إصداراتتقدير موقفحدث ورؤيا

تراجع أمريكي، أم خداع جديد لضربة عسكرية كبيرة؟

فاجأ الرئيس ترامب – كعادته – العالم بتراجعه عن تهديده بضرب البنية التحتية للطاقة الإيرانية بعد 48 ساعة، وزعم أن مفاوضات جادة ومعمقة تجري منذ فترة مع الإيرانيين للاتفاق على كل القضايا العالقة، وأنه يمهل هذه المفاوضات خمسة أيام إضافية. بعد تصريحات ترامب مباشرة ارتفعت أسواق الأسهم الأمريكية وانخفض سعر النفط بأكثر من 10٪، لكن لم يلبث الإيرانيون أن أعلنوا أنه لا توجد مفاوضات جارية مع الأمريكيين، وأن الأمر لا يتعدى رسائل وصلتهم عن طريق بعض الوسطاء ووعدوا بالرد عليها.

في اليوم التالي، عاودت أسواق المال توترها، وارتفع سعر النفط من جديد، وأصبح السؤال المخيم على المنطقة ومناطق أخرى في العالم:

هل هذا تراجع أمريكي حقيقي، أم مجرد خداع آخر تمهيدا لضربة عسكرية ضخمة؟

يبدو أن الإدارة الأمريكية حين قررت شن الحرب على إيران، راهنت على تحقيق حسم عسكري سريع يؤدي إما لاستسلام إيراني، أو انهيار النظام الحاكم، واستبداله بنظام جديد موالٍ، أو على الأقل ليس معاديا لأمريكا. أما وقد مر خمسة وعشرون يوما على بدء الحرب، ولا تبدو في الأفق تصدعات في النظام الإيراني، بل مرونة في التصدي وإلحاق أضرار اقتصادية وسياسية كبيرة، ومزيد من الانقسام العلني بين ترامب وأقرب حلفائه الأوروبيين والآسيويين، فإن استمرار الحرب – على وتيرتها الحالية – لا يصب في المصلحة الأمريكية، اللهم إلا إذا جازف ترامب بتصعيد عسكري هائل يغامر به للخروج من المأزق الحالي. ترامب يبدو محاصرا سياسيا واقتصاديا في عام انتخابات نصفية.

بعد 25 يوما، لم تحقق أمريكا أهدافها الثلاثة المعلنة:

تغيير النظام: لم يحدث، بل هناك دلائل على التفاف شعبي أكبر للدفاع عن البلاد.

القضاء على قدرات التخصيب: لا جديد، بل ربما تدفع الحرب الحالية إيران – ودول أخرى في المنطقة – لسعي جدي للاحتماء بقوة ردع نووية.

القضاء على برنامج الصواريخ الباليستية: لا زالت تنهمر يوميا، بل أحيانا على مدار الساعة على إسرائيل وبعض دول الخليج، ولنتذكر أن ترامب كان قد أعلن في 4 مارس عن القضاء على 97٪ من صواريخ إيران الباليستية!

إذا صح هذا التقدير، فإن أي تراجع أمريكي سيكون مريرا أو قاسيا، وسيكون مطالبا بالاستجابة لمطالب إيرانية صعبة.

أما إن كان هناك ما يَخفى في الحالة العسكرية لطرفي الحرب، فلا معنى للتراجع خاصة وأن إيران أعلنت فور صدور التهديد بمهلة الـ 48 ساعة، أنها لن ترضخ لهذا التهديد، وسترد على أي استهداف لبنيتها التحتية للطاقة بتدمير البنى التحتية المقابلة في إسرائيل ودول الخليج، ما يهدد بكارثة حقيقية.

ترى إيران، على الأرجح، نهاية هذه الحرب ليس في تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل في منع خصومها من بلوغ أهدافهم القصوى، وعلى رأسها إسقاط النظام أو فرض استسلام سياسي أو تجريدها سريعًا من قدراتها الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، تبدو استراتيجيتها الراهنة قائمة على إطالة محسوبة للصراع، تتيح لها استنزاف خصومها سياسيًا واقتصاديًا، وإثبات قدرتها على الصمود، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تستدعي ضربة ساحقة أو تؤدي إلى انهيار داخلي. ويعزز هذا التقدير استمرار الضربات الصاروخية، وتوسيع نطاق التأثير إلى ساحات متعددة، بالتوازي مع الإبقاء على قنوات اتصال غير مباشرة عبر الوسطاء، بما يعكس رغبة في الجمع بين الضغط العسكري وإبقاء باب التهدئة مفتوحًا بشروط تحفظ مكانتها السياسية.

وتستند هذه المقاربة إلى مجموعة من أوراق القوة التي لا تكمن في التفوق العسكري التقليدي، بل في قدرتها على رفع كلفة الصراع على خصومها. وتشمل هذه الأوراق القدرة على التأثير في أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، والاستمرار في توجيه ضربات صاروخية رغم الخسائر، إضافة إلى درجة من التماسك الداخلي النسبي الذي لم يُظهر حتى الآن تصدعات حاسمة. كما تمتلك طهران ورقة تفاوضية حساسة تتمثل في إمكان رفع سقف برنامجها النووي أو تعقيد مسارات احتوائه، كلما طال أمد الحرب دون حسم. وبناءً على ذلك، لا تبدو إيران معنية بإنهاء سريع للصراع بشروط مفروضة، ولا بإطالته إلى حد الانفلات، بل تسعى إلى تهدئة تفاوضية تأتي بعد تثبيت معادلة ردع متبادل، تضمن لها تجنب الهزيمة السياسية والحفاظ على عناصر قوتها الأساسية.

في تفسير المهلة الجديدة، لا يقتصر الاحتمال على كونها تراجعًا سياسيًا أو خداعًا تمهيديًا، بل يبرز احتمال ثالث يتمثل في كونها تأجيلًا عملياتيًا مرتبطًا بالجاهزية العسكرية. ففي الحروب الحديثة، كثيرًا ما تُمنح القيادة السياسية مهلات زمنية بطلب من المؤسسة العسكرية لاستكمال ترتيبات ضرورية لنجاح أي ضربة ذات أثر حاسم، سواء من حيث إعادة تموضع القوات، أو استكمال بنك الأهداف، أو تحسين التنسيق مع الحلفاء، أو تقليل المخاطر المرتبطة بردود الفعل المقابلة. وفي هذا الإطار، قد تكون المهلة أداة لشراء الوقت العملياتي، مع الحفاظ على غطاء سياسي يتمثل في خطاب التفاوض.

ويعزز هذا الاحتمال أن الخطاب التفاوضي المعلن في تصريحات ترامب مرتبك وارتجالي، ولا يبدو متماسكًا أو متكاملًا بما يكفي ليعكس مسارًا تفاوضيًا جادًا؛ إذ إن الطرح المرتبك لبعض تفاصيل “العرض” يوحي بوظيفة تكتيكية للخطاب أكثر من كونه إطارًا تفاوضيًا مكتملًا. وعليه، فإن المهلة قد تكون جزءًا من مقاربة مزدوجة: إظهار الاستعداد للتفاوض على المستوى العلني، بالتوازي مع استكمال شروط خيار عسكري أكثر فاعلية على المستوى العملي.

ومع ذلك، يبقى هذا التفسير مرهونًا بمؤشرات ميدانية ملموسة؛ إذ إن التحليل لا يُحسم بالتصريحات بل بحركة القوات وطبيعة الأهداف والتحضيرات الفعلية. فإذا ترافقت المهلة مع تصعيد في الجاهزية العسكرية أو إعادة انتشار نوعي، فإن فرضية “التأجيل العملياتي” تكتسب وزنًا أكبر.

أما إذا غابت هذه المؤشرات، وبقيت الإشارات مقتصرة على الخطاب السياسي، فإن الاحتمال الأقرب في ضوء تباين الحسابات الأمريكية والإيرانية، أن المهلة الجديدة ليست مؤشرًا قاطعًا على تراجع أمريكي حقيقي، ولا دليلًا حاسمًا على خداع تمهيدًا لضربة كبرى، بقدر ما تعكس نمطًا معروفًا في إدارة الأزمات، يقوم على المزاوجة بين الضغط العسكري وإشارات التهدئة. فمن ناحية، تمنح هذه المهلة واشنطن فرصة لالتقاط الأنفاس سياسيًا واقتصاديًا بعد أسابيع من التصعيد دون حسم واضح، كما تتيح اختبار مدى استعداد طهران لتقديم تنازلات عبر قنوات غير مباشرة، أو على الأقل ضبط إيقاع المواجهة. ومن ناحية أخرى، لا تلغي المهلة استمرار التحضيرات العسكرية أو جاهزية التصعيد، ما يجعلها أداة مرنة تسمح بالانتقال إلى خيارات أكثر حدة إذا لم تُحقَق النتائج المرجوة.

المهلة قد تكون أداة سياسية لإدارة المأزق وليس لحسمه، أو خداعًا تكتيكيًا، أو – وهو احتمال معتبر – وقتًا عملياتيًا لتهيئة ضربة أكثر فاعلية، ويُرجّح أحد هذه المسارات بقدر ما تؤكده المؤشرات العسكرية على الأرض باعتبارها أكثر دلالة من التصريحات، التي تؤدي غالبًا وظيفة تكتيكية تتجاوز معناها الظاهر.

قد يصح الاحتمال الثالث: لا تراجع أمريكي صافٍ، ولا خداع إعلامي محض، بل مهلة عملياتية طلبتها المؤسسة العسكرية لإتمام عناصر ضربة أكبر وأكثر فاعلية. ما يدعم هذا الاحتمال هو اجتماع ثلاثة أمور في وقت واحد:

أولًا، الخطاب التفاوضي الأمريكي بدا مرتبكًا وغير متماسك، بما لا يوحي بمسار تفاوضي ناضج.

ثانيًا، إيران نفت وجود مفاوضات مباشرة أصلًا، وحصرت الأمر في رسائل عبر وسطاء.

ثالثًا، ظهرت مؤشرات ميدانية على تعزيز الجاهزية العسكرية الأمريكية، بينها خطط لإرسال 3,000 إلى 4,000 جندي إضافي من الفرقة 82 المحمولة جوًا، مع استمرار الحشد البحري ومشاة البحرية في المنطقة. هذا كله يجعل فرضية “الوقت العملياتي” أكثر جدية من فرضية “الانعطافة الدبلوماسية” وحدها.

إذا كانت المهلة فعلًا تمهيدًا لضربة كبيرة، فالسيناريو الأقرب أن تكون الضربة مركزة على أهداف تغيّر ميزان الحرب سريعًا: بنية القيادة والسيطرة، عقد الدفاع الجوي، منصات الصواريخ، وربما منشآت تصدير النفط أو عقد النقل البحري، أو حتى مواقع ذات صلة بخط الإمداد في هرمز وخارج جزيرة “خَرج”، وهي أهداف طُرحت بالفعل في التقارير كخيارات قيد النظر. في هذه الحالة ستكون واشنطن تريد ضربة لا مجرد رسالة، بل قفزة عملياتية تعيد فرض معادلة ردع جديدة بعد أن فشل الحسم السريع خلال الأسابيع الأولى.

تداعيات هذه الضربة المحتملة إذا فشلت ستكون كارثية على الولايات المتحدة، وسيكون من الصعب احتواءها لاحقا إلا بأثمان باهظة. أما إذا كانت الضربة ساحقة لدفع إيران إلى الاستسلام – وهو أمر مستبعد – فإن آثاره المحتملة على الخليج ستكون كارثية إذا ردت إيران، ما يعني آثارا بعيدة المدى على الاقتصاد العالمي.

على إيران، مثل هذه الضربة قد لا تؤدي إلى انهيار النظام، لكنها قد تدفعه إلى خيارين متوازيين: أولًا، توسيع الرد إلى مستوى أعلى ضد الأهداف الأمريكية والإسرائيلية والخليجية لإثبات أن الضربة لم تكسره. ثانيًا، تشديد القبضة الداخلية ورفع خطاب “الدفاع الوطني” بما يزيد الالتفاف الداخلي ولو مؤقتًا. وإذا استهدفت الضربة البنية النفطية أو شريان التصدير، فسيصبح لدى طهران حافز أكبر لاستخدام ورقة هرمز أو استهداف مقابِل للبنى التحتية النفطية لدى الخصوم، خاصة أنها كانت قد لوّحت أصلًا بـ“رد غير محدود” إذا ضُرب قطاعها الطاقي.

على الخليج، ستكون الكلفة المباشرة هي الأعلى حساسية: أسعار النفط، التأمين البحري، أمن المنشآت، والمياه والكهرباء والمطارات. وكانت وكالة رويترز قد نقلت بوضوح أن دول الخليج حذّرت واشنطن من أن ضرب البنية الطاقية الإيرانية قد يستجلب ردًا واسعًا عليها، وأنها لا تريد أن تُستهدف من دون أن تكون قد اختارت الدخول في الحرب أصلًا. لذلك، إذا كانت المهلة للتحضير لضربة، فمعناها أيضًا أن الخليج دخل مرحلة الاستعداد لامتصاص رد إيراني محتمل أكثر من مرحلة انتظار تسوية سياسية وشيكة.

على العراق، أخطر ما في هذا السيناريو أنه قد يعيده بسرعة إلى وضع “ساحة التداخل” لا “الدولة الضابطة”. أي ضربة أمريكية كبيرة ستزيد الضغط على الفصائل، وعلى القواعد الأمريكية، وعلى الحكومة العراقية نفسها، وقد تُضعف قدرتها على التوازن بين واشنطن وطهران. العراق هنا ليس الخاسر النفطي فحسب، بل الخاسر السيادي أيضًا، لأن أراضيه قد تتحول من جديد إلى ممر رسائل نارية متبادلة إذا توسع الاشتباك. هذا استنتاج تحليلي، لكنه مدعوم باتجاه عام واضح في الحرب: كلما ارتفع مستوى العمليات، ضاقت قدرة الدول الوسيطة أو الهشة مؤسسيًا على البقاء خارج الموجة.

بالنسبة لإسرائيل، ضربة أمريكية كبيرة ستكون مكسبًا سياسيًا وعسكريًا قصير المدى لأنها تخفف العبء وتعيد تثبيت الالتزام (أو التورط) الأمريكي. لكنها في المقابل قد ترفع حجم القصف الراجع عليها إذا قررت إيران أن أفضل رد على الضربة الأمريكية هو تكثيف الإغراق الصاروخي أو توسيع ساحات الإسناد الإقليمي.

فرضية “المهلة العملياتية” قوية. وإذا صحت، فنحن لا نكون أمام تراجع أمريكي، بل أمام تأجيل للحسم العسكري ريثما تكتمل شروطه. لكن المفارقة أن ضربة أكبر، حتى لو بدت أكثر “فعالية” عسكريًا، قد تدفع الحرب كلها إلى مرحلة أعلى كلفة وأصعب احتواءً، وهو بالضبط ما تخشاه أسواق الطاقة، ودول الخليج.

زر الذهاب إلى الأعلى