كتبمراجعات

عرض تحليلي لكتاب:“الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض” للإمام السيوطي

يمثل كتاب “الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض” واحدًا من النصوص العلمية التي كُتبت في لحظة تاريخية حرجة من تاريخ الفكر الإسلامي، حيث لم يكن النقاش حول الاجتهاد نقاشًا علميًا مجردًا، بل كان صراعًا بين رؤيتين للعلم والدين: رؤية جامدة ترى الاكتفاء بالموروث، وأخرى حيوية ترى ضرورة استمرارية التجديد.

ولا يمكن فهم هذا الكتاب إلا بوضعه في سياقه التاريخي والفكري، إذ لم يكن مجرد رسالة فقهية، بل كان أقرب إلى “بيان علمي إصلاحي” يهدف إلى إعادة الاعتبار لمنهج الاجتهاد بوصفه آلية مهمة في حفظ حيوية الشريعة.

والغاية من هذا العرض ليست تقييم صحة كل المسائل الفقهية التي طرحها السيوطي، ولا الانتصار له أو عليه في جزئياته، بل محاولة فهم مشروعه الفكري المهم، ومن ثم محاولة استلهام دلالاته في واقعنا المعاصر.

ويُعد هذا الكتاب من النصوص الصغيرة حجمًا، الكبيرة أثرًا، إذ يمثل لحظة وعي داخل سياق تاريخي اتسم بالركود الفقهي والتقليد المذهبي، وكان استجابة واعية لأزمة فكرية عميقة تمثلت في شيوع الاعتقاد بانقطاع الاجتهاد، وتحويل مادة الفقه إلى مجرد تكرار لما قرره المتأخرون من العلماء.

وفي هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع الكتاب بوصفه بحثًا في مسألة فقهية جزئية، بل ينبغي النظر إليه بوصفه مشروعًا لإعادة إحياء “الروح الاستنباطية” داخل العقل المسلم.

عاش الإمام جلال الدين السيوطي في أواخر القرن التاسع وبدايات القرن العاشر الهجري، وهي مرحلة شهدت تراجعًا ملحوظًا في الاجتهاد الفقهي، مقابل صعود ظاهرة “التقليد”.

وقد ترسخت في هذه الفترة فكرة أن الأمة لم يعد فيها من يبلغ رتبة الاجتهاد، وأن الواجب هو الاكتفاء بنقل أقوال الأئمة وشرحها.

وفي هذا السياق، برز الإمام السيوطي بوصفه شخصية موسوعية ذات ثقة عالية بقدراتها العلمية، فلم يكتفِ برفض هذا الواقع، بل أعلن صراحة أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وهو ما عرضه لهجوم شديد من معاصريه.

غير أن قراءة كتابه تكشف أن دفاعه لم يكن منصبًا على ذاته بقدر ما كان موجّهًا لتأصيل مبدأ عام، وهو أن الاجتهاد فرض كفاية لا يجوز تعطيله، فهو لا يكتب ليبرر موقعه، بل ليعيد بناء تصور الأمة لدور الاجتهاد في حفظ الشريعة.

يحمل عنوان الكتاب “الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض” دلالة عميقة تتجاوز مجرد الوصف البلاغي، إذ يستدعي الإمام جلال الدين السيوطي تعبيرًا قرآنيًا شديد الحمولة المعنوية، ليبني عليه موقفه النقدي من ظاهرة الركود الفكري والتقليد.

فمعنى “الإخلاد إلى الأرض” وارد في قوله تعالى:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ۝ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 175–176].

هذا النص القرآني يصوّر نموذجًا لمن أُعطي العلم والآيات، أي امتلك أدوات الارتقاء، لكنه لم يوظفها، بل “انسلخ” منها، أي تخلّى عن مقتضاها العملي، ثم “أخلد إلى الأرض”، أي ركن إلى اتباع الهوى، وهنا تظهر الفكرة: فسبب السقوط، بل تعطيل العلم عن دوره المحوري.

ومن خلال استدعاء هذا المعنى، يقوم السيوطي بعملية إسقاط واعية على واقع عصره؛ فهو لا يتحدث عن جهل بالمعنى البسيط، بل عن حالة يمتلك فيها العلماء تراثًا ضخمًا من النصوص والمعارف، لكنهم يريدون عدم تفعيل ملكة النظر والاجتهاد، وبذلك يصبح “الإخلاد إلى الأرض” عنده توصيفًا لحالة سلبية تضييع حيوية الأمة.

إن الربط الذي يقيمه السيوطي بين الآية وواقع التقليد يحمل دلالة دقيقة؛ فالآية لا تذم من لم يُعطَ العلم، بل تذم من أُعطيه ثم عطّله.

 وهذا بالضبط ما يراه في العلماء القادرين على الاجتهاد، إذ يعتبر ذلك أنه نوع من “الانفصال” عن وظيفة العلم، أشبه بما وصفته الآية بـ”الانسلاخ”.

ومن هنا، فإن اختيار هذا التعبير في عنوان الكتاب ليس مجرد توظيف بلاغي، إذ يُصنّف السيوطي الركود الفكري ضمن دائرة الانحدار، لا الحياد، فالعلم في تصوره ليس مجرد حفظ للنصوص أو نقل للأقوال، بل هو فعلٌ وحركة يقوم على التفاعل مع النص، واستنباط معانيه، وتنزيله على الواقع.

وبذلك، يتحول العنوان إلى مفتاح لفهم المشروع كله؛ فالسيوطي لا يهاجم تعطيل الاجتهاد بوصفه خطأ منهجيًا فحسب، بل يراه انحرافًا عن الغاية التي من أجلها أُعطي العلم. وكأن الرسالة الضمنية التي يريد إيصالها هي: أن من ترك الاجتهاد مع القدرة عليه، فقد اختار “الإخلاد إلى الأرض” بدل الارتقاء بالعلم.

يتضح من خلال القراءة المتأنية أن السيوطي يسعى إلى تحقيق عدة أهداف متداخلة، أبرزها إعادة تعريف الاجتهاد بوصفه واجبًا شرعيًا مستمرًا، فهو ينقل عن الإمام البغوي قوله:

“العلم ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية… وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ويعمل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فإذا كفته الناس القيام تعلمه غيره…”

وهذا النص، يكشف عن تصور عميق لدور الاجتهاد، حيث لا يُنظر إليه كوظيفة ضرورية لضمان استمرار العمل بالشريعة.

كما ينقل عن القاضي حسين الشافعي قوله:

لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بالحجة في كل وقتٍ وعهدٍ وزمان لأنه لو عُدم المجتهدون لم تقم الفرائض كلها، ولو بطلت الفرائض كلها لحلت النقمة.”

وهذا النص يكشف عن بُعد خطير في المسألة، حيث يربط بين غياب الاجتهاد وتعطيل الفرائض، ومع هذا الفراغ، تتسلل الانحرافات ويضعف سلطان الحق ومن ثم تحل النقمة بالأمة.

الباب الأول: في ذكر نصوص العلماء على أن الاجتهاد في كل عصر فرض من فروض الكفايات، وأنه لا يجوز شرعًا إخلاء العصر منه

في هذا الباب، يسعى السيوطي إلى تأصيل الحكم الشرعي للاجتهاد، مستندًا إلى أقوال العلماء من مختلف المذاهب.
ومن خلال هذا الحشد للنصوص، يحاول أن يثبت أن القول بانقطاع الاجتهاد ليس له أساس في التراث.

وقد أورد بعض النصوص الدالة ومن أبرز ما أورده، ما نقله عن الشهرستاني:

نعلم قطعا ويقينا إن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد ونعلم قطعا أيضا انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك أيضا والنصوص اذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى. عُلم قطعا ان الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد…”

هذا النص جازم في توصيل الفكرة، حيث يقوم على مقارنة بين محدودية النصوص ولا محدودية الوقائع، لينتهي إلى نتيجة حتمية: ضرورة الاجتهاد.

 ويُظهر السيوطي من خلال هذا الباب أن الاجتهاد ليس خيارًا، بل ضرورة شرعية، كما يبرز في هذا الباب تصور خطير، وهو أن خلو العصر من مجتهد يؤدي إلى إما العمل بالهوى أو تعطيل الأحكام، وكلاهما مآل مرفوض شرعًا.

الباب الثاني: في ذكر نصوص العلماء على أن الدهر لا يخلو من مجتهد، وأنه لا يجوز عقلًا

ينتقل السيوطي في هذا الباب من التأصيل الشرعي إلى التأكيد العقلي، حيث يحاول أن يثبت أن خلو العصر من مجتهد أمر غير ممكن.

ومن النصوص التي استشهد بها، ما نُقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا.”

هذا النص يرسخ فكرة أن وجود المجتهدين ليس مجرد واجب، بل هو جزء من نظام إلهي لحفظ الدين، ويوضح السيوطي بأن القول بانقطاع الاجتهاد مخالف لاستمرارية أحكام هذا النظام.

كما ينقل عن ابن دقيق العيد قوله:

الأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمة الشريفة لابد فيها من سالك إلى الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله…”

ويظهر من خلال هذه النصوص أن السيوطي لا يكتفي بالاستدلال، بل يبني تصورًا متكاملًا يرى فيه الاجتهاد جزءًا من استمرارية الرسالة)، وأن فكرة “غلق باب الاجتهاد” هي بدعة فكرية نشأت في عصور الانحطاط، وليست حكماً قرره الأوائل.

ومن ثمّ فإن بقاء الاجتهاد ليس مجرد قضية علمية، بل ضرورة لحفظ حيوية الشريعة واستمرار حضورها الفاعل في حياة الأمة عبر العصور.

 الباب الثالث: في ذكر من حث على الاجتهاد وأمر به، وذم التقليد

في هذا الباب، يوجه السيوطي نقدًا مباشرًا لظاهرة التقليد، خاصة عندما تصدر من القادرين على الاجتهاد، وهو لا يهاجم التقليد مطلقًا، بل يفرق بين تقليد العامي وتقليد القادر.

ومن أبرز النصوص في هذا السياق قول الإمام الشافعي:

“إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط.”

حيث يقدّم الدليل ويجعل من الاجتهاد أصلًا في التعامل مع النصوص، ويستثمر السيوطي هذا النص ليؤكد أن الأئمة أنفسهم لم يدعوا إلى تقليدهم، بل إلى اتباع منهجهم.

وكذلك قول الإمام أحمد:

“لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا.”

ليعزز نفس الفكرة، حيث يوجه إلى الرجوع إلى المصادر الأصلية، لا الاكتفاء بأقوال العلماء.

حيث يرى السيوطي أن من ملك آلة الاجتهاد يحرم عليه التقليد، بل يجب عليه شرعاً أن يمارس الاجتهاد.

 وبذلك يتضح أن دعوة الأئمة كانت إلى تحرير العقل من الجمود، وإحياء منهج النظر والاستدلال، لا الارتهان للأقوال دون وعي أو تمحيص.

يُعد هذا الباب من أغنى أبواب الكتاب من حيث العمق المنهجي، إذ يجمع فيه السيوطي قضايا متعددة تكشف عن فهم دقيق لطبيعة الاجتهاد وتعقيداته.

من أبرز ما يناقشه مسألة “تجزؤ الاجتهاد”، حيث يقول:

“يجوز تجزؤ الاجتهاد، فمن عرف أدلة مسألة ما وطرق استنباطها جاز له الاجتهاد فيها وإن جهل غيرها، وهذا من رحمة الله بعباده وتيسيرًا لطلب العلم.”

وهو ما يمثل بيانًا مهمًا في فهم الاجتهاد، حيث يخرجه من كونه مرتبة واحدة كلية، إلى كونه عملية جزئية ممكنة، ويوضح بأن هذا التيسير يعكس رحمة الشريعة، ويجعل الاجتهاد متاحًا لعدد أكبر من العلماء.

كما يناقش مسألة مراتب الاجتهاد، فيقول:

“المجتهد المستقل هو من وضع أصوله لنفسه، والمجتهد المنتسب هو من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق لكنه اختار سلك مذهب إمام معين…”

ويُظهر هذا التفصيل وعيًا دقيقًا بالبنية الداخلية للاجتهاد، حيث لا يُنظر إليه كمرتبة واحدة، بل كطيف من المستويات، وهذا التفكيك مهم لأنه يرد على من يرى شروط الاجتهاد تعجيزية في تلك الأزمان.

ويُفهم من هذا النصوص وأن السيوطي يرفض النزعة التي تجعل الاجتهاد مستحيلًا، ويرى أن المشكلة ليست في الشروط، بل في ضعف الهمة.

عند التأمل في بنية الكتاب، يتضح أن السيوطي لا يكتب بأسلوب تقريري بسيط، بل يعتمد على منهج جدلي يجمع بين النقل والعقل، فهو لا يكتفي بسرد الأقوال، بل يوظفها ضمن سياق حجاجي يسعى إلى تفكيك موقف خصومه.

فمن جهة، يعتمد على كثافة الاستشهاد بالنقول عن العلماء من مختلف المذاهب، وكأنه يريد أن يقول إن دعوته ليست شذوذًا، بل امتداد لأصل راسخ في التراث، ومن جهة أخرى، يستخدم الاستدلال العقلي القائم على تحليل العلاقة بين النص والواقع، كما في استدلاله بمحدودية النصوص ولا محدودية الوقائع.

هذا التداخل بين النقل والعقل يكشف عن وعي عميق، حيث يدرك السيوطي أن الأزمة التي يواجهها ليست فقط فقهية، بل فكرية، تتعلق بطريقة فهم الدين نفسه، ولذلك، فإن خطابه لا يوجه فقط للفقهاء، بل لكل من يساهم في تشكيل الوعي العلمي.

يمكن القول إن السيوطي كان يسعى إلى إعادة بناء تصور شامل للعلم، يقوم على التفاعل المستمر مع النصوص، لا الاكتفاء بحفظها، ومن هنا، فإن دعوته إلى الاجتهاد ليست مجرد دعوة فقهية، بل هي دعوة لإعادة تفعيل العقل المسلم.

 وهو يربط بين الاجتهاد وحيوية الأمة، حيث يرى أن “بذل الجهد المعرفي” هو الذي يمنحها القدرة على مواجهة التحديات.

كما يظهر في كتابه نوع من الثقة بإمكانية استعادة هذه الحيوية، حيث يرفض النزعة التشاؤمية التي ترى أن الزمن المتأخر لا يمكن أن ينتج علماء مجتهدين، وهذه الثقة ليست مجرد تفاؤل، بل هي مبنية على تحليل لطبيعة العلم وحقيقته.

عند قراءة هذا الكتاب في السياق المعاصر، نجد أن كثيرًا من الإشكالات التي ناقشها السيوطي ما تزال حاضرة، وإن اختلفت صورها، فمسألة العلاقة بين التراث والواقع، وحدود الاجتهاد، ودور العالم، كلها قضايا ما تزال مطروحة.

ويمكن استلهام عدة دلالات من هذا الكتاب، أبرزها أن الاجتهاد لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عملًا فرديًا معزولًا، بل يمكن تطويره ضمن إطار مؤسسي يجمع بين التخصصات المختلفة إذ أن فكرة “تجزؤ الاجتهاد” تفتح المجال أمام نماذج جديدة من العمل العلمي، تتناسب مع تعقيد العصر إذ يمكن إنشاء مجامع اجتهادية متعددة التخصصات

تقوم على تطوير برامج تعليمية لتخريج الكفاءات العلمية ومواصلة روح الاجتهاد في مجالات متعددة.

يبقى كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض نصًا مركزيًا في فهم تاريخ الفكر الإسلامي، لأنه يكشف عن لحظة مقاومة داخلية للجمود، ويقدم نموذجًا لعالم حاول أن يعيد التوازن والفاعلية الاجتهادية.

وإذا كان السيوطي قد واجه في عصره دعوى “إغلاق باب الاجتهاد”، فإن التحدي اليوم ربما يتمثل في كيفية تفعيل هذا الباب ضمن حالة الواقع المعاصر، ومن هنا، فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في روحه التي تدعو إلى الحيوية، والبحث، وعدم الاستسلام للركود، وإن استعادة هذه الروح هي الخطوة الأولى نحو بناء مشروعات علمية قادرة على التعامل مع تعقيدات العصر، دون أن يفقد صلته بأصوله.

وانطلاقًا من هذه الروح ذاتها، ومع ما يفرضه الواقع من تحديات حضارية تتسم بتدافع بين أمتنا وغيرها وما يصاحب ذلك من ضغوط ناتجة عن تفوق مادي وتقني لمدنية أخرى، تصبح الحاجة ملحّة إلى تحويل فكرة الاجتهاد من إطارها النظري إلى ممارسة حية في مختلف مجالات الحياة.

وفي سياق حالة التدافع الحضاري التي تعيشها الأمة اليوم، وما يرافقها من ضغوط ناتجة عن تفوق مادي وتقني لمدنية أخرى، تبرز الحاجة الملحّة إلى استلهام روح هذا الكتاب في تفعيل الاجتهاد بوصفه أداة استنهاض شاملة لا تقتصر على المجال الفقهي وحده، بل تمتد إلى مختلف مجالات الحياة.

فالفائدة المرجوة تتجلى في مجالات الصراع المتنوعة ومن أبرزها: التحرر من التبعية الفكرية التي تعطل القدرة على إنتاج المعرفة، وفي إعادة بناء المنظومة التعليمية بما يحرر العقل من التلقين إلى الإبداع والنقد، كما تشمل المجال السياسي عبر ترسيخ الوعي بضرورة تحرر بلادنا من سيطرة الخارج ومن ظلم الطغاة وتتمكن من صناعة القرار المستقل في ظل حكم راشد، إلى جانب المجال التقني الذي يتطلب انتقالاً من الاستهلاك إلى الإنتاج والابتكار، فضلاً عن المجال الثقافي الذي يعيد الاعتبار للهوية.
إن استعادة هذه الروح الاجتهادية المتجددة هي شرط أساس يمكن للأمة بها أن تنهض من جديد وتستعيد ريادتها الحضارية.

زر الذهاب إلى الأعلى