
يقدم روبرت دال في كتابه "الديمقراطية ونقادها" تصورًا واقعيًا وتجريبيًا للديمقراطية، صدر عام 1989 في فترة انهيار المنظومة السوفييتية، لكنه لم يكن احتفالًا بالديمقراطية الليبرالية، بل محاولة نقدية لفحص الفكرة الديمقراطية من الداخل. يميز دال بين تحولين ديمقراطيين كبيرين: الأول من حكم الأقلية إلى الأكثرية في أثينا الكلاسيكية، والثاني من دولة المدينة إلى الدولة القومية، مما أدى لظهور مؤسسات جديدة. يرى دال أن نقد الديمقراطية، سواء من المعارضين أو المتعاطفين، ضروري لفهمها وتطويرها، ويقسم النقاد إلى ثلاثة أصناف: من يعارضها لأنها غير مرغوبة (مثل أفلاطون)، ومن يعارضها لأنها مستحيلة التحقق (مثل روبرت مايكلز)، ومن يتعاطف معها وينتقدها بهدف تحسينها. يعتمد دال منهجًا تاريخيًا وفلسفيًا ومقارنًا، ويقدم أفكاره في صورة حوار بين المؤيدين والمعارضين، بهدف تقديم رؤية متكاملة للديمقراطية في عالمنا المعاصر.
لا يرى دال نظامًا ديمقراطيًا كاملًا، بل يميز بين الديمقراطية المثالية، والبولياركية (أفضل تطبيق واقعي)، والممارسة الديمقراطية الفعلية. يطرح سؤالًا رئيسيًا حول إمكانية حدوث تحول ديمقراطي ثالث يتجاوز الوضع الحالي، ويشير إلى ثلاثة مسارات محتملة لهذا التحول في الفصلين الأخيرين. يبدأ دال بتتبع التحول الديمقراطي الأول في أثينا، مستعرضًا شروط الديمقراطية القديمة التي تتناقض مع واقع الدولة القومية الحديثة، ويصحح الصورة المثالية لأثينا بذكر استبعادها للنساء والعبيد والأجانب. ثم يركز على ثلاثة مصادر للديمقراطية الحديثة: التقاليد الجمهورية، والتمثيل النيابي، ومنطق المساواة السياسية، موضحًا أن التمثيل النيابي أصبح ركيزة أساسية للديمقراطية في الدول الواسعة.
يناقش دال النقاد المناوئين، مثل الفوضوية التي ترفض الدولة بسبب قسرها، ويرد بأن القسر قد يكون مبررًا لمنع ظلم أكبر، وأن المجتمعات الحديثة لا تستغني عن سلطة تنظم شؤونها. كما يتناول الوصاية التي ترى أن الحكم يجب أن يكون بيد نخبة محدودة، ويرد بأن الخبرة الفنية لا تمنح الحق في اتخاذ القرارات السياسية، وأن الأفراد هم الأقدر على معرفة مصالحهم. يواصل دال نقد الوصاية، مؤكدًا عدم وجود دليل على حكمة أخلاقية مطلقة، ورافضًا فكرة الخير العام المستقل عن الأفراد، ومحذرًا من غياب الرقابة والمساءلة في الأنظمة الوصائية.
يؤسس دال نظريته في العملية الديمقراطية على مبدأ القيمة الذاتية المتكافئة لجميع البشر، ومبدأ الاعتبار المتكافئ للمصالح، ومبدأ الاستقلالية الذاتية الشخصية، الذي يرى أن الإنسان البالغ هو الأقدر على معرفة مصالحه. يحدد دال خمسة معايير أساسية للديمقراطية: المساهمة الفاعلة، المساواة في التصويت، الفهم المستنير، السيطرة النهائية على جدول الأعمال، والشمول. يوضح أن هذه المعايير نموذج مثالي لقياس مدى ديمقراطية الأنظمة، وأنها تنطبق على أي جماعة بشرية تتخذ قرارات ملزمة. يناقش دال سؤال "من هم الديموس؟" أي من يحق لهم المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية، مستعرضًا تطور فكرة الشمول السياسي.
ينتقل دال لمناقشة المشكلات العملية للديمقراطية، مثل قاعدة الأغلبية، موضحًا مبرراتها ومشكلاتها كاستبداد الأغلبية، ويشير إلى أن معظم الديمقراطيات لا تعتمد الأغلبية المطلقة دائمًا. يناقش بدائل الأغلبية، ويخلص إلى عدم وجود نظام بديل يصلح في كل الحالات. يتناول العلاقة بين العملية الديمقراطية والجوهر الديمقراطي، مؤكدًا أن العملية نفسها تحمل قيمًا مهمة. يحذر دال من اعتبار شبه الوصاية حلًا كاملًا، ويرى أن السؤال ليس هل الديمقراطية تخطئ، بل هل البديل أفضل في حماية الحقوق.
يدرس دال الديمقراطية داخل إطار الدولة القومية، موضحًا كيف أدى التحول من دولة المدينة إلى الدولة القومية لظهور البولياركية. يناقش انتقاد الديمقراطية التمثيلية، ويرد بأنها أفضل من الأنظمة غير الديمقراطية في المجتمعات الحديثة المعقدة. يستعرض دال مراحل تطور البولياركية، ويشير إلى أن الحكم الهرمي كان الأكثر شيوعًا، وأن البولياركية انتشرت في القرن العشرين. يفسر دال سبب نجاح بعض الدول في بناء مؤسسات بولياركية مستقرة، مستعرضًا عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية. يعترف دال بوجود نخب في المجتمعات الديمقراطية، لكنه يرفض اعتبار ذلك دليلًا على استحالة الديمقراطية، ويرى أن الفرق بين الأوليغاركية والبولياركية يكمن في وجود آليات حقيقية لمساءلة النخب.
يعالج دال مفهوم الخير العام، ويرى أنه في المجتمعات الحديثة المتعددة المصالح، لا يمكن الحديث عن تصور واحد ونهائي له، بل هو عملية مستمرة تتشكل من خلال النقاش العام والتوفيق بين المصالح المتعارضة. يختتم دال بالتفكير في مستقبل الديمقراطية، متسائلًا عن إمكانية حدوث تحول ديمقراطي ثالث يتجاوز الأشكال الحالية. يحدد ثلاثة مسارات لهذا التحول: زيادة عدد الدول البولياركية، توسيع نطاق القضايا الخاضعة للرقابة الديمقراطية، والتغيرات داخل الدول البولياركية المستقرة. يقترح دال إصلاحات لدولة ديمقراطية متطورة، منها تقليل التفاوت الاقتصادي، ودمقرطة مكان العمل، ومواجهة تعقيد الحياة الحديثة ببناء جمهور واعٍ ومؤسسات استشارية.
على الرغم من أهمية كتاب دال في فهم الديمقراطية، إلا أنه يواجه انتقادات تتمثل في تمركزه حول الدولة القومية كإطار أساسي للديمقراطية، وتفاؤله النسبي تجاه إمكانية إصلاح الرأسمالية، واعتبار دمقرطة مكان العمل فكرة مثالية. يرى النقاد أن حلول دال تظل في حدود إصلاح المؤسسات القائمة، وقد لا تكفي لمعالجة الأسباب العميقة لعدم المساواة والهيمنة. ومع ذلك، يبقى كتابه من أهم الأعمال المعاصرة في الفلسفة السياسية، لأنه يقدم فهمًا واقعيًا للديمقراطية كمشروع سياسي مستمر في عالم متغير.
مقدمة:
يعد كتاب “الديمقراطية ونقادها”، الصادر عن عالم السياسة الأمريكي روبرت دال، من أبرز الكتب التي أعادت صياغة مفهوم الديمقراطية في العصر الحديث.
والكتاب يجمع بين العرض التاريخ السياسي والفلسفة السياسية والتحليل المؤسسي، موضحاً أن الديمقراطية الواقعية ليست نموذجاً مثالياً، بل نظام يتطور عبر مؤسسات تقوم على التنافس السياسي.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه يقدم النظرية الديمقراطية بشكل تفصيلي موسع مع عرض لأهم الانتقادات التي وجهت لها، مما يجعله مرجعاً أساسياً لفهم تطور هذا النظام السياسي وآفاقه الواقعية.
يقدّم روبرت دال في كتابه عن الديمقراطية تصورًا يبدو واقعيًا وتجريبيًا، لكنه يظل حبيس إطار الدولة القومية الليبرالية ويعامل البولياركية بوصفها أفقًا نهائيًا أكثر منه تسوية تاريخية مؤقتة مرتبطة بتوازنات قوة غير ديمقراطية.
وسأجادل في هذه القراءة بأن اعتماد دال على إصلاحات تدريجية داخل الرأسمالية، وإهماله الجذور البنيوية لعدم المساواة وفضاء العمل والعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود، يجعلان نظريته أقل قدرة على فهم أزمات الديمقراطية المعاصرة وحدودها الفعلية.
وسأعرض أولًا سياق الكتاب ومنهجه، ثم أقدّم قراءة لأجزائه الرئيسة، قبل أن أقيّم إسهامه وحدوده عبر ثلاث ملاحظات نقدية أساسية
أولاً: السياق التاريخي والفكري للكتاب، ودلالة العنوان
صدر كتاب “الديمقراطية ونقادها”للمفكر السياسي الأمريكي روبرت إيه. دال عام 1989، أي في الوقت الذي كانت فيه المنظومة السوفييتية تتداعى وتتهيأ الديمقراطية الليبرالية للانفراد، في نظر كثير من المعلقين آنذاك، بوصفها الشكل النهائي الوحيد الصالح للحكم.
غير أن دال لم يكتب هذا الكتاب احتفاءً بانتصار الديمقراطية، بل كتبه بوصفه محاولة نقدية شاملة لفحص الفكرة الديمقراطية من الداخل: من أين جاءت؟ وكيف تطورت؟ وما هي حدودها الحقيقية؟
ويوضح دال نفسه في مقدمة الكتاب أن عنوانه لم يكن من بنات أفكاره الخالصة، إذ يذكر أن مساقاً جامعياً بالعنوان نفسه كان يُدرَّس في جامعة ييل قبل أن يتولى هو تدريسه، وأن أستاذاً آخر هو لويس هارتز قدّم في جامعة هارفارد مساقاً مشابهاً.
بل إن دال يستحضر بسخرية عبارة من رواية “والدن الثاني” لعالم النفس بورهوس فريدريك سكنر، حيث يقول أحد شخصياتها إن على كل مؤلف يكتب في نقد الديمقراطية أن ” ينبغي لك ان تكون واضحا غير متحفظ”.
هذه الإشارة الافتتاحية هي إعلان منهجي: فدال لا يريد أن يكتب دفاعاً دعائياً عن الديمقراطية، بل تفسيراً نقدياً صريحاً لها، يواجه أعتى خصومها الفكريين بلا مواربة.
ويميز دال في مقدمة كتابه بين “تحولين ديمقراطيين” كبيرين، وهما العمود الفقري لفهمه التاريخي للفكرة الديمقراطية، كان التحول الأول هو الانتقال من فكرة الحكم من قبل الأقلية إلى فكرة الحكم من قبل الأكثرية، وذلك في أثينا الكلاسيكية في القرن الخامس قبل الميلاد، ويصف هذا التحول بأنه “اختراع” السياسة الديمقراطية، أما التحول الثاني، فهو التحول من إطار “دولة-المدينة” إلى إطار “الدولة-القومية“، وهو ما ترتب عليه ظهور مؤسسات جديدة لم تكن معروفة في أثينا، هذا التحول الثاني هو الذي شكل التحدي الأكبر للفكرة الديمقراطية، حيث انتقلت من مجتمع صغير متجانس إلى مجتمع ضخم متعد.
يقول دال في المقدمة موضحاً هذا التحول:
“إلا أن دولة المدينة آلت إلى الزوال بفعل الدولة القومية وفي تحول ديمقراطي ثان انتقل مفهوم الديمقراطية من إطار دولة المدينة إلى مجال الدولة القومية الأكثر سعة. وكان من شأن هذا التحول بروز مؤسسات سياسية جديدة إلى حيز الوجود. والى هذا الجمع الجديد من المؤسسات نشير بشكل عام بعبارة ” ديمقراطية.“
هذا السياق التاريخي ضروري لفهم أن دال لا يتعامل مع الديمقراطية كفكرة ثابتة، بل كمجال متغير مع الظروف التاريخية.
دلالة العنوان: “الديمقراطية” و”نقادها” معاً
تكمن فكرة العنوان في جمع كلمتي “الديمقراطية” و”نقادها”.
فدال لا يكتفي بالحديث عن الديمقراطية أو عن منتقديها، بل يرى أن نقد الديمقراطية يساعد على فهمها وتطويرها.
ذلك أن الديمقراطية مفهوم “خليط نشأ من مصادر متعددة ومتنافرة أحياناً: الفكر اليوناني، والتقاليد الجمهورية الرومانية والإيطالية، والحكم النيابي، وغيرها، ونتيجة هذا الخليط، فإن النظرية الديمقراطية المعاصرة تحمل في داخلها تناقضات وثغرات لا يمكن فهمها أو معالجتها إلا عبر مواجهة النقاد الذين استهدفوها عبر التاريخ.
يقسّم دال هؤلاء النقاد، في مطلع الكتاب، إلى ثلاثة أصناف رئيسية: صنف يعارض الديمقراطية من الأساس ويرى، على منوال أفلاطون، أنها ممكنة التحقق لكنها غير مرغوب فيها، وصنف آخر يعارضها أيضاً من الأساس لكن لسبب معاكس، إذ يرى أصحابه، على منوال روبرت مايكلز، أنها قد تكون مرغوبة لكنها مستحيلة التحقق عملياً بسبب “القانون الحديدي للأوليغاركية” ([1]) ، وصنف ثالث يتعاطف مع الديمقراطية ويرغب في صونها، لكنه ينتقدها من زاوية معينة يرى أنها تستحق المراجعة.
ويسمّي دال الصنفين الأولين “نقاداً مناوئين”، والصنف الثالث “نقاداً متعاطفين”.
والديمقراطية عنده لا تُفهم بشكل كامل إلا من خلال اختبارها بمواجهة حجج خصومها. وكما يكتب دال في المقدمة: “إن تطوير نظرية مرضية للديمقراطية سيتطلب منا أن نبحث بدقة عن الافتراضات الموجودة في النظرية الظل ([2]) وإخضاع هذه الافتراضات الى دراسة وتمحيص دقيقين، فإن مناقشات نقاد الديمقراطية المعارضين منهم والمتعاطفين وما يطرحون من حجج تشكل جوانبا ثمينة للغاية.”
بهذا المعنى فإن العنوان “الديمقراطية ونقادها” يحمل أيضاً معنى أعمق: فالديمقراطية بوصفها فكرة لا تكتمل عنده إلا حين تُختبر بمواجهة أقوى الاعتراضات عليها، فهي ليست يقيناً جاهزاً بل قضية تحتاج إلى برهان متجدد في كل جيل.
منهج الكتاب
يعتمد روبرت دال في هذا الكتاب على أكثر من منهج لفهم الديمقراطية وتحليلها، فهو يستعين بالمنهج التاريخي لتتبع تطور الفكر الديمقراطي عبر العصور، وبالمنهج الفلسفي لتفسير مبادئ الديمقراطية والدفاع عنها، كما يوظف المنهج المقارن إذ يعقد مقارنات بين الديمقراطية القديمة والحديثة، ولا يقتصر عرضه على السرد والتحليل، بل يقدم كثيرًا من أفكاره في صورة حوار بين مؤيدي الديمقراطية ومعارضيها، انطلاقًا من قناعته بأن فهم الديمقراطية يزداد عمقًا من خلال مناقشة وجهات النظر المختلفة وتقييمها.
ويأتي هذا التنوع في المناهج سائرًا مع الغاية الأساسية التي يسعى إليها الكتاب، وهي تقديم رؤية متكاملة تجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي، وهو ما يوضحه دال في مقدمة كتابه بقوله: “إن الهدف الذي أتوخى تحقيقه من هذا الكتاب هو وضع تفسير للنظرية الديمقراطية وممارستها، بما في ذلك حدود الديمقراطية وإمكاناتها، يكون ذا صلة وثيقة بطبيعة العالم الذي نعيش فيه أو ذلك الذي يحتمل أن نعيش فيه في المستقبل القريب.”
ثانياً: الهدف المركزي للكتاب
لا يقول دال إن هناك نظاماً موجوداً يحقق الديمقراطية بشكل كامل، بل يميز بين ثلاثة مستويات:
الديمقراطية المثالية: وهي الفكرة أو النموذج الكامل الذي يطمح إليه.
البولياركية: وهي أفضل تطبيق واقعي قريب من الديمقراطية في الدولة الحديثة.
الممارسة الديمقراطية الفعلية: وهي الأنظمة القائمة التي قد تكون ناقصة ولا تحقق كل مبادئ الديمقراطية.
هذا التمييز يجعل الكتاب نقدياً من جهتين: فهو ينتقد من يرفضون الديمقراطية، وفي الوقت نفسه ينتقد من يظنون أن الأنظمة الديمقراطية الحالية تمثل الديمقراطية الكاملة.
كما يطرح دال سؤالاً رئيسياً يربط أجزاء الكتاب كلها: هل مرّ العالم بتحولين ديمقراطيين كبيرين في التاريخ؟ الأول كان انتقال الحكم من الأقلية إلى الأكثرية في المدن اليونانية القديمة، والثاني كان انتقال الديمقراطية من دولة المدينة إلى الدولة القومية الحديثة.
ثم يتساءل: هل يمكن أن يشهد العالم تحولاً ديمقراطياً ثالثاً يتجاوز حدود الوضع الحالي؟
ويشير دال إلى الجواب في الفصلين الأخيرين (الثاني والعشرين والثالث والعشرين)، حيث يرسم ثلاثة مسارات محتملة لهذا التحول، ويطرح مجموعة من الإصلاحات العملية من وجهة نظره.
ثالثاً: عرض تفصيلي لأبواب الكتاب وفصوله
ينقسم الكتاب إلى ستة أجزاء رئيسية تضم ثلاثة وعشرين فصلاً، وفيما يلي عرض تفصيلي لكل باب، مع تحليل لكل فصل من فصوله.
الجزء الأول: أصول الديمقراطية الحديثة
الفصل الأول: التحول الأول – إلى دولة-المدينة الديمقراطية
يبدأ دال هذا الفصل بتتبع “التحول الديمقراطي الأول”، أي انتقال دول-المدن اليونانية، وفي مقدمتها أثينا، من حكم الأقلية إلى حكم الأكثرية في القرن الخامس قبل الميلاد. ويستحضر دال شخصية افتراضية لمواطن أثيني ديمقراطي يتحاور مع صديق ليشرح له طبيعة (دولة-المدينة) ومزاياها، مستعيناً بخطبة السياسي الأثيني بريكليس الشهيرة التي أوردها المؤرخ ثوسيديدس، والتي وصف فيها الأثينيون نظامهم: “دستورنا ليس نسخة من قوانين الدول المجاورة: إننا نموذج يحتذى به وبذلك لسنا بمقلدين”، وأن الحكم فيه “يولي اهتماماً للأكثرية لا للأقلية، ولهذا السبب فإنها تسمى ديمقراطية“.
لكن دال لا يكتفي بعرض الصورة المثالية فهو يستخلص من التجربة اليونانية ستة شروط أساسية كانت الديمقراطية القديمة تفترضها: انسجام مصالح المواطنين، تجانسهم الاجتماعي، قلة عددهم، إمكان اجتماعهم المباشر لاتخاذ القرار، مساهمتهم في إدارة الشؤون العامة عبر تولي المناصب بالانتخاب أو القرعة، واستقلال دولة-المدينة الذاتي.
ثم يبيّن أن هذه الشروط الستة تتناقض جميعها تقريباً مع واقع الدولة القومية الحديثة ذات الملايين من المواطنين المتنوعين الذين يستحيل عليهم الاجتماع المباشر
كذلك يحرص دال على تصحيح صورة مثالية شائعة عن أثينا: فهو يذكّر بأن الديمقراطية الأثينية كانت في جوهرها “مجتمعات عبيد”، وأنها استثنت النساء والأجانب المقيمين والعبيد من المواطنة، وأن مفهوم الحرية عند اليونانيين لم يكن حقاً إنسانياً عاماً بل امتيازاً مقصوراً في مدينة بعينها.
ومن هذا المنطلق يؤكد أن الديمقراطية الحديثة تختلف عن الديمقراطية اليونانية في اتساع نطاق المواطنة وشمولها لفئات كانت محرومة منها في الماضي، مع بقاء التساؤل قائمًا حول مدى تحقق هذا الشمول بصورة كاملة. ويعبر دال عن هذه الفكرة بقوله: “ومن منظور ديمقراطي معاصر نجد في الديمقراطية الإغريقية على صعيديها النظري والعملي في آن واحد جانبًا سلبيًا بالغ الأهمية من واقع أن المواطنة كانت حقًا مقصورًا لا شاملًا وهو ما أصبحت عليه الديمقراطية الحديثة من حال.”
يقدّم دال نشأة الديمقراطية في دولة-المدينة بوصفها تحولًا في المشاركة والحكم السياسي، لكنه يقرأ هذا التحول أساسًا من خلال المؤسسات السياسية والمواطنة. ويغيب عن تحليله سؤال القوة الاقتصادية التي حددت من يملك شروط المشاركة ومن بقي خارجها، وهو ما يجعل اختزال التحول في تطور المشاركة السياسية غير كافٍ لفهم جذوره البنيوية.
الفصل الثاني: مبدأ الحكم الجمهوري، والتمثيل النيابي، ومنطق المساواة
يركز دال في هذا الفصل على ثلاثة مصادر أساسية أسهمت في تشكيل الديمقراطية الحديثة، وهي: التقاليد الجمهورية المستمدة من الفكر اليوناني والروماني، ومبدأ الحكومة التمثيلية، ومنطق المساواة السياسية.
ويوضح دال أن الفكر الجمهوري مر بمرحلتين، ففي بداياته تبنى فكرة الحكم المختلط، وهو نظام يقوم على توزيع السلطة بين أكثر من جهة، بحيث تشارك فيها سلطة الحاكم، والنخبة أو الأرستقراطية، والشعب، بهدف منع استئثار أي طرف بالحكم.
وكان أنصار هذا النظام يرون أن تحقيق التوازن بين هذه القوى هو أفضل وسيلة للحفاظ على استقرار الدولة.
ومع تطور الفكر السياسي والدساتير الحديثة، تراجعت فكرة الحكم المختلط لتحل محلها فكرة فصل السلطات، وهي توزيع وظائف الدولة بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث تراقب كل سلطة الأخرى وتمنع تركيز السلطة في يد جهة واحدة، الأمر الذي يسهم في الحد من الاستبداد وحماية الحقوق.
كما يبين أن نظام التمثيل النيابي، الذي لم يكن في أصله مؤسسة ديمقراطية، أصبح مع تطور الدولة الحديثة الركيزة الأساسية للديمقراطية، لأنه أتاح مشاركة المواطنين في الحكم بصورة غير مباشرة، وهو ما جعل الديمقراطية قابلة للتطبيق في الدول الواسعة ذات الأعداد الكبيرة من السكان.
ويصف دال هذا التحول الفكري بقوله: “إن اندماج الديمقراطية والتمثيل في كيان واحد بدا في بعض الأحيان بمثابة ابتكار رائع يفتح آفاقًا جديدة… فالديمقراطية النيابية هي ديمقراطية قد باتت قابلة للتطبيق منذ فترة طويلة وعلى مدى امتداد جغرافي شاسع.” ويختتم الفصل بالتأكيد على أهمية مبدأ المساواة السياسية الفاعلة، الذي يعده الأساس الذي تقوم عليه نظريته في العملية الديمقراطية ويقصد به أن يكون لكل مواطن فرصة حقيقية ومتساوية للمشاركة في صنع القرار السياسي، سواء من خلال التصويت أو التعبير عن الرأي أو التأثير في السياسات العامة، كما يطرح مجموعة من القضايا التي يعتبرها ما تزال موضع نقاش، مثل إدارة الصراع السياسي، ودور الفضيلة المدنية، ومكانة الأحزاب السياسية في النظام الديمقراطي.
الجزء الثاني: النقاد المناوئون
الفصل الثالث: الفوضوية
يبدأ دال في هذا الباب بمناقشة أبرز الاتجاهات التي تعارض الديمقراطية، ويركز على اتجاهين رئيسيين هما الفوضوية والوصاية، ولا يهدف إلى رفضهما مباشرة، بل إلى فهم حججهما والاستفادة منها في تطوير النظرية الديمقراطية.
في الفصل الثالث يناقش دال الفوضوية، وهي اتجاه سياسي يرى أن وجود الدولة غير مبرر، لأن الدولة تعتمد في النهاية على القسر، أي استخدام السلطة لإلزام الأفراد بالقوانين والقرارات حتى لو لم يوافقوا عليها. ويرى الفوضويون أن هذا القسر يمثل شراً في ذاته، ولذلك يدعون إلى إلغاء الدولة واستبدالها بمجتمع يقوم على التعاون والاتفاق الطوعي بين الأفراد. ويعرض دال هذه الفكرة من خلال حوار تخيلي بين ديمقراطي وفوضوي، يلخص فيه الفوضوي موقفه في أربعة افتراضات أساسية، منها أن الدولة نظام قسري بطبيعته، وأن القسر مرفوض أخلاقياً، وأن المجتمع يمكن أن يستغني عن الحكومة ويعتمد على الاتحادات الطوعية.
بعد عرض هذه الحجة، يناقشها دال منطقياً ويبين أن رفض الدولة بشكل مطلق يواجه عدة صعوبات.
فهو يرى أن القسر قد يكون مبرراً في بعض الحالات إذا كان ضرورياً لمنع ظلم أكبر أو لحماية حقوق الأفراد، كما يؤكد أن المجتمعات الحديثة، بما تتميز به من كثافة سكانية وتشابك في العلاقات، لا يمكنها الاستغناء عن سلطة تنظم شؤونها وتحسم الخلافات.
كذلك ينتقد رأي الفيلسوف روبرت وولف الذي يرى أن استقلال الفرد الأخلاقي يتعارض مع سلطة الدولة، ويؤكد أن الإنسان يستطيع، بإرادته الحرة، أن يختار العيش في دولة ديمقراطية لأنها توفر أفضل وسيلة لحماية حريته وحقوقه.
ويستشهد دال في هذا السياق بقول جون ستيوارت مل: “لا تصبح حقوق أي شخص ومصالحه مضمونة ضد أي شكل من أشكال التجاوز والتجاهل إلا عندما يكون هذا الشخص نفسه قادراً وميالاً بشكل معتاد إلى النهوض للدفاع عنها… ويأمن الناس من شرور الغير فقط بنسبة قدرتهم على إثبات وجودهم وحماية أنفسهم.”
يعرض دال اعتراض الفوضويين على سلطة الدولة، لكن الديمقراطية لا تلغي هذه السلطة؛ وإنما تمنحها شرعية عبر موافقة الأغلبية. فالفرد يظل ملزمًا بقرارات الدولة حتى عندما يرفضها، لمجرد أن الأغلبية وافقت عليها. ومن هنا تظهر مشكلة في الديمقراطية نفسها: هل تصبح السلطة مشروعة لمجرد أن عددًا أكبر من الناس اختارها؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الديمقراطية لا تلغي الإكراه السياسي، بل تغير مصدر شرعيته.
الفصل الرابع: الوصاية:
يتناول دال في هذا الفصل الوصاية، وهي نظرية سياسية ترى أن الحكم ينبغي أن يكون بيد نخبة محدودة تمتلك المعرفة والخبرة والحكمة، لا بيد عامة الناس.
ويعد دال هذا الاتجاه المنافس التاريخي الأقوى للديمقراطية، لأن معظم الأنظمة السياسية عبر التاريخ قامت على حكم قلة من الناس، بينما ظلت الديمقراطية استثناءً.
ويستعرض دال أبرز المدافعين عن هذه الفكرة، مثل أفلاطون في كتابه الجمهورية، وكونفوشيوس، ولينين من خلال فكرة الحزب الطليعي، وهو حزب يرى أنه الأقدر على قيادة المجتمع واتخاذ القرارات نيابة عن الشعب، كما يشير إلى ب. ف. سكنر الذي تصور مجتمعًا تُدار شؤونه بواسطة خبراء في السلوك الإنساني.
ويبين دال أن حجة الوصاية تقوم على فكرتين أساسيتين: الأولى أن عامة الناس لا يملكون المعرفة أو الوقت أو الخبرة الكافية لإدارة شؤون الدولة، والثانية أن هناك فئة محدودة تتمتع بالكفاءة والفضيلة، ولذلك فهي الأجدر بالحكم. ويعبر المدافع عن هذا الرأي بقوله: “إن اكتساب المهارات اللازمة للقيام بهذه المهام ثم ممارستها يجعل من المستحيل على الكثير من الناس تجنيد ما يكفي من الوقت لاكتساب الكفايتين الأخلاقية والوسيلية الكافيتين لتأهيلهم للاضطلاع بالحكم… إن الحكم أمر في غاية الصعوبة، ولعله الأسهل للمرء أن يصبح عالم رياضيات متميزًا من أن يكون حاكمًا فاضلًا.”
ويرد دال على هذه الحجة موضحًا أن امتلاك الخبرة الفنية لا يمنح صاحبه الحق في اتخاذ القرارات السياسية نيابة عن الآخرين، فالقرارات السياسية لا تعتمد على المعرفة التقنية وحدها، بل تتعلق أيضًا بالقيم والأولويات والمصالح، وهي أمور لا يستطيع الخبراء تحديدها بدلاً من المواطنين أنفسهم.
ويرى دال أن الأفراد، حتى وإن لم يكونوا متخصصين في السياسة، هم الأقدر على معرفة مصالحهم والتعبير عنها، ولذلك لا يجوز حرمانهم من حق المشاركة في الحكم، ولتأكيد هذه الفكرة يستشهد بالمقولة الشهيرة: “إن الحرب حالة أهم بكثير من أن يترك التعامل معها للجنرالات.”
وهي تعني أن القضايا العامة الكبرى لا ينبغي أن يحتكرها الخبراء وحدهم، لأنها تمس المجتمع بأكمله وتتطلب مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار.
الفصل الخامس: نقد الوصاية
يواصل دال في هذا الفصل نقد الوصاية، محاولًا إثبات أنها لا تقدم بديلاً أفضل من الديمقراطية.
ويرى أولًا أنه لا يوجد دليل يمكن أن يثبت وجود أشخاص يمتلكون حكمة أو معرفة أخلاقية تجعلهم أقدر من غيرهم على تقرير ما هو الأصلح للمجتمع.
فالتفوق في العلم أو الخبرة لا يعني بالضرورة التفوق في إصدار الأحكام السياسية أو الأخلاقية. ويستشهد دال برأي توماس جيفرسون، الذي رأى أن الفلاح البسيط قد يكون في كثير من الأحيان أقرب إلى الصواب من المثقف الذي تعقّدت رؤيته بسبب كثرة النظريات والقوانين.
ثم يناقش دال مفهوم الخير العام، وهو المصطلح الذي يُقصد به المصلحة المشتركة التي تحقق منفعة المجتمع كله. ويرفض الفكرة القائلة إن هناك خيرًا عامًا مستقلاً عن الأفراد يمكن لفئة من الخبراء أن تحدده نيابة عن الجميع، ويؤكد أن مصلحة المجتمع لا تنفصل عن مصالح أفراده، لذلك لا يجوز أن تحتكر أقلية تحديد ما هو خير للجميع.
ويعبر عن ذلك بقوله: “إن الخير العام لمدينة، أو لأمة، يمكن أن يحلل دائمًا إلى ما هو خير للأشخاص في المجتمع أو الأمة أو لأولئك الذين يتأثرون به. والخير العام ليس بشيء مختلف عن مصالح أو خير الأشخاص الذين يشكلون المجموعة أو الذين يتأثرون بها.”
كما يبين دال أن منح السلطة المطلقة لفئة من الأوصياء يخلق مشكلة أخرى، وهي غياب الرقابة والمساءلة.
فحتى لو افترضنا أن هؤلاء يتمتعون بالكفاءة، فلا توجد وسيلة تضمن استمرار نزاهتهم أو تمنع إساءة استخدامهم للسلطة. وتؤكد تجارب الأنظمة السلطوية في القرن العشرين أن تركيز السلطة في يد قلة غالبًا ما يؤدي إلى الاستبداد والفساد.
ولذلك يختتم دال الفصل بالاستشهاد بالمقولة الشهيرة للورد أكتون: “السلطة تميل إلى الفساد أما السلطة المطلقة فإنها تفسد على نحو مطلق.” ومن ثم يخلص إلى أن الوصاية، مثلها مثل الفوضوية، لم تستطع أن تقدم بديلاً أكثر إقناعًا وفاعلية من الديمقراطية، بل أسهمت في إبراز التحديات التي ينبغي على النظرية الديمقراطية معالجتها.
يدافع دال عن مساواة المواطنين في الحق في المشاركة السياسية، لكن المساواة في التصويت لا تعني تساوي المواطنين في القدرة على التأثير. فكل مواطن يمتلك صوتًا واحدًا، بينما تختلف قدرته على الوصول إلى المعلومات والتنظيم والضغط والتأثير في القرار. لذلك تمنح الديمقراطية الجميع حقًا سياسيًا متساويًا، لكنها لا تضمن لهم قدرة متساوية على استخدام هذا الحق. ومن هنا قد تخفي المساواة الإجرائية تفاوتًا حقيقيًا في القوة.
الجزء الثالث: نظرية العملية الديمقراطية
الفصل السادس: المبررات: فكرة القيمة الذاتية المتكافئة
يبدأ دال في هذا الجزء بتأسيس نظريته في العملية الديمقراطية، وهي مجموعة المبادئ التي توضح متى يكون النظام السياسي ديمقراطيًا بحق، وما الأسس التي تمنحه الشرعية. وفي الفصل السادس يطرح أول هذه الأسس، وهو مبدأ القيمة الذاتية المتكافئة، ويقصد به أن جميع البشر متساوون في القيمة والكرامة الإنسانية، ولا يوجد شخص أهم أو أرفع منزلة من غيره، ولذلك يجب أن تحظى مصالح كل فرد بالاهتمام نفسه عند اتخاذ القرارات العامة. ويستشهد دال بجون لوك وجون ستيوارت مل لتوضيح هذه الفكرة، فيقول: “لا بد من حساب سعادة جونز بذات الوحدات التي يتم بها حساب سعادة سميث. ولا ينبغي لنا أن نقيس سعادة جونز بوحدات متضائلة بسبب كونه عاملاً زراعياً أمياً ثم نقيس سعادة سميث بوحدات أكبر بسبب كونه فناناً ذا ذوق رفيع.”
ومن هذا المبدأ ينتقل دال إلى مبدأ الاعتبار المتكافئ للمصالح، ويعني أن مصلحة كل مواطن يجب أن تؤخذ في الحسبان بالقدر نفسه عند اتخاذ القرارات الجماعية، فلا يجوز تفضيل مصالح بعض الأفراد على غيرهم بسبب مكانتهم الاجتماعية أو ثروتهم أو علمهم، إلا إذا وجد مبرر واضح ومقبول لذلك.
ويرى دال أن هذا المبدأ يقود إلى ضرورة توزيع السلطة السياسية بين المواطنين بصورة عادلة، لأن مساواة الناس في القيمة تقتضي مساواتهم في حق المشاركة في الحكم.
ومع ذلك، يوضح دال أن مبدأ القيمة الذاتية المتكافئة وحده لا يكفي لتبرير الديمقراطية فمن الممكن أن يدّعي أنصار الوصاية أنهم يراعون مصالح الجميع بصورة أفضل من المواطنين أنفسهم. ولذلك يؤكد أن هذا المبدأ يحتاج إلى مبدأ آخر يكمله ويثبت أن الأفراد هم الأحق بالمشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم، وهو ما يمهد له في الفصول التالية.
الفصل السابع: الاستقلالية الذاتية
يضيف دال في هذا الفصل المبدأ الثاني الذي تقوم عليه نظريته، وهو مبدأ الاستقلالية الذاتية الشخصية، ويقصد به أن الإنسان البالغ يكون، في الأحوال العادية، الأقدر على معرفة مصالحه واتخاذ القرارات التي تناسبه. ولا يعني هذا أن الأفراد لا يخطئون في تقدير ما ينفعهم، وإنما يعني أنه لا يجوز افتراض أن شخصًا آخر أو جهة أخرى تعرف مصلحة الفرد أكثر منه، إلا إذا وُجد دليل واضح يثبت ذلك.
ويرى دال أن هذا المبدأ يكمل مبدأ الاعتبار المتكافئ للمصالح فإذا كانت مصالح جميع الأفراد متساوية في الأهمية، وكان كل فرد هو الأقدر على تحديد مصلحته، فإن النتيجة الطبيعية هي ضرورة منح جميع المواطنين مساواة فاعلة في المشاركة السياسية، أي أن تتاح لكل فرد فرصة حقيقية ومتساوية للتأثير في القرارات العامة التي تمس حياته، وليس مجرد الاعتراف له بهذا الحق من الناحية القانونية فقط.
الفصل الثامن: نظرية العملية الديمقراطية
يعد الفصل الثامن من أهم فصول الكتاب، إذ يقدم فيه دال جوهر نظريته حول العملية الديمقراطية، ويحدد خمسة معايير أساسية يرى أنها ضرورية للحكم على مدى ديمقراطية أي نظام سياسي.
ولا يقصد دال بهذه المعايير وصف نظام مثالي يمكن تحقيقه بالكامل، بل يعتبرها معايير قياسية مثالية تساعدنا على تقييم الأنظمة الواقعية ومعرفة درجة اقترابها من الديمقراطية.
تتمثل هذه المعايير الخمسة في:
أولاً: المساهمة الفاعلة، وتعني أن يمتلك كل مواطن فرصة حقيقية ومتساوية للتعبير عن آرائه ومصالحه، والمشاركة في طرح القضايا التي يرى أنها مهمة للمجتمع.
ثانياً: المساواة في التصويت في المرحلة الحاسمة، أي أن يكون لكل مواطن صوت مساوٍ لصوت غيره عند اتخاذ القرار النهائي، فلا تكون أصوات بعض الأفراد أكثر تأثيرًا من أصوات الآخرين.
ثالثاً: الفهم المستنير، ويقصد به ضرورة امتلاك المواطنين فرصًا كافية للحصول على المعلومات وفهم القضايا المطروحة، حتى تكون قراراتهم مبنية على معرفة ووعي وليس على الجهل أو التضليل.
رابعاً: السيطرة النهائية على جدول الأعمال، ويعني أن يحتفظ من يسميهم دال الديموس (أي مجموع المواطنين الذين يحق لهم المشاركة السياسية)، بالقدرة النهائية على تحديد القضايا التي تُناقش والقرارات التي تُتخذ، حتى لو تم تفويض بعض المهام لهيئات أخرى.
خامساً: الشمول، ويعني أن تشمل عضوية الجماعة السياسية جميع البالغين الذين يخضعون للقوانين، فلا تُستبعد فئة من المواطنين من حق المشاركة دون مبرر مقبول.
ومن الأفكار المهمة في هذا الفصل أن دال لا يحصر نظريته في الدولة فقط، بل يرى أنها تنطبق على أي جماعة بشرية تتخذ قرارات ملزمة لأفرادها، سواء كانت دولة أو مؤسسة أو تجمعًا آخر. فكل جماعة تمارس سلطة اتخاذ القرار يمكن تقييم درجة ديمقراطيتها وفق هذه المعايير الخمسة.
ويؤكد دال أن هذه المعايير لا تمثل واقعًا موجودًا بشكل كامل، وإنما هي نموذج مثالي نستخدمه لقياس مدى ديمقراطية الأنظمة المختلفة، فالديمقراطية ليست حالة ثابتة تتحقق أو تختفي، بل هي درجات متفاوتة حسب مدى اقتراب النظام من هذه المبادئ.
كما يوضح أن هذه المعايير لا تحدد طريقة معينة لاتخاذ القرار، مثل قاعدة الأغلبية، وإنما تضع الشروط العامة التي تجعل عملية اتخاذ القرار ديمقراطية، بينما تُترك مسألة قواعد التصويت وآليات الاختيار لفصول لاحقة.
غير أن ترك قضية القواعد والإجراءات لفصول لاحقة يجعل العلاقة بين هذه المعايير والمؤسسات الفعلية أقل وضوحًا أحيانًا، وهو ما يفتح الباب لاتهام النظرية بدرجة من التجريد تعوق ترجمتها إلى إصلاحات محددة.
وفي هذا السياق يستشهد دال بجان جاك روسو الذي رأى أن المجتمع الذي يتكون من أفراد كاملين لا يخطئون يمكن أن يحكم نفسه ديمقراطيًا بصورة مثالية، لكنه أضاف أن مثل هذا المجتمع غير موجود بين البشر.
ومن هنا يوضح دال أن الديمقراطية الواقعية لا تعني أن يتخذ الشعب كل قرار بنفسه، بل أن يحتفظ بالقدرة النهائية على مراقبة من يفوضهم بالحكم ومحاسبتهم أو سحب هذا التفويض عند الحاجة.
يضع دال مجموعة من الشروط التي تجعل العملية ديمقراطية، مثل المساواة في التصويت والمشاركة وفهم البدائل والسيطرة على جدول الأعمال. لكن تحقيق هذه الشروط لا يعني أن المواطنين أصبحوا متساوين في القوة. فالديمقراطية تساوي بينهم داخل عملية التصويت، بينما تظل بينهم فروق كبيرة خارجها. ولذلك يمكن أن تكون الانتخابات حرة ، ومع ذلك يبقى بعض الأفراد والجماعات أكثر قدرة على التأثير في القرار من غيرهم.
الفصل التاسع: من هم الديموس؟
يناقش دال في هذا الفصل سؤالًا أساسيًا في أي نظام ديمقراطي، وهو: من هم أعضاء الديموس؟ ويقصد بـ الديموس مجموع المواطنين الذين يحق لهم المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية داخل المجتمع. فالديمقراطية لا ترتبط فقط بطريقة اتخاذ القرار، وإنما ترتبط أيضًا بتحديد الأشخاص الذين يملكون حق المشاركة فيه.
ويعرض دال تطور فكرة الشمول السياسي، أي توسيع دائرة المشاركة لتشمل أكبر عدد ممكن من المواطنين. ويوضح أن استبعاد فئات مثل النساء والعبيد من المشاركة السياسية في الديمقراطيات القديمة لم يكن يُنظر إليه آنذاك على أنه يتعارض مع فكرة الديمقراطية، لكن هذا التصور تغير تدريجيًا مع تطور الفكر السياسي الحديث، فأصبحت المساواة في حق المشاركة من المبادئ الأساسية للديمقراطية.
كما يناقش دال علاقة مبدأ الاستقلالية الذاتية الشخصية، الذي يعني أن الإنسان البالغ هو الأقدر على معرفة مصالحه واتخاذ القرارات المتعلقة بها، بمسألة تحديد أعضاء الديموس. لكنه يوضح أن هذا المبدأ لا يعني أن جميع البشر مؤهلون للمشاركة السياسية، لأن الأطفال مثلًا لا يمتلكون بالضرورة القدرة اللازمة لاتخاذ القرارات العامة، مما يجعل من الضروري وضع معيار واضح لتحديد سن الأهلية السياسية.
فالسؤال الديمقراطي لا يقتصر على كيف يحكم الشعب؟، بل يبدأ بسؤال أكثر عمقًا: من هو الشعب الذي يملك حق الحكم؟
الجزء الرابع: مشكلات في العملية الديمقراطية
ينتقل دال في هذا الجزء من بناء النظرية الديمقراطية إلى مناقشة المشكلات العملية التي تواجه تطبيقها في الواقع، مثل طريقة اتخاذ القرارات، وحدود سلطة الأغلبية، والعلاقة بين إجراءات الديمقراطية ونتائجها.
الفصل العاشر: قاعدة الأغلبية
يناقش دال في هذا الفصل سؤالًا أساسيًا: هل تعد قاعدة الأغلبية، أي اتخاذ القرار وفق رأي العدد الأكبر من المواطنين، شرطًا ضروريًا للديمقراطية؟ ويعرض عدة مبررات لها، مثل اعتبارها وسيلة لتحقيق المساواة بين المواطنين وضمان مشاركة الجميع في تقرير مصيرهم. لكنه يوضح في المقابل وجود مشكلات مرتبطة بها، مثل احتمال حدوث دورات الأغلبية، أي تغير النتيجة حسب ترتيب التصويت، أو تحولها إلى استبداد الأغلبية عندما تستخدم الأغلبية سلطتها لإقصاء حقوق الأقليات.
ويشير دال إلى أن كثيرًا من الديمقراطيات الحديثة لا تعتمد الأغلبية المطلقة دائمًا، بل تستخدم أنظمة توافقية تحاول حماية الأقليات، ويقول: “إن أغلب الدول التي تعيش في ظل أنظمة مستقرة للحكم البولياركي لم تعتمد بعد مبدأ الأغلبية على نحو منضبط من كافة الأوجه.”
لكن هذه القاعدة تطرح مشكلة واضحة: الأغلبية تستطيع فرض قرارها على الأقلية لمجرد أنها أكثر عددًا. وهذا يجعل الديمقراطية تعتمد على مبدأ القوة العددية أكثر مما تعتمد على صحة القرار أو عدالته. فقد تكون الأغلبية مخطئة أو ظالمة، ومع ذلك يصبح قرارها مشروعًا ديمقراطيًا. ومن ثم لا تضمن الديمقراطية أن يكون القرار عادلًا، وإنما تضمن طريقة معينة لاتخاذه.
الفصل الحادي عشر: أهناك خيار أفضل؟
يناقش دال في هذا الفصل البدائل الممكنة لقاعدة الأغلبية، مثل الأغلبية الفائقة، وهي اشتراط نسبة أكبر من الأصوات لاتخاذ بعض القرارات المهمة، أو فكرة الديمقراطية المحدودة، أو منح بعض الصلاحيات لهيئات غير منتخبة مثل المحاكم. ويخلص إلى أنه لا يوجد نظام بديل يصلح في كل الحالات، بل يعتمد اختيار طريقة اتخاذ القرار على ظروف كل مجتمع وتاريخه السياسي.
الفصل الثاني عشر: العملية والجوهر
يتناول دال هنا العلاقة بين العملية الديمقراطية، أي الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات، والجوهر الديمقراطي، أي القيم والنتائج التي تهدف الديمقراطية إلى تحقيقها مثل الحرية والمساواة، ويرفض دال اعتبار الديمقراطية مجرد إجراءات شكلية، مؤكدًا أن طريقة اتخاذ القرار نفسها تحمل قيمًا مهمة، ويعبر عن ذلك بقوله: “العملية الديمقراطية ليست مجرد عملية، وهي ليست مجرد شكلية.”
الفصل الثالث عشر: عملية مقابل عملية
يوضح دال أن الخلاف الحقيقي ليس بين العملية والجوهر، بل بين عملية ديمقراطية وأخرى بديلة قد تكون أقل ديمقراطية. ويناقش مسألة تدخل مؤسسات مثل المحاكم لحماية الحقوق ودورها في مراجعة القوانين والقرارات التي قد تنتهك الحقوق الأساسية، لكنه يحذر من اعتبار شبه الوصاية، أي إسناد بعض القرارات إلى خبراء أو قضاة غير منتخبين، حلًا كاملًا، لأنها قد تخضع بدورها لتوجهات النخب أو تفشل في تحقيق الحماية المطلوبة للحقوق.
يرى دال أن القضية ليست مجرد الاختيار بين طريقة ديمقراطية ونتيجة جيدة، بل بين طريقة ديمقراطية وطريقة أخرى لاتخاذ القرار. فمثلًا، عندما تصدر الأغلبية قانونًا قد يضر ببعض الحقوق، يمكن أن تتدخل المحاكم لمراجعته وإلغائه.
لكن دال يحذر من اعتبار إعطاء القضاة أو الخبراء غير المنتخبين هذه السلطة حلًا نهائيًا؛ لأنهم قد يخطئون أيضًا، أو تتأثر قراراتهم بآراء النخب وتوجهاتها.
لذلك، فالسؤال عند دال ليس: هل الديمقراطية تخطئ؟ وإنما: هل البديل الذي سنمنحه سلطة القرار أفضل فعلًا من العملية الديمقراطية في حماية الحقوق وتحقيق المصلحة؟
الجزء الخامس: حدود الديمقراطية وإمكاناتها
«قراءة نقدية لحدود إطار الدولة القومية عند دال»
ينتقل دال في هذا الجزء إلى دراسة الديمقراطية داخل إطار الدولة القومية الحديثة، موضحًا كيف تغيرت الديمقراطية عندما انتقلت من نطاق المدينة الصغيرة إلى المجتمعات الكبيرة والمعقدة. ومع أن هذا الأفق الإصلاحي يبدو جذابًا، إلا أن تعويل دال على الدولة القومية وعلى إمكانية ضبط الرأسمالية عبر إصلاحات تدريجية سيظل موضع تساؤل في ضوء خبرات العقود الأخيرة، وهو ما سأعود إليه في القسم النقدي الختامي.
الفصل الرابع عشر: متى يكون الشعب أهلًا للعملية الديمقراطية؟
يناقش روبرت دال في هذا الفصل مسألة أهلية الشعب لممارسة العملية الديمقراطية، متسائلًا عن الشروط التي تجعل مجموعة من الأفراد «شعبًا» يحق لها أن تحكم نفسها ديمقراطيًا. ويربط دال قيمة الديمقراطية بمدى سلامة الوحدة السياسية التي تُمارس داخلها، ويبحث في أثر الإكراه أو الضم القسري في مشروعية حكم الأغلبية، كما يتناول العلاقة بين حق تقرير المصير، ووحدة الشعب، ومشروعية العملية الديمقراطية.
الفصل الخامس عشر: التحول الديمقراطي الثاني
يتناول دال الانتقال من دولة-المدينة اليونانية إلى الدولة القومية الحديثة، ويبين أن هذا التحول أدى إلى ظهور شكل جديد من الديمقراطية أطلق عليه البولياركية، وهي نظام يقوم على الانتخابات والتعددية السياسية وحقوق المشاركة. ويوضح دال أن المشاركة المباشرة التي كانت ممكنة في المدن الصغيرة لم تعد قابلة للتطبيق في الدول الكبيرة، لذلك أصبح التمثيل النيابي بديلاً ضروريًا عنها.
الفصل السادس عشر: الديمقراطية، والبولياركية، والمشاركة
يناقش دال هنا الانتقاد الموجه إلى الديمقراطية التمثيلية، وهو أنها تقلل من مشاركة المواطنين المباشرة في الحكم.
ويرد بأن المجتمعات الحديثة كبيرة ومعقدة، مما يجعل المشاركة المباشرة للجميع أمرًا غير واقعي، وأن الديمقراطية التمثيلية تظل أفضل من الأنظمة غير الديمقراطية. ويعبر عن ذلك بقوله: “ديمقراطية بالدرجة الثانية من الأفضلية هي في الواقع أفضل بكثير من أفضل الأنظمة السلطوية.”
يرى دال أن انتقال الديمقراطية من دولة-المدينة إلى الدولة القومية سمح بتوسيع نطاق الحكم الشعبي، لكن الدولة القومية تكشف في الوقت نفسه حدًا أساسيًا للديمقراطية. فالمشاركة السياسية تظل مرتبطة بجنسية وحدود إقليمية محددة، بينما أصبحت القرارات الاقتصادية والسياسية ذات آثار تتجاوز الحدود. وهكذا يستطيع المواطن التأثير في حكومة دولته، لكنه لا يشارك في قرارات خارجية قد تؤثر مباشرة في حياته، مما يجعل السيادة الشعبية محدودة بإطار الدولة.
يقدم دال البولياركية باعتبارها الصورة الواقعية للديمقراطية الحديثة، حيث تتنافس جماعات متعددة على التأثير في القرار. لكن هذا التصور يكشف أن الديمقراطية لا تعني بالضرورة حكم الشعب مباشرة، بل تعني تنظيم التنافس بين قوى وجماعات مختلفة. والمشكلة أن هذه القوى ليست متساوية في إمكاناتها؛ لذلك قد يصبح النظام الديمقراطي وسيلة لإدارة التنافس بين مراكز القوة أكثر من كونه وسيلة لتحقيق سيادة فعلية لجميع المواطنين.
الفصل السابع عشر: كيف تطورت البولياركية في بعض الدول دون البعض الآخر
بعد عرضه الأصلي للتحول الثاني، يعود دال في هذا الجزء ليوضح كيف انعكس هذا الانتقال على شكل المؤسسات البولياركية المعاصرة.
يبدأ دال هذا الفصل بملاحظة تاريخية مهمة، وهي أن الحكم الهرمي والأوليغاركي، وليس الديمقراطية، كان هو الشكل الأكثر شيوعاً للحكم عبر معظم التاريخ المكتوب. أما الديمقراطية بمعناها الحديث فلم تصبح “حالة تكاد تتمتع بشمولية عالمية” بوصفها نموذجاً سياسياً مثالياً إلا خلال القرن العشرين، رغم أن الأنظمة السلطوية كثيراً ما أعادت تفسيرها بما يخدم شرعيتها الخاصة.
ويشير دال إلى ثلاث مراحل رئيسية شهدت توسع مؤسسات البولياركية. الأولى بدأت مع الثورتين الأمريكية والفرنسية واستمرت حتى ما بعد الحرب العالمية الأولى وتمثل، في تحليل دال، مرحلة الانتقال التدريجي من نظم الحكم التي كانت المشاركة السياسية فيها محدودة إلى نظم اتسعت فيها فرص المشاركة والتنافس السياسي، وإن لم تكن قد استوفت بعد شروط الديمقراطية بالمعنى الكامل، والثانية ظهرت في منتصف القرن العشرين وشهدت توسعًا أكبر في المؤسسات البولياركية، مع اتساع نطاق المشاركة السياسية وحق الاقتراع، وتزايد الاعتراف بمبدأ التنافس السياسي، أما الثالثة فكانت خلال موجة الثمانينيات التي ارتبطت بسقوط عدد من الأنظمة السلطوية في أمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا شهدت انتقال عدد من الدول إلى مؤسسات أكثر تعددية وانفتاحًا، الأمر الذي وسّع نطاق انتشار البولياركية عالميًا.
ويؤكد دال أن معظم الدول التي وصلت إلى “عتبة” البولياركية قبل عام 1900 لم تكن مؤسساتها متوافقة تماماً مع المعايير الديمقراطية الحديثة، وأن تطور هذا النظام السياسي، رغم انتشاره المتزايد، بقي محدوداً في عدد قليل من دول العالم.
الفصل الثامن عشر: لماذا تطورت البولياركية في بعض الدول دون البعض الآخر
ينتقل دال في هذا الفصل إلى محاولة تفسير سبب نجاح بعض الدول في بناء مؤسسات بولياركية مستقرة، بينما فشلت دول أخرى في ذلك. ويعتمد في تحليله على بحث أجراه مع مايكل كوبيدج وولفغانغ رينيك، حيث يستعرض مجموعة من العوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية المؤثرة.
ومن بين هذه العوامل مستوى التنمية الاقتصادية والدخل الفردي، ودرجة انتشار السلطة القسرية وعدم احتكار الجيش أو الشرطة من قبل جماعة محددة، إضافة إلى طبيعة البنية الاجتماعية ومدى قدرتها على السماح بوجود تنظيمات مستقلة ومتعددة بعيداً عن سيطرة الدولة.
كما يلفت دال الانتباه إلى دور العوامل الثقافية والتاريخية المعقدة، مثل الإرث الاستعماري وطبيعة العلاقات الدولية خلال مرحلة تكوّن الدولة الحديثة.
لكنه يوضح أن هذه العوامل لا تعمل بطريقة حتمية أو آلية، بل تزيد أو تقلل من فرص ظهور البولياركية المستقرة.
ولهذا يرى أن البولياركيات الأكثر استقراراً نشأت بشكل خاص في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا واليابان، في حين بقيت ضعيفة أو غير موجودة في مناطق أخرى عانت من الفقر الشديد، أو الانقسامات الاجتماعية العميقة، أو إرث طويل من الحكم الاستبدادي.
يؤكد دال أن تطور الديمقراطية يختلف باختلاف المجتمعات، لكن هذا الاختلاف يضعف فكرة أن الديمقراطية تمثل مسارًا واحدًا صالحًا للجميع. فإذا كانت المؤسسات الديمقراطية تنجح في بيئات وتفشل في أخرى، فهذا يعني أن الديمقراطية لا تعمل بمعزل عن البنى الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية. وبالتالي فإن استيراد مؤسساتها لا يضمن إنتاج حكم عادل.
الفصل التاسع عشر: هيمنة الأقلية – هل هي أمر حتمي؟
يناقش دال في هذا الفصل الفكرة القائلة إن حكم الأقلية أمر لا مفر منه، مستشهداً بغيتانو موسكا الذي رأى أن جميع المجتمعات، مهما اختلف مستوى تطورها، “تظهر فيها طبقتان من الناس: طبقة حاكمة وأخرى محكومة”، وأن الطبقة الحاكمة، “وهي دائماً الأقل عدداً”، تستأثر بالسلطة والامتيازات.
ويربط دال هذه الفكرة بأفكار عدد من المفكرين مثل ماركس ولينين وباريتو ومايكلز وغرامشي، موضحاً أن هناك مواقف متعددة حول العلاقة بين اللامساواة والديمقراطية البولياركية.
وتتدرج هذه المواقف من التفاؤل المبالغ فيه الذي يقلل من أهمية اللامساواة، إلى التشاؤم الكامل الذي يرى أن كل المجتمعات محكومة بالضرورة من قبل أقلية مسيطرة.
ويعترف دال بأن لهذه الفكرة جانباً واقعياً، إذ لا تخلو المجتمعات الديمقراطية من وجود قيادات ونخب داخل التنظيمات السياسية والاجتماعية.
لكنه يرفض اعتبار ذلك دليلاً على استحالة الديمقراطية، موضحاً أن وجود قيادات متخصصة لا يعني بالضرورة غياب الرقابة أو المنافسة.
ويرى دال أن الفرق الأساسي بين “الأوليغاركية” و”البولياركية” لا يتمثل في غياب النخب، فالنخب موجودة في كل نظام سياسي، وإنما في وجود مؤسسات وآليات حقيقية تجعل هذه النخب قابلة للمساءلة والاستبدال السلمي.
يحاول دال الإجابة عن مشكلة هيمنة الأقلية من خلال تعدد مراكز القوة وتنافسها، لكن هذا الحل لا ينهي المشكلة بل يعيد صياغتها. فبدل أن تحتكر أقلية واحدة السلطة، قد تتنافس عدة أقليات على النفوذ، بينما يبقى عموم المواطنين خارج مراكز القرار الفعلية. وهكذا تتحول الديمقراطية إلى وسيلة لمنع الاحتكار الكامل للسلطة، لا إلى ضمان أن تكون السلطة نفسها في يد الشعب.
يفترض دال أن تنافس الجماعات المختلفة يمكن أن يؤدي إلى نتائج أقرب إلى الصالح العام، لكن التنافس لا يعني بالضرورة العدالة. فالجماعات تختلف في حجمها وتنظيمها ومواردها وقدرتها على الضغط، ولذلك قد تكون نتيجة التنافس انعكاسًا لموازين القوة أكثر من كونها تعبيرًا عن المصلحة العامة. وبذلك لا تنتج الديمقراطية بالضرورة «الصالح العام»، وإنما تنتج تسوية بين مصالح متنافسة، وقد تكون هذه التسوية بعيدة عن العدالة.
الفصل العشرون والحادي والعشرون: التعددية والخير العام
يعالج دال في هذين الفصلين مفهوم الخير العام، أي المصلحة المشتركة التي يُفترض أنها لا تخدم فئة معينة أو جماعة محددة، بل تعبر عما يعود بالنفع على المجتمع ككل.
وينطلق دال من أن المجتمعات الحديثة لم تعد مجتمعات بسيطة ومتجانسة، بل أصبحت تتسم بتعدد المصالح والقيم والرؤى المختلفة حول ما ينبغي اعتباره خيراً أو مصلحة عامة. ولهذا يصبح من الصعب، بل من غير الواقعي، الحديث عن وجود تصور واحد ونهائي للخير العام يمكن أن يتفق عليه جميع المواطنين في كل الظروف.
ويشير دال إلى أن اختلاف المصالح بين الأفراد والجماعات ليس أمراً طارئاً أو سلبياً بالضرورة، بل هو نتيجة طبيعية للتنوع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمعات الحديثة.
وفي هذا السياق يستشهد بجان جاك روسو لتوضيح أن المجتمعات تضم جماعات وأفراداً قد تختلف مصالحهم وتصوراتهم حول الصالح المشترك، وأن محاولة فرض إرادة فئة واحدة باعتبارها ممثلة للخير العام قد تؤدي إلى إقصاء مصالح أخرى.
ومن هنا يخلص دال إلى أن الخير العام في الديمقراطيات الحديثة لا ينبغي فهمه باعتباره نتيجة نهائية ثابتة أو مضموناً جاهزاً يمكن تحديده مسبقاً، وإنما بوصفه عملية مستمرة تتشكل من خلال النقاش العام، والتفاعل بين المواطنين، والتوفيق بين المصالح المتعارضة. فالمجتمع الديمقراطي لا يصل إلى الخير العام مرة واحدة، بل يعيد بناء فهمه له باستمرار عبر الحوار والمشاركة السياسية.
وبهذا المعنى تصبح القيم الديمقراطية نفسها، مثل المشاركة السياسية، والمساواة بين المواطنين، وحرية التعبير، وإتاحة الحوار بين مختلف الأطراف، جزءاً لا ينفصل عن مفهوم الخير العام لأنها ليست مجرد وسائل للوصول إليه، بل تمثل في حد ذاتها عناصر أساسية لما يجعل الحياة السياسية عادلة ومقبولة لدى أفراد المجتمع.
الجزء السادس: نحو تحول ثالث (الفصول 22-23)
ينتقل دال في الجزء الأخير إلى التفكير في مستقبل الديمقراطية، متسائلًا عن إمكانية حدوث تحول ديمقراطي ثالث يتجاوز الأشكال الحالية للديمقراطية ويواجه تحديات العالم المعاصر.
الفصل الثاني والعشرون: الديمقراطية في عالم الغد
يعود دال في هذا الفصل إلى الفكرة الأساسية التي انطلق منها كتابه، وهي أن الديمقراطية، وبالأخص العملية الديمقراطية، تتميز عن غيرها من البدائل السياسية الممكنة لأنها تحقق مجموعة من القيم التي يصعب تحقيقها في أنظمة أخرى.
ويرى دال أن الديمقراطية تتفوق بثلاثة جوانب رئيسية فهي أولاً تعزز قيمة الحرية من خلال منح المواطنين القدرة على المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم، وثانياً تساهم في تنمية الإنسان عبر تطوير قدراته على التفكير والحكم والمشاركة وتحمل المسؤولية السياسية، وثالثاً توفر وسيلة أكثر فاعلية لحماية المصالح المشتركة للمجتمع، لأنها تقوم على النقاش والمشاركة والمساءلة بدلاً من احتكار القرار من قبل فئة محددة.
بعد ذلك ينتقل دال إلى طرح سؤال أوسع حول مستقبل الديمقراطية، متسائلاً عما إذا كان العالم قد يشهد ما يمكن تسميته بـ”تحول ديمقراطي ثالث”، أي مرحلة جديدة تتجاوز حدود التحولات الديمقراطية السابقة وتفتح المجال أمام توسيع نطاق الديمقراطية خارج إطار الدولة القومية التقليدية.
ويحدد دال ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تقود إلى هذا التحول.
يتمثل المسار الأول في احتمال زيادة عدد الدول التي تتمكن من بناء أنظمة بولياركية مستقرة، بحيث تنتقل دول جديدة من الحكم السلطوي إلى نظام سياسي يقوم على المنافسة والمشاركة والحقوق السياسية.
أما المسار الثاني فيتعلق بتوسيع “مدى” الحياة السياسية، أي توسيع نطاق القضايا والقرارات التي تصبح خاضعة للمناقشة والرقابة الديمقراطية.
ويشير دال هنا إلى أن العديد من القرارات المهمة لم تعد تُتخذ داخل حدود الدولة فقط، بل أصبحت تتأثر بمؤسسات ومنظمات دولية أو عابرة للحدود، الأمر الذي يثير سؤالاً حول كيفية جعل هذه المستويات الجديدة من السلطة أكثر خضوعاً للمبادئ الديمقراطية.
أما المسار الثالث فيرتبط بالتغيرات التي قد تحدث داخل الدول التي تمتلك بالفعل مؤسسات بولياركية مستقرة، سواء من حيث تطور البنى الاجتماعية أو تغير وعي المواطنين وطريقة مشاركتهم السياسية.
حين يتصور دال مستقبل الديمقراطية، يركز على توسيع المشاركة وتحسين المؤسسات، لكنه يفترض أن مزيدًا من المشاركة يعني بالضرورة مزيدًا من السيطرة الشعبية. غير أن هذا الافتراض يصبح أكثر إشكالًا في عالم تتجاوز فيه القوى الاقتصادية والسياسية حدود الدولة. فقد يشارك المواطن بصورة أكبر في انتخاب حكومته، بينما تتقلص قدرته الفعلية على التحكم في قوى تتجاوز حكومته. وهكذا قد تتوسع الديمقراطية شكليًا بينما تضيق السيادة الشعبية فعليًا.
الفصل الثالث والعشرون: صور تخطيطية لدولة ديمقراطية متطورة
يحاول دال في هذا الفصل رسم ملامح دولة ديمقراطية أكثر تطورًا في المستقبل، ويقترح مجموعة من الإصلاحات لتحقيق ذلك.
أولها تقليل التفاوت الاقتصادي، أي توزيع الموارد بشكل أكثر عدالة للحد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء، لأن التفاوت الكبير قد يضعف المساواة السياسية.
وثانيها دمقرطة مكان العمل، أي زيادة مشاركة العاملين في القرارات التي تؤثر في حياتهم المهنية، ويرى دال أن أماكن العمل قد تمارس تأثيرًا كبيرًا على حياة الأفراد، ولذلك يطرح تساؤله: “أية حكومة تلك التي تملك مثل هذه النتائج الكبيرة على الحياة اليومية كحكومات مكان العمل؟ أين يمكن لاستبداد أن يفعل فعله بصورة أكثر خبثًا؟“
أما الإصلاح الثالث فيتعلق بمواجهة تعقيد الحياة الحديثة ودور الخبراء، وذلك من خلال بناء جمهور واعٍ يمتلك القدرة على فهم القضايا العامة، إلى جانب إنشاء مؤسسات استشارية تساعد المواطنين في اتخاذ قرارات أكثر معرفة. ويؤكد دال أن مستقبل الديمقراطية لا يعتمد على نموذج نهائي ثابت، بل يحتاج إلى استمرار التجربة والبحث عن مؤسسات جديدة تناسب تحديات العصر.
الخاتمة
يقدم روبرت دال في كتابه عن الديمقراطية محاولة شاملة لإعادة بناء الفكرة الديمقراطية وفهمها في ضوء تطور المجتمعات السياسية الحديثة.
ولا ينظر دال إلى الديمقراطية بوصفها مجرد نظام انتخابي يقوم على اختيار الحكام، بل باعتبارها عملية سياسية مستمرة تقوم على مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم.
ولهذا يبدأ كتابه بتتبع الجذور التاريخية للديمقراطية، موضحًا الفرق بين تجربة الديمقراطية الأثينية القديمة والديمقراطية الحديثة، حيث كانت الأولى قائمة على المشاركة المباشرة في دولة-مدينة صغيرة، بينما فرض اتساع الدولة القومية ظهور التمثيل النيابي والمؤسسات الديمقراطية الحديثة.
كما يوضح دال أن الديمقراطية لم تتطور بصورة خطية أو سهلة، بل واجهت عبر التاريخ منافسين وانتقادات قوية، مثل الفوضوية والوصاية.
ومن خلال مناقشته لهذين الاتجاهين، يبين دال أن رفض الدولة بالكامل لا يقدم بديلاً واقعيًا لإدارة المجتمعات المعقدة، وأن منح السلطة لنخبة من الخبراء أو الحكماء يحمل خطر الاستبداد وغياب المساءلة.
وفي مقابل هذه الانتقادات، يبني دال دفاعه عن الديمقراطية على مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها المساواة في القيمة الإنسانية، والاعتبار المتكافئ للمصالح، والاستقلالية الذاتية للمواطنين.
فبما أن الأفراد متساوون في القيمة، وأن كل شخص هو الأقدر على معرفة مصالحه، فإن مشاركتهم المتساوية في صنع القرارات العامة تصبح ضرورة أخلاقية وسياسية.
ويشكل مفهوم العملية الديمقراطية محور الكتاب الأساسي، حيث يضع دال معايير للحكم على مدى ديمقراطية أي نظام، وهي: المشاركة الفاعلة، والمساواة في التصويت، والفهم المستنير، واتساع دائرة المشاركة.
كما ينتقل دال بعد ذلك إلى دراسة مشكلات التطبيق العملي للديمقراطية، مثل قاعدة الأغلبية، والعلاقة بين الإجراءات الديمقراطية والنتائج العادلة، مؤكدًا أن الديمقراطية تحتاج دائمًا إلى التوازن بين حكم الأغلبية وضمان الحقوق.
وفي تحليله للدولة القومية الحديثة، يبين دال أن الديمقراطية المعاصرة هي نتيجة تحول تاريخي ثانٍ انتقلت فيه الديمقراطية من المشاركة المباشرة إلى الديمقراطية التمثيلية، ثم تطورت إلى ما يسميه البولياركية، أي نظام يقوم على التنافس السياسي، وتعدد مراكز القوة، وضمان قدر من المشاركة والحقوق.
وفي الجزء الأخير من الكتاب، يحاول استشراف مستقبل الديمقراطية من خلال الدعوة إلى تقليل الفوارق الاقتصادية، والوصول لحالة مواطنين أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع تعقيدات العالم الحديث.
بعد هذا العرض الموجز لبنية الكتاب وأفكاره الرئيسة، يمكن الآن الانتقال إلى تقييم إسهامه وحدوده عبر ثلاث ملاحظات نقدية رئيسة.
بالنسبة للانتقادات التي يمكن توجيهها للكتاب، فيمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا، التمركز حول الدولة القومية، فكما رأينا في عرضه لطبيعة النظام الديمقراطي وإطاره السياسي، يميل دال إلى جعل الدولة القومية الإطار الأساسي الذي تُمارس داخله الديمقراطية. فرغم أن دال يعترف بمشكلات السلطة وضرورة إخضاعها لرقابة المواطنين، فإنه يجعل الدولة القومية الإطار الأساسي الذي تُمارس داخله الديمقراطية.
فحتى الدولة الديمقراطية قد تتحول إلى مصدر للهيمنة إذا توسعت سلطاتها دون رقابة كافية، كما أن وجود مؤسسات منتخبة لا يمنع دائمًا ظهور أشكال من التسلط أو تهميش الفئات الأقل قوة. لذلك فإن تعويل دال على الدولة القومية باعتبارها الحاضنة الطبيعية للديمقراطية يظل محل نقد، لأنه لا يطرح بصورة كافية سؤال كيفية الحد من سلطة الدولة وضمان بقاء المواطنين قادرين على مراقبتها ومقاومة تجاوزاتها.
ثانيًا، التفاؤل النسبي تجاه إمكانية إصلاح الرأسمالية، وكما رأينا في حديثه عن العلاقة بين الديمقراطية والتفاوت الاقتصادي، يدرك دال أن التفاوت الاقتصادي يمكن أن يؤدي إلى تفاوت سياسي، لأن أصحاب الثروة يمتلكون نفوذًا أكبر في التأثير على القرار العام. لكنه يرى أن الحل يمكن أن يكون من خلال إعادة توزيع أكثر عدالة للثروة، ومع ذلك، فإن هذا التصور يواجه صعوبات في ظل طبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر، حيث تستمر قوة الأسواق ورؤوس الأموال في التأثير على قدرة الدول الديمقراطية على تحقيق عدالة اقتصادية حقيقية.
ثالثًا، توسيع مجال النظرية ومنها دمقرطة مكان العمل، وكما رأينا في سعي دال إلى توسيع نطاق المشاركة الديمقراطية وعدم حصرها في المجال السياسي، يقترح توسيع مشاركة العاملين في القرارات، باعتبار أن أماكن العمل تمارس تأثيرًا كبيرًا على حياة الأفراد. إلا أن هذه الفكرة تبدو مثالية إلى حد كبير، لأنها تفترض إمكانية تحقيق مشاركة واسعة داخل مؤسسات تقوم أساسًا على علاقات اقتصادية وإدارية غير متكافئة بين أصحاب العمل والعاملين، فإدخال آليات ديمقراطية حقيقية إلى بيئة العمل يواجه صعوبات عملية تتعلق بملكية المؤسسات، وضرورة سرعة اتخاذ القرارات، وتعارض مصالح الإدارة والعاملين.
ومن ثم، لا تكمن مشكلة دال في أنه لا يرى أزمات الديمقراطية، فهو يعترف بها ويناقش تناقضاتها وحدودها بوضوح.
وإنما تكمن المشكلة في أن الحلول التي يقترحها تظل في حدود إصلاح المؤسسات القائمة، وتوسيع المشاركة، وتقليل التفاوت، وتعزيز المساءلة.
وهذه الحلول قد تساعد على تحسين الديمقراطية، لكنها لا تكفي إذا كانت أسباب عدم المساواة والهيمنة أعمق من المؤسسات التي يسعى إلى إصلاحها.
هذه التحفظات لا تنفي أهمية الكتاب، لكنها توضح أن واقعيته المعلنة لا تعفيه من ثغرات تتصل بطبيعة الدولة القومية والرأسمالية المعاصرة، ومع ذلك كله، يبقى كتابه عن الديمقراطية من أهم الأعمال المعاصرة في الفلسفة السياسية، لأنه لا يكتفي بعرض الديمقراطية بوصفها نظامًا قائمًا، بل يحاول تحديد شروطها ومشكلاتها وحدودها، وتكمن قيمة الكتاب الأساسية في أنه يقدم فهمًا واقعيًا للديمقراطية فهي ليست عنده حكمًا مثاليًا خاليًا من التناقضات.
والخلاصة:
تتمثل القيمة الأساسية لكتاب «الديمقراطية ونقادها» في أنه لا يتعامل مع الديمقراطية بوصفها حقيقة مكتملة، بل يفحص أصولها ومبرراتها واعتراضات خصومها وحدودها، ثم يعيد بناء النظرية الديمقراطية في صورة أكثر واقعية من خلال مفهوم البولياركية. غير أن هذا المسار نفسه يكشف المأخذ الأهم على الكتاب:
فدال يبدأ من افتراض أن الديمقراطية هي الإطار السياسي المرغوب، ثم ينشغل بكيفية جعلها أكثر كفاءة وتمثيلًا، بدل أن يضع مبدأ الديمقراطية ذاته موضع اختبار نهائي.
فالمشكلة الأولى أن دال يربط شرعية الديمقراطية بفكرة المساواة السياسية، ولا سيما مساواة المواطنين في المشاركة والتصويت. لكن مساواة الأصوات لا تعني بالضرورة مساواة القوة؛ إذ يستطيع المواطنون أن يمتلكوا صوتًا انتخابيًا متساويًا، بينما تختلف بدرجة هائلة قدرتهم على التأثير في السياسة وتحديد الأجندة العامة. ومن ثم قد تحقق الديمقراطية مساواة في إجراء اتخاذ القرار دون أن تحقق مساواة في القدرة على التأثير في القرار.
كما أن نظرية دال تبقى مرتبطة بدرجة كبيرة بـالدولة القومية. وهذه نقطة تصبح أكثر إشكالًا في العالم الحديث؛ فالديمقراطية تجعل المواطن عضوًا في جماعة سياسية وطنية، بينما تعمل الشركات والأسواق ورؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج عبر حدود الدول. وهنا تنشأ مفارقة: القوة الاقتصادية أصبحت عابرة للحدود، بينما بقيت المساءلة الديمقراطية في معظمها وطنية. ولذلك يستطيع المواطن انتخاب حكومته، لكنه لا يملك بالضرورة وسيلة ديمقراطية مماثلة للتأثير في قوى اقتصادية تتجاوز حكومته ودولته.
كما أن مفهوم حكم الأغلبية الذي يمثل عنصرًا مركزيًا في العملية الديمقراطية لا يحسم مشكلة العدالة. فالأغلبية تستطيع اتخاذ قرار صحيح، لكنها تستطيع أيضًا اتخاذ قرار ظالم، ولا تتحول النتيجة إلى عادلة لمجرد أنها حظيت بعدد أكبر من الأصوات. وهنا تظهر إحدى أهم ثغرات الديمقراطية: هي تملك معيارًا قويًا لتحديد شرعية الإجراء، لكنها لا تملك بالضرورة معيارًا كافيًا لإثبات عدالة النتيجة.
وعليه، يبقى كتاب الديمقراطية ونقادها مهمًا لفهم الديمقراطية من داخل نظامها، لكنه أقل إقناعًا في تفسير الأسباب العميقة التي تجعل بعض الفئات أكثر قدرة على التأثير من غيرها. فكلما وسّع دال مفهوم الديمقراطية، ظهرت الحاجة إلى نقد أوسع للدولة والاقتصاد وعلاقات القوة.
([1])نظرية صاغها عالم الاجتماع الألماني روبرت ميشيلز مفادها: أن أي منظمة أو تنظيم (سواء كان حزباً سياسياً، أو نقابة، أو حتى دولة) سيتطور حتماً وبشكل لا مفر منه إلى حكم الأقلية (الأوليغاركية)، حتى وإن كانت هذه المنظمة ديمقراطية في بدايتها وتدعو للمساواة.
([2]) مصطلح يستخدمه دال للإشارة إلى “الافتراضات الضمنية أو غير المعلنة” التي تُبنى عليها الأفكار الديمقراطية دون تمحيص.






