قرارات الكابينت الإسرائيلي: ضم فعلي للضفة الغربية وتحويلها لواقع محتل

أولًا: الحدث:
في العاشر من فبراير 2026، صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغَّر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت) على حزمة قرارات استيطانية جديدة تُعد الأخطر منذ عقود، لما تحمله من تحوُّل جذري في إدارة الأرض والسكان في الضفة الغربية المحتلة.
جاءت هذه القرارات في سياق متسارع من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض واقع الضم بحكم الأمر الواقع، دون إعلان رسمي، عبر أدوات قانونية وإدارية تُعيد تشكيل المشهد السياسي والديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تشمل هذه القرارات تسهيل بيع الأراضي الفلسطينية لليهود، وإلغاء القوانين الأردنية التي كانت تمنع بيع الأراضي لغير العرب، ورفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية، بما يتيح الكشف عن أسماء المالكين الفلسطينيين والتوجه إليهم مباشرة لشراء أراضيهم.
كما أقرت القرارات السماح بإنفاذ القانون الإسرائيلي في مناطق “أ” و”ب ” الخاضعة نظريًّا لسيطرة السلطة الفلسطينية، الأمر الذي يفتح الباب أمام هدم المباني الفلسطينية بحجج أمنية أو تنظيمية أو بيئية.
ومن بين أخطر ما تضمنته الحزمة الاستيطانية، نقل صلاحيات التخطيط والبناء في محيط الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل الفلسطينية إلى “الإدارة المدنية” التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى نقل إدارة مسجد بلال (قبر راحيل) قرب بيت لحم إلى جهة إسرائيلية رسمية، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية المباشرة على مواقع دينية حساسة ذات بعد سياسي وتاريخي عميق.
وقد جرى تمرير هذه القرارات مباشرة عبر الكابينت، دون الحاجة إلى مصادقات إضافية، في مؤشر على نية الحكومة الإسرائيلية تسريع تنفيذها على الأرض مستفيدة على ما يبدو من انشغال الإقليم والعالم بملفات ومصالح أخرى.
ثانيًا: السياق السياسي والأيديولوجي للقرارات:
تأتي قرارات الكابينت في ظل هيمنة ائتلاف يميني متطرف على الحكومة الإسرائيلية، يقوده بنيامين نتنياهو ويضم شخصيات أيديولوجية مثل بتسلئيل سموتريتش (وزير المالية الإسرائيلي) ويسرائيل كاتس (وزير الدفاع الإسرائيلي)، الذين لا يخفون تبنيهم العلني لمشروع الضم الكامل للضفة الغربية.
ويعبِّر خطابهم السياسي عن قناعة راسخة بأن الوقت بات مناسبًا لحسم ملف الضفة الغربية نهائيًّا، عبر فرض السيادة الإسرائيلية عليها تدريجيًّا، وتحويل الاحتلال إلى سيطرة دائمة.
وتكشف التصريحات الصادرة عن سموتريتش وكاتس أن هذه القرارات ليست إجرائية أو تقنية فقط، بل جزء من رؤية استراتيجية تهدف إلى “إزالة الحواجز القانونية” التي أعاقت التوسع الاستيطاني لعقود، وإلغاء “التشريعات” التي حالت دون شراء اليهود للأراضي في الضفة الغربية كما هو الحال داخل أرض فلسطين المحتلة.
في هذا السياق، اعتبر مجلس المستوطنات الإسرائيلية هذه القرارات الأهم منذ 58 عامًا، معتبرًا أنها تُرسخ السيادة الإسرائيلية في “يهودا والسامرة”، وهو المصطلح التوراتي الذي تستخدمه إسرائيل في سياق نفي الوجود الفلسطيني التاريخي والسياسي في الضفة الغربية.
ثالثًا: الضم الفعلي للضفة، وإسقاط اتفاقيات أوسلو:
تمثل قرارات الكابينت خرقًا واضحًا وصريحًا لاتفاقيات أوسلو الموقّعة لأول مرة في عام 1993، والتي قسَّمت الضفة الغربية إلى مناطق “أ” و”ب” و”ج”، ومنحت السلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية وأمنية متفاوتة، على أن تكون هذه الترتيبات مؤقتة تمهيدًا لتسوية نهائية.
إن إتاحة إنفاذ القانون الإسرائيلي في مناطق “أ” و”ب “، وسحب صلاحيات التخطيط والبناء من البلديات الفلسطينية، يعني عمليًّا إخضاعها لمنظومة السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وبذلك، لا تكتفي إسرائيل بتقويض أوسلو، بل تُفرغه من مضمونه بالكامل، وتفرض نظامًا احتلاليًّا يُدار بالقوة والإدارة معًا!
ويُلاحظ أن هذه العملية لا تحتاج إلى إعلان رسمي للضم، بل تُدار الأرض والسكان وفق منظومة إسرائيلية توسعية، فيما يُترك الإعلان السياسي عن الضمِّ _على الأرجح_ إلى مرحلة لاحقة بعد ترسيخ الوقائع على الأرض.
رابعًا: السجل العقاري أداة لإعادة تشكيل السيطرة الإسرائيلية:
يُعدُّ قرار رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية نقطة تحوُّل بالغة الخطورة في مسار السيطرة الإسرائيلية على الأرض، إذ لا يقتصر أثره على تسهيل عمليات الشراء فحسب، بل يُعيد تعريف وظيفة السجل العقاري ذاته بجعله وسيلة مركزية في مشروع الاستيطان المنظم عبر تمكين جهات إسرائيلية والمستوطنين من تحديد الأراضي الفلسطينية وأصحابها مباشرة مما يسهل استهدافهم لنزع ملكية الأراضي.
فالسجل العقاري، الذي شكَّل تاريخيًّا إحدى آليات تثبيت الحقوق الفلسطينية، يجري تحويله إلى قاعدة بيانات مفتوحة تُستخدم لاستهداف الملكيات الفلسطينية (خاصة أملاك الغائبين) بشكل مباشر، سواء عبر الشراء القسري أو الضغوط الاقتصادية أو التهديدات الأمنية.
إن كشف أسماء مالكي الأراضي الفلسطينيين، وإتاحة الوصول المباشر إليهم، يحدث في سياق اختلال عميق في الميزان السكاني، وهو تكريس لمشروع الفصل بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، وهو “جوهر المشروع الاحتلالي الاستيطاني، حيث اعتبر سموتريتش هذه القرارات بمثابة “ثورة استيطانية“.
وهذا ما يفتح المجال أمام أنماط متعددة من الانتهاكات، تشمل الابتزاز، والتزوير، واستغلال الأزمات الاقتصادية، فضلًا عن توظيف مليشيات المستوطنين كأداة ضغط ميداني لدفع السكان نحو البيع أو الرحيل.
وتكمن خطورة هذه الخطوة في أنها تُحوِّل الاستيلاء على الأرض من فعل عسكري مباشر إلى عملية “قانونية – إدارية” مموَّهة، تُدار بأدوات السوق والسجل المدني، وتُقدَّم بوصفها معاملات عقارية طبيعية، غير أن هذا التوصيف يُخفي حقيقة كونها جزءًا من سياسة إحلال سكاني ممنهجة، تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني وتوسيع الرقعة الجغرافية الخاضعة للمستوطنات.
كما أن إلغاء القوانين الأردنية التي كانت تحظر بيع الأراضي لغير العرب يُشكِّل نسفًا لإطار قانوني ظلَّ ساريًّا في الضفة الغربية لعقود، ويؤكد أن إسرائيل لا تكتفي بخرق الاتفاقيات السياسية، بل تعمل أيضًا على تفكيك المنظومة القانونية التاريخية التي كانت تشكل حدًّا أدنى من الحماية للملكية الفلسطينية.
ويُضاف إلى ذلك أن تقليص الرقابة على عمليات البيع، وإلغاء التصاريح اللازمة، يُنذر بانتشار واسع لعمليات الاحتيال والاستيلاء غير المشروع، بما يُعمِّق النهب، ويُقوِّض أي إمكانية مستقبلية لاستعادة الحقوق.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذه الإجراءات بمعزل عن الهدف الاستراتيجي الأوسع، والمتمثل في إعادة رسم الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية، وتحويل الفلسطينيين إلى تجمعات سكانية معزولة، محاطة بكتل استيطانية مترابطة.
خامسًا: المقدسات الدينية في قلب مشروع السيطرة الإسرائيلية:
إن نقل إدارة الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال قرب بيت لحم إلى جهات إسرائيلية رسمية لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًّا أو تنظيميًّا فحسب، بل يمثل خطوة متقدمة في سياق استهداف مباشر للمقدسات الإسلامية، ومحاولة لإعادة صياغة هويتها الدينية والتاريخية بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
ويشكِّل هذا الإجراء مساسًا خطيرًا بالوضع القائم، وانتهاكًا واضحًا لقدسية هذه المواقع ومكانتها في الوجدان الديني للمسلمين، فضلًا عن كونه تمهيدًا لفرض وقائع جديدة بالقوة داخل في تلك المساحات الدينية.
كما يأتي إدخال هذه المواقع ضمن مشروع الضم الشامل في سياق السعي إلى منح السيطرة الإسرائيلية بعدًا رمزيًّا وأيديولوجيًّا، وترسيخ حضورها داخل المدن الفلسطينية الكبرى، ولا سيما الخليل وبيت لحم، بوصف ذلك جزءًا من مقاربة ممنهجة لفرض السيادة الإسرائيلية على الفضاءين الجغرافي والديني معًا.
سادسًا: تصاعد عنف المستوطنين كأداة عملية في مخطط الضمِّ:
تترافق هذه القرارات مع تصاعد الدور المنهجي لمليشيات المستوطنين، التي باتت تعمل تحت غطاء سياسي وأمني مباشر، في الاعتداء على القرى الفلسطينية، والاستيلاء على الأراضي، وفرض وقائع جديدة بالقوة. ويُخشى أن يؤدي هذا المسار إلى إعادة هندسة المشهد الديموغرافي في الضفة الغربية، عبر دفع الفلسطينيين إلى الرحيل القسري أو التضييق المعيشي المتعمد.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن مواجهة السياسات الإسرائيلية، الأمر الذي يزيد من حالة السخط الشعبي بشأنها، ويعمِّق الفجوة بين الشارع الفلسطيني وبينها.
سابعًا: المواقف الفلسطينية والدولية:
قوبلت قرارات الكابينت بإدانات فلسطينية رسمية وشعبية، باعتبارها تنفيذًا عمليًّا لمخططات الضم والتهجير، وشرعنة لنهب الأراضي الفلسطينية وهدم الممتلكات.
وقد عبَّرت حركة حماس عن رفضها القاطع لهذه القرارات، واعتبرتها جزءًا من نهج استيطاني فاشي يندرج ضمن مخطط شامل للتطهير العرقي، وفرض سيادة زائفة بالقوة، داعية إلى توحيد الصف وتصعيد المقاومة الشعبية والميدانية لإفشال مشاريع الضم.
وقد أدانت عدة دول هذه الإجراءات، وفي هذا السياق، برز الموقف التركي في الصدارة، حيث أكدت وزارة الخارجية أن هذه الإجراءات تهدف إلى تسريع الضم غير القانوني وتهجير الشعب الفلسطيني، وأنها تمثل محاولة لتغيير التركيبة الجغرافية والديموغرافية للأراضي المحتلة، محذِّرة من تداعياتها الخطيرة على الاستقرار الإقليمي.
دوليًّا، وعلى الرغم من صدور مواقف أمريكية وأوروبية تنتقد هذه الخطوات، فإن هذه المواقف بقيت محصورة في إطار الاعتراض السياسي غير الملزم، دون أن تُترجم إلى ضغوط فعلية أو إجراءات رادعة؛ الأمر الذي يتيح لإسرائيل المضي في فرض وقائعها على الأرض دون كلفة دولية حقيقية.
خاتمة:
تعكس السياسات الإسرائيلية الراهنة رهانًا واضحًا على الزمن بوصفه أداة احتلال فاعلة، حيث يجري تثبيت الوقائع على الأرض، عبر التراكم البطيء المتدرج، الذي سيزيد من وتيرة بناء المستوطنات للوصول لحالة “دولة المستوطنين” في الضفة الغربية.
إذ تشير مجمل القرارات التي أقرَّها الكابينت الإسرائيلي إلى انتقال الاحتلال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة حسمه، عبر فرض واقع الضم الفعلي الشامل للضفة الغربية، باستخدام أدوات قانونية وإدارية وأمنية جديدة، فلم تعد السياسات الإسرائيلية تقتصر على التوسع الاستيطاني التقليدي، بل باتت تستهدف البنية التي يقوم عليها الوجود الفلسطيني برمته.
إن ما يجري اليوم هو عملية إعادة صياغة شاملة لطبيعة الواقع القائم، حيث تُسقِط إسرائيل جوهر اتفاقيات أوسلو دون إعلان رسمي، وتفرض نظامًا يقوم على الضم والتمييز البنيوي.
كما تكشف هذه القرارات عن سعي حثيث لفرض السيادة الإسرائيلية على الفضاء الديني والتاريخي في الضفة الغربية، من خلال السيطرة على المواقع المقدسة، وإعادة تعريفها ضمن الرواية الإسرائيلية.
ويُخشى أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تكريس نظام فصل عنصري مكتمل الأركان، يُدار فيه السكان الفلسطينيون باعتبارهم جماعات خاضعة بلا حقوق، فيما تُمنح الأرض والموارد للمستوطنين باعتبارهم أصحاب السيادة الفعلية.
إن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في حجم الانتهاكات الجارية، وإنما تكمن خطورة هذه المرحلة في أنها تفرض واقعًا دائمًا يُخضع الضفة الغربية لسيطرة إسرائيلية شاملة، تُدار فيه الأرض والموارد والسكان في مرحلة انتقالية من “الضم القسري المحدود ” إلى “الضم القانوني الواسع“.
وفي ظل انحياز دولي واضح لصالح إسرائيل، توظِّف إسرائيل هذا الأمر لفرض وقائع لا رجعة عنها على الأرض، مستندة إلى ميزان قوة مختل، وتواطؤ سياسي فعلي، وغياب أية أدوات قادرة على كبح سياساتها التوسعية.
وهو الأمر الذي يجعل من تصعيد المقاومة الشعبية _ التي دعت لها حركات المقاومة الفلسطينية_ عاملًا مركزيًّا في إرباك هذا المسار وكبح سياسات الضم وفرض كلفة حقيقية على استمرارها، بعدما فشل نهج التفاوض الذي طُرح طوال العقود الماضية كإطار لإدارة الصراع، إذ استُخدم كثيرًا باعتباره غطاءً لتمديد الاحتلال بدل إنهائه، وأتاح لإسرائيل تعميق سيطرتها على الأرض.
فقد صار واضحًا جليًّا أن مسار المفاوضات والاتفاقيات ليس قادرًا على كبح العمليات الاستيطانية أو منع سياسات الضم الفعلي، بل بات مظلة لإعادة إنتاج واقع الاحتلال للأراضي الفلسطينية، لا سيما في ضوء هذه القرارات الأخيرة التي تكشف بوضوح اعتماد إسرائيل نهج فرض الحالة الاستيطانية على الأرض.
وفي هذا الإطار، بات واضحًا أن على الفلسطينيين الاستعداد الجاد لمرحلة ما بعد الضم الفعلي، إذ لم يعد هذا السيناريو احتمالًا مؤجلًا، بل مسارًا يتقدَّم بثبات.
ويتطلب ذلك إعادة بناء الاستراتيجيات على أساس المواجهة الشاملة، بدل الاكتفاء بالتعويل على مسارات تفاوضية أثبتت عجزها عن وقف الاستيطان أو حماية الأرض.
كما أن ما شهدته الشهور الماضية من عدوان إسرائيلي واسع في الضفة الغربية، شجَّع الاحتلال على تسريع خطواته التوسعية، مستندًا إلى غياب كلفة حقيقية الأمر الذي يفرض تفعيل أشكال المقاومة المختلفة، وعلى رأسها المقاومة الشعبية المنظمة، لرفع كلفة الاحتلال، وكسر معادلة الاستفراد، وإرباك مخططاته على الأرض.
كما يطرح هذا المسار تساؤلات جوهرية حول موقف الأردن، وأين يتموضع دوره العملي الفاعل والمتجاوز لحدود التصريحات الرافضة إلى خطوات عملية إزاء ما يجري من ضم فعلي وتغيير للوقائع على الأرض في الضفة الغربية؟!
وفي موازاة ذلك، يبرز الدور الغائب للعالم الإسلامي ومؤسساته الشرعية، التي يفترض أن تتحمل مسؤولياتها الدينية والأخلاقية والتاريخية تجاه ما يجري في الضفة الغربية، ليس عبر بيانات التضامن فحسب، بل من خلال مواقف عملية ضاغطة تدعم صمود الفلسطينيين على الأرض، فإن تفعيل دور هذه المؤسسات بات ضرورة ملحَّة، خاصة في ظل استهداف المقدسات وفرض وقائع جديدة تمسُّ جوهر الصراع والهوية الإسلامية لفلسطين.






