إصداراتتقدير موقفحدث ورؤيا

استقالة في زمن الحرب: ما الذي تكشفه الأزمة داخل الإدارة الأمريكية؟

في الوقت الذي تطلع فيه الأمريكيون والإسرائيليون لأي بوادر تصدعات في نظام الحكم الإيراني، فإذا ببادرة انقسامات داخل الإدارة الأمريكية باستقالة جو كينت[1] مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، اعتراضا على الحرب الإيرانية، وقال في خطاب استقالته الذي نشره[2] على حسابه على منصة X (وقرأه أكثر من مائة مليون شخص) بعبارات محددة وجازمة:

  • لم تكن إيران تمثل أي تهديد وشيك أو مباشر لأمن بلادنا، وقد أصبح من الواضح لي أننا انخرطنا في هذه الحرب تحت ضغط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها.
  • خلال الأسابيع الماضية شاهدتُ كيف تم توجيه الرأي العام، وصنّاع القرار كذلك، عبر حملة من التضليل والمبالغة في تصوير التهديد، وهي نفس التكتيكات تقريبًا التي استُخدمت لدفع الولايات المتحدة إلى حرب العراق قبل أكثر من عقدين، وهي حرب ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم بشريًا واستراتيجيًا.
  • كرّست حياتي المهنية للدفاع عن أمن الولايات المتحدة ومحاربة الإرهاب، في ساحات القتال وفي غرف اتخاذ القرار على حد سواء، وقد فقدت في هذا الطريق رفاق سلاح أعزاء، ولا يمكنني أن أقبل أن تُزَجّ بلادنا في حرب أخرى لا تخدم مصلحة الشعب الأمريكي، بل تعرّض أرواح الأمريكيين ومكانة أمريكا في العالم للخطر دون مسوغ حقيقي.
  • كنت آمل أن أستطيع من موقعي داخل الإدارة أن أُسهم في تصحيح المسار، لكن مع الأسف أصبح جليًا لي أن قرارات الحرب تُتخذ بدافع اعتبارات سياسية وأيديولوجية وضغوط خارجية، أكثر مما تُتخذ بناءً على تقدير مهني هادئ للحقائق الاستخباراتية وللمصالح الاستراتيجية طويلة المدى للولايات المتحدة.

جو كينت ليس من أركان إدارة ترامب، لكنه مسئول أمني من العيار الثقيل، وذو علاقة مباشرة بتقييم التهديدات الإيرانية.

بعد استقالته بيومين، أجرى حوارا مطولا لأكثر من ساعتين مع الإعلامي الشهير تاكر كارلسون[3]، وأكد فيه كواليس قرار استقالته لكنه أضاف مسألتين على جانب كبير من الحساسية، وربما تفسران الأسباب الحقيقية لقرار ترامب شن الحرب على إيران.

  • شرح جو كينت أنه استقال لأنه رأى أن مسوغات الحرب على إيران «مُختلَقة أو مبالَغ فيها»، وأنه لا يستطيع أن يكون جزءًا من قرار يقود لحرب كبرى على أساس معلومات لا يثق بها.
  • أوضّح أن إيران، في تقديره الاستخباراتي، كانت تمارس سياسة ردع محسوبة، وليست في حالة اندفاع انتحاري، وأن ردودها على ضربات سابقة (مثل اغتيال قاسم سليماني الذي كان بقرار من ترامب في ولايته الأولى) كانت دائمًا محسوبة حتى لا تتسبب في حرب شاملة.
  • ركّز جو كينت على أن منظومة إعلامية وفكرية مؤيدة لإسرائيل داخل أميركا تضخّم الخطر الإيراني النووي، وتدفع باتجاه الحرب، بينما التقارير الاستخباراتية التي يطّلع عليها لا تثبت أن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي أو شن هجوم مباشر على أميركا.
  • أشار عدة مرات إلى الفتوى الدينية الإيرانية التي أصدرها المرشد الراحل علي خامنئي ضد السلاح النووي، كعامل لا يمكن تجاهله في تقدير نوايا إيران، وأنه لم يرَ في الملفات السرية ما ينقض هذه السياسة بشكل واضح.
  • يرى أن مسار اتخاذ القرار في إدارة ترامب انحرف: فبدلًا من نقاش مؤسسي واسع بين البنتاجون والاستخبارات والبيت الأبيض، أصبح القرار محصورًا في دائرة ضيقة، تعتمد على «رواة» محددين ومصادر إعلامية، أكثر من اعتمادها على العمل الاستخباراتي المهني. بل أكثر من هذا، وصفه كيف أن قنوات رفع التقارير للرئيس جرى «تضييقها»، بحيث تُرفَع لترامب تقديرات متحيزة باتجاه الحرب، بينما يتم تهميش أو حجب التقديرات التي تحذر من مخاطرها أو تشكك في جدواها.
  • فرّق بين مصلحة إسرائيل ومصلحة أميركا: إسرائيل تريد إسقاط النظام الإيراني، حتى لو أدى ذلك لفوضى طويلة في إيران والمنطقة، أما أميركا فمصلحتها في استقرار المنطقة، وأمن الطاقة، وعدم استنزاف قوتها في حروب لا تنتهي.
  • حذّر بشدة من أن السماح لإسرائيل بأن «تقود» القرار الأميركي في قضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط يعني أن واشنطن تضع قواتها واقتصادها في خدمة أهداف دولة أخرى، وهذا يضر بالمنافسة مع الصين وروسيا على المدى البعيد.
  • حذّر من ارتداد الحرب إلى الداخل الأميركي عبر «الذئاب المنفردة» والمتأثرين بمشاهد غزة ثم إيران، ومع تراكم أعداد من دخلوا أميركا في عهد بايدن دون تدقيق كافٍ، يرى أن خطر العمليات داخل الأراضي الأميركية يرتفع مع كل تصعيد خارجي.
  • قدّم كينت تصورًا للخروج من الحرب، بوقف فوري لدور إسرائيل الهجومي، ورسالة حازمة من ترامب بأن واشنطن لن تغطي أي تصعيد جديد، ثم استعمال قنوات الخليج لفتح حوار غير مباشر مع إيران لوقف النار، وضمان تدفق النفط، وربط أي تسهيلات اقتصادية بالحفاظ على التسويات الدولارية لبيع النفط الإيراني.
  • شدّد على أن الهدف ليس «إنقاذ إيران» بل منع حرب كارثية تعيد أميركا إلى حروب الشرق الأوسط المفتوحة لعقود، وتمنح الصين فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها دون تكلفة عسكرية.
  • في خلفية كل ذلك، كرر الرجل فكرته عن «ثقافة الكذب» في الدولة العميقة: من اغتيال كينيدي وصولًا إلى الحروب الأخيرة، وقال إن استمرار الكذب على الشعب يهدد شرعية النظام نفسه، وأن المصارحة الراديكالية بالحقيقة هي الطريق الوحيد لاستعادة الثقة ومنع انهيار أكبر.

تحدث عن اغتيال تشارلي كيرك (أحد أقرب مستشاري ترامب)، ومحاولة اغتيال ترامب إبان حملته الانتخابية، وذكر أن مركزه مُنع من متابعة خيوط التحقيق التي قد تشير لتورط جهات خارجية، ورأى أن هذا المنع ليس مجرد خطأ إداري، بل جزء من نمط متكرر لإخفاء حقائق حساسة.

ولمّح جو كينت إلى احتمال أن ترامب نفسه يتعرض لضغوط أو تهديدات مباشرة أو غير مباشرة (على حياته أو حياة عائلته)، قد تدفعه لاتخاذ قرارات لا تعكس قناعاته الأصلية، وهو ما يزيد خطورة الوضع.

كلام جو كينت في هاتين المسألتين لا يقوله في سياق نظرية المؤامرة، ولكن الضغوط أو التهديدات على ترامب عنده مبنية على «قراءة سياق» أكثر من كونها اتهامًا مباشرًا، وهو يربطها تحديدًا بمشهد عشاء ترامب في مطعم بواشنطن وغيره من الحوادث.

أشار إلى واقعة خروج ترامب لتناول العشاء في أحد مطاعم العاصمة، حيث تمكنت مجموعة «Code Pink» من معرفة المكان والوقت وحجزت طاولة قريبة وافتعلت مشهد إحراج وضغط حوله. يصف كينت هذا بأنه رسالة رمزية تقول للرئيس: «نستطيع الوصول إليك متى شئنا»، حتى لو لم يكن هناك عنف، ما يعني وجود ثغرات خطيرة في منظومة حمايته وتسريب معلومات عن تحركاته.

جو كينت لا يكتفي بحادثة المطعم، بل يضعها وسط سلسلة «نقاط بيانات»:

  • محاولة اغتيال ترامب في باتلر  Butler، أثناء حملته الانتخابية في 2024، مع وجود ثغرات مروعة في التأمين، ثم غياب الشفافية في التحقيق، وعرقلة أجهزة الأمن لأي تحقيق أعمق أو نشر للمعلومات (مثل تسجيلات ميدان الرماية التي تدرب فيها القناص).
  • محاولات أو اختراقات أمنية أخرى، مثل رجل شرطة مسلح غير تابع للحرس الرئاسي يقترب من ترامب ويصافحه.
  • اغتيال تشارلي كيرك، أحد أقرب مستشاري ترامب وأكثرهم معارضةً للحرب مع إيران، ثم إيقاف مركز جو كينت (NCTC) عن متابعة خيوط التحقيق التي تشير لاحتمال وجود رابط أو «foreign nexus» رغم أنه من صلب اختصاصه متابعة هذا النوع من الخيوط.

من خلال هذه الأمثلة، طرح جو كينت فكرة «الضغط غير المباشر» على ترامب على النحو التالي:

إذا كان الرئيس يرى بعينيه أن منظومة حمايته مخترَقة، وأن التحقيقات في محاولات اغتياله واغتيال أقرب مستشاريه تُخنق إداريًا، فمن الطبيعي أن يشعر بأن حياته وحياة عائلته «ليست مؤمَّنة بالكامل» من قِبَل الدولة التي يفترض أنها تحميه.

تأتي استقالة جو كينت في وقت تتصاعد فيه الانتقادات لقرار الحرب، ولما يبدو فقدان استراتيجية واضحة لإنهائها. هذه الاستقالة سيكون لها أثر أكبر، إذا تسببت في استقالات أخرى، وإذا حدث هذا فسيكون ترامب في ورطة حقيقية.

هذا وتفيد تصريحات جو كينت المختلفة، أن ما جرى لترامب في الشهور الأخيرة يخلق مناخًا موضوعيًّا للضغط والترهيب، حتى لو لم نعرف «الفاعل» يقينًا. إن إشارته المتكررة إلى سلسلة حوادث: محاولة الاغتيال في باتلر، والتكرار المقلق لاختراقات الحراسة، واغتيال تشارلي كيرك ثم إيقاف التحقيق الفيدرالي في أي «صلة أجنبية»، وأخيرًا واقعة العشاء في مطعم بواشنطن، حيث تمكن في تلك الواقعة ناشطو «كود بينك» من معرفة مكان الرئيس ووقت وجوده وحجز طاولة قريبة وافتعال مشهد إحراج حوله، وهو ما يمكن وصفه بأنه استعراض ناعم للقوة: رسالة ضمنية تقول للرئيس «نستطيع الوصول إليك متى شئنا». هذه الحوادث المتراكمة، في تقديره المهني، كافية لأن تجعل أي رئيس يشعر أن الدولة لا تحميه كما ينبغي، وأن أسرته قد تكون في خطر، وأن قراراته قد لا تكون صادرة في مناخ حر تمامًا، بل تحت سقف من الخداع والضغط غير المباشر.

إذا أضفنا لهذا أن ترامب قضى عشر سنوات ينتقد الحروب في الشرق الأوسط، ويرى أن الحرب مع إيران «فخ استراتيجي» لصالح الصين، ثم فجأة يتخذ قرارًا يناقض كل هذا التاريخ. هناك ثلاثة احتمالات لشرح هذا التناقض:

  1. أن يكون القرار ناتجًا عن تغير في التقدير الاستراتيجي استجابة لمعطيات جديدة أو تقديرات استخباراتية مختلفة غير مُعلنة.
  2. أن يكون ترامب «خُدع» عبر غرف صدى إعلامية ـ سياسية موالية لإسرائيل ضخمت خطر إيران والنووي وأقنعته بأن التهديد «وشيك».
  3. أو أن يكون هذا الخداع قد تزامن مع «ضغط غير مباشر» عليه عبر مناخ من محاولات اغتيال، وثغرات أمنية واضحة، واغتيال حليف رئيسي بصورة مخيفة مروعة تم تصويرها من عدة زوايا، مع منع التحقيق الجدي، بما يولِّد شعورًا عميقًا لدى الرئيس بأنه وعائلته تحت الخطر إن خالف هذا المسار.

لو قُدّر أن يُقيِّم هذا الوضع في دولة أخرى، لكان من المشروع تمامًا طرح احتمال أن يكون القرار السياسي للرئيس في تلك الدولة متأثرًا بنوع من الإكراه أو التخويف، حتى لو لم يكن هناك دليل مباشر على أمرٍ محدد.

إن فهم ما إذا كان قرار الحرب جاء عن قناعة حرة لترامب أم تحت تأثير «خداع وضغط» هو «أهم سؤال في السياسة الأميركية الآن»، لأن نفس النمط تكرر تقريبا في العراق وسوريا. إن الانقسام الحاد داخل كتلة «أمريكا أولًا» يستلزم مواجهة هذه الحقيقة: إن كان رئيس منتخب يمكن دفعه إلى حرب كبرى ضد قناعاته المعلنة عبر منظومة أكاذيب وضغوط أمنية، فهذا يعني أن القرار الحقيقي لا يزال في يد «جهات أخرى» وشبكة لوبيات، لا في يد الناخبين من الشعب الأمريكي.

د. محمد هشام راغب


[1] جو كينت هو ضابط سابق في القوات الخاصة الأميركية (غرين بيريه) وسياسي جمهوري مقرّب من تيار ترامب، تولّى منصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة بين عامي 2025 و2026 قبل أن يقدّم استقالة مدوّية احتجاجًا على الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران، مؤكدًا أن إيران لم تكن تمثّل تهديدًا وشيكًا وأن الحرب فُرضت تحت ضغط من إسرائيل ولوبياتها في واشنطن. وقد رحّب الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت، معتبرًا أن خروجه من الإدارة “أمرًا جيدًا” لأنه – بحسب تعبيره – كان “ضعيفًا في ملف الأمن” وغير منسجم مع تشديد البيت الأبيض على اعتبار إيران تهديدًا مباشرًا لأمن الولايات المتحدة، في موقف عكس عمق الخلاف بين الرجلين حول مسوغات الحرب على طهران وحدود النفوذ الإسرائيلي في صياغة قرارات واشنطن.

[2] https://x.com/joekent16jan19/status/2033897242986209689

[3] https://www.youtube.com/watch?v=1cbw1utqzHg&t=2922s

زر الذهاب إلى الأعلى