هل هناك تراجع أمريكي حقيقي عن استهداف البنية الأساسية في إيران؟

تراجُع الرئيس الأمريكي عن تهديداته بقصف البنى التحتية الإيرانية بعد مهلة تنتهي مساء 23 مارس 2026، ومنح مهلة إضافية لمدة خمسة أيام، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل قد يعكس وجود ضغوط حقيقية مورست على صانع القرار الأمريكي. هذه الضغوط جاءت من أطراف أدركت أن تنفيذ هذا السيناريو سيؤدي إلى تداعيات خطيرة ومباشرة، ليس فقط على إيران، بل على دول الخليج، نظرًا لطبيعة الرد الإيراني المتوقع، والذي يقوم على مبدأ “المثل بالمثل”، خصوصًا فيما يتعلق باستهداف البنى التحتية الحيوية.
قد يكون هذا التراجع مدفوعًا أيضًا بتقارير استخباراتية أمريكية وقفت على قدرات إيران في استهداف البنى التحتية لدول الخليج، وقدرتها على شلّ تلك البنى عبر قدرات صاروخية ونيرانية تمكّنها من ضرب بنك أهدافها بدقة وفاعلية داخل إسرائيل وداخل دول الخليج، وعن نيتها الحقيقية في تنفيذ تهديداتها.
في المقابل، وبقدر ما توجد ضغوط لاحتواء التصعيد، هناك أطراف أخرى تدفع في الاتجاه المعاكس، وتسعى إلى جرّ الولايات المتحدة نحو تنفيذ ضربات تستهدف البنى التحتية الإيرانية، بما يفتح الباب أمام رد إيراني واسع النطاق يستهدف البنى التحتية في الخليج والأراضي المحتلة. هذه الأطراف، وفي مقدمتها إسرائيل، تنطلق من رؤية استراتيجية قائمة على إدخال المنطقة في حالة فوضى شاملة، تُستنزف فيها القدرات الاقتصادية والعسكرية لدول الإقليم، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مشروع الهيمنة الإسرائيلية على المدى الطويل.
قد تكون تصريحات ترامب الاخيرة جزءًا من عملية خداعٍ استراتيجي، مع إيكال تنفيذ الضربات إلى إسرائيل في إطار توزيع أدوار وتنسيق بين الجانبين؛ بحيث تقوم إسرائيل بتنفيذ الهجمات، بينما تُظهر الولايات المتحدة أنها غير منخرطة فيها بشكل مباشر. غير أن إيران — وفق هذه القراءة — وبعد تجارب مريرة سابقة، تتعامل مع الأمريكي والإسرائيلي باعتبارهما طرفًا واحدًا.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أيضا، عقب تصريحات ترامب، الاستمرار في استهداف بنى تحتية داخل طهران، وهو ما يعزز فرضية وجود توزيع للأدوار. من غير المرجح أن تقف طهران عند هذا الحد، بل قد تتجه إلى الرد بالمثل على كلا الطرفين، سواء داخل إسرائيل أو على المصالح المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة.
في سياق متصل، أشار ترامب إلى وجود اتصالات ومباحثات سياسية بين واشنطن وإيران، غير أن طهران “بناءً على مواقع إعلامية رسمية إيرانية”، وكذلك الخارجية الايرانية، سارعت إلى نفي وجود مثل هذه المباحثات، ما يعكس نمطًا متكررًا من استخدام الرسائل المتضاربة كأداة في إدارة الصراع والتأثير على حسابات الأطراف الأخرى.
هذا السيناريو إذا بدأت إسرائيل في تنفيذه، لن يكون مجرد تصعيد عسكري محدود، بل انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية إلى استهداف العمق الاقتصادي والحيوي، بما يشمل منشآت الطاقة، وشبكات الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، وهي أهداف تمثل عصب الاستقرار في دول الخليج. ومن هنا، فإن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في حجم الدمار المتوقع، بل في تأثيره على حياة المواطنين في دول الخليج، فضلا عن إيران بالطبع، وتأثيره الممتد على الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
إن استمرار الدفع نحو التصعيد، وهو السيناريو الراجح من وجهة نظرنا، خاصة من قبل الأطراف التي تراهن على استنزاف الجميع، يُبقي احتمال الانزلاق نحو سيناريو الفوضى الشاملة في مرتبة مرتفعة، وهو سيناريو لن يكون في مصلحة أي طرف إقليمي، بل يصب في مصلحة إسرائيل فقط، وبالتالي سيفتح الباب أمام تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي ككل.
ما حقيقة البنود الخمسة عشر التي طرحها ترامب للاتفاق مع إيران؟
ما يطرح اليوم كتقدم في مباحثات الولايات المتحدة مع إيران تحت مسمى النقاط الخمسة عشر، لا يعدو من وجهة نظرنا استمرار لحملة التضليل الأمريكية التي اعتاد العالم عليها في الآونة الأخيرة.
ما يبدو لنا هو طرح وثيقة تبدو ظاهريا انها تقترب بشكل أكبر مما تريده إيران، بالنسبة لما كان مطروحا في السابق (مثل تأجيل القرار بشأن موضوع الصواريخ الباليستية)، للإيهام بأن هناك تقدما في المباحثات، بما يتيح استدراج إيران إلى فخ المفاوضات مرة اخرى، ومن ثم المباغتة بهجوم جديد.
النظرة المتعمقة للوثيقة تكشف أنها في واقع الأمر تخريج جديد للمطالب الأمريكية الأصلية، وأن بها عددا من التناقضات، فحتى بند الصواريخ البالستية مثلا، الذي أشرنا إليه، يتناقض مع بند اخر هو تقرير أن الصواريخ البالستية تستخدم في الدفاع فقط (فاين تأجيل الأمر اذن؟!).
إيران لن ينطلي عليها هذا الكلام ولن تقبل به، وأمريكا تعلم ذلك، وبالتالي فإن هذا الطرح، من وجهة نظرنا، فضلا عن الحملة المتفائلة من تصريحات ترامب، هو موجه بالأساس للداخل الأمريكي، لإيصال رسالة أن أمريكا أبدت مرونة، بينما رفضت إيران، بما يبرر ما سيلي من خطوات جوهرية، كإنزال قوات برية، أو قصف منشآت الطاقة الإيرانية.
تحركات نقل القوات الأمريكية إلى المنطقة تجري على قدم وساق. ولن تتوقف الحملة حتى الوصول إلى حالة الفوضى التي تحقق أهداف الأطراف الخمسة الرئيسية التي أشرنا إليها من قبل[1]. المؤسف هو تواتر التقارير التي تتحدث عن حث قيادات بعض الدول العربية الولايات المتحدة لاستمرار الحملة إلى نهايتها حتى يتم تحييد إيران بالكامل، دون إدراك حجم الوبال الذي سيعود على هذه الدول وشعوبها جراء الاستمرار في مخططات الفوضى والتدمير.
(المعهد المصري للدراسات)
[1] https://eipss-eg.org/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%81%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d9%8a/






