إصداراتحدث ورؤيا

جامعة الملك سعود: قرار سياسي استراتيجي أم انزلاق إداري تسويقي؟

أصدرت جامعة الملك سعود بالرياض في 12 إبريل 2026 عددًا من القرارات تمثل تصورًا جديدًا لدور التعليم في المجتمع السعودي، وشملت حزمة القرارات:
إلغاء السنة التحضيرية في كل تخصصات الجامعة.
إلغاء كل برامج كلية علوم الأغذية والزراعة.
إلغاء كل برامج كلية اللغات وعلومها.
إلغاء برامج اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
إيقاف القبول في جميع برامج البكالوريوس في كلية التربية.
إيقاف القبول في برنامج الشريعة في كلية التربية.
بالإضافة لقرارين بحصر القبول في كليتي الطب والهندسة للمتميزين أكاديميًّا من ذوي نسب موزونة لا تقل عن 95٪ للطب و90٪ للهندسة.
لم يصدر عن الجامعة توضيح مفصل لدواعي هذه القرارات الضخمة، إلا أنها لتناسب متطلبات “سوق العمل” وأنها جاءت بناء على توصيات استشارية من شركة مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) الأمريكية. لم تعقد الجامعة أي مشاورات موسعة أو نقاش جامعي للوصول إلى هذه القرارات الفارقة.

لا يمكن أن يُختزل دور الجامعة من حاضنة حضارية إلى أداة لتوصيل طلبات سوق العمل، أو إلى “خط إنتاج”

علاقة الجامعة بسوق العمل:
إن مراعاة سوق العمل مطلب له وجاهته، ولكنه لا يمكن أن يختزل دور الجامعة من حاضنة حضارية إلى أداة لتوصيل طلبات سوق العمل، أو إلى “خط إنتاج”. إن العلوم الإنسانية هي التي تشكل وعي الإنسان وتعزز هويته، وهي التي توفر للبلاد الموارد البشرية اللازمة لاستقرار المجتمع وعلاقاته البينية، وعلاقاته بالغير، كما أنها توفر المعارف التي لا غنى عنها لصاحب القرار، في كل مجالات السياسة والاقتصاد والبنية الاجتماعية. إن اختزال قيمة العلم وحصره فيما يؤدي فقط لوظيفة وراتب، هو اختزال معيب يهمش احتياجات المجتمع لما يصون هويته، ويدير علاقاته ويعزز ذاكرته.
إن أي بلد يتبنى نموذجًا اقتصاديًّا حرًّا، ستحكم فيه آليات السوق الطبيعية أعداد الطلاب في التخصصات الجامعية المختلفة، بشكل طبيعي ودون تدخل قسري من الدولة. هذا التدخل في الواقع سيُنتج حالة من التخمة في بعض التخصصات التقنية، وشُحًّا في التخصصات الإنسانية، مما يفقد المجتمع توازنه، ويُنتج – مرة أخرى – خريجين لا حاجة لسوق العمل بهم.

في كل الدول القوية في العالم المعاصر، كبار مسؤوليها يكونون من خريجي التخصصات الإنسانية، بمن فيهم وزراء الدفاع والأمن والصناعة والتجارة والزراعة وغيرها

إن أفضل 5 جامعات أمريكية – على مؤشر شنغهاي (جامعة هارفارد وجامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية وجامعة كاليفورنيا-بيركلي ومعهد كاليفورنيا للتقنية) كلها بها أقسام كثيرة في العلوم الإنسانية، رغم أن مؤسستين منها تقنيتان، وهو ما يجعل المشهد معاكسًا تمامًا لتوجه جامعة الملك سعود!
قد يجادل البعض بأن نمط الاقتصاد الغربي يختلف عن الاقتصاد الريعي لدول الخليج، حيث كثير من خريجي التخصصات الإنسانية في أمريكا يعملون في مراكز الأبحاث، أو ضمن شركات التقنية كخبراء اجتماعيين أو خلال وظائف كثيرة في البحث الاجتماعي وضمن طواقم العمل الحكومي والفيدرالي.
وهذا صحيح إلى حدٍّ ما، لكنه يستدعي الاستفادة من خريجي التخصصات الإنسانية في بلادنا على نحو مشابه، بحيث تقود الجامعات قاطرة تطوير الأداء الحكومي والمؤسسات العامة، لا أن تكون رهينة لسوق العمل القائم.
إن تحقيق مستهدفات سوق العمل لا يتعارض مع الحفاظ على العلوم الإنسانية، بل يتطلب تطويرها لتكون أكثر ارتباطًا بالواقع. فالتجارب العالمية تشير إلى أن الاقتصادات الأكثر تقدمًا هي التي نجحت في الجمع بين التميز التقني والعمق المعرفي، وليس إقصاء أحدهما لصالح الآخر.

الجامعة عقل ورافعة للمجتمع:
إن إلغاء العديد من أقسام العلوم الإنسانية ليس مجرد تقليص لتخصصات أكاديمية، بل مساس مباشر بالأدوات والأسس الفكرية والبوصلة التي تُعرِّف الأمة بنفسها؛ فالجامعات في الدولة الحديثة هي طليعة عقل المجتمع، لا مجرد ذراع اقتصادي للتوظيف.
تشير قرارات جامعة الملك سعود إلى تحول استراتيجي نحو تركيز الموارد الأكاديمية على التخصصات الطبية والتقنية، وإلغاءٍ واسع أو تجميد للتخصصات الإنسانية، ما يثير مخاوف تتعلق بالتوازن المعرفي، والأمن الثقافي، بل وجودة صناعة القرار مستقبلًا، لأن التخصصات الإنسانية تُنتج محللين وباحثين وصناع سياسات، وفي كل الدول القوية في العالم المعاص، كبار مسؤوليها يكونون من خريجي هذه التخصصات، بمن فيهم وزراء الدفاع والأمن والصناعة والتجارة والزراعة وغيرها.
إن اختزال التعليم في سوق العمل سيؤدي إلى ضعف القدرة التحليلية للمجتمع مع غياب أدوات فهم السياسة والمجتمع والتحولات الثقافية. ويؤدي بالضرورة إلى تهديد الهوية الثقافية للبلاد، بإضعاف اللغة والتاريخ والسردية الوطنية. هذه القرارات في الحقيقة تناقض متطلبات الدولة الحديثة، التي تحتاج إلى تقنيين ومحللي سياسات وخبراء اجتماع.

المطلوب تحويل النقاش من “جدل تخصصات” إلى “نقاش حول شكل الدولة والمجتمع الذي نريده”

خلل الاستعانة ببيوت الاستشارة الغربية في هيكلة الجامعات العربية!
إن فكرة إحالة قرارات مصيرية تمس الهوية المعرفية للبلاد إلى جهة خارجية – أيًّا كانت تلك الجهة – فكرة خاطئة من الأساس، وتغامر بهوية البلاد وجذورها. إن التعامل مع استراتيجية التعليم بهذه الخفة، وعرضه على عطاءات خارجية تسيء للخبرات الوطنية المتراكمة، والتي لجامعة الملك سعود – عبر سبعين سنة من إنشائها – نصيب وافر يؤهلها لأن تكون هي جهة استشارات لغيرها، بما لها من خبرات بحثية كبيرة؛ فالأَولى هنا إشراك مراكز الفكر الوطنية، بدل الاعتماد على شركات استشارية ذات منظور سوقي ضيق.
هذا بالطبع ليس تقليلًا من قيمة الخبرات العالمية، ولكنَّ استدعاءها يكون فيما لا يتعلق بالهوية والشخصية الوطنية والأصول الفكرية والبناء المجتمعي.
العلوم الإنسانية ليست ترفًا، بل صمام أمان للمجتمعات في مواجهة التسيب، والانغلاق، وفقدان المعنى. وأي إصلاح تعليمي يتجاهل هذه الحقيقة، إنما يُعيد تعريف الجامعة كمنشأة إنتاج وظيفي… لا كحاضنة حضارية.

تقدير المخاطر:
إذا استمر الاتجاه الحالي دون تصحيح، فيُخشى أن يؤدي – على المدى البعيد – إلى ضعف “المناعة المجتمعية”، وهشاشة في التعامل مع الأزمات. لقد رأينا في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، كيف أن الكفاءات الإدارية والاستراتيجية والسياسية، والاصطفاف المجتمعي، لها آثار عميقة للتعامل مع هذه التحديات الكبرى. إن التعليم – بشكل عام – أحد أهم هذه الركائز، ثم الجامعات – بشكل خاص – هي طليعة الوعي العام، وفي مقدمة المؤسسات التي تمثل رافعة لنهضة البلاد.
ما يزيد من خطورة القرارات أن كثيرين من أساتذة الجامعات قد نبهوا على أن الأمر لن يتوقف عند جامعة الملك سعود، وأن هذه الإلغاءات تتعلق بالسنة الدراسية القادمة وهي بلا شك قابلة للتمديد لسنوات، وربما تستمر بعض الإيقافات أبدًا، ومن المتوقع جدًّا أن تتبعها عدد من الجامعات الأخرى بقرارات مشابهة.
لا شك أن الكفاءة الاقتصادية لا غنى عنها في إدارة أي دولة، لكن النجاح المنشود هنا مرهون بالحفاظ على التوازن بين “إنتاج المهارة” و”إنتاج المعنى”؛ بمعنى تحويل النقاش من “جدل تخصصات” إلى “نقاش حول شكل الدولة والمجتمع الذي نريده”. المسألة ليست: علومًا إنسانية أم علومًا تطبيقية؟ بل: هل نريد مجتمعًا كفؤًا فقط؟ أم مجتمعًا كفؤًا وواعيًا؟
الدول لا تُبنى بالمهندسين فقط، ولا بالمفكرين فقط، بل بالتوازن بين من يُتقن العمل ومن يفهم العالم.

إذا كان الذكاء الاصطناعي يُحاكي القدرات الحسابية للعقل البشري، فإن العلوم الإنسانية هي التي تُزوِّد هذا العقل بالحكم والقيم والسياق — وهو بالضبط ما لا يملكه الذكاء الاصطناعي

هل قرار الجامعة المصيري: سياسي استراتيجي أم إداري تسويقي؟
كلا الاحتمالين وارد.
لقد أثارت قرارات الجامعة ردود فعل صاخبة وقوية، ليست معتادة في بلادنا العربية أمام توجهات سياسية استراتيجية، ما قد يوحي بأن تقدير المعارضين للقرارات أنها “غلطة إدارية” يمكن تجاوزها بالتراجع عنها وطي صفحتها سريعًا.
بعض هذه الانتقادات ، وصل إلى وصف‎ أستاذ الجغرافيا د. بدر الفقير قرار جامعة الملك سعود وقف القبول في تخصصات اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع بـ”الإعدام المؤسسيِّ”.
وأكّد د. الفقير على أنه من السهل حذف البرامج، لكن من الصعب تصور مستقبل بناء هُوِيّة أجيال بلا لغة، وذاكرة بلا تاريخ، ومكان بلا جغرافيا، ومجتمع بلا اجتماع، وأمن غذائي بلا زراعة، وأن الأمم لا تبني جامعاتها على الربحية.
وعارض هذا القرارَ كثيرٌ من الأساتذة والمثقفين، منهم د. سعد البازعي، ود. عبدالله الغذامي، ود. محمد القنيبط الذي طالب الجامعة بالإيقاف الفوري لقرارها، وإبعاد مجموعة بوسطن الاستشارية، وأي شركة استشارات أجنبية كانت أم سعودية، عن هيكلة الجامعات الحكومية. وقد عقد د. القنبيط مقارنة مفيدة بين أكبر خمس جامعات أمريكية وجامعة الملك سعود، نرفقها في ملحق (1).

رد الجامعة المقتضب المتسم باللامبالاة، ربما يشير إلى أن قرارات الإلغاء سياسية لا علاقة للجامعة بها، وأننا ربما أمام رؤية دولة لا قرار إدارة


وقد كتب وزير الثقافة والإعلام السابق د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري، مقالًا مهمًّا في صحيفة مكة الإليكترونية ، قال فيه:
“أعلنت جامعة الملك سعود عن قرارات إعادة هيكلة طالت عددًا من التخصصات الإنسانية والاجتماعية، في خطوة وُصفت رسميًّا بأنها استجابة لمتطلبات السوق ورؤية 2030. لكن ما لم يُدَر بالشكل الكافي لم يكن القرار ذاته، بل الطريقة التي فُرض بها على مجتمع أكاديمي لم يُشرَك في صياغته! وفي تلك اللحظة بالذات، تحولت مسألة إدارية إلى أزمة ثقة، وكشفت عن خلل أعمق في الكيفية التي تُدار بها المعرفة داخل الجامعة.
القضية لم تكن يومًا في إلغاء تخصص أو دمج برنامج، بل في السؤال الذي يسبق كل ذلك: من يملك حق تقرير مصير التخصصات؟ وهل يكفي أن يكون القرار صحيحًا إداريًّا ليكون مشروعًا أكاديميًّا؟!


الجامعة ليست شركة تُدار بمنطق الكفاءة فقط، بل كيان معرفي تُبنى شرعيته من داخل قاعاته عبر الحوار والتوافق. وحين يُختزل هذا الكيان في نموذج إداري من أعلى إلى أسفل، فإن النتيجة لا تكون حسمًا، بل فجوة ثقة تتسع مع كل قرار غير مُفسَّر.
الأكاديمي ليس موظفًا ينتظر التعليمات، بل مُنتِج للمعرفة وصاحب رأي في مسارها. وعندما يُستبعد من دائرة التأثير، لا يتحول إلى منفذ مطيع، بل إلى ناقد صامت تتراكم لديه مشاعر التهميش حتى تنفجر في شكل رفض جماعي يُفقد القرار فاعليته، مهما كان منطقيًّا على الورق. هنا بالضبط يتحول الفرق بين “قرار صحيح” و”قرار مقبول” إلى مسألة حاسمة.

الجدل حول دور مجموعة (Boston Consulting Group) لم يكن مجرد اعتراض على جهة خارجية، بل تعبير عن قلق أعمق يتعلق بحدود الاستعانة بالخبرة العالمية في قضايا تمس الهوية المعرفية المحلية. شركات الاستشارات تنظر إلى المؤسسات من زاوية الكفاءة والعائد، وهي أقل قدرة على استيعاب الأبعاد الرمزية التي تشكل جوهر الجامعة. الخطر ليس في وجود المستشار، بل في هيمنة منطقه!
حين يُنظر إلى التخصصات الإنسانية كعبء مالي لا كرافعة للهوية، يفقد القرار توازنه ويتحول من إعادة تنظيم إلى تقليص للمعنى. فاقم الأزمةَ أن القرار لم يُدَر تواصليًّا بالشكل الذي يليق بحساسيته؛ تسربت المعلومات بشكل جزئي، فامتلأ الفراغ بالتأويلات. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت حيادًا، بل عاملًا مضاعفًا لفقدان الثقة.

في المقابل، يقدم معهد Massachusetts Institute of Technology نموذجًا مغايرًا في التعامل مع هذا التوتر بين متطلبات السوق وقيمة العلوم الإنسانية، نموذجًا يزداد أهمية تحديدًا في عصر الذكاء الاصطناعي. قبل أيام قليلة، في أبريل 2026، نشر عميد كلية العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية في MIT، الدكتور Agustín Rayo، تصريحًا لافتًا يقول فيه: إن “تعزيز العلوم الإنسانية في MIT ليس خروجًا عن مهمتنا الأساسية، بل هو الطريقة التي نضمن بها أن ريادتنا التقنية ستظل ذات معنى في العالم”.

لم تتعامل MIT مع العلوم الإنسانية كفائض يجب التخلص منه، بل أعادت تعريف دورها بوصفها شرطًا لازمًا لتقنية مسؤولة.
والأمر لا يتوقف عند الخطاب. منذ تأسيس MIT Schwarzman College of Computing عام 2019، بنت الجامعة جسرًا هيكليًّا بين الحوسبة والعلوم الإنسانية، من خلال مقاعد أكاديمية مشتركة بين الكليتين، وبرامج دراسية تدمج الأخلاقيات والفلسفة ضمن مسارات الذكاء الاصطناعي. بل أطلقت مبادرة MIT Human Insight Collaborative (MITHIC) لتعميق البحث في العلوم الإنسانية وربطه بالتحديات التكنولوجية الكبرى.

والمبدأ الذي تستند إليه واضح: إذا كان الذكاء الاصطناعي يُحاكي القدرات الحسابية للعقل البشري، فإن العلوم الإنسانية هي التي تُزوِّد هذا العقل بالحكم والقيم والسياق — وهو بالضبط ما لا يملكه الذكاء الاصطناعي.
ولذلك اشترطت MIT على كل طالب، بصرف النظر عن تخصصه التقني، إتمام ثمانية مقررات في العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الاجتماعية (HASS) للتخرج. ليس ترفًا أكاديميًّا، بل لأن، كما يقول رايو: “الذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف ما معنى أن تكون مهندسًا متميزًا. ما يبقى للإنسان ليس التنفيذ، بل الحكم على أيِّ المهام تستحق التنفيذ أصلًا.” الإنسانيات هي التي تُنتج هذا الحكم، وهذا ما يجعلها عنصرًا استراتيجيًّا لا استعراضيًّا في مؤسسة تريد أن تكون رائدة في عصر الآلة.

هذا الفارق بين MIT وما جرى في جامعة الملك سعود لا يعكس تفاوتًا في الموارد وحسب، بل اختلافًا في الفلسفة. حين يكون السؤال: “ماذا نحذف؟” فإن النتيجة تكون تقليصًا. أما حين يكون السؤال: “كيف نُعيد التشكيل؟” فإن النتيجة تكون تطويرًا يحافظ على الجوهر ويواكب التغيير.
الدرس الأصعب من هذه الأزمة ليس أن القرار كان خاطئًا، بل أنه، حتى لو كان صحيحًا، فقد ظل قاصرًا عن تحقيق غايته لأنه لم يكسب شرعيته المعرفية. كان بالإمكان تجنب كثير من الاحتقان لو أُشرك الأكاديميون في صياغة الحلول، واستُخدمت الاستشارة الخارجية أداةً داعمة لا بديلًا عن العقل المؤسسي، وطُرحت بدائل أكثر توازنًا كالدمج وإعادة الهيكلة بدل الإلغاء المباشر.

في عالم ترتفع فيه قيمة الحكم والمعنى والسياق الإنساني، لا تستطيع الجامعات أن تختزل نفسها في معايير الكفاءة. المعادلة لم تتغير: لا يكفي أن تقرر، بل يجب أن تُشرك. ولا يكفي أن تُصلح الهيكل، بل يجب أن تحافظ على الروح.”ا.هـ.
وقد أحسن د. الخضيري بتركيزه على مثال معهد MIT الأمريكي المرموق، لتصل رسالته.
اللافت أن جامعة الملك سعود أمام ظهور هذه الانتقادات عالية النبرة، نشرت على حسابها على منصة X ردا باردا وتوضيحا لا وضوح فيه، جاء فيه:
“جامعة الملك سعود توضح أنها تعمل على تطوير مسارات القبول والتخصصات بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل والتوجهات المستقبلية، مع الحفاظ على دورها الريادي في التعليم وخدمة المجتمع.
كما تؤكد استمرار الطلاب المقبولين حاليًّا في برامجهم دون أي تأثير على مسيرتهم الدراسية.
وتلتزم الجامعة بالاستثمار في الكوادر الأكاديمية وتوفير بيئة تعليمية جاذبة، مع تطوير آلية القبول المباشر للكليات مع الإبقاء على السنة الأولى المشتركة. وتركِّز أيضًا على التخصصات التطبيقية، واستحداث برامج جديدة، والتوسع في الدراسات العليا ودعم البحث والابتكار”.
هذا الرد المقتضب المتسم باللامبالاة، ربما يشير إلى أن قرارات الإلغاء سياسية لا علاقة للجامعة بها، وأننا ربما أمام رؤية دولة لا قرار إدارة، ومن هنا لم تلق الجامعة بالًا لمثل هذه الانتقادات المريرة!

ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه الشهر الماضي بتقليص وإلغاء التخصصات الجامعية التقليدية التي لا تتناسب مع احتياجات سوق العمل الفعلي، مشددًا على ضرورة مصارحة الطلاب وأولياء الأمور بواقع الفرص الوظيفية ووقف القبول في المجالات المشبعة، بهدف إعادة صياغة منظومة التعليم العالي والتركيز على مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقد جاءت توجيهات السيسي صريحة في أهداف هذا التوجه، حين وصف تلك التخصصات المستهدفة بأنها “غير مهمة”، وأصدر توجيهات بوقف القبول (قولوا للناس دي آخر دفعة) في الكليات والأقسام التي لا يطلبها سوق العمل!
وقد اجتمع المجلس الأعلى للجامعات المصرية سريعًا وأوصى بالانتهاء من دراسة تحدد التخصصات التي سيتم إلغاؤها أو دمجها وتقليصها، وربط المناهج بسوق العمل، في غضون ثلاثة أشهر.
يصعب تصور أن يكون القراران في مصر والسعودية في شهر واحد مصادفة بحتة!

ملحق (1)

[1] https://www.akhbaar24.com/113785

[1] https://www.makkahnews.sa/5499864.html

[1] https://x.com/AZK_SA/status/2044373518825980414?lang=en

زر الذهاب إلى الأعلى