إصداراتتقدير موقف

مصر والحرب الإيرانية: بين توازنات السياسة وهشاشة الاقتصاد

من المحزن مع دخول الحرب الإيرانية أسبوعها الثالث، أن نحاول كتابة تقدير موقف لوضع مصر من هذه الحرب المشتعلة، فلا نتناول دورها ولا مسئوليتها – بحكم حجم مصر وأهميتها وتاريخها – وإنما يكون فقط حول بعض المواقف والمكاسب/الخسائر “الصغيرة” التي يمكن أن تتعرض لها. لكنه الواقع العربي عموما – والمصري خصوصا – الذي يعكس غياب أي موقف عربي جماعي قادر على إدارة تداعيات الأزمة أو الحد من اتساعها. فالعالم العربي، الذي كان تاريخيًا أحد أكثر الأقاليم تأثيرًا في الحروب الكبرى في الشرق الأوسط، يبدو اليوم موزعًا بين حسابات وطنية “صغيرة” متباينة، دون إطار تنسيق سياسي أو استراتيجي فعال يواكب خطورة اللحظة التاريخية.

تتكشف تدريجيًا تداعيات الحرب الإقليمية والدولية، بينما لا تزال أهدافها النهائية وحدودها الجغرافية موضع قدر كبير من الغموض. فالتصريحات المتناقضة الصادرة عن بعض أطراف الصراع، والتصعيد العسكري المتدرج، واتساع دائرة التأثير الاقتصادي، كلها مؤشرات على أن المنطقة تقف أمام أزمة قد تتجاوز آثارها حدود ساحات القتال لتطال بنية الاستقرار الإقليمي برمتها.

واقع العربي عموما – والمصري خصوصا – الذي يعكس غياب أي موقف عربي جماعي قادر على إدارة تداعيات الأزمة أو الحد من اتساعها.

في هذا السياق، تجد حكومة مصر نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين ضرورات التوازن السياسي وضغوط الواقع الاقتصادي. فمن جهة، ترتبط القاهرة بشبكة معقدة من العلاقات الإقليمية مع دول الخليج وإسرائيل وتركيا وإيران، وتحرص في الوقت نفسه على تجنب الانزلاق إلى استقطابات حادة في ظل بيئة إقليمية مضطربة. ومن جهة أخرى، يظل الاقتصاد المصري شديد الحساسية لأي صدمات جيوسياسية في المنطقة، سواء عبر أسواق الطاقة أو حركة التجارة العالمية أو تدفقات رأس المال والسياحة.

من هنا تأتي أهمية قراءة موقع مصر في هذه الأزمة، ليس فقط من زاوية انعكاساتها المباشرة، بل أيضًا من حيث ما تكشفه عن حدود الفرص الاقتصادية التي قد تتيحها التحولات الجارية في أسواق الطاقة والنقل، في مقابل المخاطر الكامنة في هشاشة التوازنات الاقتصادية والمالية. وتحاول هذه الورقة تقديم تقدير موقف أولي للتداعيات السياسية والاقتصادية للحرب على مصر في مرحلتها الراهنة، مع استشراف أبرز السيناريوهات المحتملة في حال استمرار الصراع أو اتساع نطاقه.

اندلعت الحرب الإيرانية الحالية في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، تراكمت فيه توترات السنوات الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، على خلفيات متعددة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ونفوذ طهران الإقليمي، وأمن الطاقة والممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. وقد بدأت العمليات العسكرية بضربات أمريكية/إسرائيلية استباقية مركزة استهدفت اغتيال قادة الصف الأول (بما فيهم المرشد الأعلى) وبنى عسكرية ومنشآت حساسة، سرعان ما تبعتها جولات متبادلة من التصعيد المحدود، في محاولة من كل طرف لفرض معادلة ردع جديدة دون الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة. إلا أن التصريحات السياسية المتباينة الصادرة عن قادة المعسكر الأمريكي/الإسرائيلي، والتي تراوحت بين الحديث عن ردع إيران أو تقليص قدراتها العسكرية، وبين التصريح بالرغبة في تغيير النظام أو إعادة صياغة توازنات المنطقة، كشفت عن قدر من الغموض في الأهداف النهائية للحرب.

حتى الآن يبدو أن الصراع يسير في مسار التصعيد المحسوب؛ إذ تحاول الأطراف المتحاربة توسيع دائرة الضغط العسكري والاقتصادي دون الوصول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة أو تدفع قوى دولية أخرى إلى الانخراط المباشر في الحرب. غير أن استمرار العمليات العسكرية، وارتفاع منسوب الخطاب السياسي، وتزايد التداعيات الاقتصادية العالمية، كلها عوامل تجعل مسار الأزمة مفتوحًا على عدة احتمالات، تتراوح بين احتواء تدريجي عبر ضغوط دولية ومسارات تفاوض غير معلنة، أو استمرار حرب استنزاف محدودة تطول آثارها الاقتصادية والجيوسياسية، وربما – في حال اتساع دائرة الاشتباك – انتقالها إلى مرحلة أكثر خطورة تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تجد دول المنطقة نفسها أمام اختبار صعب يتمثل في كيفية إدارة تداعيات الحرب دون أن تتحول أراضيها أو اقتصاداتها إلى ساحات إضافية للصراع.

حتى الآن يبدو أن الصراع يسير في مسار التصعيد المحسوب؛ إذ تحاول الأطراف المتحاربة توسيع دائرة الضغط العسكري والاقتصادي دون الوصول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة

هذا تقدير موقف للحالة المصرية في ظل حرب إقليمية في أسبوعها الثالث، مع التمييز بين الفرص قصيرة المدى والمخاطر الهيكلية. لأن كثيرًا من التحليلات الإعلامية تركز على جانب واحد فقط.

الوضع السياسي المصري في هذه الأزمة معقد لكنه ليس ضعيفًا بالضرورة، بل يحمل عنصرين متناقضين: حساسية عالية مع هامش مناورة مهم.

شبكة علاقات مصرية متقاطعة تقف عند تقاطع عدة محاور إقليمية:

  • علاقات استراتيجية مع السعودية والإمارات
  • علاقات شبه طبيعية مع إسرائيل (ركيزتها معاهدة كامب ديفيد والتنسيق الأمني)
  • علاقات اقتصادية مع قطر
  • تحسن حذر في العلاقات مع إيران
  • علاقات باردة مع تركيا

هذا يضع مصر في موقع “الوسيط المحتمل” أكثر من “الطرف”، وهذا موقع حاولت القاهرة الحفاظ عليه منذ حرب غزة. ومع ذلك فقد يُغضب وصف “الوسيط” الدول الخليجية، التي تريد لمصر أن تكون طرفا داعما، لا وسيطا محايدا.

أهم مصلحة استراتيجية لحكومة مصر الآن هي عدم توسع الحرب إقليميًا، عدم انهيار الاستقرار في الخليج وعدم انفجار الجبهة مع إسرائيل، لأن أي من هذه السيناريوهات سيكون كارثيًا اقتصاديًا على مصر.

لهذا من المتوقع أن تستمر السياسة المصرية في الحذر وتجنب الاصطفاف مع دعم بصوت خافت لمسارات التهدئة.

بعض التحليلات الإعلامية في مصر تشير إلى فرص اقتصادية بالفعل، وهي ليست وهمية تمامًا، لكنها مشروطة بمدة الأزمة.

خط سوميد يمثل أصلًا استراتيجيًا مهمًا ووظيفته الأساسية: نقل النفط من البحر الأحمر إلى المتوسط عندما لا تمر الناقلات عبر قناة السويس. طاقة هذا الخط تقارب 2.5 مليون برميل يوميًا، وفي أوقات الاضطرابات في البحر الأحمر يصبح الخط أكثر أهمية. حتى كتابة هذا التقدير، لم يشارك الحوثيون في الحرب الدائرة، ولكن تأكيد الإيرانيين أن في حالة توسع الحرب فإن مضيق باب المندب سيتم إغلاقه. هذا إذا حدث يعني زيادة رسوم النقل وزيادة استخدام الخط، ما يعني دخلا إضافيا لمصر، ويعطي أهمية إضافية لمسار سوميد.

مصر تمتلك محطتين مهمتين: دمياط وإدكو، وهما من أهم محطات تسييل الغاز في شرق المتوسط. إذا حدث نقص في إمدادات الغاز القطري أو اضطراب في الشحنات كما هو الحال من بداية الحرب، ارتفعت أهمية الغاز الإسرائيلي والغاز المصري مع إعادة التصدير إلى أوروبا. لكن يجب التنبيه إلى أن الطاقة الإنتاجية محدودة.

موقع مصر كممر طاقة: في ظل اضطراب طرق الطاقة العالمية، الدول التي تمتلك خطوط أنابيب، موانئ ومرافق تسييل، تكتسب أهمية أكبر. وهذا بدوره قد يعطي مصر دورًا لوجستيًا أكبر مؤقتًا.

هنا تكمن الصورة الأكثر حساسية، إذ بعض الفوائد المحتملة قد تقابلها مخاطر أكبر. من ذلك:

خروج الأموال الساخنة: ما حدث بالفعل منذ بداية الحرب من انخفاض الجنيه مرتبط بخروج أي استثمارات قصيرة الأجل في أدوات الدين. هذه “الأموال الساخنة” تتحرك بسرعة عند أي توتر عالمي، وهي نقطة ضعف في الاقتصاد المصري منذ سنوات.

ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا: لأن مصر رغم إنتاجها للطاقة لا تزال مستوردًا للوقود ومستوردًا للغاز أحيانًا، وبالتالي فإن أي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة يضغط على الميزانية والدعم والتضخم.

السياحة: القطاع السياحي شديد الحساسية لأي حرب في المنطقة، حتى لو كانت الحرب بعيدة نسبيًا، فإن صورة المنطقة ككل قد تؤثر على الحجوزات، شركات الطيران والسياحة الأوروبية والروسية، وهذا مصدر دخل مهم لمصر.

قناة السويس: التوترات الأمنية قد تؤثر على حركة الملاحة، خاصة لو امتدت الحرب لتشمل الحوثيين في اليمن. وحتى لو لم تتأثر مباشرة، فإن ارتفاع المخاطر التأمينية قد يقلل من بعض المرور.

تحويلات المصريين في الخارج: ستتأثر إذا طالت الحرب، لأن ملايين المصريين يعملون في الخليج.

الصورة العامة يمكن تلخيصها كالتالي:

سياسيًا: مصر تحاول الحفاظ على توازن علاقاتها ودور الوسيط مع تجنب الانخراط في الصراع. وهذا موقف دقيق في ظل تعقيد الأزمة.

اقتصاديًا: هناك فرص محدودة قصيرة الأجل مثل خط سوميد وإعادة تصدير الغاز وخدمات الطاقة. لكن هذه الفرص لا تعوض بالضرورة تقلبات العُملة وخروج الأموال الساخنة، أو تأثيرات السياحة والطاقة.

مصر تحاول الحفاظ على توازن علاقاتها ودور الوسيط مع تجنب الانخراط في الصراع. وهذا موقف دقيق في ظل تعقيد الأزمة.

الوضع المصري في هذه الأزمة يمكن وصفه بأنه مزيج من الفرص اللوجستية قصيرة المدى والمخاطر الاقتصادية الكلية. إذا بقيت الحرب محدودة وقصيرة، فقد تحقق مصر بعض المكاسب. أما إذا طال أمدها أو توسعت إقليميًا، فسيكون العبء الاقتصادي على مصر أكبر بكثير من الفوائد.

إن أي أزمة كبرى قد تضع القاهرة أمام ضغوط متعارضة سياسيًا واقتصاديًا.

مصر ليست ضعيفة بالضرورة، لكنها اقتصاد مفتوح نسبيًا يعتمد على تدفقات خارجية كبيرة. ولهذا فإن أي صدمة جيوسياسية في الشرق الأوسط تؤثر عليها بسرعة عبر السياحة، الملاحة، الأسواق المالية والطاقة والغذاء.

في المقابل، يمنحها موقعها الجغرافي وأصولها اللوجستية (قناة السويس، سوميد، مرافق الطاقة) قدرة على الاستفادة في بعض الحالات إذا أُديرت الأزمة بحذر.

اللافت أنه لم تصدر حتى الآن أصوات مصرية تحذر من المستقبل الغامض للمنطقة حال انتصار الطرف الأمريكي/الإسرائيلي، واحتمالات أن تكون مصر القوة الإقليمية التالية التي سيتوجه إليها نتنياهو وظهيره الأمريكي.

زر الذهاب إلى الأعلى