إصداراتالولايات المتحدة إلى أينتقدير موقفملفات

سعي ترمب إلى الأزمات: تبعات فنزويلا جرينلاند وإيران ومسائل الهجرة

تعرصنا في مقالة سابقة إلى تصدُّعات أمريكا من الداخل واجتماع الأزمات”

والتي حفزها وسرَّعها ترمب، وتوقعنا فيها أن الأوقات الصعبة ستبدأ لترمب، وستزداد مصحوبةً بانكشاف شعاراته لدى قاعدتة (الماجا)، المتوجسة من عودة خصومهم (النيوليبراليين) بثوبهم الجديد من بوابة ترمب هذه المرة وعلى حساب مبادىء (الماجا) الذين  أوصلوا ترمب إلى السلطة بأصواتهم.

كما أنَّ ترمب ذاته أصبح يقع أكثر تحت هيمنة التيارات النيوليبرالية والصهيونية والمحافظين الجدد؛ جرَّاء ضعفه وحاجته لمن يحميه في الكونغرس والقضاء من خطر (وثاق أبستين)، التي تشكل المطالبة بكشفها محل أكبر اتفاق في الشارع الأمريكي بما في ذلك (الماجا).

يحاول ترمب وإدارته أن يتبع إستراتيجيةً هجينةً كي يشق بها طريقه ويربك معارضيه –  لا سيما مع شبح “الانتخابات النصفية” وضغط المحاكم القضائية – لكنها في ذات الوقت تعبِّر عن ضعف رؤية إدارة ترمب وصعوبة خياراتها وتكلسها وحرجها، وهي تعكس كذلك مدى اضطرارا ترمب لتلفيق السياسات في عدة ملفات وحساسة – كقضايا الاقتصاد والحريات والهجرة وفنزويلا وغرينلاند وإيران كما سيأتي – وذلك من خلال إستراتيجية مركبة، هي:

1- محاولة إرضاء (الماجا) بتصعيد ممارسات دائرة الهجرة وقوات (آيس) المكلفة بذلك، وإلباس المواجهة لبوس الوطنية ومواجهة منظمة (أنتيفا) واليسار. وفي ذات الوقت إرباك المؤسسات المدنية، وإشغالها بمئات القضايا الحقوقية، ورفع حدة النقاش وتحويل مراكز القضايا وتشتيتها وتشتيت جهود المعارضين. وقد أدى هذا إلى رفع ولاية مينيسوتا قضية في المحكام على إدارة ترمب، واستقالة عدد من القضاة من وزارة العدل في ولاية مينسوتا.

2-  كما نجد أنَّ ترمب حاول أن يستغل تحركاته في البند السابق علَّه يفي ظاهريًّا بوعوده الشعبوية لقاعدة (الماجا) ويسكِّن خواطرهم، وحتى يجد مساحةً للحركة أكثر خارجيًّا كي يشبع غروره الدولي من ناحيةٍ، ثم جشعه المالي ومصالحه العائلية وصفقاته الدولية من خلال “أصدقائه العقاريين”، الذين عيَّنهم كمسؤولي ملفات دولية مثل ويتكوف وتوم برّاك فضلًا عن كوشنر. فيما كل ذلك في جوهره يتناقض مع أهداف (الماجا) التي أطلقها. 

3- إلا إنَّ هذا التوجه الخارجي سيطر عليه كذلك ضغوط وترويجات المحافظين الجدد – “النيو كان” – والصهاينة والنيوليبراليين ضمن أروقة إدارة ترمب وحولها، وكذلك مصالح شركات (وادي السليكون). هذا يشمل مثلًا كبار المشرعين مثل السيناتور ليندزي جراهام وتيد كروز، ثم أعضاء إدارته كماركو روبيو وهيجسيت، ورجال الأعمال كبيتر ثيل وماسك وإليسون على سبيل المثال.

4- هناك شكوك متزايدة وملاحظات من طرف الديمقراطيين تقول إنَّ ترمب يمارس قذف أكبر عدد من القضايا وسياساته الجدلية داخليًّا وخارجيًّا في ذات الوقت، كي يربك ويشتت معارضة المؤسسات التشريعية العامة والولاياتية والقانونية، والشارع المعارض عمومًا، وكذلك وسائل الإعلام.

هذه الإستراتيجية – بشكلها العام وليس سياساتها التفصيلية بالضرورة – كانت نصيحةً عامةً قديمةً من (ستيف بانون) لترمب، كما صرَّح بذلك بانون. لكن حاليًّا إن صَّحت هذه الشكوك المتزايدة، فيبقى إشكالها في أنَّ ترمب يستخدمها في نطاق يخالف مبادىء (الماجا) أحيانًا كثيرة، لا سيما في سياساته الخارجية ونزعته نحو الحروب ودعم الكيان. هذا رغم أنها أيضًا شملت قضايا الهجرة والتعرفات وغيرها مما تنادي به حركة (ماجا).

في الوقت الذي ظهرت فيه عجز سياسات التعرفات عن تحسين الاقتصاد بل أسهمت في رفع التضخم، ومع ضعف سوق الوظائف ونمو ثروات أصدقاء ترمب، وعجز ترمب عن الضغط بفعالية على الصين وبوتين، وعدم شعبية معظم سياسات إدارته داخليًّا، أضحى ترمب بحاجة إلى تعويضٍ معنويٍّ، وكذلك صرف النقاش ما أمكن عن الاقتصاد. فيما تراقب القوى النافذة حول ترمب حالته وحرجه من (ملفات أبستين)، فقد باتت تقدم له الأفكار  وتدفعه إلى مصالحها الضيقة من خلال البلطجة والنهب – وهو ما يتمشى مع شخصيته – باسم مكافحة الصين وحماية أمريكا، بينما تحقق هذه القوى مصالح اقتصادية لها، وخدماتية لدولة (الكيان) المحتل، وتتكفل لترمب بالدفاع عنه والتسويق له!

لم يكن من السهل كما يقول البروفيسور (ميرشايمر) أن يمرر اليمين الصهيوني سردياته على المجتمع الأمريكي و(الماجا) كذلك، فقد تكفَّلت لا مركزية الميديا بنقل متتابع للروايات من مختلف زواياها، ولم تعد حكرًا على أحد.

ما زاد الأمر حدةً هو إصرار تلك القوى النافذة على مواجهة (الماجا) بغرور  وتهديدات علنية متبوعة بافتراءات وتلويح مجاني بمعاداة السامية. لم يتردد بعض رموز الماجا في الرد بالقوة والصراحة المتزايدة التي استدعتها هذه العنجهية والتزييف، وقد أشعل الأمر تمامًا مقتل (شارلي كيرك) في ظروفٍ مريبةٍ وبعد تهديده العلني في ذات السياق، ثم ازداد الأمر حدة ولم يفلح نائب الرئيس (فانس) في لملمته رغم أنه تبنى دعم زوجة شارلي كيرك، وحاول جلب تيار (الماجا) لتبني تأكيدات (إيركا كيرك) حول قناعتها بشفافية التحريات حول مقتل زوجها.

وهكذا رأينا مبادىء وكلمات ولكمات واضحة ومستقيمة يرد بها المنظر الإستراتيجي لحركة (ماجا) ستيف بانون، رفقه تاكر كارلسون والنائبة المستقيلة مارغوري تايلور غرين – أول نائبة دعمت ترمب – وكاندنس أوينز وآخرون . فيما أشعل حربًا صلفةً من الطرف الآخر مارك ليفين – من المحافظين الجدد ومؤسسة اليهود الجمهوريين – والسيناتور ليندزي غراهام والكوبي المتصهين تيد كروز والإعلامي المكروه شابيرو وآخرون.

كان المؤتمر السنوي لمؤسسة كيرك نهاية العام المنصرم 2025 يعبِّر عن حدة ما وصلت إليه الأمور بين الطرفين وعلى الملأ، رغم حضور نائب الرئيس (فانس). حرص المؤتمر أن يكون جامعًا لليمين ودعا كل الأطراف في اليمين للمشاركة، رغم أن غالب الجمهور هو من الشباب و(الماجا).

لم يُضع المدعوون الوقت وأطلق (شابيرو) اليميني الصهيوني هجومًا عامًا على الطرف الآخر، رد عليه في ذات المنصة (تاكر كارلسون) بقوة وصراحة، وتبعهما في التراشق المفتوح (ستيف بانون) وباقي الأسماء من الطرفين. بات الأمر كأنك في صالة ماديسون سكوير جاردن حيث حلبة الملاكمة الأشهر، لتشاهد اللكمات تتطاير من الطرفين. وزاد عليها الجمهور بتساؤلات غير مسبوقة للمتحدثين!

من الواضح أن هناك نسقًا عامًّا لتحركات ترمب العدائية والعسكرية ضد الدول في الخارج، يتماشى مع  نزعة “المحافظين الجدد” القديمة، رغم أنه معنوَن حول النصف الغربي للعالم، إلا أنه في حقيقته حربٌ ضد الآخرين في كل موقع، وحرب مجتمعات وهويات وطاقة وثروات.

وفي ظل حقيقة عشق ترمب لإظهار القوة لجني المزيد من الشعبوية التي ترضي نرجسيته ومعها جلب الأموال، تمخضت حالة ترمب السياسية والاقتصادية وضغط القوى النافذة عليه، كي تدفعه باتجاه أزمات وتدخلات خارجية خطيرة، هي :

شكَّلت هذه العملية عودةً إلى مايشبه حقبة “رؤى كيسنجر” التي قدَّمها لعددٍ من رؤساء أمريكا في السبعينيات والثمانينيات والتي كانت بمثابة جرائم السطو على الدول، لا سيما في أمريكا الجنوبية والكاريبي. وقد بقيت هذه الجرائم في ذاكرة الأمريكيين في الشمال والجنوب، وأسالت الكثير من الحبر والقضايا ومنها ما كتبته (مجلة النيويوركر) العريقة تحت عنوان: “هنري كيسنجر.. استعادة التاريخ الأسود لرجل بلا ضمير“، حيث تعرضت بعض دول أمريكا الجنوبية والوسطى لمزيجٍ من الانقلابات والخطف والقتل تحت شعار مكافحة الشيوعية أو اليسار، كما في التخطيط لانقلاب بينوشيه في تشيلي  1973 ودعم تصفيات ديكتاتور الأرجنتين لليسار عام 1976 – ذهب ضحيتها حوالي 30 ألف – ودعم عمليات ديكتاتور السيلفادور  وغواتيمالا في مطلع الثمانينات – هناك تقديرات بحوالي 75 ألف ضحية لفرق الموت – وكذلك امتدت عبر “عملية كوندور” وهي اسمٌ للتحالف السري بين الأنظمة العسكرية في تشيلي والأرجنتين وبوليفيا وباراغواي والبرازيل وأوروغواي، بدعمٍ من الولايات المتحدة هدف إلى تصفية المعارضين اليساريين عبر خطفهم، وتعذيبهم، وإخفاء جثثهم حتى خارج أمريكا اللاتينية.

وتعتبر مرافعة الراحل “كريستوفر هيتشنز” الشهيرة في أمريكا هي الأكثر توثيقًا، ,التي نشرها في كتابٍ له عام 2011 بعنوان “محاكمة هنري كيسنجر”. طالب هيتشنز في كتابه بمحاكمةٍ قضائيةٍ لكيسنجر لارتكابه جرائم حربٍ وجرائم ضدّ الإنسانية.

أما في عهد ترمب مؤخرًا، فقد استطاع (اللوبي) المتعدد الوجوه في واشنطن ومن خلال رسم رؤيا قدمها الكوبي الأصل (ماركو روبيو) إقناع ترمب بأن عملية فنزويلا ستحقق مكاسب عديدة وكبيرة! كان الإعداد لعملية السطو هذه من خلال شعار يخدم “أمريكا أولًا” –  هو مكافحة المخدرات التي تضر بأمريكا، وقطع الطريق على استثمارات وتموضعات بكين وموسكو – إلا إنَّ هذا الأمر فقط لن يساعد ترمب على السيطرة على مقدرات فنزويلا بعد اعتقال مادورو المتهم بجريمة الاتجار بالمخدرات. كان لا بد هنا من ترويج ترمب لمكاسب نفطية سهلة وأنها ستذهب لمصلحة الشعب الأمريكي. وهو ما تبين لاحقًا أنه كان قرارًا مغرورًا متعجلًا ومبالغًا فيه!

  • تبين خلال أسابيع أن العملية خداج وبُنيت على رغبةٍ جامحةٍ وطمعٍ يصطدم بوقائع الأرض. فتغيير النظام سيعني دموية تنهي ترمب سياسيًّا. وقد بان أن خرق الحكومة وعقد صفقةَ وصايةٍ معها غير ممكن في بلد صوَّت لليسار خلال 50 عامًا. وإن كانت الرئيسة الجديدة ومن حولها فتحوا قنوات تواصل مع إدارة واشنطن، لكن لا يبدو أنه تم توظيفهم بالطريقة التي يمكن أن تحقق رغبات وطموحات إدارة ترمب. فيما باتت خيارات ترمب نحو جولة أخرى من العمليات أصعب وأعقد بكثير.
  • أمَّا شركات النفط، فباستثناء شركة شيفرون فقد نظرت إلى الأمر نظرة واقعية اقتصادية، فترمب يريد منها استخراج وتكرير النفط كي تستفيد، بينما ستنهب الحكومة الأمريكية معظم العوائد بدلًا من فنزويلا المالكة. إلا أن هذه الفوائد لن تتحقق لشركات النفط بسبب سعر النفط الدولي المنخفض وارتفاع كلفة استخراج الزيت والنفط الفنزويلي الثقيل، فضلًا عن تكريره المكلف في مصافي خاصة تحتاج لتأهيل أو بناء.
  • ظهر كذلك إشكالات عميقة تدل على سطحية مستشاري ترمب، فالنفط سيحتاج لتأهيل شبكات وبناء مرافق واستثمار على مدى سنواتٍ وفي ظل تأمينات مرتفعة في منطقة مخاطر.
  • ومن التبعات الخطيرة والارتدادات أن إدارة ترمب تعلقت بمنطق أنها تقطع بذلك الطريق على روسيا والصين في القارة الجنوبية، وهذا منطق معاكس للحقيقة، فالبرازيل كردة فعل وقائية قامت فورًا بتحركات اقتصادية ومالية وثقت من خلالها علاقتها بالصين، ومن المتوقع أن يزداد هذا النسق.
  • فيما ازدادت حساسية أكبر جارين: كندا والمكسيك، وتحركت كندا بقوة نحو اتفاقات مع أوروبا والصين، وكذلك فعلت أوروبا كما سيأتي.
  • الأثر الأهم ظهر على دول أوروبا واليابان وكوريا وتايوان، إذ إنَّ منطق ترمب هذا فتح الباب على مصرعيه كمعادلة دولية جديدة في العلاقات الدولية ووحدة الأراضي للدول، ما يعطي فرصةً وشرعيةً أكبر لتحركات وتهديدات روسيا باتجاه أوكرانيا، وللصين باتجاه تايون.
  • تأجيج حضاري واجتماعي تاريخي: شكَّل خطاب ترمب وتحركه نحو القارة الجنوبية حالةً من استعادة الوعي والذاكرة لدى سكان هذه القارة، وقصةِ استعمارها والهيمنة عليها عبر مراحل، ثم نهب أمريكا لها وقلب أنظمتها. هذا وهي تشاهد عمليًّا ما يحصل في غزة من منطق همجي.
  • جاء خطاب ترمب وتحركه وجشعه النفطي واحتلاله السافر العلني مع شعاراته العنصرية مشفوعةً بحملات تهجير لمواطني دول أمريكا الجنوبية والكاريبي، لتغذي هذه الذاكرة التي ترى وحشية وظلم هذا النظام في أمريكا الشمالية. هذا مع تلبسه بلباس ديني أصولي سيتناقض بالضرورة مع وعي شعوب القارة في الجنوب.

في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحاول أن تقنع ترمب بتفعيل  حلف الناتو والضغط على بوتين، وعدم معاملة أوكرانيا بمنطق الغنيمة، حيث يتحجج ترمب بأن أوكرانيا لم تكن ضمن الحلف ولا تتبع أراضي الاتحاد الأوروبي، وأنها قامت باستفزاز روسيا، في هذا الوقت يفاجئ ترمب أوروبا بفتح ملف أكبر جزيرة في العالم وهي جزيرة الدانمارك الأوروبية (غرينلاند) المشمولة تحت مظلة الناتو.

الصدمة كانت كبيرة في توقيتها وشكلها ومحتواها رغم أن مصدرها ترمب! وهي تمثل تنمرًا على أوروبا وطعنة لوحدة أراضيها، وبمنطقٍ أحادي إمبريالي أو تسلطي يتجاوز القوانين الغربية ذاتها وقواعد التحالف والسيادة. ما زاد من الصدمة أن ترمب وإداراته غير مستعدين للنقاش حول أي شكل سوى الاستحواذ على الجزيرة، وقصر التفاوض على عوض مالي.

يطرح ترمب الأمر كمقدمةٍ، على نفس طريقة فنزويلا من خلال اعتبار المسألة مسألة أمن قومي أمريكي داخلي، واستيفاء لحق خدمات نفطية أو حماية خلال الحرب العالمية، وكأن الأمر يقوم على مبادىء القبائل البربرية الجيرمانية!

غرينلاند هي الجزيرة الأكبر مساحة في العالم وهي تمتد بشكل طولي باتجه القطب الشمالي ومحاطة في سواحلها بسلسلة ثروات قابلة للتنجيم من المعادن المتنوعة والنفيسة. الجزيرة يبلغ سكانها قرابة 57 ألف مواطن كثرة منهم أصليون. وهناك حضور أمريكي عسكري قديم في غرينلاند بشكل غير منتظم ورادارات إستراتيجية منذ (الحرب العالمية الثانية).

حاول الأمريكان شراءها بالخيار عقب شراء (ألاسكا) الثرية بالموارد من القيصرية الروسية عام 1867 بمبلغ محدود، واستغرق الأمر قرنًا كي تُعطى ألاسكا حقوق الولايات الفيدرالية الطبيعية عام 1959، رغم أنها الأكبر مساحةً بين سائر الولايات، وهي تقابل أراضي (روسيا) من جهة المحيط الباسيفيكي وعلى بعد عشرات الأميال فقط، بخلاف غرينلاند التي تبعد عن أمريكا وروسيا مئات الأميال حيث تقع كندا بين أمريكا وغرينلاند من ناحية، وتقف الدول الاسكندنافية حاجزًا بين روسيا وغرينلاند.

وبالنظر إلى المقارنة مع ألاسكا ثم تموضع غرينلاند الجغرافي، نجد أن حجج ترمب الأمنية لا ترقى إلى عمق الأمن القومي الذي يدعيه، إذ يمكن أن يتحقيق ذلك من خلال تنشيط تحالف وامتيازات خاصة لأمريكا مع جرينلاند دون ضمِّها.

في تصورنا تشكل المساعي الأمريكي لضم جزيزرة غرينلاند أثرًا مباشرًا أخطر من قضيتي فنزويلا، وربما إيران، على أمريكا ذاتها وأوروبا. إذ إن التبعات لهذا التحرك هائلة ومتعددة سياسيًّا وعسكريًّا، منها:

  • الطريقة ومنطق الضم لا يتركان لأوروبا وكندا مجالًا لحسن الظن أو التسويف! ما يعني تغييرًا حثيثًا في طريقة تموضع أوروبا وكندا عسكريًّا واقتصاديًّا ذاتيًّا، وكذلك من منظور دولي مع باقي العالم.
  • سيكون من الحتمي تسريع أوروبا صناعاتها العسكرية والتقنية المستقلة.
  • من الطبيعي أن تتدفق تصريحات المستشار الأوروبي وماكرون بأن أوروبا أمام عصر وجودي جديد.
  • وبالنظر إلى أن حجم الممانعة في الحزب الجمهوري محدود لهذه المساعي، فإن أوروبا لم تعد تعول على أن المسألة مرتبطة فقط بترمب، بل تعي أن الخطط ليست وليدة اليوم، وقد قدمتها مؤسسات ومراكز بحث واقتصاد أمريكية محسوبة على المحافظين واليمين.
  • يفتح هذا النهج باب الشرِّ والتهديد لوحدة أراضي أوروبا على مصراعيه، متمثلًا بذات المنطق الروسي مع أوركرانيا ومولدافيا وفنلندا. أي إن القارة باتت متعرضة لابتزاز واشنطن وموسكو أمنيًّا واقتصاديًّا!
  • التقطت (السويد) إشارات الخطر فورًا، وهي تملك مئات الجزر في مناطق قريبة أو مشابهة تالية. وكذلك تملك النرويج وفنلندا جزرًا كثيرة تحت نظر روسيا، وهي من إرث القيصرية، ومن الوارد كرد فعل أن يحصل تحرك روسي نحوها في المستقبل!
  • أمام هذه التحركات وما سبق من تلويحات لترمب تجاه (كندا) تحرك (رئيس الوزراء الكندي) بصورة قوية من خلال زيارة حافلة للصين، ووقع اتفاقات غير مسبوقة، وتبادل تخفيض الرسوم الجمركية مع الصين بصورة كبيرة في قطاعات كثيرة؛ منها قطاع المركبات والزيوت. اعتبرت تحركات (كندا) دليلًا على تبعات تخبُّط ترمب، وبداية انفراط عقد الحلفاء لصالح الصين وخيارات أخرى.
  • باتت كندا تدرس أخذ صفة عضو في الاتحاد الأوروبي بشكل أولي، وبدأت بنقل اتفاقات تفضيلية في قطاع الطاقة والصناعة مع الاتحاد الأوروبي.
  • قامت فرنسا بإرسالة قوات متعددة إلى جرينلاند، وتبعها إجراءات دعم سياسي من طرف:  الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، هولندا، وفنلندا.
  • جاء الرد من طرف ترمب بتاريخ 17  كانون الثاني الحالي معلنًا:

“ابتداءً من 1 شباط 2026، ستُفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع البضائع المُرسلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية من الدول المذكورة أعلاه (الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، هولندا، وفنلندا).

  • وفي 1 حزيران 2026، سترتفع هذه الرسوم إلى 25%. وستظل هذه الرسوم مستحقة الدفع حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل”.
  • ردت المفوضية الأوروبية بنيتها تعليق الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
  • مساعي ترمب ذاتها تواجه بعض المعارضين من داخل الصف الجهوري، الذين يرون أن وحدة الناتو ومواجهة الروس أولوية، إلا أنهم لا يستعجلون الأمر ويكتفون بإشارات، إذ لا يمكن لترمب ضم أي أراضٍ – وليس احتلالها – إلا بقرار دستوري خاصٍّ. وقد توجه وفد من الجمهوريين إلى كوبنهاجن لطمئنتهم بأنهم لن يسمحوا بفرض الضم عليهم، ولعلهم يحاولون إيجاد حل ما.
  • كما قامت أوروبا بتوقيع اتفاقيات تبادل تجاري وتسهيلات تريليونية مع دول  في جنوب أمريكا كالبرازيل والأرجنتين وأروجواي، وكذلك مع دول جنوب شرق آسيا كأندونيسيا وفيتنام وماليزيا.
  • صعد ترمب الموقف زيادة، وكان رد ماكرون عليه من خلال دعوة الصين إلى توسيع الشراكة التجارية ونقل التكنولوجيا الى أوروبا. كانت هذه من المرات النادرة التي يتحدث فيها ماكرون بشكل مقصود بالإنجليزية على المنصة كي تصل الرسالة واضحة وعالية إلى أوسع نطاق.
  • جديرٌ بالذكر أن من الرشوات التي يعرضها ترمب لشق الصف الأوروبي هي غرينلاند مقابل تخفيف حجم تعهدات المشاركة المالية لدول الناتو.
  • ثم جاء مؤتمر دافوس وخطاباته الصاخبه والصريحة في بعضها والتي حملت رسائل غير مشفرة، رغم محاولة أمين عام “الناتو” إظهار أجواء ديبلوماسية. لكن كشف خطاب (ماكرون) وآخرون حجم المرارة، وكانت صراحة رئيس وزراء (كندا) لا تدع للشك مجالًا.
  • شنَّ (ترمب) انتقاداتٍ لاذعة عامَّة وشخصية، ووزع إهانات حتى (لسويسرا) الدولة المستضيفة لمنتدى دافوس، وعزا ازدهار سويسرا كغيرها إلى استفادتها من أمريكا؛ وبالتالي فعليه أن يرفع التعرفات عليها. وهكذا فإن تسييس التعرفات صار سلاحًا لجعل الاقتصاد أرجوحة يصعب الاستثمار في بيئتها وتنبؤ نجاعة العوائد في ظلِّها! ليسود منطق الخوف وعدم الثقة في أي نشاط استثماري واقتصادي، وتتحطم النظم المالية الراعية على حد رئيس الوزراء الكندي (كارني).
  • ساد منطق النكران خطاب ترمب، حين ادعى أن دول الناتو لم تقدم شيئًا لأمريكا، وغاب مثلًا عنه سقوط عشرات الدنماركيين قتلى في حلف الناتو خلف أمريكا في أفغانستان: منهم قائد القوات الدنمركية.
  • أمام وحدة الموقف الآوروبي، وردة فعلهم العملي تجاريًّا، وإعلان أوروبا عزمها تعليق الاتفاقية التجارية مع أمريكا، وتحركات كندا، والمكاسب التي بدأت تتحق للصين، أعلن أمين عام الناتو عن وجود أرضية لاتفاق جديد بين الطرفين سيتم تحقيقه بعد مزيد من المباحثات!
  • وهكذا خرج ترمب ليعلن أن الاتفاق ممكن بعد أن هدد ورفع السقف، وفي الحقيقة إن إدارة ترمب وصلت إلى أرضية اتفاق مع أوروبا كان يمكن أن تصل إليها دون إحداث هذا الشرخ الوجداني في زجاج العلاقات مع أوروبا، والتي باتت أكثر قناعةً ووحدةً حول ضرورة الاعتماد على الذات، وعدم التعويل على الولايات المتحدة حتى فيما بعد ولاية ترمب، فهناك مؤسسات أمريكية ومجموعات مصالح شجَّعت ودفعت كذلك ترمب بهذا الاتجاه!
  • ولم تكتفِ أوروبا بذلك، بل استمرت بتسريع وتيرة تحركِّها العملي وردِّها على أمريكا وروسيا، الذي يبدو أنه كان شبه جاهزٍ، فقد وقعت اتفاقية تجارية غير مسبوقة مع (الهند) بعد 20 عامًا من المفاوضات، سرَّعتها وحسمتها في أوروبا في أسابيع كبديلٍ إستراتيجي، ولتملأ الفراغ الأمريكي مع الهند، أسوةً بما فعلته أوروبا من اتفاقيات مع دولٍ مهمة في أمريكا الجنوبية كذلك. وقالت المفوضية الأوروبية، في بيان: “إن الاتفاقية ستسهم في تعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية بين الاتحاد الأوروبي والهند، باعتبارهما ثاني وخامس أكبر اقتصادين في العالم”، مشيرةً إلى أن الاتفاق يمثل أكبر صفقة تجارية يُبرمها الطرفان حتى اليوم.
  • واتفاقية أمنية ودفاعية: حسبما أعلن الاتحاد الأوروبي كذلك، وقع التكتل والهند اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية استجابةً لبيئة إستراتيجية متزايدة التحديات، ولتعزيز التعاون بين الطرفين. ووفق البيان الأوروبي ترسخ هذه الاتفاقية إطارًا شاملًا يحدد مستوى الطموح الإستراتيجي للاتحاد الأوروبي والهند، وينظم تعاونهما في مجالات السلام والأمن والدفاع.

يجمع المراقبون على أنَّ توقيت هذا التحرك الأخير ضد إيران، والذي توج في كانون الثاني 2006، لم يكن مجرد ردة فعلٍ على تحرك الشارع الإيراني، وإنه كان ضمن مسارٍ تركيبي متعدد الخيارات لدى ترمب ذاته، بغض النظر عن مدى ضغط حلفائه الجمهوريين مثل السيناتور ليندزي غراهام فضلًا عن خطط نتنياهو… بل إن هذا التحرك الجديد ضد إيران بدأ كخطة مستمرة مركبة منذ شهور ذات مراحل صعَّدت العقوبات الاقتصادية والعزلة وخنق الأسعار والمواطن الإيراني، مع استمرار تحريض ذات المواطن المسكين والشارع الإيراني، كما رافق هذا التحرك إعادة ضخ وتموضع شبكات المخبرين والمتجسسين والمحرضين داخل إيران، مستغلين وجود فسادٍ فعلي متزايد، إذ لم ينجح (بازيشكيان) بكبحه، بسبب فعل التضخم والعقوبات وخنق الحريات السياسية القديم.

هذا الطريق يفضله ترمب، حيث قد يسمح له عقد صفقة ضاغطة تجرد إيران من برامجها وكذلك تضطرهم لصفقة اقتصادية برغماتية، مع التلويح بقدرته على قلب النظام بصورةٍ ما، حتى لو احتاج الأمر إلى سلسلة ضربات متنوعة لا سيما لبعض أهم رموز النظام، وشمل هذا فعلًا إعلان أن المرشد خامنئي قد يتعرض للاستهداف.

ثم أتت مرحلة زرع مستقبلات الإنترنت وشبكات ستارلينك الفضائية من طرف إيلون ماسك؛ كي تديم التواصل والتحرك الذي جاء فعلًا على مدى أيامٍ صاخبًا وعنيفًا من الطرفين، وسقط المئات من القتلى من الجانبين مع حرصٍ على زيادة الجرعات بدس مسلحين بين المتظاهرين، ربما من طرف جهات من خارج طهران.

كان من اللافت حرص ترمب على أن يكون خطابه التهديدي تبعًا للمواجهات في الشارع، في رسائل سياسية للداخل الأمريكي ودوليًّا، رغم أنه كان يضغط في مفاوضات مسقط وغيرها من أجل تسليم إيران لبرامجها النووية والصاروخية، ولم تكن مسألة الحريات هي محور أساس سوى أنها فزاعة!

إلَّا أنَّ القيادة الإيرانية استوعبت الدرس والمبادرة على مستوى الاختراقات والتجسس، ونجحت في قطع الاتصالات وتعقب شبكات ستارلينك وتعطيله – يبدو استحالة ذلك دون مساعدة الصين – ما أدى إلى انحسار المظاهرات.

وفي ذات الوقت سعت المملكة العربية وقطر وعمان وتركيا إلى تنبيه ترمب إلى أنَّ سقوط النظام الإيراني دون وجود بديلٍ وخطة محكمة (لليوم التالي) سيكون له تبعات على الاستثمارات الاقتصادية في المنطقة، والتي يستفيد منها ترمب ثم أمريكا. جاء هذا مع إخفاق إدامة حركة الشارع وتصعيدها.

ليس من الواضح كذلك مسألة فشل أمريكا ومحاولتها في الوصول لاتفاق مع أطراف من داخل النظام الإيراني على تبديل جِلد النظام الإيراني رغم وجود خروقات وشخصيات ستقفز من المركب حين يبدأ بالغرق. لكن نحن نعلم حتمًا أن الأمر كرٌّ وفرٌّ  وفحصٌ  واختبارٌ ، ومحاولات ستستمر بانتظار فرصٍ وأحداثٍ تسهم في المحاولة مجددًا، لا سيما مع قرب رحيل المرشد (خامنئي) واستمرار الحصار الاقتصادي.

كما أظهرت الأحداث أن هناك تخوفًا فعليًّا من طرف تل أبيب من ردٍّ قويٍّ جدًّا يفوق كثيرًا الردَّ الصاروخي الإيراني في حرب ال12 يومًا، ولعل التصعيد الذي حصل كان محاولة استخباراتية فضائية لدراسة تجهيزات إيران العسكرية الجديدة قبل الضربة الكبرى الواردة، وذلك في ظل عدم تضعضع النظام الإيراني أو سحقه إلا بهجوم شامل غير مسبوق، على طريقة نتنياهو، ولكن حتما بمساهمة أمريكية كبرى!

في ظل المعطيات السابقة، ومع ضغط (الماجا) العكسي الذي زاد من حدة تحذيراته لترمب من الانسياق خلف نتنياهو ولوبياته، قرر ترمب أن يحسم تردده مؤقتًا نحو مزيد من التريث والمفاوضات، وإن كان كما يبدو يحشد ترمب لخيار قد يكون عسكريًّا صرفًا. وقد يعوض العمل الشعبي في الشارع الاستعانة (بالأكراد) في شمال غرب إيران، وكذلك (البلوش) من الشرق.

من استقراء تصريحات وعقلية ترمب، والحالة العراقية عقب صَدَّام، يمكن أن نعزو ذلك إلى جملة احتمالات:

–  رئاسة ابن الشاه قد تعني سهولة رفع العقوبات وتفادي التسلط الأمريكي المباشر على ثروات إيران، وصناديق الوصاية على عوائد النفط بطريقة تشابه ما جرى في العراق، وهو لا يصب في جشع إدارة ترمب المطلق… وهناك لترمب تصريح قديم جدًّا في الثمانينيات يستهجن فيه عدم السيطرة على عوائد نفط إيران بعد سقوط الشاه أيام الخميني.

– كون المعارضات الإيرانية (الفارسية) من “حركة خلق” إلى  “حزب توده” و”الملكيين”، يسارًا ويمينًا، يجمعون على ضرورة (وحدة إيران) كاملة، لا سيما تحت التأثير التاريخي والوجداني بعد نزع أذربيجان وأرمينيا من إيران الكبرى قبل قرن، وتهجير كثرة من الكرد من أذربيجان إلى (شمال غرب إيران).

– هناك مدرسة إستراتيجية جديدة في إدارة ما بعد الثورات، بدأت تتشكل تقوم على (ثورة مضادة) من داخل النظم، هي أقدر على عقد الصفقات مع الخارج… ويقال إن هذا النمط يجري العمل عليه في (فنزويلا وإيران).

هذا هو عنوانٌ لما ورد في مقالة عمود كاشفة في )الوشنطن بوست( للخبير الأمريكي الشهير (فريد زكريا) وصاحب برنامج (جي بي إس) في ،CNN وتاليًا ترجمة له:

“لطالما صُوِّرت أوروبا على أنها منقسمةٌ لدرجة تعجزها عن العمل، وخاملةٌ لدرجة تعجزها عن اتخاذ القرارات، ومسترخيةُ لدرجة تعجزها عن التفكير الإستراتيجي. إلا إنَّ أوروبا خلال العام الماضي، تصرَّفت بذكاء هادئ يناقض هذه الصورة النمطية. ففي مواجهة الولايات المتحدة غير المتوقعة، لم تلجأ إلى الهجوم ولم تستسلم، بل تكيفت.

عندما عاد الرئيس دونالد ترمب إلى منصبه وفرض أعلى تعرفات جمركية في البلاد منذ قرن تقريبًا، توقع الكثيرون أن ترد أوروبا بالمثل. كان من شأن حرب تجارية عبر الأطلسي أن تغذي التضخم، وتعطل سلاسل التوريد، وتضعف النمو الهش أصلًا. لكن أوروبا قاومت هذا الإغراء، وامتصت الضغوط، وتجنبت التصعيد، وكسبت الوقت. هذا الضبط للنفس حال دون انزلاق الاقتصاد العالمي نحو دوامة هبوطية.

ثم، في الأسبوع الماضي، تحركت أوروبا. فبعد 25 عامًا من المفاوضات المتعثرة، وافقت دول الاتحاد الأوروبي على اتفاقية تجارية شاملة مع البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي. وفي حال التصديق عليها، ستُنشئ واحدةً من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم من حيث عدد السكان، إذ تضم أكثر من 700 مليون نسمة.

ولا يُعدُّ التقارب مع أمريكا اللاتينية خطوةً معزولة. ففي الأسابيع الأخيرة، أشارت بروكسل وبكين إلى أنهما قد حلتا مجموعةً جديدةً من الخلافات التجارية، التي كانت تُنذر بالتحول إلى مواجهةٍ أوسع نطاقًا بشأن السيارات الكهربائية والدعم الحكومي والوصول إلى الأسواق. ولا تزال أوروبا حذرةً من السياسات الصناعية والنظام السياسي الصيني، لكن الاتحاد الأوروبي ينظر الآن إلى الصين كشريكٍ لا غنى عنه.

في الوقت ذاته، كثَّفت أوروبا جهودها للتواصل مع جنوب شرق آسيا. وقد أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارية مع سنغافورة وفيتنام، وأنهى مفاوضاته مع إندونيسيا، ويواصل محادثاته في جميع أنحاء المنطقة. وتُعدُّ المنطقة بالفعل ثالث أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي خارج أوروبا.

إنّ هذه النزعة نحو التنويع تتجاوز حدود أوروبا بكثير. لنأخذ (كندا) مثالًا، فعلى مدى ثلاثة عقود، راهنت أوتاوا رهانًا إستراتيجيًّا واضحًا: إنَّ مستقبلها يكمن في تعميق اندماجها مع الولايات المتحدة، اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا وسياسيًّا! وفي عام 2024، تدفقت أكثر من 75% من الصادرات الكندية جنوبًا. وكانت هذه إحدى أنجح قصص الاندماج في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

لقد تلاشت تلك الثقة الآن،إذ فرضت تعرفات ترامب الجمركية، وتهديداته بإعادة فتح الاتفاقيات التجارية، وتصريحاته الغريبة بشأن ضم كندا، إعادة نظر في الموقف. وقد ردَّ رئيس الوزراء (الكندي) الجديد، مارك كارني، بالسعي علنًا إلى النأي بنفسه عن واشنطن. ولدى وصول رئيس الوزراء (الكندي) إلى (بكين) هذا الأسبوع، صرَّحت وزيرة الخارجية الكندية، أنيتا أناند، بوضوح: “من الضروري لنا تنويع شركائنا التجاريين، وزيادة تجارتنا مع الدول غير الأمريكية، بنسبة 50% على الأقل خلال السنوات العشر القادمة”. في تقديري هذا ليس تحوطًا، بل هو تحول إستراتيجي جذري.

تكشف بيانات التجارة الصينية أن العالم لا يتجنب المخاطر المرتبطة ببكين، بل بواشنطن. فعلى الرغم من الانخفاض الحادِّ في الصادرات إلى الولايات المتحدة، إلا أن إجمالي صادرات الصين لا يزال في ازدياد. وقد ارتفع فائض الصين التجاري إلى ما يقارب 1.2 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، مع التوسع السريع في الشحنات إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا ومعظم أنحاء آسيا. ولم تعزل الرسوم الجمركية الصين عن العالم، بل شجعت العديد من الدول على مواصلة التجارة مع بكين.

يعكس الرأي العام هذا التحول. فقد أظهر استطلاع رأي جديد مهم أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن نسبة المستطلعين في القوى الصاعدة الرئيسة – الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا – الذين يفضلون انضمام بلادهم إلى كتلة تقودها الولايات المتحدة، بدلاً من كتلة تقودها الصين، انخفضت بما يتراوح بين 15 و19 نقطة مئوية في غضون عامين فقط. ومن بين عشر دول أوروبية، يصف 16% فقط أمريكا بأنها حليف – بينما لا تزال الأغلبية تعتبر الولايات المتحدة شريكًا رئيسًا – في حين أن الآراء تجاه الصين لا تزال متباينة وليست إيجابية. وكما قال (وزير خارجية سنغافورة) السابق، جورج يو مؤخرًا، فإن ترمب “يُسرِّع وتيرة المستقبل… نحو التعددية القطبية“!

إن ما هو على المحك هنا ليس صورة أمريكا، بل قوتها المستقبلية. تعمل الصين بشكل منهجي على بناء أحد أكثر النظم الاقتصادية مرونة في التاريخ الحديث، حيث تهيمن على معالجة المعادن الحيوية، وتحقق حجمًا كبيرًا في مجال البطاريات والمركبات الكهربائية، وتنوع أسواق التصدير لمواجهة الصدمات والعقوبات والتعرفات الجمركية.

إنّ الرد الأمريكي الوحيد الموثوق ليس فرض تعرفات جمركية – والتي تزامنت خلال العام الماضي مع انخفاض فرص العمل في قطاع التصنيع – بل بناء منظومة صناعية خاصة بنا. لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بميزة استثنائية: شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء الذين يسيطرون مجتمعين على معظم التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال والعمالة الماهرة والطلب الاستهلاكي في العالم. نظريًّا. يمكن لهذا التحالف الحصول على المواد الأساسية من الدول الصديقة، ونشر التصنيع عبر شركاء موثوق بهم، وتبادل الأبحاث، وترسيخ أسواق مفتوحة ومستقرة.

في الواقع، أهدرت أمريكا الكثير من تلك الميزة. فمن خلال معاملة حلفائها كزبائن، واستخدام التعرفات الجمركية كسلاح ضدهم، وتحويل الالتزامات طويلة الأمد إلى ابتزاز، شجعت واشنطن الآخرين على التحوط! والأكثر غرابة، أن الولايات المتحدة لم تعد رائدة في هذا المجال، بل تتراجع نحو الحمائية والقومية في حين يسعى العالم إلى مزيد من التجارة والتعاون.

لعقود طويلة، بُني النظام العالمي على أساس أمريكي. وتدفقت التجارة عبر مؤسسات صممتها الولايات المتحدة. واستند الأمن على ضمانات أمريكية. وأدارت واشنطن الأزمات، سواء كان ذلك جيدًا أم سيئًا. ورُسمت الأجندة العالمية في واشنطن. لا يزال هذا الأساس قائمًا، لكن العالم لم يعد يبني عليه، بل يبني حوله”!

 عن مقالة فريد زكريا في الواشنطن بوست بعنوان:

“The world is adjusting to an unreliable United States”

إن كان ترمب يريد منافسة أو محاربة (الصين) حقًّا، فقد ضلَّ الطريق؛ لأن مستشاري ترمب أولوياتهم مختلفة، ولا بدَّ من ملاحظة أنَّ :

– حلفاء أمريكا لا يقلون ارتباطًا تجاريًّا بالصين عن حلفاء الصين.

– الصين قادرة على ضبط الإيقاع، ولديها استعدادات ووحدة قرار وخطط جاهزة.

– لا تستطيع مواجهة الصين والداخل سيشتعل في أمريكا ولديك انتخابات صعبة.

– والصين لديها بنى تحتية عامة وتكنولوجية أكبر من البنى التحتية الأمريكية.

–  والموارد البشرية الصينية المؤهلة الماهرة من المهندسين وغيرهم تفوق أمريكا كثيرًا.

– كيف ستنتصر وأنت تضحي بحلفائك لصالح الصين؟!

زر الذهاب إلى الأعلى