
المقدمة
مع إعلان الولايات المتحدة وإيران عن هدنة مؤقتة في 7–8 أبريل 2026 بوساطة باكستان، بدا أن الهدنة الأمريكية تركز بشكل أساسي على الملفات الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز.
إلا إن الشروط الإيرانية تضمنت ضرورة وقف التصعيد العسكري في لبنان، ولكنّ التطورات الميدانية أظهرت استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، تحت توصيفات مثل “عمليات منفصلة” أو “إجراءات دفاعية لحماية الأمن الإسرائيلي”.
في هذا السياق، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى استثمار فترة التفاوض في إضعاف قدرات حزب الله، وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، وبذلك لم يعد الملف اللبناني قضية محلية معزولة، بل أصبح جزءًا من بنية إقليمية معقدة تتداخل فيها حسابات إسرائيل، وحزب الله، وإيران، والولايات المتحدة.
ويعكس سعي إسرائيل لفصل الساحة اللبنانية عن مسار التفاهمات الإيرانية–الأمريكية توجهًا إسرائيليًا يهدف إلى الحفاظ على هامش تصعيد مستقل في لبنان.
في المقابل، تظهر الولايات المتحدة دعمًا سياسيًا وعسكريًا واضحًا لإسرائيل، في حين تسعى إدارة ترامب إلى التوازن بين دعم حليفها الاستراتيجي وبين عدم انزلاق الأوضاع نحو تهديد أوسع قد يؤثر على أمن الطاقة العالمي واستقرار مضيق هرمز والأسواق النفطية.
جدل حول شمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار
أحد أبرز مظاهر الإشكالية المرتبطة بإعلان التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران تمثل في التضارب الواضح حول ما إذا كان لبنان مشمولًا ضمن نطاق اتفاق وقف إطلاق النار.
ففي حين أكدت كل من إيران وباكستان أن التفاهمات تتضمن الجبهة اللبنانية، سارعت الولايات المتحدة لاحقًا إلى نفي ذلك، في ظل تقارير تتحدث عن تراجع في هذا الموقف تحت تأثير ضغوط إسرائيلية مباشرة.
ويعكس هذا الموقف قدرة إسرائيل على التأثير في صياغة المواقف الأمريكية أو إعادة تفسيرها بما يتماشى مع حساباتها الأمنية والعسكرية، كما يكشف هذا التناقض عن تصادم واضح بين رؤيتين: إيرانية تسعى إلى ربط الجبهات والحلفاء ضمن إطار تفاوضي واحد، وإسرائيلية تعمل على فصل الساحات وعزل كل جبهة على حدة.
وفي هذا السياق، صرح وزير الخارجية الإيراني بأن شروط وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة “واضحة وصريحة”، مؤكداً أن على واشنطن الاختيار بين الالتزام بالتهدئة أو تحمل تبعات استمرار الحرب عبر إسرائيل..
في ذات السياق، شهدت الساحة السياسية تصعيدًا لافتًا في الخطاب السياسي الباكستاني، حيث شن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف هجومًا حادًا على إسرائيل واصفًا إياها بأنها “شر ولعنة على البشرية”، في واحدة من أكثر التصريحات الباكستانية حدّة منذ اندلاع الأزمة، كما أشار رئيس الوزراء الباكستاني، الذي لعب دورًا في قنوات التواصل غير المعلنة مع واشنطن، إلى أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان في محاولة لتثبيت الطابع الشامل للاتفاق.
وردًا على هذه التصريحات، أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن رفض شديد لها، معتبرًا أن هذه المواقف تمثل “افتراءات ذات طابع معادٍ للسامية” صادرة عن حكومة تدّعي الوساطة في مسار السلام.
الاستراتيجية الإسرائيلية لفصل الساحات:
من جانبه صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل ترغب في إجراء محادثات مباشرة مع لبنان بشأن نزع سلاح حزب الله، مؤكدًا في الوقت ذاته أن لبنان ليس طرفًا في اتفاق وقف إطلاق النار القائم.
وفي السياق نفسه، أفاد مصدر حكومي لبناني بأن رئيس الوزراء اللبناني سيتوجه إلى واشنطن العاصمة خلال الأيام المقبلة في إطار مشاورات مرتبطة بتطورات الملف.
وتندرج هذه التصريحات ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى تفكيك ترابط الساحات ومنع تشكّل معادلة “وحدة الجبهات”، إذ ترى تل أبيب أن أي ربط عضوي بين لبنان وغزة وإيران من شأنه رفع كلفة الحرب وتقييد هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية.
في المقابل، يُلاحظ أن الولايات المتحدة لم تعارض بقوة الهجمات التي شنتها إسرائيل على لبنان، ويترتب على هذا منح إسرائيل هامشًا أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان دون تقاطع مباشر مع مسار الهدنة الأمريكي–الإيراني.
أما العامل الأكثر حساسية فيتمثل في الموقف اللبناني الرسمي، الذي يرفض إدراج لبنان ضمن أي تفاهمات تُعقد بالنيابة عنه، وهو الموقف الذي أتاح مساحة تأويل تستخدمها كل من واشنطن وتل أبيب لتبرير استمرار العمليات العسكرية، باعتبار أن الساحة اللبنانية خارج إطار الالتزامات التفاوضية القائمة.
وفي هذا الإطار، تسعى إسرائيل إلى تكريس الفصل بين الساحات حتى عبر المسار التفاوضي المحتمل، ليعزل لبنان عن أي معادلة إقليمية أوسع ووفق تصورها لا يبدو أن نتنياهو يتجه نحو تقديم تنازلات حيث يسعى إلى إدارة الصراع من منطق انتزاع المكاسب تحت الضغط، بما سيجعل أي مسار تفاوضي قادم ساحة مواجهة سياسية غير متكافئة، هدفها تحقيق ما تعذّر حسمه عسكريًا بصورة مباشرة.
الرؤية الإيرانية لربط الجبهات وحماية الردع الإقليمي
من جهته شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان تمثل “انتهاكًا لاتفاق التهدئة” وتجعل مسار المفاوضات “بلا معنى”، مؤكداً أن إيران لن تتخلى عن الجانب اللبناني.
كما حذّر الحرس الثوري الإيراني من أن إسرائيل “ستندم” إذا واصلت هجماتها، ملوّحًا برد “مؤلم”، في حين أشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى “تكاليف واضحة وردود قوية”.
ويعكس هذا الموقف الإيراني إصرارًا على اعتبار أن التهدئة الإقليمية، التي جرى التوسط فيها عبر باكستان، تشمل جميع الجبهات بما فيها لبنان وحزب الله، في مقابل الرفض الإسرائيلي لهذا الطرح مع إصرار على فصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق أوسع.
وفي جوهر هذا التصعيد، تنظر إيران إلى حزب الله باعتباره العمود الفقري لـ“محور المقاومة” وأحد أهم أدوات الردع الإقليمي في مواجهة إسرائيل، وبالتالي، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان يُقرأ كاستهداف مباشر لبنية الردع الإيرانية الممتدة عبر شبكة من الأذرع في المنطقة، من حزب الله إلى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن.
في هذا السياق، تبدو إيران منخرطة في جهود مستمرة لتعزيز حضور حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله، من خلال الدعم السياسي، ويُنظر إلى هذا الدعم على أنه ساهم في تمكين الحزب من إعادة ترتيب صفوفه بعد جولات التصعيد السابقة، بما في ذلك حرب يونيو 2025، حيث تمكن من استعادة جزء من قدراته الميدانية والردعية.
في المقابل، يظهر أن الولايات المتحدة لا تولي مصالح حلفائها العرب في الخليج نفس مستوى الأولوية، خاصة في لحظات التصعيد.
الاحتقان الداخلي اللبناني في ظل التصعيد الإسرائيلي:
يتزامن التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان مع حالة احتقان داخلي متزايدة، تتجلى في انقسام سياسي حاد حول دور حزب الله، وتوترات اجتماعية بين مكونات لبنانية مختلفة، إضافة إلى نقاش متصاعد بشأن شرعية سلاح المقاومة وحدود دوره في معادلة الدولة.
ورغم أن احتمال الانفجار الداخلي لا يبدو وشيكًا في المدى القريب، فإن استمرار الضغوط الخارجية قد يخلق بيئة قابلة لتفجير صدامات داخلية مؤجلة، خصوصًا في حال تصاعدت محاولات تحميل طرف لبناني بعينه هو حزب الله مسؤولية التصعيد الإقليمي.
وفي هذا السياق، يحاول حزب الله إدارة المعادلة الميدانية بحذر، حيث أظهر قدرة محدودة على الرد على الغارات الإسرائيلية، لتأتي هذه الردود ضمن إطار محسوب، يسعى إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تستدعي تدخلًا إقليميًا أوسع أو تورطًا إيرانيًا مباشرًا.
ويعكس هذا السلوك استراتيجية مزدوجة لدى الحزب تقوم على الحفاظ على توازن دقيق بين إظهار الجاهزية العسكرية أمام قاعدته الشعبية، خاصة في البيئة الشيعية، وبين تجنب التصعيد المفتوح الذي قد يخرج عن السيطرة.
الضربات الإسرائيلية.. اختبار قاسٍ للهدنة الهشة
في هذا السياق المتشابك تشكل الضربات الإسرائيلية المستمرة في لبنان، تصعيدًا بالغ الخطورة يهدف بالأساس إلى إحداث شرخ استراتيجي في العلاقة بين إيران ووكلائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله.
ويُعد استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على بيروت وجنوب لبنان اختبارًا مباشرًا لصلابة هذه الهدنة الهشة، إذ يعكس التصعيد الإسرائيلي رغبة واضحة في فصل الملف اللبناني عن مسار التفاوض الأمريكي–الإيراني، بما يعقد أي جهود دبلوماسية مستقبلية ويزيد من احتمالات توسع دائرة التوتر إقليميًا.
هذه التطورات جاءت بالتزامن مع محادثات مهمة بين إيران والولايات المتحدة في باكستان، لم تصل لنتيجة ملموسة حتى الآن وظهرت باعتبارها جولة تفاوضية أولية فاشلة.
في ضوء ذلك، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الوضع، أولها و أرجحها: حرب استنزاف محدودة مع استمرار إسرائيل تنفيذ غارات دقيقة تستهدف مواقع وبنى تحتية تابعة لحزب الله، مقابل ردود محسوبة من الحزب عبر عمليات صاروخية محدودة.
وثانيها هو حصول تصعيد إقليمي محدود، ويرتبط هذا السيناريو بتصعيد التجاوز الإسرائيلي للخطوط الحمراء في لبنان، ما قد يدفع إيران إلى توسيع الرد عبر دعم أكبر لحزب الله أو تفعيل جبهات مساندة في اليمن والعراق.
أما السيناريو الأخير فيتمثل في انهيار الهدنة وحصول المواجهة الشاملة وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويتمثل في انهيار كامل للهدنة الأمريكية–الإيرانية، بما يفتح الباب أمام مواجهة واسعة تشمل لبنان وإيران، وفي هذه الحالة، ستنخرط إيران في الرد بشكل مباشر وعبر أذرعها العسكرية، ما يؤدي إلى حرب متعددة الجبهات مع إسرائيل، وتحول لبنان إلى ساحة مركزية للصراع الإقليمي.
خاتمة
يقف لبنان أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الضغوط الإسرائيلية المتصاعدة مع الانقسامات الداخلية، ما يضع البلاد في حالة هشاشة استراتيجية كبيرة خلال هذه الحرب.
ويؤكد استمرار التصعيد العسكري في لبنان، رغم إعلان الهدنة الأمريكية–الإيرانية، أن إسرائيل توظف هذا السياق في إطار حرب استنزاف تدريجية، بينما يسعى حزب الله إلى الحفاظ على توازن الردع وعلى دوره كقوة مواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة إدارة هذا المشهد بما يضمن بقاء الضغط على إيران.
وفي موازاة ذلك، لا يقتصر التوتر على الساحة اللبنانية أو الإقليمية، بل يمتد إلى داخل إسرائيل نفسها، حيث برزت خلافات بين المستويين العسكري والسياسي، إضافة إلى تباينات مع سكان الشمال ورؤساء البلديات.
وقد كشفت تقديرات عسكرية إسرائيلية أن تحقيق هدف “نزع السلاح الكامل” لحزب الله غير واقعي دون اللجوء إلى احتلال شامل للبنان، وهو خيار غير ممكن سياسيًا وعسكريًا.
كما أثارت الخطط البديلة للجيش الإسرائيلي، والتي تقوم على حصر العمليات جنوب الليطاني وإنشاء شريط أمني على غرار “الخط الأصفر” في غزة، جدلًا واسعًا داخل إسرائيل، حيث اعتبرها بعض رؤساء البلدات الشمالية تنازلًا استراتيجيًا، في حين حذر خبراء أمنيون من تداعياتها على الأمن القومي الإسرائيلي.
وفي المقابل، تتمسك قيادات إسرائيلية على راسها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن هدف نزع سلاح حزب الله سيبقى أولوية استراتيجية.
وفي المحصلة، يعكس المشهد الراهن حالة هشة للهدنة، ما يجعل مستقبل الأزمة مفتوحًا على احتمالات متعددة يصعب توقع اتجاهها في المدى المنظور، في ظل مؤشرات متزايدة على أن التصعيد لا يزال خيارًا قائمًا في ظلال وضع متشابك قابل للانفجار في أي وقت.






