الولايات المتحدة إلى أينملفات

تصدُّعات أمريكا من الداخل واجتماع الأزمات: كيف يُسرِّع ترامب من التراجع الكبير

خلصنا في المقالة السابقة إلى أنَّه خلافًا لما يظنه كثرٌ، ما يحدث اليوم في أمريكا خلال العقد الأخير ليس وليد هذه الحقبة، ولا وليد الحالة الترامبية ومحيطها، بل هو نتاج سلسلةٍ متتابعة من التفاعلات المجتمعية والاقتصادية والسياسية بدأت زمنيًّا – وإن كانت جذورها الفلسفية ضاربة – بُعيد أفول “الجيل العظيم” حسب المصطلح الأمريكي، أي جيل الحرب العالمية على حدِّ تعبير توم بركاو، ووليام شتراوس.

وتناولنا البنية السياسية الأمريكية وبعض الاشتباكات المجتمعية الحالية وأسبابها التي مهّدت للشعبوية الترامبية كنتيجةٍ، وشملت (عدة محاور) هي: فلسفة النظام الديمقراطي الأمريكي حسب توكفيل، وصدمات النيوليبرالية، ودفاع فوكوياما عن الليبرالية ومناقشته، وشَلَلُ الجمهوريين التقليديين، ثم حالة اليسار.

واستعرضت الدراسة السياق البنيوي والتركيبة الفكرية والنفسية التي منحت الترامبية الزخم السياسي والأيديولوجي لقيادة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة. وهو اليوم بدعم شركائه ورعاته نصَّب نفسه “رئيس مجلس إدارة أمريكا”.

واستنتجنا كذلك أنّ حقبة ترامب في البيت الأبيض ستبقى رهينة الانقسام السياسي والثقافي غير المسبوق بين مؤيديه – أغلبهم من البيض – وبين المدافعين عن أمريكا التعددية والتنوع العرقي والثقافي.

ويمكن اختزال هذا النزاع المتفاقم في أنه نزاع هويات مفتوحٌ على مصراعيه، كما أنه ردُّ فعلٍ على المضاعفات السلبية للأزمة المالية عام 2008 وتصاعد معدلات البطالة وقتها.

واليوم يقف (ترامب) ومن يرعاه والبلاد أمام تحديات ضخمة تفرض نفسها على مستقبل أمريكا، هي حتمًا ومهما كانت النتيجة، تضع أمريكا على سكة جديدة، ولن تعود أمريكا كما كانت([1]).

في هذه (المقالة) سنتناول: توازن الآباء المؤسسين المفقود اليوم، وماهية السياسات الترامبية، ثم معضلات وتحديات أمريكا الهائلة.

“الآباء المؤسِّسون” مصطلحٌ أمريكي يُقصد به أولئك الذين أسسوا الدولة والدستور. يقول غراهام إليسون في كتابه (أسطورة النظام الليبرالي): أدرك الأميركيون منذ التأسيس ضرورة إعطاء الأولوية لضمان الحرية في الداخلعلى الطموحات المتقدمة في الخارج. كان الآباء المؤسسون على وعي تامٍّ بأن بناء حكومة يتولى فيها المواطنون الأحرار حكم أنفسهم مهمةٌ خطرة وغير مضمونة العواقب.

وكان من بين أصعب الأسئلة التي واجهوها كيفية إيجاد حكومة قوية بما فيه الكفاية لضمان حقوق الأميركيين في الداخل، وحمايتهم من الأعداء في الخارج، دون جعل تلك الحكومة قويةً إلى حد إساءة استخدام سلطتها.

لم يكن حلهم مجرد “فصل السلطات” بين الفروع التنفيذية والتشريعية والقضائية وحسب، بل إقامة (مؤسسات منفصلة تتشارك السلطة)، كما كتب المتخصص في الشؤون الرئاسية (ريتشارد نيوستات): “كان الدستور الأميركي دعوةً للنضال”.

منذ تلك البداية، ظلت التجربة الأميركية على الدوام في عملية قيد العمل والإنجاز. وقد مالت إلى الإخفاق في أكثر من مناسبة، لكنها تجاوزتها. وعندما سأل أبراهام لينكولن: “عمّا إذا كان بمقدور تلك الأمة أو أي أمة نشأت على تلك الشاكلة… البقاء طويلاً، لم يكن سؤاله بلاغيًّا. لكن الأمة الأميركية أظهرت مرارًا القدرة على تجاوز المنعطفات. وظل واجب الزعماء الأميركيين المتكرر طوال أيام المحنة إظهار أنه يمكن لليبرالية البقاء في بلدٍ واحدٍ على الأقل (حسب وصف غراهام إليسون).

ويُعدُّ نموذج (ترامب) أحد التهديدات الراهنة التي قد تكون مدمرةً… لا شكّ أن انسحابه من مبادرات أيدتها الإدارات السابقة بهدف تعزيز التجارة، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة أمر يزعزع الاستقرار، وأنّ عدم فهمه للقوة المتأتية من الوحدة مع الحلفاء قضية تثير القلق، غير أن صعود الصين، وانبعاث روسيا، وانخفاض حصة الولايات المتحدة من القوة العالمية يطرح كلٌّ منها تحديات أكبر بكثير من ترامب. كما يستحيل علاوة على ذلك تفادي السؤال: أليس ترامب عَرَضًا أكثر منه عِلّةً؟!

طرح عليّ مسؤول صيني رفيع المستوى سؤالًا محرجًا أثناء زيارة قمت بها مؤخرًا إلى بيجينغ. قال: لنفترض أن شخصية ترامب وتجربته تجعلانه غير مؤهل لزعامة أمة عظيمة كما يعتقد قطاع كبير من النخب الأميركية، على من تقع اللائمة إذن في كونه رئيسًا؟ أعلى ترامب؛ لانتهازيته في اقتناص النصر، أم على النظام السياسي الذي سمح له بفعل ذلك؟

لا أحد ينكر أن حكومة الولايات المتحدة فاشلة في شكلها الراهن. بل كانت الطبقة السياسية قبل مجيء (ترامب) بفترة طويلة قد أفقدت نفسها المصداقية بتورطها في حروب فاشلة لا نهاية لها في أفغانستان والعراق وليبيا، بالإضافة إلى الأزمة المالية والكساد الكبير.

هذه الكوارث أضعفت الثقة بحكم الذات الليبرالي أكثر ممّا كان بمقدور (ترامب) فعلهحتى في أسوأ تخيلات ناقديه، باستثناء ارتكابه خطأً يؤدي إلى حرب كارثية خارجية أو حتى اضطرابات داخلية عامة. لذلك يبقى التحدي الأساس لدى الأميركيين المؤمنين بالحكم الديمقراطي ليس بأقل من إعادة بناء ديمقراطية فعالة في الداخل([2]).

كذلك، تحفّز الترامبية مخاطر عديدةٍ بسبب جمعها بين (الغوغائية) و(القومية الاقتصادية) لاستعادة “عظمة أمريكا” البيضاء، وتطبيع لغة الكراهية والعدائية عند صناعة الآخر في الداخل والخارج. يقول كريس هيدجز: لقد ارتفع نجم الغوغائيين وهوى مثل المدّ والجزر، وخلّفوا دائمًا وراءهم البؤس والدمار والموت. هم يستغلون مشاعر الإحباط والغضب التي تولد في مجتمع منحلّ. يقدّمون وعودًا رائعة لن يستطيعوا أبدًا الوفاء بها. يشوّهون الضعفاء ككبش فداء وينشرون خطاب الكراهية والعنف. وهم يطالبون بعبادة إلهية لهم، ويستهلكون الفئات المحكومة([3]).

يقول د. محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية: “تُشكِّل حقبة دونالد ترامب في البيت الأبيض منذ يناير 2017 ولايةً رئاسيةً غير اعتيادية تفتقر إلى الحنكة السياسية والدبلوماسية بفعل مزاجيته وارتجاليته وفلسفته في الحكم. وعلى خلاف أي مرشح آخر في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث، يتمسك ترامب بمسافة شاسعة بين خطته وخطط خصومه من الجمهوريين والديمقراطيين، إذ يقول: “وضع أمريكا أوّلًا، والنزعة الأمريكية (Americanism) وليس النزعة العالمية (Globalism) ستكون عقيدتنا. و”طالما” أننا محكومون من قبل سياسيين لم يضعوا أمريكا أوّلًا، فلنكن متأكّدين أنّ الدول الأخرى لن تُعاملها باحترام“.

من هذا المنطلق المندفع نحو مصالح “أمريكا أوَّلًا” كإستراتيجية لاستعادة “عظمة أمريكا من جديد”، أصدر الرئيس ترامب في أول 100 يومٍ من بداية ولايته الثانية 149قرارًا تنفيذيًّا مثيرًا للجدل، ما يُعدُّ رقمًا قياسيًّا. وتنمُّ هذه القرارات عن فلسفة حكمٍ تدفع بأمريكا ومؤسّساتها وقيمها نحو اليمين المتطرّف في بُعدها([4]).

 يمكننا في هذا الصدد تفكيك خطاب ترامب وفلسفته التي أوصلت تحالفه إلى سدة الحكم ثم تمكّنت منه، وبدأت بإعادة تشكيله بصورةٍ غير مسبوقةٍ، إلى أقسامٍ أساسية، اتخذها كفلسفةٍ سياسيةٍ تمنحه مشروعيةَ ما يقوم به:

في غياب الإجماع التقليدي مع دخول الرؤساء البيت الأبيض، تستمرُّ المظاهرات الشعبية والسّجالات السياسية المحتدمة في تحدّي قرارات الرئيس ترامب. وقد وصلت أمريكا في مناحٍ غير مسبوقٍ من الاستقطاب والتشرذم إلى معسكرين رئيسين:

 الأول: المحافظون اليمينيون المتطرفون في عمق أمريكا أو الولايات الوسطى التي يعتمد اقتصادها أساسًا على الصّناعة والزّراعة.

والثاني: الليبراليون التقدميون في الولايات الساحلية الشرقية. وقد نعى العديد من الديمقراطيين والمستقلين “وفاة” الديمقراطية الأمريكية، وأعلنوا خشيتهم من حلول عهد جديد من الحكم الاستبدادي.

لا يُخفي المؤرّخ الأمريكي نيل جابلر (Neal Gabler) تشاؤمه في مقال بعنوان: “وداعًا أمريكا” (Farewell America) قائلًا: توفيت أمريكا يوم 8 نوفمبر 2016 ليس بسبب إثارة الضجة أو مشاعر التذمّر، ولكنّ لما فعلته بيدها بالإقدام على انتحار انتخابي. نحن الشّعب اخترنا الرّجل الذي يُمزّق قيمنا وأخلاقنا ومبادئ التعاطف والتسامح واللياقة ومفهومنا للهدف المشترك وهويتنا، كل الأمور التي، مهما كانت هشاشتها، أقامت أمة من بلد([5]).

ويلاحظ البعض أن بانون وترامب “كانا يمهّدان الطريق لكي يقود البيت الأبيض القومية الاقتصادية والشعبوية. وهذه ليست فكرة محافظة، بل هي أمر خطير جدًّا([6]).

تشكّل هذه العدمية أيضًا حسب تصوير ترامب أكبر تهديدٍ للحزب الجمهوري، ولقد كتب ترامب مسوِّغًا توجهه الشعبوي الصارخ: إنّالترياق الوحيد لعقود من الحكم المدمرة من قبل حفنة صغيرة من النخب هو ضخّ جرعة من الإرادة الشعبية الجريئة، في كل قضية رئيسة تؤثر على الدولة… لأنّ الشّعب على حقّ والنخبة الحاكمة دائمًا على باطل([7]).

ويتمادى ترامب في اتهام المؤسسة (establishment)، كناية عن واشنطن بما فيها البيت الأبيض والكونغرس بخيانة الطبقة المتوسطة، ويهاجم (نظام الرعاية الصحية) الذي يفتخر به (أوباما) وكذلك الاتفاق النووي مع إيران، وبِدء أوباما علاقات جديدة مع كوبا، واتفاقية التعاون عبر المحيط الهادئ المبرمة، ويواصل ترامب السّخط أيضًا على النخبة المثقفة ومنها وسائل الإعلام([8]).

إنّ استخدام (ترامب) لغة بسيطة لا تعلو على لغة الشارع، نتيجةٌ لعنصريْن أساسيْين:

 أوّلهما: محدودية الثقافة السياسية لدى (ترامب).

 وثانيهما: المستوى الدراسي والمعرفي لجلّ مؤيديهالذين لم يدخلوا الجامعة ولم يحصلوا على شهادات متقدمة.

من هنا لا نستغرب اعتماد ترامب في أركان إدارته على مقدمي برامج، لا سيما من (قناة فوكس)، على رأسهم (بيت هيجسيت) و(تلسا غابارد)، والأهم كرهه للمثقفين وذوي الشهادات العلمية، بل وازدراؤه للجامعات والتعليم المتقدم، وهو نهج يؤكده أعضاء إدارته الذين يفتقدون للمعرفة، ويتكرّس في الاستخفاف بالمؤسسات البحثية والعلمية، لا سيما في مجال تأثير المناخ والبيئة والمصانع والحفر النفطي وانبعاث الكربون!

ولا تحيد إستراتيجية ترامب في هذا النطاق عن الخط العام للشعبوية كأيديولوجية تقوم على تجييش الأفراد المتجانسين ضد مجموعة النخبة، واعتبار من يشملهم تصنيف “الآخرين بخطيرين” من خلال التلويح بأنهم حرموا أو يحاولون حرمان الشعب ذي السيادة من حقوقه وقيمه ورفاهيته وهويته وصوته([9]).

“ويتمسك الشعبويون بالدعوة إلى الانقسام وليس إلى الوحدة. هم يقسِّمون المجتمع إلى “مجموعتين إحداهما متجانسة والأخرى عدائية… إلا أنّ تصوير ترامب لهذه الانشطارية بين “نحن” و”هم” ليست عفوية أو بريئة، بل تعكس منحى آخر من مناحي التسخير الأيديولوجي لخطاب الشعبوية، وفي استغلال الانطباع العام بشأن الهوّة الفعلية أو المفترضة بين النخبة السياسية في واشنطن وعامة الشعب الامريكي – هذه الهوّة حقيقية وموجودة – وهي بذلك تمثِّل امتدادًا للمنطلق الغوغائي الذي تبناه ترامب منذ البداية وإحدى أوراق اللعب التي استقطب بها أنصاره حتى بين فئات المتعلمين”([10]).

يمتد القلق من تنامي قوة “الآخر” في نظر مؤيدي ترامب إلى المناداة بتكريس الانعزالية والحمائية الاقتصادية إزاء الدول الأخرى وفرض “التعرفات” المبالغ فيها حتى على أقرب الحلفاء والجيران مثل كندا. كل ذلك طبعًا من مدخلات الاقتصادية القومية، وغلو الهوية، ومداعبة الناخبين بالثأر من عولمة النيوليبرالية، رغم أننا سنرى كيف أنّ النيوليبراليين عادوا من بوابة ترامب بشكل أشد شراهة.

يقول (محمد الشرقاوي) البروفيسورفي جامعة (جورج ماسون) قرب واشنطن: “وهكذا يدعي ترامب أنّ “الصين أكلت غذاءنا وهي تمصّ دم الولايات المتحدة”. ويلوي ذراع الدول بقبول منتجات وسلع أمريكية بنفس القيمة في أسواقها، ويعلن أنه سيغرّم الشركات الأمريكية التي تفتح معامل في الخارج بضريبة قد تصل إلى نسبة 45 في المائة إذا أرادت عرض منتجاتها داخل أمريكا. ومن هذا المنطلق، قرر ترامب أيضًا التحلّل من عضوية الولايات المتحدة في اتفاقية دول المحيط الهادئ (TPP)، وقام باستبدال اتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك (NAFTA) باتفاقية (USMCA)  مع الدولتين بشروط أكثر تشددًا([11]).

يبدو كذلك أن ما يحرّك ترامب هو نرجسية الرجل القوي، الذي يعتقد أن من الممكن تحويل قدرته على إبرام الصفقات المالية والتحايل على الطرف الآخر إلى التوصل إلى صفقات سياسية والتعالي على رؤساء الدول الأخرى… ويدفع ترامب باتجاهوضع العلاقات الدولية على مسارٍ  انفرادي للتعامل والتفاوض على التعرفات وغيرها مع كل دولة على حِدةٍ، ومن أخطر ما يتّسم به الرئيس ترامب في التعامل مع الدول الأخرى هو ميوله إلى الارتجالية والمزاجية إلى حدٍّ يؤرّق الكثيرين حتّى بين مستشاريه… فيما لا يفكر هؤلاء المناصرون لترامب مليًّا في أنّ هذه السياسة الحمائية ستأتي بعواقب سلبية على الاقتصاد، بفعل ارتفاع الأسعار  والتضخم نتيجة التعرفات الجمركية”([12]).

ويدّعي ترامب أنه “رجل تسوية المشاكل بامتياز”… ويقول: “دخلت الساحة السياسية حتى لا يواصل الأقوياء قهر الشعب الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه”. ويشدد على أنّ “لا أحد يعرف النظام القائم أفضل مني، وهذا ما يفسر لماذا أكون الوحيد القادر على تسوية تلك المشاكل”([13])!

لقد أحسن من لخَّص الأمر بعبارة: التعرفات هي أسوار أشد من الحدود في عالم الاقتصاد الليبرالي!

يعالج البروفيسور الشرقاوي هذا الموضوع برمته، قائلًا: معارضة الهجرة غير الشّرعية إحدى لبنات الترامبية، وهي معارضة تحمل في طياتها عدم ارتياح أغلب المحافظين اليمينيين من تزايد أعداد المهاجرين بمعدل مليون شخص كل عامٍ في الولايات المتحدة. ونجح ترامب في تطبيع خطابٍ عنصري ضدّ المهاجرين… وينمُّ شعاره المنادي “باستعادة عظمة أمريكا” عن الرغبة في التمسّك بفكرة “الاستثناء الأمريكي”، وهو يمثل بالنسبة له “استثناء أمريكا البيضاء”… ويعتمد ترامب سياسة الهوية وصناعة الآخر إلى حدِّ أنّ سائر الأقليات تدخل في مصاف “الآخر”؛ لأنه عندما ينادي بضرورة استعادة عظمة أمريكا، فإنه عمليًّا يريد استعادة الصفاء الأبيض أو أمريكا البيضاء ذات الأصول الأوروبية. وهو يسعى إلى تعميق الهوّة بين “الأنا” الإيجابي و”الآخر” السلبي…!

ولا عجب أن يستقي ترامب ومن قبله (ستيف بانون) أفكارهما من أطروحة (صامويل هنتنغتون) في تبنِّي فرضية اقتراب حقبة “الصراعات الحضارية” في القرن الجديد… ويجسّد ترامب في أعين مؤيديه بطلًا لسياسة الهوية والتي يعتمدها معيارًا في تعاطفه مع فئة “الواسبس”، ومعاداته شتى الأقليات التي أصبحت تهدد القوة الاقتصادية والمركز الاجتماعي والنفوذ الثقافي اللذيْن كانا حكرًا على هذه الفئة البيضاء خلال حقب التاريخ الأمريكي الحديث. وكأنّ ستيف بانون بعث شعار روزفيلت الدفاع عن مصلحة “الرجل الأبيض العامل المنسي”.

تنطوي الخطب الحماسية لترامب على مفارقة مثيرة حينما تثير تصريحاته الشعور بالروح الوطنية المشتركة، وهي روح وطنية تتغذى على الشعور بالهوية المشتركة والتفكير الجماعي والتضامن، وتضخ الشعور بالانتماء إلى فئةٍ اجتماعية يقودها زعيمٌ قوي. ثم تتحوّل تلك “الروح الوطنية” نفسيًّا وذهنيًّا إلى حبّ الذات الفردية لدى ترامب وحب الذات الجماعية لدى الجمهور، كإحدى “القيم النبيلة” التي يتعين الدفاع عنها ضمن حملته على الكثير من المحظورات السياسية والاجتماعية، على الرغم من أنّها من تجليات تضخم النرجسية لدى “جيل الأنا” الذي يمثله ترامب.

تدريجيًّا، تنتقل تلك “الروح الوطنية” إلى مسار “القومية” التي يؤججها ترامب بالدعوة إلى الفخر الجماعي لهذه الفئة الاجتماعية، ويُوشيها بميول “شوفينية” معادية للمهاجرين والمسلمين وسائر الأقليات.

وعلى هذا المنوال، يستثمر ترامب في توظيف “الروح الوطنية” في خدمة نزعته “القومية” غير المعلنة. قد يبدو ترامب ظاهريًّا في أعين مناصريه أنه زعيم وطني يريد حماية أمن بلاده وتعزيز إجراءات الأمن على حدودها، ويصبو إلى استعادة مكانتها كأكبر قوة عظمى في العالم. لكن التدقيق في تصريحاته ومواقفه المعلنة يكشف أنه يتحرك عبر منطقتين منفصلتين ويمزج بين رؤيتين مختلفتين: الروح الوطنية (Patriotism)، والقومية  (Nationalism)…

لذلك، يتعين التمييز بين قيم الروح الوطنية التي تنم عن روح الغيرة والتضحية من أجل الآخرين، وبين مخاطر القومية التي تظلّ في المحصلة النهائية نسخةً مزوّرةً فاسدةً من الروح الوطنية وإنْ تخَفّت بردائها… ونبّه الكاتب البريطاني (جورج أورويل) إلى مغبّة الخلط بينهما.

وقال الرئيس الفرنسي شارل ديجول الذي عاين عن قرب تأثير النزعات القومية في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية: “إنّ الروح الوطنية هي عندما تأتي محبتك لشعبك في المقام الأول، أما القومية فهي عندما تكره أن يأتي شعب آخر قبل شعبك([14]).

يعتز كثيرٌ من الأمريكيين بأنّ ديمقراطيتهم لا تشبه أنظمة بقية دول العالم، وأنها نتيجة مساعي المؤسّسين الأوائل  (Founding Fathers)، الذين صاغوا الدستور من خلال تأملاتهم في الدروس والعبر التاريخية من خطايا الأنظمة الملكية والإمبراطورية التي كانت سائدةً في أوروبا في القرن الثامن عشر. 

يقول دانيال دريزنر: “إنّ آليات المراقبة الدستورية لسلطة الدولة ورفضها الإيديولوجي للحزب الاشتراكي، واحتضانها نظام السوق الحرة، وعزلتها النسبية عن التهديدات الأمنية القومية لحقبٍ طويلةٍ من تاريخها، خَلَقَ ظاهريًّا نوعًا مختلفًا من السياسة([15]).

لقد تبلورت فكرة الاستثناء الأمريكي من خلال أعمال عدد من المنظّرين. وتفيد بأن المؤسسات الأمريكية تمّ صهرها في فرن مختلف عن الذي صهر مؤسسات الدول الأخرى.

وتبقى محاولات ترامب لصيانة هذا الاستثناء محفوفةً بعدة تحدياتٍ رئيسةٍ سواء في تكريس الحمائية في الداخل أو الانعزال عن القضايا الدولية، والتخلي عن الشراكة التاريخية عبر الأطلسي مع الاتحاد الأوروبي وقبله المجموعة الاقتصادية الأوروبية.

من المحتمل أن تؤدي سياسات لدى )ترامب( في هذه المرحلة إلى مكاسب على المدى القصير وخسائر على المدى البعيد. ومن تجليات هذه الخسائر المرتقبة تآكل بعض المؤسسات الأساسية في النظام الليبرالي الدولي. فتهديدات ترامب بالتخلي عن حلفاء الولايات المتحدة، قد تؤدي إلى مزيد من الإنفاق الدفاعي الأوروبي على المدى القصير، وستقوض جذريًّا التضامن العضوي والتماسك الذي يجعل حلف شمال الأطلسي استثنائيًّا جدًّا، ويدفع الشركاء الأوروبيين لإعادة النظر في ما إذا كانت الولايات المتحدة حقيقة شريكًا يمكن الاعتماد عليها أساسًا”([16])!

مرّت أمريكا بمنعطفات حرجة تجاوزتها؛ ساعةً بتوازناتها الدستورية والمؤسساتية والفيدرالية، وساعةً بكدح الشعب، وساعةً بحنكة قادتها في الأزمات الحرجة كجورج واشنطن، وجيفيرسون، ولينكون، وروزفيلت. واليوم يقف (ترامب) ومن يرعاه والبلاد أمام تحديات ضخمة تفرض نفسها على مستقبل أمريكا، وهي حتمًا ومهما كانت النتيجة، تضع أمريكا على سكة جديدة، ولن تعود أمريكا كما كانت مهما كان. وتاليًّا سبرٌ لغالبها، وقد يؤدي بعضها إلى تحدياتٍ أخرى متوالدةٍ:

كانت أولى بذور التحدي المتفاعلة وأكبرها دستوريًّا واجتماعيًّا وطبقيًّا منذ التأسيس، مسألة نسبة اللامركزية والمركزية، ومداهما؛ ما بين الفيدرالية كما رغبت الولايات المؤسسة الشمالية الصناعية، وما بين الكونفيدرالية التي بقيت بذورها تتفاعل في الولايات الجنوبية الإقطاعية الزراعية.

نشأ الشكل المطور للنظام السياسي بعد معادلة ترضية ديمغرافية وسياسية، من خلال الصفقة الكبرى بين الولايات الصغيرة والكبيرة صفقة كونيكتيكت 1787 التي وازنت بين أدوار السلطات المركزية وأدوار الولايات المكونة، ونشأ نظام توزيع الشيوخ – شيخان لكل ولاية – والنواب – بالتناسب مع عدد سكان كل ولاية – حسب هذه الصفقة، و بناءً على ذلك جرى إعلان أول دستورٍ أمريكي سنة 1788. فتحت الصفقة والدستور الطريق بثبات نحو الفيدرالية تدريجيًّا وانتخاب جورج واشنطن بالإجماع كأول رئيس أمريكي سنة 1789.

ثم تطور النظام الديمقراطي الأمريكي ونشأت المحكمة العليا ونظامٌ قضائي مفصّل، وعُدّل الدستور مرارًا بفقرات جديدة، وبقي يراعي اللامركزية النسبية وسلطة الشعب وخصوصية الولايات بعد نشوء الدستور الأول ثم الفيدرالية والرئاسة الفيدرالية في العاصمة المستحدثة واشنطن على نهر البوتاميك الفاصل بين ولايات الشمال والجنوب… وشمل ذلك تأسيس أنظمة حكمٍ وضرائب محليةٍ خاصة بكل ولاية، بخلاف الأنظمة الأكثر مركزية في أوروبا.

لكنّ ترامب بات يستدعي الحرس الجمهوري والجيش للقيام بحملات أمنية داخل الولايات والمدن الكبيرة، وهو أمر غير مسبوق إذ إنّ الجيش مسؤوليته محصورةٌ بالدفاع عن البلاد ضد الخارج أو العمل في الخارج إلا إذا تم إعلان الطوارئ أو قام حكام الولايات والمدن بطلب المعونة الفيدرالية، فمسؤولية حفظ الأمن العام تقع على الجهات الأمنية والشرطة لكل ولاية ومدينة. لكنّ ترامب يختار المدن أيضًا انتقائيًّا ويستعرض قوته داخل مدن ذات توجه ديمقراطي مثل واشنطن العاصمة وشيكاغو، ويتوعد لوس أنجلوس وغيرها باسم الجريمة، والحقيقة أن (المدن الجمهورية) دالاس وهيوستن تعاني أيضًا من ارتفاع نسبة الجريمة. كل ذلك يرافقه حملة تشهير بحكام الولايات والمدن الديمقراطيين من طرف ترامب.

“وقد شهدت الولايات المتحدة، السبت 18 أكتوبر 2025، مظاهرات حاشدة عُرفت باسمNo Kings  (لا ملوك) شارك فيها ملايين المواطنين في الولايات الـ50، احتجاجًا على ما وصفوه بـ”انزلاق البلاد نحو الحكم السلطوي”.

ورفع المحتجون شعارات أبرزها: “لا ملوك في أمريكا” و”قاوموا الفاشية”، مؤكدين أن الولايات المتحدة تأسست على مبدأ رفض الحكم الفردي. وقد تجاوز عدد المشاركين سبعة ملايين شخص، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في تاريخ البلاد الحديث.

وتنوّعت أشكال المشاركة بين مظاهرات جماهيرية وفعاليات رمزية حمل فيها المحتجوننسخة عملاقةمن الديباجة الدستورية الأمريكية للتوقيع عليها. ففي شيكاغو، قدّر عدد المتظاهرين بنحو 100 ألف شخص، هتفوا ضد عسكرة المدن الفدرالية… بينما صرّح العمدة براندون جونسون بأن “الإدارة الحالية تريد إعادة إشعال الحرب الأهلية الأمريكية، ونحن هنا لنقول لا”.

وفي واشنطن العاصمة، احتشد أكثر من 200 ألف شخص قرب مبنى الكونغرس، حيث شارك عدد من الشخصيات السياسية المبرزة… وقال بيرني ساندرز: “نخرج اليوم لأننا نحب أمريكا، ولن نسمح بتحويلها إلى مملكة أو دكتاتورية”.

وتأتي هذه الموجة بعد تصاعد الخلافات حول نشر الحرس الوطني في المدن الكبرى. وقد حاول ترامب وحلفاؤه تصوير المظاهرات بأنها “مدفوعة من جماعات يسارية متطرفة. ويُنظر إلى مظاهرات “لا ملوك” على أنها أوسع تعبير جماهيري عن القلق من تراجع القيم… كما تعبّر عن استياء شعبي واسع من توجهات يصفها كثيرون بأنها تقوّض المبادئ الديمقراطية الأمريكية التقليدية، مثل فصل السلطات والمساءلة السياسية. وتُبرز الاحتجاجات انقسامًا سياسيًّا حادًّا في الداخل الأمريكي”([17]).

قامت الحرب الأهلية سنة 1865 بين الولايات الشمالية المؤسسة والصناعية – المتمسكة بالنظام الفيدرالي – من جهة، والولايات الجنوبية الإقطاعية الزراعية والأكثر تدينًا – المطالبة بالانفصال وتسمى بولايات الحزام الإنجيلي –  بسبب نزاعٍ مصلحي يخص تحرير السود المرتبط بالإقطاع مقابل مصالح مصانع الشمال. كان من نتائج الحرب وصول الضحايا إلى حوالي ٢ مليون ما بين قتيل وجريح.

وها نحن اليوم بفعل (الترامبية) صرنا أمام مشهد متكرر من الاستقطاب الشديد، وها هو ذات الجنوب الأبيض المتدين مع امتداداته يشعل الانقسام بصورٍ أخرى، بدايةً من معاقله البيضاء في ولايات الحزام الجنوبي المقدس محاولًا تغيير المعادلات السياسية الداخلية، ويتخذ من الهوية و”استعادة عظمة أمريكا” شعارًا، ولم  يكتفِ (الواسبس) بتأثيرهم القوى على نظام السياسة الخارجية، بل باتوا يتمادون في إدخال عامل الدين وهوية الواسبس البيضاء، بصورة غير مسبوقةٍ لتؤثر في البناء الديمقراطي الداخلي، ولم يعد يسيطر مبدأ (التسامح الحرياتي البروتستنتي) الذي قاد الحلم والروح الأمريكية – بين البيض على الأقل – حين يُمسّ جانب الحريات وخصوصية الولايات – المستوطنات – التي قامت بسببها الثورة على بريطانيا وقامت عليها الدولة الأمريكية. هذا الأمر سبب حالةً من الهيجان السياسي والاجتماعي ألقى بظلاله حتى على (تجمع اليمين) وباتت أطرافه تنشطر في مواقفها الداخلية ما بين محاولة اختطاف الدولة وما بين الحفاظ على تركيبة النظام السياسي العتيد الذي حفظ الأمة الأمريكية.

بات كلٌّ من بام بوندي وكاش باتيل وتلسا غابارد يلعبون دور مكارثي وإدغار هوفر عصا القوى الخفية في حقبة الحرب العالمية 2 وما بعدها، تحت شعارات قومية وتخوينية مثل مكافحة (الماركسية والشيوعية)، ونعت اليسار بالشيوعية وتهديد الأمن الوطني وهو ما يطلق شبيهه اليوم (ترامب) على اليسار السياسي ومنظمات مثل (Antifa).

تَكرَّس هذا النموذج المكارثي عبر ملاحقة الخصوم والمخالفين من المسؤولين السابقين في مؤسسات حكومية وقضائية حساسة، مثل رئيس مكتب التحريات، الجمهوري (جيمس كومي)، ومستشار الأمن القومي الأسبق في إدارة ترامب الأولى (جون بولتون) وهو من بقايا المحافظين الجدد، والمدعية القضائية العامة لنيويورك (لاتيشا جيمس)، وحاكم ولاية نيوجيرسي السابق الجمهوري (كريس كريستي) الذي دعم ترامب في البداية. وهكذا دأب ترامب على وصف بعض منافسيه وخصومه بالماركسيين والشيوعيين مثل بيرني ساندرز وزهران ممداني وحتى كامالا هاريس!

جاء التحول الاجتماعي والسياسي الثاني الأهم في (الستينيات) من بوابة الأفارقة الأمريكان وحرب فيتنام والحراك المدني والطلابي بعد قضية تحرير العبيد منتصف القرن ال19، وهذه المرة على يد مارتن لوثر كينغ، ومسيرته المليونية إلى واشنطن وخطابه الأشهر “لدي حلم” للمطالبة بالحقوق المدنية والمساواة سلميًّا – التي لم تمنح لهم بعد تحرير العبيد – وذلك بتمهيدٍ من الرئيس جون كينيدي الذي دعم قبل اغتياله الحقوق المدنية للسود. 

أطلق كينيدي مقولته الشهيرة: “أمريكا أمَّة من المهاحرين”! وهو المفهوم الذي حاربه لاحقًا ترامب ومنَظِّره (ستيف بانون)، وقبله (هنتنجتون) في كتابه “من نحن؟ “.  وقد تم اغتيال كينيدي ثم كينغ بعده بسنوات.

طويت انقسامات الستينيات الدامية مؤقتًا، بعد أن سقطت رموزٌ كبيرة من الديمقراطييناغتيالًا مثل الأخوين جون وروبرت كينيدي، ولوثر كينغ ومالكوم إكس. وسقط سياسيًّا من الجانب الجمهوري بصورة مُهينةٍ كلٌّ من مكارثي وإيدغار هوفر ونيكسون.

والغريب أن كيسنجر نجا من المقصلة السياسية رغم أن يديه تلوثتا داخليًّا وخارجيًّا، وبقيت القضايا والمطالبات تلاحقه أينما ظهر في أمريكا بسبب سياساته الدموية في أمريكا الوسطى وفيتنام وغيرها، بل وتجاوزه الصلاحيات التشريعية، وكذلك تجاوزه صلاحيات باقي فريق نيكسون، وقد استقال العديد بسببه مثل روبرت ديكسون كرين وزير العدل حينها.

كيسنجر مثَّلَ نمطًا شبيهًا من الصلافة والتجاوزات التي نشهدها في إدارة ترامب، وعدم العبء بالمعايير والمشرعين.

لقد جاءت الترامبية كمرحلة تالية كما وصفها السياسي الأفرو-أمريكي )فان جونز( بمقولة:

“It is a white backlash to Obama Era” ، أي جاءت كردة فعلٍ من البيض في الضواحي والأرياف الذين عانوا اقتصاديًّا. وردُّ الفعل هنا قويٌّ بعد رئيس أسود لأول مرة. لكن إلى جانب ذلك فالحقيقة كما قال مخرج فيلم فيرهينهايت والمفكر الشهير (مايكل مور): “يتحمل أوباما في ولايته الثانية مسؤولية نكوصه عن البرامج الإصلاحية والتغيير الحقيقي، واستعجاله الحديث عن مجد إرث أوباما، بينما لم يكن جريئًا كفاية، ما سبب حالة من الإحباط لا سيما لدى الأفارقة الأمريكان انعكس على المراحل التالية، ومهَّد الطريق لصعود دونالد ترامب، وزاد الأمر صعوبةً، دفع أوباما (بهيلاري وبايدن) للترشح.

اليوم في ولاية ترامب الثانية، يضرب ترامب الدستور في صميم مكونه القضائي ويقوم بتسييس “النظام القضائي” والسيطرة على “وزارة العدل” بِجَعلِها تخدم شخص الرئيس وتضرب خصومه، فقد وصل الأمر حالةً غير مسبوقة لم يقبل بها المدَّعون العامون سابقًا – هم بمثابة وزراء عدل مستقلِّين نسبيًّا عن الرئيس – الذين عينهم ترامب في ولايته الأولى “كجيف سيشن” – أول سيناتور جمهوري دعم ترامب، لكنه حيَّد نفسه عن تحقيقات ترامب، فعزله – وكذلك المدعي العام الجموري “وليم بار” – خلَف سيشن الذي أقاله ترامب – والذي استقال أو أُقيل بدوره لاحقًا.

وبتعيين ترامب مؤخرًا (لباميلا بوندي) كمدعٍ عام – محامية سابقة لترامب وليس لديها خبرة مدَّعٍ في أي منطقة – باتت بمثابة محاميةٍ لترامب ومدعيّةٍ ضد خصومه في ذات الوقت، وتقوم بالتغطية على علاقة ترامب بجيفري أبستين، ووجهت تهمًا شخصية عوضًا عن ذلك لكبار (السيناتورز) حين تعرضت بام بوندي للمساءلة في تصرفٍ شاذٍّ عن الأعراف الدستورية، رغم أن قضية ملفات أبستين موضع شبه إجماع بين الشعب الأمريكي بما فيهم البيض.

وتصف الزعيمة الديمقراطية نانسي بيلوسي (ترامب) وما يقوم به: “إنه أسوء مخلوق على الأرض لأنه يحطم أعظم دستورٍ. لقد قام الآباء المؤسسون بالفصل بين السلطات كي لا يتحول الرئيس إلى ملكٍ. فترامب اليوم يستولي على الدستور ومجالس التشريع والنظام القضائي، ويحارب الإعلام ويُروِّع الناس الآمنين”([18]).

بدأ الأمر باستخدام فكرة إيلون ماسك بإنشاء وكالة الكفاءة الحكومية DOGE من خلال قصقصة الوكالات الفيدرالية والوظائف الحكومية ومحاربة البيروقراطية والتعفن والمصاريف لأجل حكومةٍ أصغرَ وأذكي – المقصود الأساسي هو التخلص من رقابة تلك الوكالات على قانونية أداء ومسؤولي أجهزة الدولة – وهي في الحقيقة أيضًا “دولة المراقبة الذكية” على المجتمع والتحكم به واقتحام الخصوصيات.

ثم ما لبث وأن ظهر على السطح عودة مجموعة من شركات السيلكون ونماذجها في “دولة المراقبة” الإلكترونية، والتي عملت عليها منذ عقود لكن منعتها التشريعات القانونية في حينها، إلا أنها بقيت في الجوار تتربَّص فرصة العودة، ولتعود من خلال إدارة ترامب وتحالفاته الخفية مع بعض “النيوليبراليين” في وادي السيلكون – تمثِّل خيانةً لتيار الماجا وشعارت ترامب بتجفيف المستنقع – وبات جليًّا أن المليارديرية وشركاتهم؛ كبلاك روك وبالانتير وستيت ستربت وفان جارد وميتا وأبل وغولدمان ساكس وستانلي مورجان… عادت من الباب الترامبي ورعاته الواسع. لذا دعونا نسلط الضوء على بعض نماذج عودة هذه الشركات، في هذا الموضع وغيره لاحقًا:

أعلنت شركة Palantir Technologies  عن توقيع عقدٍ ضخم مع الجيش الأميركي تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار يمتد لعشر سنوات، في خطوة تعزز مكانتها كشريكٍ رئيس في جهود التحديث العسكري الأمريكي.

ويستمر الدور المتنامي لنفوذ شركة بالانتير في كل مؤسسات الدولة في الولايات المتحدة، خاصة بعد تولي الرئيس دونالد ترامب. هذه الشركة، بما تتمتع به من إمكانات فائقة في مجالات الذكاء الصناعي وتحليل البيانات الضخمة، وبعلاقاتها الممتدة مع الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية، وبكونها رائدة فيما يسميه البعض بدولة المراقبة”، وبدورها في تجديد أساليب الصراع العسكري واستهداف الأعداء باستخدام أحدث أدوات تكنولوجيا الذكاء الصناعي (وهو ما طبق بالفعل في الحروب الأخيرة على غزة وإيران وفي أوكرانيا، أصبحت تمتلك نفوذًا عالميًّا…“.

وقد ترجم (المعهد المصري للدراسات) الدراسة المهمة للصحفية الاستقصائية المتميزة (ويتني ويب)، حول دور (بالانتير) ومؤسسها (بيتر ثيل) في الدفع بـ(جى دي فانس) إلى منصب نائب الرئيس، وكذلك بما تقوم به الشركة من أدوار في إطار “دولة المراقبة([19]).

كما تبرز من وادي السيلكون في مجالٍ شبيهٍ شركات الذكاء الصناعي كشركة  OpenAIالتي أسسها سام ألتمان وإيلون ماسك وعددٌ من الشركاء كمايكروسوفت، وهي قدمت ذاتها كمؤسسةٍ غير ربحيةٍ، ومن منتجاتها  ChatGPT.

أورد (المعهد المصري للدراسات) في موقعه في 23 أكتوبر 2025 تحت تساؤلٍ عريض:

 “بلاك روك تقترب من السيطرة على مفاصل الطاقة الأميركية عبر صفقات بمليارات الدولارات؛ أجندة اقتصادية أم السعي نحو هيمنة سياسية؟

تشهد الولايات المتحدة واحدة من أضخم موجات الاستحواذ في تاريخ قطاع الطاقة، تقودها شركة إدارة الأصول العالمية BlackRock عبر ذراعها الاستثمارية Global Infrastructure Partners (GIP)، في إطار ما تصفه الشركة بأنه “استثمار في مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي”، بينما يرى منتقدون أن ما يجري “خطة للهيمنة على شبكة الكهرباء الأميركية”.

وقد وافقت لجنة المرافق العامة في ولاية مينيسوتا على صفقة ضخمة بقيمة 6.2 مليار دولار، تقضي ببيع شركة ALLETE إلى تحالفٍ يضم GIP التابعة لبلاك روك وصندوق التقاعد الكندي.

تمنح الصفقة التحالف الجديد السيطرة على أحد أهم مزوّدي الكهرباء في شمال ووسط الولاية، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وانخفاض الشفافية في إدارة المرافق العام…

ولقد تحدثنا في تغطياتنا منذ بضعة أشهر عن توجه بلاك روك للتوسع بشكل عام في إدارة الأصول المتعلقة بالبنية الأساسية حول العالم، حيث تحدث رئيس الشركة التنفيذي لاري فينك عن استهداف وصول محفظة أصول البنية الأساسية لدى الشركة خلال عدة سنوات إلى نحو 68 تريليون دولار، علمًا بأن إجمالي الأصول التي تديرها الشركة الآن يصل فقط إلى 13 تريليون دولار (مع ضخامة هذا المبلغ بالطبع).

المعهد المصري للدراسات يرى أن هذا التوجه سيجعل للشركة نفوذًا سياسيًّا هائلًا حول العالم أينما توجد الحاجة لمشروعات عملاقة لإعادة التعمير في أعقاب الحروب (على غرار غزة وأوكرانيا والسودان وغيرها).

وبالنظر لأن الشركة تدير أيضًا أصولًا عالية القيمة في شركات صناعة الأسلحة الكبرى في أمريكا وحول العالم، يبرز سؤال مهم: هل يوجد من خلال شركات مثل بلاك روك وفانجارد وستيت ستريت لإدارة الأصولمن يسعى لإشعال الحروب لمصلحة شركات السلاح، ثم يسعى لإخمادها لصالح شركات التعمير والبنية الأساسية؟!

وما موقع مثل هذا التوجه في إدارة ساحة الأحداث العالمية؟ سؤالٌ مشروعٌ يحتاج تفكيرًا ومتابعةً عميقة…” ([20]).

حين وصل المهاجرون، كان الجزء المتعلم منهم من “البيورتنز” و”الكويكرز” قد حطّوا رحالهم في الولايات الشمالية – نيو إنجلاند – حيث تركزوا، وفي القرن السابع عشر وما بعده، رأوا ثورة العقل على الملكيات التي هربوا منها لا سيما في بريطانيا التي وصلت إلى حالةٍ “نصف تحولية” مع بقاء الملكية بخلاف فرنسا. كان شعارهم في مستوطناتهم الحرية من الضرائب ومن جبروت الملكية الكنيسة، وبالتالي هذا أنتج نزعة تحررٍ بروتيستنتي إصلاحي، يؤكد على التدين الشخصي والتسامح – فيما بينهم – وعلى التعليم وحق التملك الشخصي والتحرر من الضرائب، وهو ما انتهى إلى العصيان والثورة على بريطانيا وقيام أمريكا.

لذا الحماية الذاتية والتجارة الحرة وبناء المدارس والكنائس كانت أولى ركائز المستوطنات والتي تطورت إلى ولايات ثم إلى دولة فيدرالية. من هنا تحولت بعض المدارس إلى كليات تقنية وعلمية ثم جامعاتٍ نمت بسرعةٍ في تلك الولايات الشمالية، قبل وأكثر من الجنوبية، حيث كبرى الجامعات وأقدمها والتي يطلق على بعضها IVY LEAGUE. فعلى سبيل المثال تأسست كلية هارفرد على يد القس جون هارفرد عام 1636 وجامعة ييل عام 1701، إذ ترجع جذور جامعة ييل إلى الأربعينيات من القرن السابع عشر (1640) يوم عقد رجال دين مسيحيين من المستوطنين الأوروبيين عزمهم على تأسيس كليةٍ في مدينة نيوهيفن. تحققت هذه الرؤية سنة 1701.

     وكذلك جامعة برينستون بولاية “نيوجيرسي”، فقد تأسست عام 1746 تحت اسم “كلية نيوجيرسي”؛ بهدف تدريب الوزراء، وقد اتُّخِذَ أقدم مبنى في هذه الجامعة “ناساو هول” كمقر مؤقت (للكونجرس الأمريكي) عام 1783.

أما جامعة “بنسلفانيا” فتأسست عام 1740 على يد “بنجامين فرانكلين” أحد الآباء المؤسسين لأمريكا والدستور لاحقًا، وكانت أول مؤسسة توفر التعليم الجامعي وما بعد الجامعي، كما أنها أول جامعة في البلاد تفتتح كليةً للطب عام 1765. فيما تأسست جامعة “واشنطن لي” عام 1749 نسبةً إلى جورج واشنطن أول متبرعٍ لها، قبل أن يصبح رئيسًا للبلاد بعقود.

وهكذا نجد أنّ أمثال تلك الجامعات التي يحاربها (ترامب)، سبقت تأسيس الولايات المتحدة وكتابة الدستور، وهي عماد قيام الدولة وارتبط بها كبار السياسيين وصناع القرار، وكانت مصدر العلم والثقافة والاختراعات التي بنت أمريكا وتعاملت مع ثرواتها ومناجمها وسخَّرتها وهي البلاد الشاسعة ذات الجغرافيا الصعبة والطقس المتقلب الشديد، والمواقع المعزولة فيما وراء المسيسيبي وجبال الروكي والأبلاش وصحراء كالهاري وحتى ألاسكا. بل إن غالب رؤساء أمربكا تخرجوا من جامعتي هافرد وييل في القرن السابق. وأكبر قضاتها وشيوخها ونوابها درسوا في تلك الجامعات التي لطالما كانت وجه أمريكا الذي تفتخر به، وبوابتها للموهوبين والإنجازات. وهي التي أمدت الشركات والمصانع بملايين البحوث والحلول العلمية بأقلّ تكلفةٍ وأعلى قدرةٍ وأفضل عقول العالم المستقطبة.

من هنا نجد شدة خطورة محاربة (إدارة ترامب) للجامعات ومراكز الأبحاث والمتعلمين، وتقليله الدعم والتضييق على موارد الجامعات والتحاق الطلبة الأجانب وبرامج استقطاب الموهوبين، والتدخل في أنظمة الجامعات الداخلية وحرية التعبير عن الرأي، والتهديد بتجميد رخصها، على اعتبار أنّ الأكاديميين ليبراليون في الغالب كما يردد (ترامب) الذي يشعر بالنقص أمام المتعلمين والمؤسسات العلمية، كونها تتكلم بلغة العلوم و الأرقام التي تفضح دعاوية الشعبوية، بدايةً من إنكاره لأثر التلوث على البيئة والعالم، وكذلك شتى دعاويه الشعبوية وأكاذيبه حول أرقام الاقتصاد والتعرفات وإنجازاته وغيرها، والتي تفندها الدرسات والمعاهد.

يقول (د. محمد الأحمري) مشخصًا حالات شبيهة: “بعدما تسنّم (ماوتسي تونج) رئاسة (الصين) شعر بعد 15 عاما بعقدة النقص تجاه المثقفين، إذ لم يَقنع المثقفون بمستوى أفكاره ولا شِعره، فطاردهم وسجن منهم، واتهم بعضهم بخيانته… ولهذا تجد كل متخلفٍ جاهلٍ عدوًّا للمثقفين ولعلماء زمانه ويتمنى أنهم لم يوجدوا…” ([21]).

 كما أنّ (إدارة ترامب) أدركت أن الجامعات ستكون أهم بؤر الحراك المعارض لها على صعيد الحريات والقضايا الحقوقية والدستورية تمامًا كما حصل في (الستينيات) إبَّان احتجاجات الحرب الفيتنامية وحركات المطالبة بالحقوق المدنية، وتجلَّى ذلك في حراك طلبة الجامعات ضد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على (غزة).

إذن، ترامب و(حلقته) اليوم يُصَدِّعون أحد أعمدة حضارة وبنية وقوة أمريكا، فهذه الجامعات وهي بالألوف بمجموعها أهم من (وادي السيلكون)، وقيمة أوقاف بعض آحداها (كهرفارد) عشرات المليارات من الدولارات، بل الوادي يعتمد عليها في رفده بالأبحاث والموظفين، وما عليك إلا أن تزور فروع (شركة جوجل) بجانب جامعة إلينويز لترى سبب فتح (شركة جوجل) مقارًّا لها بجانب كبرى الجامعات. فضلًا عن أن (مشافي) عشرات الجامعات كجون هوبكنجز وميتشجن تُعتبر من أهم مشافي الولايات المتحدة العلاجية والبحثية.

بقي الجمهوريون والمحافظون ينظرون إلى مؤسسات الإعلام والميديا الكبرى على أنها معاقل للديمقراطيين والليبراليين منذ الستينيات مع تأجُّج الحراك المدني والحريات وفيتنام، لا سيما بدايةً من حقبة نيكسون، إذ أعلن نيكسون مرارًا أن (الميديا) سلطةٌ موازية للدولة تمارس الابتزاز أو العداء السياسي… وفي الحقيقة، إنَّ “ممالك الميديا” لم تكن أيضًا بريئةً، بل كانت تخدم أجندات خاصة ذات أبعاد متنوعةٍ سياسيًّا واجتماعيًّا. ولأنّ ترامب جاء بالشعبوية اليمينية، وبلغة الاستخفاف بالمثقفين والمؤسسات، ازداد الشرخ مع محطات التلفزة والصحف الكبيرة ممثلةً بكُتابها الكبار، لا سيما إنّ بعضها كان يحصي ويكشف أكاذيب ترامب في حملاته الانتخابية وما بعدها.

إلا أنَّ (ترامب) وبعض تلك القوى النيوليبرالية التي يدعي محاربتها، رأت أنها قادرة على الاستحواذ على كبرى شركات الميديا التقليدية أسوةً (بفوكس نيوز) وكذلك منصات التطبيقات الأكثر تداولًا مثل (تيك توك) أسوةً بمنصة X، فما عليها إلا أن تتبع طريقة (آل ميردوخ)، لكن هذه المرة بتدخلٍ سياسي وحزبي مباشر من إدارة ترامب.

وكذلك أعلن (نتنياهو) ضرورة قلب الطاولة في عالم الميديا والاستحواذ عليها في كلمةٍ للأمريكيين بصورة فجَّةٍ فوقيةٍ أثارت تيار ال MAGA ذاته، كما عبّر عن ذلك (تاكر كارلسون( وغيره، إذ إنّ هذا التوجه سيخدم مشروع ترامب الرئاسي وكذلك سينقذ سردية الشعب المظلوم والصهيونية!

وقد أورد المعهد المصري للدراسات على موقعه في سبتمبر 2025، تقييمًا خبريًّا لبعض هذا التوجه، وفيما يلي فحوى ما ورد فيه تحت العنوان التالي:

“في تحولٍ لافتٍ بمسيرته، لم يكتفِ مؤسس (أوراكل) الملياردير لاري إليسون بالشهرة كأحد أقدم رجال التكنولوجيا في (وادي السيليكون)، بل بات اليوم في طريقه ليصبح أحد أكبر أقطاب الإعلام في العالم، طبقًا لتحقيق مطول نشرته صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، نحن اليوم أمام تحالف إعلامي ضخم على خطى روبرت مردوخ… إليسون، البالغ من العمر 81 عامًا، اليهودي المعروف عنه الدعم غير المحدود لإسرائيل، بدأ يعيد تشكيل المشهد الإعلامي الأميركي من خلال استثمارات ضخمة تشمل:

• تيك توك (النسخة الأميركية الجديدة)، بعد أن أُجبرت شركة Byte Dance الصينية على بيع التطبيق لأسباب أمنية.

• صفقة ابنه ديفيد إليسون التي استحوذ بها على باراماونت وCBS مقابل 8 مليارات دولار.

• تحركات لشراء Warner، التي تشمل شبكة  CNN.

• علاقات وثيقة مع الرئيس ترامب، الذي يدعم وجود إليسون ومردوخ في هذه الاستثمارات.

إنها “إمبراطورية إعلامية” متشابكة احتكارية… ويقول مراقبون إن هذه السيطرة المزدوجة على المحتوى الإخباري والترفيهي قد تعيد تشكيل السرد الإعلامي الأميركي بالكامل. ثروة إليسون تجاوزت 367 مليار دولار… ويملك أكثر من 40% من أسهم (أوراكل). وقد أتاح له تداخل أوراكل في الكثير من الشركات والمؤسسات الكبرى نفوذًا وتأثيرًا هائلًا حول العالم. فعلاقته الوطيدة مع ترامب تمنحه حريةَ حركةٍ تنظيميةٍ وسياسيةٍ، في وقتٍ كان فيه امتلاك CBS وCNN وتيك توك معًا أمرًا مستحيلًا سابقًا…

وادي السيليكون

كما أن تمويل لاري إيلسون يحوّل معهد توني بلير  للتغيير العالمي  TBI إلى ذراع تسويق وضغط لصالح “أوراكل”

هذا الدعم رفَعَ عدد موظفي المعهد… واستقطبَ أسماءً بارزة من شركات استشارية مثل (ماكينزي) ومن عمالقة وادي السيليكون كـمؤسسة منصات Meta التي تشمل فيسبوك وأنستغرام وواتسب وماسينجر… وأصبح معهد TBI لاعبًا مؤثرًا في صياغة سياسات الحكومة البريطانية، لا سيما في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي”([22]).

قامت (إدارة ترامب) بخلاف النهج الكلاسيكي للجمهوريين برفع سقف الدين الوطني إلى حدودٍ خطيرة، وذلك بتنفيذ ترامب موجة أخرى من تقليل الضراب على الأثرياء وذلك بتمريره (ميزانية) جدلية جدًّا وغير مسبوقةٍبدعمٍ من حلفائه في الكونغرس.

وقام كذلك برفع ميزانية وزارة الدفاع كما فعل في الفترة الأولى بصورةٍ حادة. هذا رغم إحداثه أزمةً اجتماعيةً بقصِّ مخصصات الرعايات الاجتماعية بل والتمادي بتغيير نظام الرعاية الصحية على حساب دعم المواطنين.

كل هذا حصل رغم معارضة بعض الجمهوريين كإيلون ماسك والسيناتور راند بول وبعض كبار الشيوخ والنواب.

وفي مفاجأةٍ، اعتبر إيلون ماسك أنّ (ترامب) يبدد كل ما قام بتوفيره في وكالة الكفاءة الحكومية  DOGEمن خلال قصقصة المؤسسات الفيدرالية والوظائف الحكومية لأجل حكومةٍ أصغر وأذكي، لكنها في الحقيقة حكومة الرقابة الإلكترونية والتحكم واقتحام الخصوصيات.

السبب في احتجاج (إيلون ماسك) هو حجم خدمة فوائد الدين العامالذي رفع سقفه ترامب إلى حوالي (38 تريليون دولار)، إذ إنّه بات يحمِّل الخزينةحوالي (تريليون دولار سنويًّا) كخدمة فوائد، وهذا يتخطى حتى ميزانية (وزارة الدفاع) الفلكية!!

جاء غالب هذا الرفع لسقف الدين جرَّاء خفض الضرائب على الأثرياء وشركاتهم، رغم الجور على دعم البرامج الاجتماعية والفقراء. لذا، اعتبر (ماسك) أنَّ ميزانية ترامب تقوم بتفليس الدولة وتهدد مستقبل الاقتصاد والشركات، ما دعا ماسك إلى الهجوم العلني على الميزانية والابتعاد عن فريق ترامب.

فيما يعتقد (ترامب) أنه قادرٌ على معالجة آثار رفع سقف الدين وخدمة فوائده، من خلال فرض التعرفات على الدول وجبايتها، ونهب خيرات دولٍ أخرى، ومن خلال دفع (الفيدرالي الأمريكي) إلى خفض معدل الفائدة كي يحدَّ من مقدار خدمة الدين… لكن هذا بدوره قاد ويقود إلى تسارع معدلات التضخم.

التعرِفات معضلةٌ أخرى خلقها ترامب رغم أن أمريكا عانت منها في حقبة الثلاثينيات في القرن السابق، كونها أسهمت في الكساد العظيم، ما شارك بالتالي في تحفيز الحرب العالمية الثانية. وقد نشر (مركز رؤيا للبحوث والدراسات )دراسةً تتناول أوجه سياسة التعرفات، أقتبس منها التالي:

“…تسببت رسوم ترامب الجمركية في حالة من عدم اليقين العميق بين المُصنّعِين، الذين أوقفوا استثماراتهم مؤقتًا في حين يبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على سلاسل التوريد الخاصة بهم. ويزعم البيت الأبيض أن الرسوم الجمركية ستجبر المصنّعين على تصنيع سلعهم على الأراضي الأمريكية بمجرد سريان القيود بالكامل. لكن تحليل الإدارة خاطئ. يعتمد المُصنّعون على الواردات في العديد من مدخلاتهم، وقد أثبتوا ترددهم في اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة بناءً على تصريحات ترامب المترددة.

برغم الوعود الانتخابية المتكررة منذ مطلع الألفية، لم تجدد الولايات المتحدة بنيتها التحتية العظيمة التي تم تشييدها في النصف الأول من القرن العشرين، وازداد الأمر سوءًا بأنها لم تُنشئ بنيةً تحتيةً عميقةً كافيةً لمواكبة التحديات التكنولوجية الهائلة للقرن الحالي. رغم إنه من المرجح أن تُحقق الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية الحديثة العميقة عوائد كبيرة، تمامًا كما فعلت الاستثمارات في السكك الحديدية والطرق السريعة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وكذلك ينبغي أن تكون الأولوية القصوى لبناء نظام كهربائي أكبر وأفضل يستخدم الطاقة النووية والغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة. ولتعظيم استخدامها لمصادر الطاقة المتجددة، ينبغي للولايات المتحدة الاستثمار في بناء المزيد من بطاريات التخزين وخطوط نقل الجهد العالي. حتى الآن لا نرى خططًا وبرامج حكومية جادة في هذا السبيل…”.

وتتابع دراسة (مركز رؤيا) تناول أثر موضوع التعرفات والبنى التحتية والسباق مع الصين، تحت العنوان التالي:

هذا القرار الذي يبدو عصبيًّا وارتجاليًّا، فأمامه عوائق وعوامل تُحدُّ من فعاليته أو تضع سقوفًا لما يمكن أن يحقِّقَه:

  1. الاعتماد المتبادل في التجارة وسلاسل القيمة العالمية: الصين جزء محوري في سلاسل الإنتاج العالمي، خاصة في الصناعات الإلكترونية والبطاريات والهواتف الذكية. وفرض رسوم عالية سيعيق هذه السلاسل، وقد يعرِّض الشركات الأميركية إلى ضغوطٍ وتكاليف إضافية أو اضطرارٍ للبحث عن بدائل غير اقتصادية.
  2. ترجمة الأثر إلى الأسعار على المستهلك الأميركي: الرسوم لن تُحمَّل على الصين وحدها، بل غالبًا تُحمَّل على المستوردين أو تُمرَّر إلى المستهلك النهائي على شكل أسعار أعلى. هذا غالبًا يرفع معدلات التضخم ويُضعف القوة الشرائية، خصوصًا بين الفئات ذات الدخل المحدود.
  3. ردُّ الفعل الصيني والانتقام التجاري: يُتوقَّع أن تردَّ بكين بـ “إجراءات مقابلة”، كفرض رسوم على الصادرات الأميركية، قيود على الاستثمار، وتعطيل تدفقات التكنولوجيا، أو حتى استخدام أدوات أخرى مثل الحظر على التصدير في مجالات حساسة. وقد أبدت الصين استعدادًا لاتخاذ إجراءات مقابلة، مثل هذه الردود يمكن أن تقضي على أي مكاسب يُحتمل تحقيقها من الرسوم.
  4. القيود القانونية والتشريعية: تنفيذ رسوم كبيرة بهذا الحجم قد يواجه اعتراضات قانونية سواء داخل الولايات المتحدة (من قبل أعضاء الكونجرس أو الولايات المتأثرة)، أو في الأطر التجارية الدولية (مثل منظمة التجارة العالمية)، على الرغم من أن الولايات المتحدة قد تجادل بالاستناد إلى “الطوارئ الوطنية” أو “أمن وطني”.
  5. أثرٌ سلبي على الشركات الأميركية المرتبطة بالصين: شركات أميركية كثيرة تعتمد على المكونات الصينية أو أسواق الصين لتصريف منتجاتها. ورسوم ضخمة قد تضرُّ بهؤلاء الفاعلين، وتقلل أرباحهم، أو تدفعهم لإعادة هيكلة تكلفة الإنتاج.

والخلاصة: أن هذا القرار الأخير يصب في نفس السياسات الارتجالية التي تحاول عرقلة الصعود الصيني، دون تصورٍ متكامل، وجهودٍ سياسيةٍ منسقةٍ، وبالتالي لا يُتوقع أن يغير شيئًا…” ([23]).

ولم يكن مستغربًا أن شركة (أبل) قبل عقد من الزمن أطلقت مشروعًا ضخمًا طموحًا في مجال المركبات الكهربائية الذكية، لكنّها تراجعت عنه بسبب ضعف البنى التحتية وصعوبة توفير عدد كافٍ من التقنيين، فالتقطت شركة (شاومي) الصينية مشروع شركة (أبل). واستطاعت (شاومي) بسرعة أن تطلقه بسبب توفر وجدوى البنية التحتية والتقنيين.

وهكذا، (الصين) تملأ كل الفراغات العالمية والشَرَاكات الاقتصادية والفرص التي أحدثتها سياسات أمريكا، وفي ظل تَقَدُّم البنى التحتية والبشرية المدربة الصينية على الأمريكية – لا سيما في حقبة التعرفة الترامبية – وهنا يُجْمِل لنا الكاتب الأمريكي الشهير (فريد زكريا) كيف يحدث هذا الأمر فيعموده في الواشنطن بوست بتاريخ 3 أوكتوبر، 2025 تحت عنوان: “بينما تتعثر أمريكا، تتقدم الصين. الرئيس (شي بينغ) يبني المستقبل بينما ترامب يفرض الرسوم الجمركية…” ([24])

وأورد (المعهد المصري للدراسات) مؤخرًا ما يدل على ذلك:

…أظهرت بيانات أولية صادرة عن مكتب الإحصاء الألماني أن الصين استعادت موقعها كأكبر شريك تجاري لألمانيا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، متجاوزةً الولايات المتحدة التي كانت في الصدارة العام الماضي. وبحسب البيانات، بلغ حجم التبادل التجاري بين ألمانيا والصين 163.4 مليار يورو، مقابل 162.8 مليار يورو مع الولايات المتحدة. وبسبب تأثير الرسوم الأميركية، تراجعت الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة بنسبة 7.4% منذ بداية العام حتى أغسطس، لتصل إلى 99.6 مليار يورو، فيما هبطت في أغسطس وحده بنسبة 23.5% على أساس سنوي، متأثرةً بعودة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقال ديرك ياندورا، رئيس اتحاد التجارة الخارجية الألماني: إن السياسات الجمركية الأميركية الجديدة كانت سببًا رئيسًا في انخفاض المبيعات، خصوصًا في قطاعات السيارات والآلات والكيماويات… ([25]).

وهكذا نبَّه سلفًا دانييب دريزن أستاذ السياسة الدولية في جامعة تافتس إلى أنّه إذا قام طراز (القومية الاقتصادية) الذي يدعو إليه بانون في إعادة توزيع النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، فإنه سيعجِّل بسيطرة الشعبوية الاقتصادية على الولايات الأكثر أهمية في ترتيب الكلية الانتخابية. أما إذا تسبَّب في تباطؤٍ شديد، فإنّ جميع النظريات الذكية في الاقتصاد السياسي في العالم لن تنقذ ترامب في المستقبل!([26]).

أما على صعيد معاداة المهاجرين، فها هي (إدارة ترامب) تحاول أن تكبح الاتجاه الديمغرافي بفعل قوة تناسل غير البيض ثم هجرة المهاجرين القانونية، وباتت تسنُّ تشريعات تصعِّب الحصول على الجنسية، وكذلك إصدار تأشيرات العمل فضلًا عن نزع العوائل التي لديها أطفال مهاجرون تربوا في أمريكا، وإبطال قانون منع ترحيلهم قانون (داكا).

وفي ظل ميل (الأقليات) إلى الديمقراطيين، يرى ترامب خطر زحف المهاجرين نحو جميع المناصب كالنائبة القوية أوتازيا كارتيز، ورو كانا، ورشيدة طليب وإلهان عمر وزهران ممداني، وكثرة باتوا في مفاصل الحكومات الولاياتية والكونغرس والمحاكم. بل إن ترامب رأى في أوباما شخصًا ليس أمريكيًّا في مهزلة شهادة الميلاد! والأغرب حين اختلف ترامب مع إيلون ماسك الجنوب أفريقي، صار ينبش في قانونية تجنسه!

ومن تناقضات ترامب أنه طلّق زوجاته الأمريكيات وتزوج من عارضة أزياء سلوفينية، ليمنحها هي ثم عائلتها الجنسية! ثمّ إنّ نائبه (فانس) متزوجٌ من سمراء هندوسية!

ومما يدل على أنّ ترامب لا يعبأ حتى بالأعراق إلا مع مخالفيه شعبويًّا – معيار ترامب الحقيقي هو الولاء المطلق – أنّ ترامب أكثر رئيسٍ نصَّبَ مهاجرين في مناصب حساسة، منهم مديرة (السيي آيي إييه) الهندية الأصول تلسا غابارد، والهندي الأصول كاش باتيل مدير مكتب التحريات، والهندي الجمهوري (فيفيك راماسوامي) الذي عمل في وكالة كفاءة الأداء الحكومي مع إيلون ماسك.

وها هو ترامب يدمر مفهوم الانصهار في الحلم الأمريكي والاستقطاب الأمريكي (American polarization)، وها هو يعود عمليًّا ليحارب عبارة جون كينيدي: “أمريكا أمَّة من المهاجرين” والتي عبَّر عن حقيقتها سيد قطب حين درَس في أمريكا ومكث فترةً في نيويورك بقوله: “أمريكا ورشة عمل للعالم”.

إدارة ترامب بهذا تحرم أمريكا من قوة تنوعها ومن الغذاء الديمغرافي واستقطاب الأكاديميين والمبدعين والمهنيين، فضلًا عن تضييقها على الشركات الدولية العاملة داخل أمريكا، مثل شركة (هونداي) في جورجيا. كل ذلك بسبب ميل الأقليات إلى الديمقراطيين وعنصريته الشعبوية!!

الملياردير مايكل بلومبيرغ  – عمدة نيويورك السابق – في مقابلة مع فريد زكريا عام 2012 صرّح أن سياسة تضييق الهجرة على المهنيين التي يقترحها الجمهوريون دومًا ستكون مضرةً لنمو أمريكا ولاقتصادها، وقد دللّ على ذلك بانّ 200 من أهم 500 شركة أمريكية، أسسها مهاجرون أو أبناء مهاجرين بما في ذلك (جوجل) و(ياهو) و(إنتيل) ([27]).

كشفت حوارات الصحفي اللامع في (الماجا) تاكر كارلسون – غير المسبوقة والصريحة – وصاحبه الراحل (تشارلي كيرك) ومجموعةٍ مؤثرةٍ داخل التيار وحوله؛ منهم كاندنس أوينز، وميغان كيلي والنائبة الجمهورية (مارجوري جرين) وبدعمٍ من المنظِّر المؤثر (ستيف بانون)، عن أن رؤى تيار (الماجا) في أمريكا أولًا، واستعادة عظمة أمريكا، وهويتها بوجه العولمة ومراكز المال والنيوليبرالية، ليست راضية البتة عن مجموعات مصالح ولوبيات متنوعة حول الرئيس ترامب وفي إدارته، على رأسها بعض (النيوليبراليين) وشركاتهم، لا سيما من (وادي السيلكون) كما أسلفنا، وكذلك باتوا يهاجمون بعض السياسيين من اليمين الصهيوني الذين يدفعون باتجاه الحروب – مثل ليندسي غراهام وهاكابي وتيد كروز ومارك ليفين وشابيرو- التي تخدم إيدلوجيتهم أو مصالحهم متمثلةً بالرؤى الصهيونية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها دعم (نتنياهو) سياسيًّا وماليًّا بشكلٍ مفتوح، بل وبما يتعارض مع بعض أجندات ترامب وأولوياته أو على الأقل مفهوم ومطالب (جمهور الماجا)!

اتخذت الصِدامات، ملاسنات وحملاتٍ علنيةً تتناول شكل العلاقة مع مشاريع (الكيان) و(نتنياهو)، ومدى سيطرة قوى مثل (إيباك) وغيرها على قرارات لا تتسق مع مصلحة الشعب الأمريكي. فعلى سبيل المثال هاجم تاكر كارلسون السيناتور الجمهوري (تيد كروز) واعتبر مسيحيته الصهيونية بدعةً دينيةً وسياسيةً تجهيليةً، وهاجم بدوره (ستيف بانون) بحدة السفير (مايك هاكابي) في القدس واعتبره معتوهًا.

لكن أشد المشاحنات كانت في موضوع ضغط اللوبيات على (تشارلي كيرك) ومساومته للجم آرائه حول ذات الموضوع، ثم صبَّ اغتياله مزيدًا من الشقاق وعلوِّ الخلاف وصراحته، بل وصل الأمر مؤخرًا إلى دعوة أعضاءٍ من (المؤتمر اليهودي الجمهوري) إلى مطاردة وإلغاء وكبت أصوات رموز (الماجا) المعارضة – هي القاعدة الانتخابية الأهم لترامب – ووصلت جرأتها العلنية بالتهجم على بات بوكانن المتوفى – أحد رموز الجاكسونية وكاتب خطابات نيكسون – والسيناتور المبرَّز جدًّا ميت رومني – أبرز سياسي في طائفة المورمن ومرشح جمهوري رئاسي سابق – وكذلك النائبة مارجري جرين وتاكر وبانون…! لقد أضحى  الأمر أشبه بإعلان حربٍ وتلويحٍ بأشكالٍ من التصفية – يُلقي غموض اغتيال تشارلي كيرك على الأمر ظلاله – والرد من  الMAGA عادةً لا يتأخر.

وهكذا فإن الحرب الحقيقية المؤثرة – وهو ما قاله علانية (مارك ليفين) في المؤتمر الجمهوري اليهودي – قد تكون داخل اليمين الترامبي ذاته، وستمسي أكثر أثرًا مما قد يقع بين اليمين واليسار!! علمًا أنّ مارك ليفين عارض ترامب في البداية بشدة، ودعم (تيد كروز) قبل أن ينضوي ويعمل في إدارة ترامب، وهو من شذَّاذ بقايا “المحافظين الجدد” واشتهر بالصلافة والوقاحة في مهاجمة رموزٍ جمهورية، كجون ماكين وميت رومني وميتش ماكانون، واتهام ولائهم للجمهوريين، واعتبر أن (أوباما) إسلامي حاقد على دولة (الكيان) !

فقد أضحى اليمين فيه: تيار (MAGA) الكادح من جهةٍ، حيث يمتلكون قوة الأصوات، ويمين نيوليبرالي ثري مزيف ووصولي من جهةٍ مقابلة، لكنّه مؤثرٌ ويحيط بإدارة ترامب، وعماده شركات وادي السيلكون والمجمع الدفاعي، وإلى جانبه (اليمين الصهيوني). هذا اليمين النيوليبرالي فريدٌ، فهو متقلب الوجوه لكنَّه أيضًا متصهين، ويطلق دعاوى عنصرية محاولًا الاتساق شعبويًّا.

صرحّ (ستيف بانون) كبير منظري الترامبية مؤخرًا (لبوليتيكو) مؤكدًا هذا المشهد وخطورة أطرافٍ (جمهورية) والطرف (النيوليبرالي) داخل (اليمين الترامبي)، قائلًا: …علينا أن نضع (المواطنين) الأمريكيين أولًا… ليس فقط أمريكا أولًا، بل المواطنون الأمريكيون أولًا… يريد الحزب الجمهوري الرسمي فقط أن يتماشى مع ترامب ثم ينتهي منه، وينتهي من حركة MAGA، ثم يعود إلى ما يريد القيام به على طريقة النيوليبرالية الجديدة، والسياسة الخارجية “النيكونية” أي (المحافظون الجدد)… أعتقد أن الأمر سيكون يسيرًا جدًّا: إما أن تكون مع MAGA أو لا تكون!

 الحزب الجمهوري بلا قاعدة شعبية. لديه مجموعة من المتبرعين، ولديه شبكة فوكس التلفزيونية، وكارل روف، وكل هذه الأفكار المستهلكة التي ترونها في مجلس النواب ومجلس الشيوخ. الأمر محرج ببساطة… الحزب الجمهوري مجرد غلاف فارغ”([28]).

ويطالعنا تقريرٌ نشرته مؤسسة (أوكسفام) الشهيرة، وقام (المعهد المصري للدراسات) بنقله، أنَّ: “الثروة الجماعية لأغنى عشرة أشخاص في الولايات المتحدة ارتفعت خلال العام الماضي وحده بمقدار 698 مليار دولار… وتحذر أوكسفام من أن الفجوة الطبقية مرشحةٌ للاتساع خلال السنوات المقبلة، في ظل ما تصفه بـ “الإصلاح الضريبي التنازلي” الذي أقرّته إدارة ترامب، إلى جانب تقلُّص شبكات الأمان الاجتماعي وتراجع حقوق العمال. وتقدِّر المنظمة أن ما يُعرف بـ “القانون الكبير الجميل” الذي تبنَّته إدارة ترامب سيؤدي بحلول عام 2027 إلى خفض الضرائب على الشريحة العليا (0.1%) بمقدار 311 ألف دولار سنويًّا، مقابل زيادة الضرائب على الأسر ذات الدخل المنخفض (أقل من 15 ألف دولار سنويًّا)، ما اعتبرته المنظمة: أكبر عملية نقل للثروة لصالح الأثرياء منذ عقود”([29]).

أما اليسار بدوره، فهو – كما أسلفنا في (المقالة السابقة) – يرى أن أباطرة المؤسسة الحزبية الديمقراطية من لدن آل كلينتون إلى أوباما وبايدن وبرعاية (النيوليبراليين)، لا سيما جورج سوس وروكفيلر الابن، قد اختطفوا الناخبين لصالح مؤسسة الحزب – بالأخص الصوت الأسود المؤثر – واستهلكوا الحزب، والأهم خذلوا الشعب وعموم الناخبين بسياساتهم التي تجاهلت الطبقات العاملة. بل وحرمت أمثال التقدميين (بيرني ساندرز) و(إليزبيث وارن) من تذكرة الترشح للرئاسة، رغم أنّ فرصهم كانت أفضل من هيلاري كلينتون وبايدن وكامالا هاريس!

بات الخطر يزداد اليوم كوننا أمام جيلٍ جديدٍ جَشِع من رجال المال والشركات، لم يعودوا متوازنين كأسلافهم في الحلب المقنَّن المستمر، ولا يلوون على على مستقبل أمريكا، سوى الجشع والثراء والنفوذ مع ثقافةٍ فكريةٍ سطحيةٍ لا تتعمق في العواقب!

 وأما الصهاينة، فلم تعد لديهم حكمة اللعب تحت الطاولة، بل باتت العجرفة تجعلهم يُظهرون أجنداتهم علانية، ما كشف أحوالهم وسرديتهم أمام المواطنين، ولعلَّ ذلك حفَّزه الاضطراب من حرج أحوالهم.

فجأةً، سيصبح المشهد الأمريكي مكشوفًا للجميع بحقائقه واستحقاقاته ومعضلاته، وعندها من الصعب التنبؤ بالاتجاهات، إلا أنَّ (الأوقات السهلة) لترامب وإدارته قاربت نهايتها، والشعارات بلغت مداها واستحقاقاتها، وكثيرًا من دول العالم بدأت تتأقلم وتعيد ترتيب علاقاتها وأحوالها الداخلية كي تتحرر وتجد بدائل تخفف من “الحتميات الأمريكية”، وهذا يشمل دولَ البريكس والاتحاد الأوروبي وقارة وسط وجنوب أمريكا وكندا والمكسيك. ما سيسهم في انعتاقٍ أكثر من الهيمنة أو التأثير الأمريكي، وبالتالي سيصعب على أمريكا استعادة ذات النفوذ الدولي وأوراق اللعب لأنها بوضوح قامت بتكييش ودولرة وتسييل روابطها وعلاقاتها الدولية لصالح جباية الأموال، أكثر من النفوذ والارتباطات الدولية، وتجلَّى مثل ذلك في التباعد عن الأصدقاء الحلفاء والاتحاد الأوروبي، وتجفيف برامج المعونة الأمريكية (يو أس إيد).

وفي الوقت الذي تظهر فيه نتائج سياسات ترامب على جيب المواطن تدريجيًّا، كمثل سياسة (الرعاية الصحية) والتي بدهاءٍ حاول ترامب تأجيل مفعولها إلى ما بعد الانتخابات النصفية، فإنَّ أثر تقليص برامج المساعدات بدأ يتزايد، ناهيك عن إغلاق الحكومة – الذي سيتكرر وتوقف رواتب قطاعاتٍ ضخمةٍ إلى حين إعادة فتحها.

الشعارات الترامبية تستنفذ رصيدها، فيما تبدأ التناقضات والواقعيات تطفو وتتأكد، فشعار “أمريكا أولًا” بدأ يثير تساؤلات احتجاجية لأسباب منها؛ الدعم السخي لدولة الكيان في حرب همجيةٍ، لا تلقى قبولًا عند غالب الشعب الأمريكي ونسبة كبيرة من المصوتين الجمهوريين والماجا. ثم يطّرِد الأمر فيبلع ترامب عمليًّا شعاراته بالتركيز على أمريكا ونبذ الحروب الخارجية، إذ بات – مدفوعًا من إدارته وتأزُّمِه الداخلي – يتورط بضرباتٍ وصراعاتٍ فجَّةٍ مع إيران وفنزويلا وربما غيرها!

فها هو ينقلب على مفهوم “وزارة الدفاع” ليحولها إلى “وزارة الحرب”، وها هي الخطابات والهيكلة في وزارة الدفاع تتحول إلى ما يشبه عهد (بوش)، فتحاول أن تعوض تعثرات وأزمات ترامب الداخلية الاقتصادية والدستورية إلى عظمة قوة آلة الحرب الأمريكية، لتحاول إخراج إدارة ترامب من بعض مآزِقها، تمامًا كما حصل مع (بوش الأبن) الذي دخل البيت الأبيض يعرج!

وها هو ترامب يوقِّع اتفاقًا تجاريًّا مع الرئيس الصيني في أوكتوبر، 2025 تعود فيه الكفة إلى التوازن الذي كان مع الصين قبل حضور ترامب، ما أثار موجةً من السخرية، فقد واجه ترامب الواقع وضعف الخيارات في نهاية المطاف، لكن بعد أن سبب اضطرابات اقتصادية مكلفة لا سيما على المواطن العادي، وارتفعَ التضخم وسادت حالة التقلب واللا-يقين، ما أدى إلى اضطراب (البورصات) وخطط ومشاريع الشركات وبالتالي عانى سوق الوظائف بشدة. وها هو مرة أخرى، صاحب العصا السحرية، وفن الصفقات، يراوح مكانه بشكل محرج أمام (بوتين) كذلك في حرب أوكرانيا!

نعم، الأوقات السهلة لترامب ستنتهي كذلك مع (الانتخابات النصفية) نهاية العام 2026، ومعها استحقاقاتها التشريعية، ولن يتمتع بالسيطرة على مجلس النواب على الأقل. حينها سيتكرر سيناريو شَلَل ترامب الحكومي والتحقيقيات الذي ساد (النصف الثاني) من ولاية ترامب (الأولى).  

وهكذا بدأنا نرى كيف أنّ الديمقراطيين قاموا بأطول إغلاق حكومي في تاريخ أمريكا، حين احتاج الجمهوريون إلى أغلبيةٍ غير بسيطةٍ لفتحها، ما يعطينا فكرةً عن ضراوة المعركة القادمة بمجرد تمَّلُك الديمقراطيين أي “أغلبية”.

وتطالعنا بأهميةٍ مؤشراتٌ على القادم انتخابيًّا من بوابة انتخابات نيويورك ونيوجيرسي وفيرجينا، كونها أظهرت ما هو أهم من مجرد فوز الديمقراطيين بها، فقد أظهرت ابتعاد أصوات المستقلين والهيسبانك عن ترامب، وأنّ الديمقراطيين عرفوا أنّ طريق هزيمة ترامب يمر عبر حملات وسياسات معالجة القضايا الشعبية والمعيشية على طريقة (زهران ممداني) وتيار التقدميين المتنامي الذي يقوده بيرني ساندرز وأوكاسيا كورتيز.

ولا يكاد يفرغ (ترامب) من سماع استطلاعات أدائه ثم نتائج الانتخابات في المناطق المذكورة، حتى ينتفض من مؤشراتٍ جديةٍ تدلُّ على احتمالية منع (المحكمة العليا) الرئيس من حقِّ فرض أو تعديل (التعرفات) دون موافقات (الكونغرس)، وفي عملية دوريةٍ وبطيئة ومعقدة فيما لو وافق الكونغرس على أي تعديل. يبقى الأمر رهين قرار (المحكمة العليا) التي يخشى كذلك بعض أعضائها من سوء استخدام ترامب للتعرفات حسب مصالحه، ثم من احتمال كونها عبءًا تضخميًّا على المواطن وليست الدول المصدرة، فضلًا عن جدلية قانونيتها. ويبقى الأمر حاليًّا محل نظر (المحكمة العليا).

فريد زكريا – مُقدّم برنامج GPS على قناة  CNN- كتب عمودًا في الشؤون الخارجية لصحيفة واشنطن بوستبتاريخ 24 أوكتوبر 2025 بعنوان:

“أزمة الإيمان في الديمقراطية: عندما تشعر المؤسسات بالتحيز، يبدأ العديد من الناس في تفضيل المتحزبين الشرسين على الحكام المحايدين”.

وفيما يلي (ترجمة) نص كلامهبتصرف يسيرمن طرف مركز رؤيا للدراسات:

إذا كنت تشاهد الأخبار هذه الأيام وتشعر بوجود خللٍ في سياساتنا، فأنت لست وحدك. فقد أظهر استطلاعٌ حديث أجراه مركز بيو للأبحاث في 23 دولة أن 58% من البالغين غير راضين عن أداء ديمقراطيتهم. في (الولايات المتحدة)، يشارك أكثر من 60% هذا الرأي؛ وفي إيطاليا وفرنسا، تصل النسبة إلى ما يقرب من 7 من كل 10. لا يزال الناس يفضلون الديمقراطية على الاستبداد، لكن الاستياء واليأس أصبحا منتشرَين على نطاق واسع.

غالبًا ما يتذكر الناس في هذا الموضوع (سبعينيات) القرن الماضي. ففي ذلك الزمن، بدت الديمقراطيات الغربية منهكةً أيضًا. فقد أدى التضخم وحرب فيتنام وفضيحة ووترغيت إلى تآكل ثقة الجمهور. حذّر (هنتنغتون) من قابلية حكم الديمقراطية. ورأى (دانيال بيل) أن الرأسمالية تُقوّض الفضائل التي تدعمها.

إنّما في (ثمانينيات) القرن الماضي، انقلبت الأمور رأسًا على عقب. فقد أعاد الإصلاح الاقتصادي والديناميكية التكنولوجية الثقة. وفي غضون عقدٍ من الزمان، انهارت الشيوعية وانتصرت الديمقراطية الليبرالية. وكانت أزمة السبعينيات بمثابة مقدمةٍ للتجديد ] تعليقنا الاعتراضي: يشير (فريد زكريا) إلى حقبة ريغان وتاتشر، لكنه يغفل عن أنّ انتصار الليبرالية والتجديد كان فاتحة الغرور الذي آل إلى النيوليبرالية والعولمة التي أسهمت في حالة الانغلاق الديمقراطي والسخط على الليبرالية اليوم[.

لكن الضيق اليوم يبدو مختلفًا وأعمق، إذ كانت الأزمة في (السبعينيات) إدارية، وكان أداء الحكومات ضعيفًا، والناس كانوا يؤمنون بالنظام. كانت المحكمة العليا محترمةً، والكونغرس فعالًا، والصحافة ذات سلطةٍ. أراد الناس تطبيق القواعد؛ أمّا الآن، فهم لا يؤمنون بها.

واليوم، يُنظر إلى المؤسسات المركزية الأمريكية – المحاكم، ووسائل الإعلام، والجامعات، وحتى الانتخابات – على نطاقٍ واسع على أنها متحيزة. انخفضت الثقة بالحكومة إلى حوالي 20%؛ وغالبًا ما تتراوح نسبة تأييد الكونغرس بين 10% و15%. ولا يثق بوسائل الإعلام سوى أقل من ثلث الأمريكيين، بعد أن كانت تثق بنحو ثلاثة أرباعهم في سبعينيات القرن الماضي. المسألة اليوم لا تتعلق بالكفاءة، بل بالتماسك والثقة. كانت المؤسسات في الماضي تحظى بالاحترام لأنها بدت غير شخصيةٍ وملتزمة بالقواعد. أما اليوم، فتُعتبر جهات فاعلة سياسيًّا.

 المشكلة ليست في الأداء، بل في الانطباع السائد. فبمجرد أن يقرر الناس أنَّ (حَكَم المباراة) متحيزٌ، لا يُعيد أي شيء الثقة. وينطبق الأمر نفسه على القانون والصحافة والسياسة. فعندما يكون الحُكام غامضين أو غير موثوق بهم، تبدو المنافسة برمتها غير شرعية… هذا يُفسر جاذبية دونالد ترامب الفريدة. لقد تخلى (ترامب) تمامًا عن ادعاء الحياد كرئيس. يتصرف بمسؤولية شخصية وسياسية، وعقابية. بالنسبة لمؤيديه؛ إذا كانت جميع المؤسسات متحيزة، فمن الأفضل أن يكون مُتحزبًا مُعلَنًا على أن يكون منافقًا يدَّعي الحياد!

تؤكد دراسةٌ أجراها (سونغ إن كيم) و(بيتر أ. هول) عام 2023 هذا النمط: عندما يرى المواطنون النظامَ غيرَ عادلٍ أو متحيزًا، فإنهم يُغيّرون تفضيلهم من العملية المحايدة إلى الحكم المباشر والشخصي. القادة الذين يُصوّرون أنفسهم كمقاتلين لا كحُكّام – الذين يُهاجمون المحاكم ووسائل الإعلام والبيروقراطيات – يكتسبون المصداقية تحديدًا لأنهم يرفضون ادعاء النظام بالعدالة.

يكشف صعود ترامب أيضًا عن انقسامٍ أعمق بين الشعبويتين اليسارية واليمينية. يجدُ (كيم وهول) أنّه عندما يرى الناس الظلم أمرًا شخصيًّا – وظيفتي، دخلي، مستقبلي غير منصف – فإنهم يتجهون نحو الشعبويين اليمينيين، الذين يصور خطابهم معاناتهم على أنها خيانةٌ من النخب والغرباء. وعندما يرون الظلم أمرًا اجتماعيًّا – معاملته للآخرين بظلم من المجتمع – فإنهم ينجذبون نحو الشعبويين اليساريين، الذين يعدون بإعادة توزيع الثروة.

في السنوات الأخيرة، وَلَّدَت الصدمات التي تُقلق الناس أكثر من غيرها – تراجع الصناعة، والأتمتة، والهجرة، والعلمانية – شعورًا بالظلم الشخصي لا الاجتماعي. يخشى العمال استبدال غيرهم بهم، ليس فقط لأن الآخرين فقراء. هذا الخوف يُولِّد الغضب ويتوافق بشكلٍ طبيعي مع خطاب اليمين المُعادي للمهاجرين والمُؤيد للحماية، والحدود، والنهضة الوطنية. يدعو الشعبويون اليساريون إلى التضامن؛ بينما يَعِدُ الشعبويون اليمينيون بالانتقام.في المجتمعات المُضطربة، يكون الانتقام هو الخيار الأسهل. أضف إلى ذلك حملةً استمرت عقودًا من قِبل اليمينلتشويه سمعة المؤسسات الأمريكية الأساسية – من البيروقراطيات إلى الصحافة – وتآكلت الثقة تمامًا كما كان مُخططًا لها.

انتهت أزمة (السبعينيات) عندما شرَعَ القادة في جعل الديمقراطية تُحقق أهدافها. شككَ الشعب حينها في كفاءة الحكومة، لكنه لم يشك في شرعيتها. التحدي اليوم أخلاقي. لا تزال المؤسسات تعمل، لكنها فقدت هالة نزاهتها. عندما يفقد المواطنون ثقتهم بالحكام، يتوقفون عن الالتزام بالقواعد. تصبح كل انتخابات حربًا أهلية بوسائل أخرى. الحقيقة نفسها تصبح قبلية!

لكنّنا اليوم، دخلنا عصرَ ما بعد التحكيم الديمقراطي: عالمٌ تُنْكَرُ فيه المؤسسات، ويُستهزأ فيه بالنزاهة، ويختار المواطنون فيه جهاتهم لا بناءً على سياساتهم بل بناءً على هويتهم… قبل خمسين عامًا، شكّ الناس في حكوماتهم. واليوم، يشكّون في بعضهم البعض. لن تأتي النهضة الديمقراطية القادمة من مدراء أذكياء أو إصلاحات تكنوقراطية، بل من إعادة اكتشاف الثقة. وإلى أن نصدِّق مجددًا أنّ الحَكم يحاول أن يكون عادلًا، سنظل نصرخ “يا حَكَم، أنت فاشل!” في وجه ديمقراطيتنا، ثم نتساءل لماذا لم تعد اللعبة تستحق اللعب؟!”([30]).

نعم صدَقَ وصف الكاتب لمخضرم (فريد زكريا): “فقد بات الحَكَم فاشلًا وباتت اللعبة داخل أمريكا خارج قواعد اللعب”.

 والخطر أن تقترب أمريكا من الحالة التي قال “دو توكفيل” عنها قديمًا، فيما لو حوَّلَ (ترامب) النظام إلى نظامٍ سيئٍ برمته: “تحين اللحظة الأكثر خطورة بالنسبة لنظامٍ سيئ حين يسعى لإصلاح نفسه”.

أو أن ينطبق على أمريكا اليوم في الحالة السياسية المجتمعية ما نعاه (توكفيل) ذاته على الفوضى التي شهدتها أوروبا في (القرن التاسع عشر) حين وصفها بحالةٍ عدميةٍ، مُتسَائِلًا حينها:هل شابهت كل القرون إذن قرننا؟ هل كان للإنسان دائمًا أمام ناظريه، مثل أيامنا هذه، عالمًا لا يترابط فيه شيء، عالمًا باتت فيه الفضيلة بلا إبداع، وبات الإبداع بلا شرف؛ حيث محبة النظام تختلط مع ذوق الطغاة، وتقديس الحرية يمتزج مع احتقار القوانين، وحيث الوعي لا يقوم إلا بالتشكيك في الأعمال الإنسانية، وحيث يبدو أنه لا شيء يستحق أن يدافع عنه، ولا شيء مباح، أو مستقيم، أو مخزي، أو صادق أو كاذب؟! “([31]).

وهكذا هي طبيعة الأنظمة البشرية القاصرة،ففي عام 1947، جلس فيلسوف المنطق النمساوي كورت غودل أمام لجنة منحة (الجنسية الأمريكية). وحين سأله أحدهم إن كان قد درس الدستور، ابتسم وقال: نعم، درسته جيدًا، ووجدت فيه ثغرةً منطقية قد تسمح بقيام ديكتاتوريةٍ في الولايات المتحدة. كانت الجملة صادمة في بساطتها، وتنبّه إلى أن حتى أكثر الدساتير عقلانية قد تحمل في طياتها بذور نقيضها. فغودل، الذي زلزل المنطق ببرهانه الشهير عن “اللااكتمال”، كان يرى أن الأنظمة البشرية، كالمعادلات، لا تكتمل ولا تعصم نفسها من التناقض. هكذا حوّل لحظةً روتينية ًإلى درسٍ في هشاشة الحرية حين تغفل عن منطقها([32]).

ختامًا، لم نتعمق – في هذا الجزء من بحثنا – في السياسات والعوامل الدولية الخارجية، وتأثيرها المتبادل، لأنّه حسب ما نرى، إنّ الحضارات المسيطرة لا تنهار بفعل الخارج ابتداءً، بل تتراجع من الداخل أولًا، وهي تَضْمَحِلُ ولا تَنْهَارُ لِتُسْتَبْدَلُ حَدِيًّا… ولأنّ موضوعنامتعلقٌ بدرجةٍ أساسية بالتكوين الداخلي الأمريكي وتحدياته البنيوية، والذي يؤثر بدوره في توجهات السياسات الخارجية الأمريكية وارتباطاتها وطبيعة رؤيتها. وإن كنا تطرقنا إلى مسائل دوليةٍ أساسيةٍ متلازمةٍ، لا سيما تحت سياسات تقليل الترابط مع الحلفاء والحمائية، والتعرفات ضد الصين والحلفاء. كما أننا سبق وتطرقنا إلى محورية (العولمة النيوليبرالية) وأثرها مقابل الهويات والقومية الاقتصادية، والنموذج الليبرالي العابر للخصوصيات.

لكننا نستطيع أن نخْلُصَ- من خلال الربط بين تأثير المكونات (المتباينة) في منظومة ترامب (داخليًّا) وبين سِمات سياساته (الخارجية) إلى أنّ من أهم أسباب تموّج بعض سياسات ترامب وعدم ثباتها وقلة اتساقها أو تناقضها، تباينَ تركيبة القوى التي حول ترامب وتجاذبَ رؤاها ومصالحها وأولوياتها، وهذا يشمل: ترامب ذاته كشخص، والأثرياء وشركاتهم، والماجا، والتيار الإنجيلي الصهيوني.


([1])انظر الجزء الأول من هذا البحث: الظاهرة الترامبية: معضلة أمريكا بين النيوليبرالية والشعبوية اليمينية:  https://ruyaa.cc/Page/1734/

.

([2])انظر بتصرف يسير: أسطورة النظام الليبرالي: غراهام أليسون، عرض وترجمة رياض المسيلبي، مجلة أواصر، الموقع الإلكتروني، 09-2919

https://www.awaser.org/translations/44b62bab-f069-4ac4-bbf3-16160910e7d1.

([3]) Chris Hedges, “Demagogue-in-Chief”, Truthdig

([4])انظر بتصرف يسير: رئاسة دونالد ترامب: اليمين المترنح ونهاية الاستثناء الأمريكي، محمد الشرقاوي، مجلة أواصر، الموقع الإلكتروني 

https://www.awaser.org/files/7d16e055-ed68-4011-ad19-145ce0109931

([5]) N. Gabler, “Farewell, America”, Moyers and Company, 10 November 2016 (Visited 10 November 2016) http://billmoyers.com/story/farewell-america/

([6]) http://www.cnn.com/2017/02/23/politics/glenn-beck-steve-bannon-economic-nationalism-anderson-cooper-cnntv/

([7]) Trump: America needs ‘bold infusion of popular will’, Washington Examiner, a news report

([8]) انظر: رئاسة دونالد ترامب: اليمين المترنح ونهاية الاستثناء الأمريكي، محمد الشرقاوي، مجلة أواصر، الموقع الإلكتروني 

https://www.awaser.org/files/7d16e055-ed68-4011-ad19-145ce0109931

([9]) Albertazzi, Daniele. and McDonnell, Duncan. Twenty-First Century Populism, Palgrave MacMillan, 2008, p. 3

([10]) انظر بتصرف يسير: رئاسة دونالد ترامب: اليمين المترنح ونهاية الاستثناء الأمريكي، محمد الشرقاوي، مجلة أواصر، الموقع الإلكتروني 

https://www.awaser.org/files/7d16e055-ed68-4011-ad19-145ce0109931

([11]) “يقصد الكاتب أنه قام باستبدال اتفاقية (USMCA) مع كندا والمكسيك باتفاقية التجارة الحرة (NAFTA) مع الدولتين، بشروط أكثر تشددًا”؛ وذلك أن ما بعد الباء يكون هو المتروك والمستبدل به؛ والمعنى أنه ألغى اتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك (NAFTA) وأحل مكانها اتفاقية (USMCA)..

([12]) انظر: رئاسة دونالد ترامب: اليمين المترنح ونهاية الاستثناء الأمريكي، محمد الشرقاوي، مجلة أواصر، الموقع الإلكتروني 

https://www.awaser.org/files/7d16e055-ed68-4011-ad19-145ce0109931

([13]) http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

([14]) انظر بتصرف يسير: رئاسة دونالد ترامب: اليمين المترنح ونهاية الاستثناء الأمريكي، محمد الشرقاوي، مجلة أواصر، الموقع الإلكتروني 

https://www.awaser.org/files/7d16e055-ed68-4011-ad19-145ce0109931

([15]) Daniel Drezner, “America the Unexceptional”, The Washington Post, February 1, 2017

([16]) Colin Kahl and Hal Brands, “Trump’s Grand Strategic Train Wreck”, Foreign Policy

([17]) انظر موقع المعهد المصري للدراسات: نحن والعالم عدد 23 أكتوبر 2025

([18]) انظر حديث نانسي بيلوسي على شبكة CNN:  https://youtube.com/shorts/zXtfazmi-ns?si=mL25A7CiGuFCT_n9

([19]) انظر الترجمة في هذا الرابط:  https://t.me/eipss_eg/5719، وانظر كذلك عرض د. عمر دراج، بتاريخ 30 أكتوبر 2025 في ذات الموقع.

([20]) المعهد المصري للدراسات: نحن والعالم عدد 23 أكتوبر 2025، وانظر كذلك: https://apnews.com/article/tech-private-equity-electricity-utilities-minnesota-8c145ca62728c1d7ae36b0cc3bc8e0ce

([21]) انظر د. الأحمري: https://x.com/alahmarim/status/1982920308211290333?t=zeUbhZnyzDqYNzghnrxKXQ&s=08

([22]) انظر موقع المعهد المصري للدراسات، سبتمبر 2025 بتصرف يسير :   https://t.me/eipss_eg/5791

([23]) انظر، رؤيا للبحوث والدراسات: أسباب الصعود الصيني وأسباب الإخفاق الأمريكي في عرقلته أو إيقافه:  https://ruyaa.cc/Page/127658/

([24]) انظر مقالة الواشنطن بوست، فريد زكريا: https://www.washingtonpost.com/opinions/2025/10/03/xi-jinping-trump-tech-race/

([25]) انظر: موقع المعهد المصري للدراسات: نحن والعالم عدد 23 أكتوبر 2025.

([26]) https://www.washingtonpost.com/posteverything/wp/2017/02/07/who-benefits-from-bannons-economic-nationalism/?utm_term=.ca78d99207cc

([27]) https://www.youtube.com/watch?v=-4HCyi_Ek4A

([28]) https://www.politico.com/news/magazine/2025/11/05/steve-bannon-zohran-mamdani-warning-interview-00637071?email=bb99f98fada506eb7a10bb6d9b1445969f62f183&emaila=a9a207c61fce6add0a13da3f7e827609&emailb=236a53a752cf3a6c9f8372d8c7ee094046376a8e4ab7dfceb55fb6f72c5c9ed1&utm_campaign=War+Notes+2025-11-06&utm_medium=email&utm_source=Sailthru

([29]) نقلًا عن المعهد المصري:  https://enterprise.news/egypt/ar/news/story/am/2025-11-04/14

([30]) Fareed Zakaria: Democracy’s crisis of faith. The Washington Post:

https://www.washingtonpost.com/opinions/2025/10/24/democracy-trust-populism-institutions-politics

([31]) توكفيل: الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين قنديل – عالم الكتب، القاهرة، ص 49.

([32]) تغريدة لمأمون فندي:

زر الذهاب إلى الأعلى