوس في نظر التيار العقلاني لم تكن جزءًا أصيلًا في العقيدة، بل كانت مجرد حشو أسطوري يخدم الأغراض الوعظية والشعبية في العصور الوسطى، ويجب إبعاده عن النسق العقدي المعتمد.
ثانيًا: في العصر الحديث: تتبنى بعض الطوائف الأصولية حتمية ظهور أرميلوس كما هو موصوف في المدراشيات، ويبقى هذا في إطار ضيق وغير شائع، بل السمة الغالبة في العقيدة اليهودية عند مختلف الطوائف في العصر الحديث: أنه ليس جزءًا أصيلًا من عقيدة اليهود بشأن آخر الزمان وظهور المخلص، وإنما المجمع عليه: يأجوج ومأجوج، وظهور مسيحَين من نسل يوسف وداود، ووجود شدائد ومحن تسبقها، أما ذكره بالوصف المفصل في المدراشيات فليس شائعًا ولا معروفًا لديهم، ويُنظَر أحيانًا لتلك النصوص -خصوصًا لدى الطوائف الإصلاحية- على أنها ردَّات فعل على ظلم الدولة الرومانية خصوصًا هرقل الذي ترافق عصره مع كتابة سفر زربابل.
خاتمة
على ضوء ما تقدم؛ يتضح أن مفهوم أرميلوس يمثل القطب السلبي الضروري لتحقق الخلاص في الأدبيات اليهودية الرؤيوية، وتقوم ماهيته على ثنائية منهجية حادة؛ فبينما تركز المدراشيات القديمة (كسفر زربابل) على صفاته الشكلية الغرائبية (كالمسخ الذي يولد من تمثال)، تتحدث عنه مصادر أخرى بصفته ملكًا متجبرًا، وأنه العدو الذي يُسقط المسيح بن يوسف ليُقتل لاحقًا على يد المسيح بن داود.
وفي الوقت الذي تبنت فيه المدارس التقليدية والأسطورية هذه الصورة الكاملة؛ عملت التيارات العقلانية (كسعديا الفيومي) على إقصاء أو تهميش أصوله الأسطورية، مكتفيةً بتصويره مجرد ملك متجبر يمثل قوى الشر العالمي، بينما أهمل ابن ميمون ذكره مطلقًا.
وفي العصر الحديث لا نجد لهذه الشخصية حضورًا كبيرًا في الأوساط اليهودية اللاهوتية، وإن كانوا يتحدثون عن ملك متجبر ويختلفون في تسميته.
المسيح الدجال في العقيدة النصرانية
مدخل
من أصول العقيدة النصرانية أن المسيح يرجع في آخر الزمان، ويسمونه: المجيء الثاني، وأنه سيحكم الأرض ألف عام، ويؤسس ملكوته فيها كما أسسها في السماء، كما جاء في (يوحنا 14:2-3): “أنا أمضي لأعد لكم مكانًا 3 وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا، وآخذكم إلي، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا”.
وفي (سفر أعمال الرسل 1:11): “أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء”.
وفي (متى 16:28): “الحقّ أقول لكم: إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًّا في ملكوته”. وتكرر هذا المعنى كثيرًا، وهو من أصول عقائدهم.
ويسبق هذا المجيء الثاني للمسيح ظهور ما يُسمى: «ضد المسيح»، وهو ذروة الشرِّ في العالم، وسيدَّعي الألوهية، ويحاول حكم العالم، ويعمل بقوة الشيطان.
أولًا: ذكره في نصوص العهد الجديد
يذكر شراح العهد الجديد أنه يمكن تنزيل مفهوم «ضد المسيح» على كل من يعادي المسيح، ولكن سيبلغ الأمر منتهاه مع ظهور هذا الشخص المعين المحدد الموصوف في آخر الزمان، والذي سيكون بحق: «ضد المسيح».
ومن النصوص التي ذكرته ما جاء في رسالة يوحنا الأولى (2:18): “أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة”. وفي نفس الرسالة (4:3): “وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم”.
ويتضح من هذا أن «ضد المسيح» يرفض مبادئ العقيدة النصرانية في اللاهوت والناسوت[12].
وأما بولس فلا يستعمل مصطلح «ضد المسيح» في رسائله، ولكنه يشير إلى «بليعال»، ويستعمل: إنسان الخطيئة، وما شابه من المصطلحات.
ومن أبرز النصوص الكتابية التي تتناول ظاهرة «ضد المسيح» ما ورد في الإصحاح الثالث عشر من سفر الرؤيا، حيث يستعرض مشهدًا لوحشين، ينبثق أحدهما من البحر والآخر من الأرض، وتذهب التفسيرات اللاهوتية عمومًا إلى التمييز بينهما وظيفيًّا؛ فالأول إشارة إلى حاكمٍ سياسيٍّ يظهر في الأيام الأخيرة، بينما يكون الثاني قائدًا دينيًّا مؤيدًا له.
ونظرًا إلى الارتباط الوثيق بين صفات الوحش الأول وما ورد في (دانيال 7: 8) يرى بعض المفسرين أنه هو المقصود بضد المسيح، بخلاف آخرين ينسبون الصفة للوحش الثاني، مع الاتفاق الضمني على عدائهما المشترك للمسيح[13].
فيما ينحو بعض الدارسين إلى أن هذه الشخصية ليست شخصيةً محددةً، بل هي رمزٌ لكل عدوٍّ للنصرانية لا يتبنى آراءها وأفكارها، ويشكك بعض الباحثين في ترجمة (يوحنا 11:11) وما بعدها، وأشاروا إلى تعلقها بمدَّعٍ للنبوة لا إلى شخصية معادية محددة[14].
ولكن هذه الآراء تُعَدُّ هامشيةً إذا قيست بالسياق العام الكنسي الذي يتبنى حتمية مجيء ضد المسيح بقدر تبنيه المجيء الثاني للمسيح، وأيًّا يكن فإنهم متفقون على “مجيء ضد المسيح، المقاوم للحق، والذي يدخل في معركة حاسمة أخيرة لحساب إبليس في أواخر الأزمنة، يبث ضد المسيح كل أنواع الخداع”[15].
والخلاصة: أن التقعيد العقدي لظاهرة «ضد المسيح» في نصوص العهد الجديد يقوم على دعامتين متلازمتين:
أولاهما: إثبات حتمية المجيء الثاني للمسيح بشكل لا يقبل الجدل عندهم.
وثانيتهما: أن هذا المجيء يسبقه ظهورُ خصمٍ أزليٍّ يمثل ذروة الشر الكوني، وقد وردت الإشارة إليه بمصطلحاتٍ ثلاثٍ رئيسةٍ: «ضد المسيح» (في رسائل يوحنا)، و«إنسان الخطيئة/ابن الهلاك» (في رسائل بولس)، و«الوحش» (في سفر الرؤيا).
وتتفق هذه النصوص على أن مهمته تتركز في الجمع بين الطغيان السياسي والضلال الديني، وادعائه الألوهية، وهو الدور الذي يتفق التيار الكنسي العام على حتميته بوصفه ضرورةً لاهوتيةً تسبق تأسيس ملكوت العدل الإلهي.
ثانيًا: صفاته
إن معظم النصوص النصرانية التي ذكرت «ضد المسيح» ركَّزت على وصف أفعاله، ودوره الشرير، وعداوته لمعتنقي المسيحية، ولم تصف شكله الجسدي.
ويمكننا من خلال النصوص المتفرقة أن نُجمِل أبرز صفاته فيما يلي:
أولًا: الغطرسة: أبرز النصوص التي تحدد ماهية «ضد المسيح» أو «إنسان الخطيئة» ما ورد في رسالة بولس الثانية إلى تسالونيكي (2: 3-4)، حيث يصفه بأنه: ” لا يخدعنكم أحد على طريقة ما، لأنه لا يأتي إن لم يأت الارتداد أولًا، ويستعلن إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا، حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرًا نفسه أنه إله”، ومن هذا النص تظهر أهم صفة لـ«إنسان الخطية -ضد المسيح» وهي: الغطرسة، وادعاء الألوهية، والاستبداد السياسي والطغيان.
ثانيًا: إنسانيته: تؤكد الاتجاهات اللاهوتية الأرثوذكسية والكاثوليكية أن «ضد المسيح» إنسانٌ، وليس تجسدًا للشيطان، بل ترفض فكرة كونه تجسدًا رفضًا قاطعًا، لكنهم يشيرون إلى كونه ابنًا غير شرعي يولَد من الزنى.
ثالثًا: إتيانه بالخوارق: في (تسالونيكي 2:9) ذكرٌ لقدراته، وأنه يأتي بالعجائب ليضل الناس: “الذي مجيئه بعمل الشيطان، بكل قوة، وبآيات وعجائب كاذبة”.
رابعًا: استبداده السياسي: ورد في سفر الرؤية (6:2) أنه يدعي أولًا أنه رجل سلام، قبل أن يبدأ باضطهاد المسيحيين، ويعتمدون هنا على ما ورد في (دانيال) بكل التفاصيل التي سلفت الإشارة إليها في القسم الأول المتعلق باليهود؛ فكثير من تفسيراتهم قائمةٌ على ما ورد فيه، وسفر الرؤية يمكن اعتباره تأويلًا لـ(دانيال).
خامسًا: مدة بقائه: يتبنى النصارى ما ورد في سفر دانيال بشأن بقاء إنسان الخطية على الأرض: زمانين ونصف زمان، أي: ثلاث سنوات ونصف، وقد حُدِّدت بـ(1290) يومًا، كذا في (دانيال 12:11): ” ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس المخرب ألف ومئتان وتسعون يومًا”، ويقتبسون قتله بنفخة الشفتين عن اليهود[16].
خاتمة
بناءً على ما سلف؛ يتبين أنَّ عقيدة «ضد المسيح» تمثل ركنًا مفصليًّا في الإسكاتولوجيا النصرانية لا يقبل الإغفال، وينطوي مفهومه على ثنائية جوهرية:
ففي الوقت الذي يُنظر فيه إليه على أنه روح شر يتجسد في كل عدوٍّ ومعتدٍ عبر التاريخ، يتفق التيار الكنسي العام على حتميّة ظهوره بصفته شخصًا محددًا يمثل ذروة الطغيان في آخر الزمان.
ويتركز التنظير بشأنه على الأفعال والدور الوظيفي (ادعاء الألوهية واحتلال الهيكل والاستبداد السياسي)، أكثر من التركيز على شكله الجسدي، مما يجعله تجسيدًا للكبرياء المطلق الذي يسبق المجيء الثاني للمسيح والخلاص النهائي حسب عقيدتهم.
هذا؛ وسنعقد في المقالة التالية مقارنةً تفصيليةً بين المسيح الدجال في اليهودية والنصرانية، ونقدًا تحليليًّا مع ما ورد عنه في العقيدة الإسلامية.
والله ولي التوفيق.
والحمد لله رب العالمين.
[1] كميل الحاج، الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2000)، 356.
[2] مستفاد مما رصده محمد علي باغر، “أرميلوس في الإسكاتولوجيا اليهودية”، دراسات شرقية، العدد 15 (2016): 19 [بالتركية].
[3] في بعض الترجمات: الشرير.
[4] ينظر: Robert P. Gordon, Studies in the Targum to the Twelve Prophets: From Nahum to Malachi, (ألمانيا: Brill, 2014)، 144.
[5] Martha Himmelfarb, “Sefer Zerubbabel,” in Rabbinic Fantasies: Imaginative Narratives from Classical Hebrew Literature, ed. David Stern and Mark Jay Mirsky (New Haven, CT: Yale University Press, 1998), 71–81.
[6] John C. Reeves, Trajectories in Near Eastern Apocalyptic: A Postrabbinic Jewish Apocalypse Reader (USA: Society of Biblical Literature, 2005), 78–86.
[7] Sa’id b. Yusuf el-Feyyûmî (Saadia Gaon), كتاب الأمانات والاعتقادات,إعداد: Dr. Samuel Landauer (Leiden: E.J. Brill, 1880), 239.
[8] محمد علي باغر، “أرميلوس في الإسكاتولوجيا اليهودية”، 9-12؛ وينظر: Jacob Klatzkin, “Armilus,” Encyclopaedia Judaica, II, Second Edition, ed. Fred Skolnik and Michael Berenbaum (Detroit: Macmillan Reference, 2007), 474.
[9] Emil G. Hirsch and Kaufmann Kohler, “Armilus,” in The Jewish Encyclopedia, vol. 2 (New York: Funk & Wagnalls, 1902), 118.
[10] Emil G. Hirsch and Kaufmann Kohler, “Armilus,” 118-120.
[11] Emil G. Hirsch and Kaufmann Kohler, “Armilus,” 118-120.
[12] Samuel Prideaux Tregelles, The Hope of Christ’s Second Coming: How is it Taught in Scripture? and Why? (United Kingdom: Houlston and Wright, 1864), 15.
[13] ينظر: “ضد المسيح”، قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية، على الرابط: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/24_M/M_140.html
[14] Gregory C. Jenks, The Origins and Early Development of the Antichrist Myth (Berlin: Walter de Gruyter, 2011), 247.
[15] تادرس يعقوب ملطي، الآباء الرسوليون، (الإسكندرية: الكلية الإكليريكية كنيسة مارمرقس الرسول والبابا بطرس خاتم الشهداء، 1991)، 210.
[16] ينظر: يعقوب ملطي، تفسير سفر دانيال (القاهرة: كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج، د.ت)، 8، 9، 104، 111، 133، 158، 181، 184.






