تأملات في الحرب الأمريكية الإيرانية: لا تخافوا

من أبرز الأمور في الحروب وقوع الخوف بين الناس، وهو أمر طبيعي لا غرابة فيه. ولكنه قد يهلك الناس، ويسبب لهم الأمراض النفسية، والهزيمة الحسية والمعنوية.
فكيف نحمي الناس من آثار الخوف؟
عند الرجوع إلى الهدي النبوي الذي أمرنا بالتأسي به، نجد فيه ما يشفى الصدور ويعالج الأوضاع والأحوال التي تمر بها الأمة عبر الزمن.
لذلك أصبحت دراسة السيرة والأحاديث النبوية من أهم الأمور المعينة على إصلاح الأمة.
حدث أفزع الناس في زمن النبي ، وكيف تعامل النبي معه
جاء في صحيح البخاري: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ – وَهُوَ يَقُولُ: ((لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا))، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا – أَوْ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ.
هذه الحادثة تبين لنا هدي النبي في التعامل مع ما يفزع الناس. ويمكن عرضها في نقاط:
أولاً: المبادرة لمعرفة الحدث:
الصوت المفزع سمعه كل أهل المدينة، وفيهم رسول الله ، فتحرك الصحابة الشجعان، الفرسان بسرعة جهة الصوت.
ولا غرابة في سرعة تحركهم وهم أبطال الأمة وفرسانها الذين على أيديهم سقطت أعظم دولتين آنذاك؛ فارس والروم.
ولا شك أن هذه مبادرة سريعة لحماية المدينة ومن فيها، ولا تصدر مثل هذه المبادرات إلا من الشجعان الذين يواجهون الأخطار بأنفسهم.
ولكن المفاجأة التي فوجئ بها فرسان الصحابة هي سبق النبي لهم لمعرفة الحدث!
وهذه هي صفة القائد؛ أن يسبق أتباعه لمعرفة حقيقة الخطر ليطمئن أصحابه، أو يتخذ القرار المناسب لمواجهة الخطر.
قال ابن الملقن رحمه الله: ((فيه: -كما قَالَ المهلب- أن الرئيس قد يتشجع في بعض الأوقات إذا وجد في نفسه قوة، وإن كان اللازم له أن يحوط أمرَ المسلمين بحياطة نفسه، لكنه لما رأى الفزع المستولي، علم أنه لم يُكاد مما أخبره الله به من العصمة، وأنه لا بد أن يتم أمره حَتَّى تمر المرأة من الحيرة حَتَّى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، فلذلك أمن فزعهم باستبراء الصحراء، وكذلك كل رئيس إذا استولى على قومه الفزع ووجد من نفسه قوة فينبغي له أن يُذهب عنهم الفزع باستبرائه بنفسه)).
(التوضيح لشرح الجامع الصحيح 17/ 427)
والقيادة في واقع الحياة أنواع منوعة، لكن أكثرها تأثيرا على الناس هي القيادة العلمية التي اختص الله بها العلماء ومن سار في ركابهم من الدعاة والخطباء وأئمة المساجد.
فهؤلاء هم مقدمة الناس، فإذا ثبتوا ثبت الناس بإذن الله، أما إذا هزتهم الرياح، وقلبتهم الأمواج كتقليب السفن، فلا عتب على عموم الناس بعد ذلك.
إن دور العلماء القيادي هو السبق في معرفة الحدث ومآلاته في المستقبل، ثم إصدار الأحكام الشرعية المرتبطة بالحدث والتي توجه الناس لكيفية التعامل معه بشكل واضح لا لبس فيه.
ثانيا: الجاهزية للحركة بكل الصور:
إن الذي جعل النبي يسبق الصحابة في معرفة خبر الصوت، هي الجاهزية للحركة بأسرع التجهيزات الممكنة.
فقد ركب النبي الفرس بغير سرج، وعلق السيف على رقبته، وهو سلاحه الذي حمله معه في مواجهة الخطر.
وسرج الخيل يحتاج إلى وقت ليس بالطويل، وتثبيت السيف على السرج أو على الخصر يحتاج إلى وقت ليس بالطويل كذلك، ومع ذلك استفاد النبي من هذا الوقت القصير في السرعة إلى معرفة ما وراء الصوت من خطر.
أيضا مهارة النبي في قيادة الفرس بغير سرج تدل على فروسيته ولا شك أن لها أثر في سبق الصحابة كذلك.
فالقيادة العلمية بحاجة إلى اغتنام الأوقات بتجهيز المسائل قبل حدوثها، أي من أول ظهور علاماتها. لأن البحث العلمي يحتاج إلى وقت، وقد يسبق في هذا الوقت القصير من لا يحسن الكلام والتوجيه مثل الرويبضة، فيفتن الناس.
إن التصاق العالم بالقران العظيم، قراءة، وتدبرا، تجعل استحضار النصوص المرتبطة بالأحداث سريعة إلى ذهنه.
كما أن المهارة في الغوص في كتب الحديث وآثار الصحابة، تجعله يستند إلى النصوص الشرعية بشكل واضح.
ثالثا: طمأنة الناس وتثبيتهم:
بعد أن علم النبي حقيقة الخبر، عاد مسرعا إلى الناس وطمأنهم، لأن الصوت روعهم، فلا يصلح التأخر في طمأنتهم.
هذا الفعل من النبي في سرعة طمأنه الناس، له فوائد عدة، منها:
- ليهدأ الناس ويذهب عنهم الروع الذي أصاب قلوبهم.
- ليستعيد الناس قدرتهم على التفكير المتوازن، والنظر في الأمر بروية، حتى يتقنوا التعامل مع الحدث بطريقة صحيحة.
- لإبعاد ضغط عامة الناس عن القيادة في حالة الخوف، مما يؤدي إلى إرباك القيادة في اتخاذ القرار.
- لتستعد نفوس الناس لاستقبال التوجيهات الصادرة من القيادة بشكل صحيح.
وهنا يأتي دور العلماء وهم القيادة العلمية الحقيقية للناس في نشر الطمأنينة بينهم، وحسن توجيههم في التعامل مع الحدث.
رابعا: شجاعة النبي :
قال ابن تيمية رحمه الله: ((وَالشَّجَاعَةُ تُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قُوَّةُ الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ. وَالثَّانِي: شِدَّةُ الْقِتَالِ بِالْبَدَنِ، بِأَنْ يَقْتُلَ كَثِيرًا، وَيَقْتُلَ قَتْلًا عَظِيمًا.
وَالْأَوَّلُ: هُوَ الشَّجَاعَةُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ وَعَمَلِهِ.
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ كَانَ قَوِيَّ الْقَلْبِ، وَلَا بِالْعَكْسِ ; وَلِهَذَا تَجِدُ الرَّجُلَ الَّذِي يَقْتُلُ كَثِيرًا وَيُقَاتِلُ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يُؤَمِّنُهُ، إِذَا خَافَ أَصَابَهُ الْجُبْنُ، وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ. وَتَجِدُ الرَّجُلَ الثَّابِتَ الْقَلْبِ، الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ بِيَدَيْهِ كَثِيرًا، ثَابِتًا فِي الْمَخَاوِفِ، مِقْدَامًا عَلَى الْمَكَارِهِ.
وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي أُمَرَاءِ الْحُرُوبِ وَقُوَّادِهِ وَمُقَدَّمِيهِ أَكْثَرَ مِنَ الْأُولَى ; فَإِنَّ الْمُقَدَّمَ إِذَا كَانَ شُجَاعَ الْقَلْبِ ثَابِتًا، أَقْدَمَ وَثَبَتَ وَلَمْ يَنْهَزِمْ، فَقَاتَلَ مَعَهُ أَعْوَانُهُ، وَإِذَا كَانَ جَبَانًا ضَعِيفَ الْقَلْبِ ذَلَّ وَلَمْ يُقْدِمْ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَلَوْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ.
وَالنَّبِيُّ كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الشَّجَاعَةِ، الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ فِي أَئِمَّةِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ إِلَّا أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، قَتَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَقْتُلْ بِيَدِهِ أَحَدًا لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَكَانَ أَشْجَعَ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، حَتَّى إِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَغْلَةٍ، وَالْبَغْلَةُ لَا تَكِرُّ وَلَا تَفِرُّ، وَهُوَ يُقْدِمُ عَلَيْهَا إِلَى نَاحِيَةِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ.
فَيُسَمِّي نَفْسَهُ، وَأَصْحَابُهُ قَدِ انْكَفُّوا عَنْهُ، وَعَدُوُّهُ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقْدِمٌ عَلَى عَدُوِّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ، وَالْعَبَّاسُ آخِذٌ بِعِنَانِهَا.
وَكَانَ عَلِيٌّ – وَغَيْرُهُ – يَتَّقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ لِأَنَّهُ أَشْجَعُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَدْ قَتَلَ بِيَدِهِ، أَكْثَرَ مِمَّا قَتَلَ النَّبِيُّ )). (منهاج السنة النبوية 8/ 77)
د. عادل الحمد






