نقل القوات والأسلحة الأمريكية من الخليج .. ما أثره على إسرائيل؟

يتناول هذا التقرير تحليلاً لمجموعة من المقالات الإسرائيلية التي ترصد التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، مع التركيز على إعادة توزيع القوات والطائرات، خاصة طائرات التزويد بالوقود، وتأثير ذلك على المطارات الإسرائيلية. تكشف المصادر الإسرائيلية عن نقل قوات أمريكية من دول الخليج إلى الأردن، مع استمرار اعتماد إسرائيل على القدرات الأمريكية في الدفاع الجوي، بينما امتدت الضربات الإيرانية لتشمل العقبة والمجال الجوي الإسرائيلي. يبرز التقرير أن الحضور العسكري الأمريكي لا يقتصر على الجانب العملياتي، بل يضغط على البنية التحتية المدنية الإسرائيلية، خاصة مطار بن غوريون، بسبب محدودية قدرته على استيعاب المزيد من طائرات التزويد بالوقود، مما ينذر بإلغاء رحلات مدنية.
يشير الكاتب إيلي كلوتشتاين إلى أن تركيز الحرس الثوري الإيراني على استهداف الأردن يعود إلى استضافتها عددًا كبيرًا من القوات الأمريكية التي نُقلت إليها من دول الخليج لتجنب الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قصيرة المدى. يوضح كلوتشتاين أن الأردن تعتمد بشكل كبير على القوات الأمريكية في الدفاع الجوي بسبب محدودية قدراتها، مما يجعلها هدفًا لإيران لاستهداف جاهزية القوات الأمريكية وتوجيه رسالة للأردنيين. من جانبه، يرى مائير بن شبات أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من حرب فعلية، مستندًا إلى سابقة حرب الاستنزاف، ويلاحظ أن الطرفين يعتقدان أن الزمن يعمل لصالحهما.
يؤكد بن شبات أن الرد الإيراني، الذي استهدف العقبة وامتد إلى المجال الإسرائيلي، يسعى لخلق تماثل في كلفة المواجهة وردع واشنطن عن التصعيد. أما شارون كدمي، المدير العام لسلطة المطارات، فقد حذر من أن مطار بن غوريون لن يتمكن من استيعاب طائرة تزويد وقود أمريكية إضافية دون إلغاء رحلات مدنية، مشددًا على أن المطار يعمل بقدرات تشغيلية محدودة. يكشف آفي أشكنازي أن الولايات المتحدة تتعامل بحذر مع الأزمة، وتكتفي بمعالجة الأعراض دون استهداف طهران مباشرة، بينما تراقب إسرائيل الوضع عن كثب تحسبًا لتدهور محتمل في المواجهة المباشرة مع إيران وفي ساحات أخرى مثل لبنان وسوريا وقطاع غزة.
تشير التقديرات إلى أن الجيش الإسرائيلي سيهدم مئات المباني التي كانت تستخدم كبنية تحتية لحزب الله في جنوب لبنان، بينما ملأت القوات الأمريكية المطارات العسكرية في الجنوب بطائرات التزويد بالوقود. يكشف التقرير عن فجوة بين صورة القوة الأمريكية المتوقعة والقيود العملية في الميدان، حيث اضطرت الولايات المتحدة لإعادة توزيع قواتها، مما جعل الأردن هدفًا هشًا للرد الإيراني. يصبح الحضور الأمريكي عامل ضغط على البنية التحتية المدنية الإسرائيلية، ولا تقدم المقالات الإسرائيلية الولايات المتحدة كقوة قادرة على حسم المواجهة سريعًا، بل تتحدث عن استنزاف متبادل.
تبرز مفارقة أن إسرائيل تراقب التطورات من بعيد، بينما تفضل الولايات المتحدة بقاءها خارج المواجهة المباشرة، مما يكشف عدم تطابق المصالح الأمريكية مع الرغبة الإسرائيلية في توسيع الضغط على إيران. يشير التقرير إلى تغير واضح في المعادلة الإقليمية، حيث أصبحت المواجهة شبكة مترابطة من الضغوط العسكرية تمتد إلى الأردن والخليج وإسرائيل ولبنان وسوريا وقطاع غزة. يعكس نقل المعدات العسكرية الأمريكية إلى الأردن وإسرائيل إعادة تقييم واشنطن لمخاطر انتشار قواتها، في ظل قدرة إيران على استهداف القواعد الأمريكية.
يثير ذلك مخاوف خليجية بشأن قدرة أمريكا على حماية نفسها وحلفائها، وقد يدفع ارتفاع كلفة الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية بعض الأطراف الخليجية إلى البحث عن مساحات أوسع للمناورة والاتصال مع إيران. يشير الواقع السياسي الأمريكي في المنطقة إلى تراجع قدرته على تحويل قوته العسكرية إلى سيطرة سياسية كاملة على الأوضاع الميدانية، وكلما اتسعت ساحات المواجهة، ازدادت قدرة الخصوم والحلفاء على التأثير في الحسابات الأمريكية. هذا التحول يمثل بداية إعادة صياغة للمعادلة الإقليمية، تتراجع فيها تدريجيًا مركزية القرار الأمريكي المنفرد في المنطقة.
الملخص التنفيذي:
يتناول هذا التقرير مجموعة من التقارير والمقالات المنشورة في مصادر إسرائيلية، وتدور في مجملها حول التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإعادة توزيع القوات والطائرات الأمريكية، ولا سيما طائرات التزويد بالوقود، إضافة إلى انعكاسات ذلك على مطار بن غوريون والمطارات العسكرية الإسرائيلية.
وتكشف المادة، من خلال المصادر الإسرائيلية، عن انتقال بعض القوات الأمريكية من دول الخليج إلى الأردن، مع استمرار اعتماد “إسرائيل” على القدرات الأمريكية في الدفاع الجوي، وفي الوقت نفسه، امتدت آثار الضربات الإيرانية إلى العقبة والمجال الإسرائيلي.
وتظهر المواد المتعلقة بمطار بن غوريون أن الحضور العسكري الأمريكي لا يقتصر على الجانب العملياتي، بل بدأ يضغط على البنية التحتية المدنية الإسرائيلية، بسبب محدودية قدرة المطار على استيعاب مزيد من طائرات التزويد بالوقود، كما تكشف المادة عن اتساع الحضور العسكري الأمريكي داخل إسرائيل، بالتزامن مع مراقبة إسرائيل لتطورات المواجهة الأمريكية الإيرانية وتداعياتها المحتملة في لبنان وسوريا وقطاع غزة.
وتنتهي القراءة إلى أن المواد الإسرائيلية نفسها ترسم مشهدًا لا تبدو فيه الولايات المتحدة قادرة على التحكم الكامل بمسار التصعيد، فإيران تحاول نقل كلفة المواجهة إلى الحلفاء الإقليميين لواشنطن، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء ضرباتها محسوبة ومحدودة، وتراهن على الضغط العسكري والاقتصادي لدفع طهران إلى التفاوض.
أولًا: تقرير إيران تطلق النار على الأردن والسبب ينبغي أن يثير قلق إسرائيل
الكاتب: إيلي كلوتشتاين، خبير في العلاقات الدولية، معهد مسجاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية. ([1])
ينطلق المقال من محاولة تفسير تركيز الحرس الثوري الإيراني خلال الفترة الأخيرة لنيرانه باتجاه الأردن، متسائلًا عن الأسباب التي جعلت المملكة الهاشمية هدفًا متكررًا، وكأنها أصبحت «البطة في ميدان الرماية» الخاص بطهران.
ومن أبرز التفسيرات التي يقدمها المقال أن الأردن تستضيف عددًا كبيرًا من القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة، وقد جرى نقل جزء من هذه القوات إليها لإبعادها عن مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية قصيرة المدى.
وكانت تلك القوات، في المرحلة السابقة من الحرب، متمركزة في دول الخليج، ومنها قطر والسعودية، قبل أن ينقلها الجيش الأمريكي إلى مواقع خلفية، على أمل أن تكون أكثر أمنًا.
غير أن هذا الترتيب يواجه مشكلة أساسية تتمثل في محدودية القدرات الأردنية في مجال الدفاع الجوي، فالأردن لا يمتلك منظومات متطورة للدفاع ضد الصواريخ، مثل منظومات باتريوت الموجودة في بعض دول الخليج، ولذلك يعتمد بدرجة كبيرة على القوات الأمريكية في تنفيذ عمليات الاعتراض.
ومن منظور الكاتب، فإن هذا الوضع يمنح إيران إمكانية استهداف جاهزية القوات الأمريكية، تمهيدًا لأي هجوم أوسع عليها، فضلًا عن إمكانية إيقاع خسائر في صفوف الجنود الأمريكيين، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة مباشرة إلى الأردنيين.
ثانيًا: تقرير نحو الصدام: الولايات المتحدة وإيران تتحصنان في مواقعهما وتقلصان هوامش الأمان في هجماتهما
الكاتب: مائير بن شبات، رئيس معهد مسجاف، ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق. ([2])
يرى المقال أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من مرحلة قد تتجاوز الاستنزاف المتبادل إلى حرب فعلية.
ويستند هذا التقدير إلى سابقة تاريخية في الصراع الإسرائيلي المصري، حين لم تؤد النتائج غير الحاسمة لحرب الاستنزاف إلى إنهاء المواجهة، وإنما انتهت بعد ثلاث سنوات إلى اندلاع حرب أكتوبر 1973.
ويلاحظ الكاتب أن الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، ينطلقان في المرحلة الراهنة من الاعتقاد نفسه تقريبًا، وهو أن الزمن يعمل لمصلحة كل منهما.
وبالتوازي مع التقارير التي تحدثت عن استعدادات أمريكية لإرسال المزيد من الطائرات المقاتلة وطائرات التزويد بالوقود إلى المنطقة، أنهت القيادة المركزية للجيش الأمريكي جولة جديدة من الهجمات ضد أهداف إيرانية، بينما جاء الرد الإيراني سريعًا واستهدف هذه المرة مدينة العقبة في الأردن، وامتد تأثيره إلى المجال الإسرائيلي.
وفي المقابل، بدأت تهديدات ترامب باستهداف البنى التحتية الحيوية ذات الاستخدام المزدوج في إيران تتحول إلى إجراءات فعلية، وإن كانت حتى تلك اللحظة محدودة ومدروسة. إلا أن اتجاه التصعيد بدا واضحًا.
ويسعى الرد الإيراني، الذي يركز على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بحسب المقال، إلى خلق نوع من التماثل في كلفة المواجهة، وإقامة معادلة يمكن أن تردع واشنطن عن المضي في مزيد من التصعيد.
ثالثًا: تقرير مدير سلطة المطارات يحذر من إلغاء رحلات في بن جوريون، هيئة البث “مكان”. ([3])
تتناول المادة التداعيات المباشرة لاستقبال مطار بن غوريون لطائرات التزويد بالوقود الأمريكية، في ظل التصعيد الأمني القائم.
وأفادت هيئة البث بأن رئيس سلطة المطارات، رون تال، أكد تمسكه بالسياسة التي حددتها وزيرة المواصلات ميري ريجيف، والقاضية بعدم إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي في ظل الظروف الأمنية الراهنة.
وأكد تال أن سلطة المطارات ستبذل كل ما تستطيع لإبقاء المجال الجوي مفتوحًا خلال موسم بالغ الأهمية للجمهور الإسرائيلي، مع استمرار تنفيذ جميع الإجراءات المتعلقة بتشغيل المطارات وحركة الطيران بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.
لكن هذه الصورة الإيجابية نسبيًّا اصطدمت بتحذير آخر صدر عن المدير العام لسلطة المطارات، شارون كدمي، الذي أكد أن مطار بن غوريون لن يكون قادرًا على تنفيذ كامل جدول الرحلات إذا اضطر إلى استقبال مزيد من طائرات التزويد بالوقود التابعة لسلاح الجو الأمريكي.
وأوضح كدمي أن طائرات تزويد بالوقود أمريكية موجودة بالفعل في المطار وفي مواقع أخرى، وأن التنسيق مستمر مع سلاح الجو.
إلا أنه حذر بصورة مباشرة من أن المطار لا يستطيع استيعاب حتى طائرة تزويد بالوقود إضافية واحدة، وأن وصول طائرة إضافية سيؤدي إلى بدء إلغاء الرحلات، داعيًا الجمهور إلى الاستعداد لاحتمال إلغاء الرحلات وتأخيرها، ومشددًا على أن بن غوريون مطار مدني يعمل ضمن قدرات تشغيلية محدودة.
ويأتي ذلك بعد قرار وزيرة المواصلات ميري ريجيف رفع القيود التي كانت مفروضة على هبوط طائرات التزويد بالوقود الأمريكية في المطار.
ومع ذلك، أكدت ريجيف أن عدد الطائرات التي ستبقى في بن غوريون سيقتصر على العدد المتفق عليه بين الأطراف، فيما ستُنقل الطائرات الأخرى إلى قواعد تابعة للجيش، بالتنسيق مع وزارة الدفاع، بما يهدف إلى الحفاظ على استمرارية حركة الطيران المدني.
رابعًا: تقرير الكشف عن الأصول الأمريكية: ما الذي يخفيه الجيش الأمريكي في القواعد بإسرائيل؟
الكاتب: آفي أشكنازي، كاتب صحفي في صحيفة معاريف. ([4])
توضح المادة أن الولايات المتحدة تتعامل مع المواجهة الحالية بحذر شديد، وتكتفي في هذه المرحلة بمعالجة أعراض الأزمة عبر شن هجمات في مضيق هرمز وإلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية، من دون أن تتجه إلى استهداف العاصمة طهران أو إلحاق أضرار مباشرة بمؤسسات الحكم والقيادة السياسية والعسكرية الإيرانية.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل منذ فترة اتخاذ موقع المراقب، بينما يفضل الأمريكيون، وفق التقدير الوارد في المادة، أن تلتزم إسرائيل الحياد، في ظل سيطرتهم على الوضع الراهن. ولذلك، فإذا لم يرتكب الإيرانيون خطأً فادحًا على الأراضي الإسرائيلية، فمن المرجح أن يستمر تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران لبعض الوقت.
ولا يستبعد الكاتب اتساع نطاق الهجمات وارتفاع حدتها قليلًا، مع احتمال استهداف الأمريكيين لميناء بندر عباس، الذي لا يمثل فقط الميناء الرئيس والأكبر في إيران، وإنما يُعد أيضًا مركز القيادة البحرية للحرس الثوري، ومنه تنفذ إيران الحصار المفروض على مضيق هرمز.
كما يطرح احتمال استهداف محطات توليد الطاقة ومحولات الكهرباء وعدد من منشآت النفط والغاز، بهدف دفع الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، حيث يتخلون عن أسلحتهم النووية وسيطرتهم على مضيق هرمز، وربما أيضًا عن وكلائهم وصواريخهم، مع الإقرار بأن تحقق هذا الهدف فعليًّا أمر غير مرجح.
وتراقب إسرائيل الوضع عن كثب، ليس فقط تحسبًا لتدهور محتمل في المواجهة المباشرة مع إيران، وإنما أيضًا في ساحات أخرى، من بينها لبنان وسوريا وقطاع غزة.
ووفق التقرير، فقد أدركت إسرائيل منذ فترة أن إيران تسعى إلى تعزيز حلفائها بهدف إعادة فرض سيطرتها عليها، فيما يمنع الإيرانيون في الوقت الراهن حزب الله من انتهاك وقف إطلاق النار في لبنان.
وفي المقابل، من المقرر أن تتخذ إسرائيل قرارات عملياتية بشأن الأنفاق في منطقتي بوفورت وعلي طاهر، في الوقت الذي تهتم فيه الحكومة اللبنانية بتدمير هذه الملاجئ، فضلًا عن تدمير البنية التحتية لحزب الله فوق الأرض.
وتشير التقديرات الواردة إلى أن الجيش الإسرائيلي سيهدم، بحلول نهاية الشهر، مئات المباني، بما قد يرفع حجم الدمار إلى ما يقارب 100% من المباني التي كانت تستخدم كبنية تحتية لحزب الله في جنوب لبنان، في المنطقة الممتدة من الحدود إلى الخط الأصفر، وهو ما يعادل نحو 70% من إجمالي المباني في المنطقة المعنية.
وفي ختام التقرير، تشير التقديرات إلى أن الأمريكيين ملأوا المطارات العسكرية في الجنوب بطائرات التزويد بالوقود، فيما تراقب إسرائيل التطورات من بعيد، مع إدراكها أن المنطقة تُعد آمنة بما يكفي لإبقاء القوات الأمريكية فيها.
تعقيب مركز رؤيا:
تكشف هذه المواد، الصادرة عن مصادر إسرائيلية مختلفة، عن فجوة بين صورة القوة الأمريكية التي تفترضها إسرائيل عادة وبين القيود العملية التي تظهر في الميدان.
فالولايات المتحدة اضطرت إلى إعادة توزيع قواتها، ونقل بعضها من الخليج إلى الأردن، ثم وجدت أن هذا الانتشار نفسه يجعل الأردن هدفًا مباشرًا وهشًّا للرد الإيراني.
كما أن الاعتماد على القدرات الأمريكية في الدفاع الجوي الأردني يوضح أن الحضور العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة توفير حماية كاملة للحلفاء، بل قد يحول مواقعهم إلى ساحات متقدمة لتلقي الضربات.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح في إسرائيل نفسها، إذ إن زيادة الاعتماد على الطائرات الأمريكية، وخصوصًا طائرات التزويد بالوقود، خلقت ضغطًا على مطار مدني رئيس، إلى درجة أن مدير سلطة المطارات حذر من عدم القدرة على استيعاب طائرة إضافية واحدة من هذا النوع دون التأثير في الرحلات المدنية.
وبذلك يصبح الحضور الأمريكي عامل ضغط على البنية التحتية المدنية الإسرائيلية.
كما أن المقالات الإسرائيلية نفسها لا تقدم الولايات المتحدة باعتبارها قادرة على حسم المواجهة سريعًا، بل تتحدث عن استنزاف متبادل، وعن احتمال تحول هذا الاستنزاف إلى حرب فعلية، وعن ضربات أمريكية محدودة ومدروسة، مقابل محاولة إيرانية خلق تماثل في الكلفة من خلال استهداف حلفاء واشنطن الإقليميين.
ومن زاوية إسرائيلية، تبرز مفارقة أخرى: فإسرائيل تراقب التطورات من بعيد، في وقت تفضل فيه الولايات المتحدة بقاءها خارج المواجهة المباشرة ما لم تتعرض لهجوم خطير، وهذا يكشف أن المصالح الأمريكية لا تتطابق بالضرورة بصورة كاملة مع الرغبة الإسرائيلية في توسيع الضغط على إيران أو دفع المواجهة إلى مستويات أعلى.
وبهذا تقدم المادة بمجملها مؤشرًا على تغير واضح في المعادلة الإقليمية، فالمواجهة لم تعد محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما أصبحت شبكة مترابطة من الضغوط العسكرية التي تمتد إلى الأردن والخليج وإسرائيل ولبنان وسوريا وقطاع غزة.
ومن هنا يمكن أن تتجه المعادلة، إذا استمرت الضربات المتبادلة، نحو إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، بحيث تصبح دول الخليج أمام ضرورة إعادة تقييم علاقتها بالولايات المتحدة وبإيران معًا، بدل التعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة نفوذ أمريكية مغلقة.
فلا يبدو نقل المعدات العسكرية الأمريكية إلى الأردن و«إسرائيل» مجرد إجراء لوجستي، بل إنه يعكس إعادة تقييم واشنطن لمخاطر انتشار قواتها، في ظل قدرة إيران على استهداف القواعد والمنشآت الأمريكية.
وبلا شك سيثير ذلك مخاوف خليجية فأمريكا على ما يبدو غير قادرة على حماية نفسها وقواعدها، فضلًا عن حماية حلفائها الخليجيين.
وقد يدفع ارتفاع كلفة الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية بعض الأطراف الخليجية إلى البحث عن مساحات أوسع للمناورة والاتصال مع إيران، خصوصًا إذا تبين أن التصعيد العسكري لا يوفر استقرارًا طويل الأمد.
وبالمعنى الأوسع، تشير التقارير أن الواقع السياسي الأمريكي في المنطقة لا يتحرك من موقع القدرة المطلقة على ضبط جميع مسارات الأزمة، فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقًا عسكريًّا كبيرًا، لكنها تواجه بيئة إقليمية تستطيع فيها الأطراف الأخرى التأثير في حساباتها ورفع تكلفة قراراتها.
ومن ثم فإن التحول الأهم ليس بالضرورة في حجم القوة الأمريكية، وإنما في تراجع قدرتها على تحويل هذه القوة إلى سيطرة سياسية كاملة على الأوضاع الميدانية.
وعليه، فإن أهم ما تكشفه التقارير أنه كلما اتسعت ساحات المواجهة، ازدادت قدرة الخصوم والحلفاء على التأثير في الحسابات الأمريكية، ومن هنا يمكن فهم التحولات الجارية باعتبارها بداية إعادة صياغة للمعادلة الإقليمية، تتراجع فيها تدريجيًّا مركزية القرار الأمريكي المنفرد في المنطقة.
([1])https://www.misgavins.org/klutstein-iran-shooting-at-jordan/
([2])https://www.israelhayom.co.il/news/world-news/middle-east/article/21016685?
([3])https://www.makan.org.il/content/news/makan-news/p-11693/1079533/?
([4])https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1345983?






