خريطة المشهد العراقي الحالي في ضوء التطورات الإقليمية والمحلية
تقرير حلقة نقاشية

المقدمة:
يعيش العراق اليوم واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ عام 2003، إذ تتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع تحولات إقليمية كبرى تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. وتبرز في قلب هذا المشهد معاناة أهل السُنَّة، الذين يواجهون تحديات متراكمة تتعلق بالتمثيل السياسي، وإعادة الإعمار، والأمن المجتمعي، فضلاً عن التحولات الديموغرافية والضغوط الإقليمية المتداخلة.
وفي ظل هذه الظروف الحرجة، بات من الضروري إعادة بناء مقاربات تحليلية تمكِّن من قراءة المشهد العراقي بعمق، ورصد مصادر التهديد والفرص، بما يتيح وضع خارطة طريق تستجيب لحاجات المرحلة.
انطلاقًا من هذا الوعي بطبيعة المرحلة ودقة لحظتها، عقد مركز رؤيا للدراسات حلقةً نقاشية موسَّعة حملت عنوان:
“خريطة المشهد العراقي الحالي في ضوء التطورات الإقليمية والمحلية“
وهي ندوة أتت ضمن سلسلة فعاليات بحثية تهدف إلى بلورة رؤية إستراتيجية للتحديات التي تواجه العراق اليوم، مع إيلاء اهتمام خاص بالمجتمع السُّنِّي ودوره في المرحلة المقبلة.
وقد استضافت الندوة نخبة من العلماء والباحثين والمفكرين والفاعلين في الحقلين السياسي والأمني، ممن يمتلكون خبرة تراكمية في قراءة الواقع العراقي وتطوراته.
محاور الندوة:
ناقشت الندوة جملة من القضايا المرتبطة ببنية المشهد العراقي الراهن، أبرزها:
- تسكين الحالة العراقية في الصورة الإقليمية الكبيرة.
- رفع الواقع العسكري والسياسي والاجتماعي العراقي.
- استشراف المستقبل المنظور للعراق، وخصوصًا مستقبل أهل السُّنَّة في ضوء عدة عناصر حاسمة:
نتائج الانتخابات الأخيرة.
التراجع الإيراني الإقليمي.
تطورات المشهد السوري.
وتمثل هذه الندوة محاولة جادة لتقديم قراءة تحليلية معمقة تتجاوز العرض السطحي للأحداث نحو فهم ديناميات القوة، وأدوار الفاعلين، وهي قراءة تأخذ في الاعتبار التحديات الخاصة بالمكوِّن السني، الذي يظلُّ أحد أبرز المتأثِّرين بالتحولات الداخلية والإقليمية على حدٍّ سواء.
فيما يلي عرضٌ لأبرز محاور النقاش التي تناولتها الحلقة، مع تحليلٍ لأهم الأفكار والتوصيات التي خلص إليها المشاركون.
المحور الأول: الواقع العسكري في العراق:
1.تداخل المستويات العسكرية والإقليمية والدولية في المشهد العراقي:
لا يمكن فهم الواقع العسكري في العراق بمعزل عن الشبكات الإقليمية والدولية التي تتداخل وتتقاطع مع بنيته الداخلية، فالعراق اليوم يمثل ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين، فمنذ عام 2003، لم تعد الدولة العراقية هي الجهة الوحيدة المحتكرة لاستخدام القوة، بل أصبح المجال الأمني مسرحًا متشابكًا من الجيوش الرسمية، والقوى الحزبية المسلحة، والميليشيات المرتبطة بقوى خارجية.
هذا التشابك جعل المشهد العسكري العراقي جزءًا من هندسة أمنية إقليمية أوسع، تتأثر بالتحولات بين إيران وأمريكا، وبتغير موازين القوى في سوريا والخليج.
2. تعدد الفواعل الداخلية: ستُّ قوى رئيسة تتحكم في الجغرافيا والقرار:
عند النظر إلى الداخل العراقي، يبدو واضحًا أن البلاد باتت تُدار فعليًا من خلال شبكات نفوذ “شبه-سيادية”، تتوزع بين القوى السياسية والمناطقية والميليشياوية، ويمكن تحديد ستِّ قوى رئيسة تتداخل في إدارة المشهد:
- قوة السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني (طالباني)، التي تملك تشكيلاتها الأمنية الخاصة، وعلاقاتها الإقليمية المتشابكة، خصوصًا مع إيران.
- قوة أربيل بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني (البرزاني)، والتي تمتلك كذلك قوات البيشمركة واستقلالًا أمنيًّا وسياسيًّا شبه كامل.
- قوة الجنوب بزعامة التيار الصدري، التي تجمع بين حضور جماهيري واسع، وقوة مسلحة قادرة على فرض معادلات على الدولة.
- قوة “الدولة العميقة” المرتبطة بنوري المالكي، التي ما تزال تملك نفوذًا مؤسسيًّا وأمنيًّا واسعًا داخل مفاصل الحكم.
- الميليشيات التابعة لإيران، وعلى رأسها الحشد الشعبي بتشكيلاته المختلفة، والتي تمثل الثقل العسكري الأكثر تأثيرًا في القرار الأمني العراقي.
- حكومة محمد شياع السوداني (رئيس مجلس الوزراء)، التي تمثل الإطار الرسمي للدولة لكنها تبقى الأضعف بين هذه القوى، إذ تعاني من محدودية السيطرة الفعلية على القرارين الأمني والعسكري.
هذه الكتل تمتلك مؤسساتها، وأجهزتها الخاصة، مصادر تمويلها، وعلاقاتها الإقليمية، وتعمل لتحقيق مصالحها الخاصة وليس لمصلحة الدولة العراقية، مما أدى إلى تفكك القرار الأمني وغياب مركزية الدولة.
3. المقاربة الأمريكية الجديدة: من صناعة النظام إلى تحجيم النفوذ الإيراني:
رغم أن الولايات المتحدة كانت الجهة التي صنعت الإطار السياسي الذي مكَّن المكوِّن الشيعي من التحكم في مقاليد الحكم بعد 2003، فإن واشنطن اليوم تتبنى مقاربة مغايرة تقوم على هدف إستراتيجي واضح: إضعاف النفوذ الإيراني داخل العراق.
وقد ترافق ذلك مع ضغط سياسي وأمني متزايد لاحتواء المليشيات المسلحة المرتبطة بطهران.
غير أن الواقع العراقي، كما يُظهره المشهد الميداني، يُصعب تنفيذ هذه المقاربة، فالميليشيات أصبحت اليوم أقوى من أي حكومة، منذ حكومة حيدر العبادي، مرورًا بعادل عبد المهدي، وحتى حكومة محمد شياع السوداني.
وقد تراكمت قوة هذه الميليشيات عبر المراحل التالية:
- مرحلة الدمج (2011):
حين تم دمج عناصر من الميليشيات في الأجهزة الأمنية ضمن ترتيبات اتفاقية الإطار الإستراتيجي. - مرحلة الصعود العسكري (2014):
مع تشكيل الحشد الشعبي، أصبحت هذه الميليشيات قوة موازية للجيش العراقي، مدعومة بالسلاح والتمويل والتدريب الإيراني - مرحلة النفوذ السياسي (2018 فما بعد):
حين دخلت الميليشيات إلى المعترك الانتخابي عبر تحالفات سياسية مثل “الفتح”، مؤثرة في نتائج الانتخابات وفي تشكيل الحكومات.
4. أزمة نزع السلاح: دولة عاجزة أمام قوى ما فوق الدولة:
مع تصاعد النفوذ الميليشياوي، أصبح مطلب “نزع سلاح الفصائل” بندًا ثابتًا في أجندة الولايات المتحدة وحلفائها، غير أن الدولة العراقية تبدو غير قادرة على تنفيذه لعدة أسباب:
- سيطرة الميليشيات على القرار الأمني في الأرض.
- تغلغلها داخل المؤسسات الرسمية، بما في ذلك أجهزة حساسة مثل الشرطة الاتحادية، والاستخبارات العسكرية، وهيئة الحشد نفسها.
- سيطرتها على جهاز مكافحة الإرهاب الذي رعته الولايات المتحدة وعدَّته نخبتها الأمنية الأكثر انضباطًا.
- هيمنتها على جهاز المخابرات الوطني، الذي كان يفترض أن يكون مؤسسة سيادية محايدة.
أمام هذه المعادلة، أصبحت الدولة في موقع الطرف الأضعف، حيث يتمتع الفاعلون المسلحون بقدرات عسكرية وتنظيمية تفوق قدرة الحكومة على فرض سيادة مركزية حقيقية.
5.تطورات الوضع العسكري والأمني في العراق:
أولًا: المساعي الأمريكية لنزع سلاح الميليشيات: هدف صعب دون تفجير المشهد:
تسعى الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة إلى إعادة ضبط التوازن الأمني في العراق، عبر تفكيك أو تحجيم قدرات الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، وذلك ضمن إستراتيجيتها لاحتواء النفوذ الإيراني إقليميًّا.
غير أنَّ هذه المهمة تبدو شديدة التعقيد؛ إذ إن أي محاولة لانتزاع السلاح بالقوة قد تُفضي إلى فوضى أمنية واسعة تهدد وحدة الدولة وتفتح الباب لسيناريوهات اقتتال داخلي.
وتملك واشنطن اليوم نحو 2,500 جندي في العراق، يتركَّز جزءٌ كبيرٌ منهم في قاعدة حرير بمحافظة أربيل شمال البلاد، ضمن إطار “قوات المهام المشتركة” لمحاربة تنظيم الدولة. لكن هذه القوة ليست كافية لفرض سيناريو نزع السلاح، كما أن واشنطن تدرك أن المواجهة المباشرة مع الميليشيات ستنتهي بتكلفة عالية.
ثانيًا: تعدد التوجهات الأمنية:
يواجه العراق اليوم عددًا من التوجهات العسكرية والأمنية المتزامنة، والتي تسهم في إضعاف الدولة وتعقيد معادلة الأمن الداخلي:
- تنظيم الدولة:
رغم أن التنظيم لم يعد بالقوة التي كان عليها بين 2014 و2017، إلا أنه ما يزال يحتفظ بوجود فعَّال في مناطق الوديان والجبال والفراغات الأمنية بين القوات العراقية والبيشمركة، وينفذ التنظيم عمليات خاطفة تستهدف نقاطًا عسكرية وهجمات ليلية، ويستفيد من هشاشة الدولة.
2. تنظيم PKK العمال الكردستاني:
ينتشر في مناطق متعددة شمال العراق، خصوصًا، ووجوده يورِّط العراق في صراع تركي-كردي ممتد، ويُعطي تركيا طريقًا لتدخل عسكري مستمر داخل العمق العراقي.
3.الوجود الإيراني المباشر وغير المباشر:
يشمل نشاطًا عسكريًّا استشاريًّا، وحضورًا استخباراتيًّا، إضافة إلى شبكات اقتصادية واسعة تعمل عبر شركات ومؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري. هذا النفوذ يمنح الميليشيات قوة إضافية، ويجعل قرار السلم والحرب في العراق مرتبطًا بميزان العلاقات بين إيران والولايات المتحدة.
4.النفوذ الأمريكي الاقتصادي:
رغم الحديث عن انسحاب تدريجي، تواصل واشنطن الاستفادة من النفط العراقي، وتتحكم بشكل غير مباشر عبر النظام المالي بالدولار، ما يجعل العراق ساحة صراع اقتصادي موازٍ للصراع الأمني.
ثالثًا: غياب الدولة المتماسكة:
في ظل هذا المشهد المتداخل، تبدو الدولة العراقية بعيدة عن شروط التماسك السياسي أو المبادرة الأمنية. فالتكتلات الطائفية والقومية والميليشياوية تحكم مناطق نفوذها بقوة السلاح والموارد، فيما لا ترغب عدة أطراف إقليمية ودولية—أمريكا، إسرائيل، وبعض القوى الكردية—بقيام دولة عراقية مركزية قوية تُعيد تعريف معادلة النفوذ وتحدُّ من استقلالية هذه الأطراف.
رابعًا: أزمة القيادة السُّنِّية:
يُعاني أهل السنة اليوم من ضعف واضح في القيادة السياسية، إذ تفتقر الشخصيات السُّنِّية البارزة إلى الإرادة الجادة لإحداث تغيير نوعي. ويقتصر نشاطهم غالبًا على مساحة محدودة داخل العملية الانتخابية، هذا الانكفاء السياسي أسهم في تراجع الدور العسكري والاجتماعي للسنة وفقدانهم القدرة على التأثير في المعادلة الأمنية.
خامسًا: الجيش العراقي: مؤسسة تأسست بالمحاصصة:
يتعرض الجيش العراقي لصعوبات بنيوية جعلت الاعتماد عليه كقوة وطنية جامعة أمرًا بالغ التعقيد، فمنذ إعادة تشكيله بعد 2003، جرى تأسيسه وفق نظام محاصصة طائفية رجَّحت الكفَّة الشيعية بنسبة تزيد عن 70%– وهي نسبة يعلم الجميع اختلافها عن الواقع كليًّا- إضافة إلى تدخل الأحزاب في التعيينات، وتغلغل الولاءات السياسية، وضعف المهنية، ما أفقد الجيش دوره الطبيعي.
سادسًا: الحضور العسكري السُّنِّي: من الفاعلية إلى الانحسار:
1. فترة القوة (2003–2011):
خلال السنوات الأولى بعد الاحتلال، أدت الفصائل السنية المقاومة دورًا محوريًّا في مواجهة القوات الأمريكية، وألحقت بها خسائر كبيرة وأربكت خططها العسكرية، وقد استفادت هذه الفصائل من بقايا قدرات الجيش العراقي السابق، ومن خبرات ضباطه، ما منحها فاعلية كبيرة في إدارة العمليات.
2. بداية الضعف (2011):
ابتداء من 2011، بدأ نفوذ الفصائل السنية في التراجع لأسباب متعددة:
- نفاد المخزون العسكري الذي حصلت عليه من الجيش السابق.
- ضعف التمويل وعدم وجود داعم إقليمي.
- نجاح الولايات المتحدة في استمالة العشائر السُّنِّية عبر مشروع “الصحوات”، ما خلق انقسامًا داخل البيئة السُّنِّية.
- دخول المكوِّن الشيعي بقوة إلى مؤسسات الدولة، وفرضه نفوذًا إداريًّا وأمنيًّا حدَّ من حرية الحركة لدى الفصائل.
3.مرحلة التراجع أمام الحشد الشعبي (2014–الآن):
مع صعود الحشد الشعبي بعد 2014، حدث ملء كامل للفراغ الأمني في المناطق السُّنِّية، وأصبحت قدرة الفصائل السنية على المنافسة شبه معدومة. فقد امتلك الحشد:
- دعمًا إيرانيًّا ماليًّا وتسليحيًّا.
- شرعية دينية عبر فتاوى المرجعيات.
- غطاءً سياسيًّا مكَّنَه من الاندماج في الدولة.
وهكذا تحوَّل المشهد العسكري في العراق من ساحة تشهد صراعًا متعدد الأقطاب إلى واقع تسيطر فيه القوى الشيعية المسلحة بشكل شبه كامل.
مناقشات المحور الأول:
في الجزء المخصَّص للنقاش، وجَّه الحضور مجموعة من الأسئلة الدقيقة إلى الخبير العسكري العراقي، الذي قدَّم إجابات تفصيلية كشفت عمق المشهد الأمني وتشعُّب المليشيات داخل العراق.
وفيما يلي أبرز هذه الأسئلة وإجاباتها كما وردت في الندوة:
السؤال الأول: ما خريطة أهم المليشيات الفاعلة في العراق اليوم؟
إجابة الخبير:
المشهد الميليشياوي في العراق معقَّدٌ ومتشابكٌ، ويمكن القول إن الحشد الشعبي هو المظلة الأكبر التي تجمع تحتها الفصائل الشيعية المسلحة والتي تصل إلى 67 ميليشيا، لكن الحشد ليس كيانًا موحدًا، بل يتكوَّن من ثلاث مجموعات رئيسة:
- فصائل مرتبطة بالمرجعية (السيستاني):
وتُعرف بـ “حشد العتبات”، وهي الأقل انخراطًا في السياسة والارتباطات الخارجية.
2. فصائل التيار الصدري :
التي كانت ذراعًا عسكريًّا للصدر قبل أن يُعلن تجميدها، لكنها لا تزال موجودة فعليًّا على الأرض.
3. فصائل مرتبطة مباشرة بإيران (خط ولاية الفقيه):
وهي الأكثر نفوذًا وتسليحًا وتأثيرًا في القرار الأمني، وتُعدُّ العمود الفقري للحشد.
أبرز الفصائل المرتبطة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، والتي تعدُّ الأكثر نشاطًا، هي:
- كتائب حزب الله:
من أكثر الفصائل تشدُّدًا وتنظيمًا، ومرتبطة عضويًّا بفيلق القدس، ولديها قدرات صاروخية وطائرات مسيَّرة، وتعدُّ الفصيل الأكثر مواجهة للوجود الأمريكي.
- حركة النجباء:
بقيادة أكرم الكعبي، وتُصنِّفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، وكان لديها وجود قتالي في سوريا ودور داخلي في قمع الاحتجاجات.
- عصائب أهل الحق:
بقيادة قيس الخزعلي، وتجمع بين العمل المسلح والسياسي. تمتلك نفوذًا واسعًا داخل الأجهزة الأمنية.
- منظمة بدر:
أقدم الفصائل الشيعية المسلحة، بقيادة هادي العامري، وترتبط ببنية الدولة منذ الثمانينيات، وتسيطر على مواقع حساسة في وزارة الداخلية.
- سرايا السلام:
ورغم إعلان مقتدى الصدر تجميد عملها العسكري، إلا أنها لا تزال موجودة في الميدان، خصوصًا في سامراء وبعض مناطق بغداد.
وهي تؤدي دورًا في المعادلة الشيعية الداخلية، لكن بالمقارنة مع فصائل إيران، فإن تأثيرها يبقى أقل انتظامًا وتنظيمًا.
وتشكِّل هذه الفصائل “العمود الصلب” للحشد الشعبي، وتمتلك قدرة على تعطيل أو فرض مسارات سياسية وأمنية داخل العراق.
وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى نزع سلاحهم، لكنها تدرك أن نزع السلاح بالقوة سيُدخل العراق في فوضى كبيرة، لهذا فإن تفكيك هذا النفوذ يحتاج إلى تغيير جذري في البنية السياسية وليس إلى إجراءات أمنية فقط.
السؤال الثاني: ما طبيعة هيكلة الجيش العراقي بعد 2003؟
إجابة الخبير العسكري:
أوضح الخبير أنَّ هيكلة الجيش العراقي بعد 2003 لم تُبنَ على أسس مهنية من الكفاءات، بل تشكَّلت وفق نظام محاصصة طائفية وقومية تمَّ فرضه خلال عملية إعادة بناء الدولة، وقد تجسَّد هذا النظام في المعادلة التالية:
- وزير الدفاع: من المكوِّن السُّنِّي، حيث يُسند عادةً إلى شخصية من المكوِّن السُنّي، في إطار المحاصصة السياسية، غير أن المنصب يبقى ذا طابعٍ شكليٍّ إلى حدٍّ كبير، إذ يفتقر إلى القدرة الفعلية على تحريك الوحدات العسكرية أو التأثير في القرار العملياتي، الذي يظل عمليًّا بيد الميليشيات والقوى المسلحة النافذة.
- رئيس الأركان: من المكوِّن الكردي، ولا يملك كذلك تأثيرًا حقيقيًّا على القرار العسكري.
- قادة القوات البرية والجوية والعمليات: من المكوِّن الشيعي.
هذه المعادلة لم تكن نابعة من اعتبارات تتعلَّق بالاحتراف العسكري، بل جاءت لضمان “توازن سياسي” بين المكونات، وهو توازن ورقيٌّ أكثر منه فعليًّا.
وبيَّن الخبير أنَّ هذا الترتيب سرعان ما أصبح شكليًّا؛ لأن السلطة العسكرية الحقيقية لم تعد بيد الجيش النظامي، بل انتقلت تدريجيًّا إلى الفصائل المسلحة المنضوية في الحشد الشعبي، ومع الوقت، بات الجيش العراقي يُستخدم غالبًا كـ غطاء مؤسسي للعمليات التي تُنفِّذها هذه الفصائل، أما القرارات الحساسة المتعلقة بالتحركات والتموضع العسكري، فقد خضعت غالبًا لسلطة قادة الميليشيات الذين أصبحوا يمارسون نفوذًا أكبر من نفوذ القيادات الرسمية.
وأشار الخبير أيضًا إلى أنَّ تعيينات كبار الضباط أصبحت خاضعة لاعتبارات الولاء الحزبي والمذهبي، لا للكفاءة والخبرة، وتحوَّلت بعض الأجهزة الأمنية إلى ما يشبه منظومات ميليشياوية داخل الدولة أكثر من كونها أجهزة موحدة.
السؤال الثالث: ما طبيعة التسليح المعتمد داخل الجيش العراقي؟
إجابة الخبير العسكري:
ذكر الخبير أن الجيش العراقي شهد بعد 2003 تحولًا جذريًّا في منظومة تسليحه.
فبعد أن كان يعتمد بالكامل على المعسكر الشرقي (السلاح الروسي والسوفيتي)، تم نقله قسريًّا إلى الاعتماد على المعسكر الغربي، أي الولايات المتحدة، التي أصبحت المزوِّد الرئيس للسلاح، ومَن يملك حقَّ التحكم في نوعية وكميات التسليح.
وقد كان يلزم لهذا التحول الجذري جملة من الإجراءات والتجهيزات اللازمة لذلك، بدءًا من طبيعة ومناهج الأكاديميات والمؤسسات والكليات العسكرية، إلى مرحلية التجهيز والتدريب، وهو مالم يتم منه شيء!
وبذلك فإن الجيش العراقي اليوم يعاني من:
- تبعية كاملة للقرار التسليحي الأمريكي.
- مقابل فصائل تمتلك خطوط تسليح مستقلة عن الدولة عبر إيران.
- ما خلق خللًا جذريًّا في ميزان القوة داخل العراق نفسه.
السؤال الرابع: هل هناك فرصة لتحسُّن وضع أهل السنة في العراق بعد التغيير الذي حصل في سوريا؟
إجابة الخبير العسكري:
أوضح الخبير أن التغيُّرات الأخيرة في سوريا لا تمثل بالضرورة فرصة حقيقية لأهل السنة في العراق.
وبيّن أن سوريا منشغلة اليوم بأزماتها الداخلية العميقة، بما فيها:
- الانهيار الاقتصادي، عودة بؤر التمرُّد المحلي في الأطراف.
- تفكُّك البنية الإدارية والأمنية في مساحات واسعة.
وهذا يجعل دمشق عاجزة تمامًا عن أن تؤدي أي دور مؤثر لصالح السنُّة في العراق، سواء سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا.
وأشار الخبير إلى أن الواقع الميداني على الحدود العراقية-السورية لا يزال يُدار من قبل منظومات ميليشياوية تمتلك حضورًا ثابتًا، وأكد أن هذه الفصائل ما تزال تستخدم الحدود في عمليات التهريب بأنواعه: نفط، أسلحة، مخدرات، موضحًا أنه برغم أن التغيُّر السوري قطع جزءًا من شبكة الاتصال التقليدية بين إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، لكنه لم يوقف أنشطة التهريب التي تديرها الميليشيات عبر طرق بديلة.
وأوضح الخبير أن الميليشيات تنظر إلى التحولات السورية باعتبارها تهديدًا مباشرًا؛ لأن أي تقليص للدور الإيراني في سوريا ينعكس عليها.
وخلص الخبير إلى أنَّ التغيير في سوريا لا يمكن الاعتماد عليه باعتباره فرصة إستراتيجية لأهل السنة في العراق، وأن الحكم السوري الجديد غير قادر على التأثير حاليًّا في معادلات القوة القائمة داخل العراق.
المحور الثاني: رفع الواقع السياسي في العراق في ضوء نتائج الانتخابات وتسكين المشهد العراقي في الصورة الإقليمية والدولية:
أولًا: خلفية تاريخية — جذور الأزمة السُّنِّيَّة داخل النظام السياسي العراقي بعد 2003:
يقدِّم أحد الخبراء العراقيين السياسيين صاحب الورقة المقدمة في هذا المحور قراءة معمَّقة في المسار السياسي لأهل السنة في العراق منذ الاحتلال الأميركي عام 2003 وحتى اليوم، مع ربط هذا المسار بالتطورات الإقليمية والدولية التي أسهمت في إعادة تشكيل الدولة العراقية على أسس جديدة، كان أبرز نتائجها تراجع الثقل السياسي والاجتماعي لأهل السُّنَّة، واتساع نفوذ الفاعلين الشيعة والكرد، وتمدُّد الأذرع الإيرانية.
يرى المحاضر أن أوضاع السنة في العراق لا تنفصل عن السياق الأوسع لأهل السُّنَّة في المنطقة العربية؛ فالمشهد العراقي — رغم خصوصياته — هو أحد تجليات الانحسار السياسي السُّنِّي الإقليمي بعد سلسلة من التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، ويؤكد أن تفكيك دولة العراق بعد الاحتلال لم يكن مجرد تغيير لنظام سياسي، بل كان تفكيكًا منهجيًّا لبنية الدولة بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والاجتماعية؛ ما أدى إلى انكشاف المكوِّن السُّنِّي وضعفه.
أولًا: الرؤيتان المتصارعتان بعد الاحتلال حول تفكيك الدولة:
بعد دخول القوات الأميركية بغداد، برزت رؤيتان لإعادة بناء الدولة:
- رؤية تدعو لتفكيك الدولة العراقية بالكامل:
- تبنتها إيران بشكل مباشر.
- واستهدفت إنهاء مركزية الدولة التاريخية في العراق.
- وضرب البنية العسكرية والأمنية التي كانت تشكل توازنًا يمنع تمدُّد نفوذها.
- وتفتيت الدولة عبر المحاصصة الطائفية والقومية.
- رؤية أخرى تدعو للإبقاء على هيكل الدولة مع تغيير النظام السياسي فقط:
- تبنتها بعض الدول العربية، إلا أن باقي الدول العربية كانت — كما يشير المحاضر — كانت في غفلة عن عمق هذا الصراع، ولم تتعامل معه باعتباره معركة إستراتيجية.
النتيجة الحاسمة: انتصرت الرؤية الإيرانية بتفكيك الدولة، مستفيدة من الدعم الأميركي لمرحلة “اجتثاث البعث”، وانهيار المؤسسات المركزية.
ثانيًا: المعارضة قبل الاحتلال وأثرها على المشهد الجديد:
يستعيد المحور الخلفية التاريخية للمعارضة العراقية التي عملت في الخارج منذ التسعينيات، والتي كانت خليطًا من:
- أحزاب شيعية مرتبطة بإيران.
- أحزاب كردية علمانية.
- وتيارات تركمانية وشخصيات مستقلة.
هذه القوى حصلت على تسهيلات واسعة من دول متعددة، خاصة إيران، وأصبحت هي النواة الأساسية التي صاغت النظام السياسي لما بعد الاحتلال، بينما دخل السُّنَّة إلى العملية السياسية من موقع ضعيف ومتأخر، ودون امتلاك أدوات القوة أو التنظيم.
ثالثًا: المحاصصة في مجلس الحكم — لحظة التأسيس الأولى لتهميش السُّنَّة:
عند تشكيل مجلس الحكم بقيادة الحاكم المدني بول بريمار، تم إرساء النظام السياسي الجديد على قاعدة محاصصة طائفية صارمة، وقد كان نصيب أهل السنة خمسة مقاعد من أصل 25، أي بنسبة 20%..
هذه النسبة — كما يوضح المحاضر — لم تكن تعكس الوزن الديمغرافي الحقيقي للسُّنَّة، بل كانت تجسيدًا للإرادة السياسية التي أرادت تثبيت السُّنَّة في خانة الأقليَّة السياسية، وهو ما ظلَّ مستمرًّا في كل الحكومات والبرلمانات اللاحقة!
. مقاطعة السُّنَّة للانتخابات الأولى — كشف التهميش وأظهر الحجم الحقيقي:
في أول انتخابات بعد الاحتلال، قاطع السنَّة — بعشائرهم، وفصائلهم، وقواهم الاجتماعية — العملية الانتخابية بالكامل، مما أدى إلى:
- ظهور نسبة مقاطعة بلغت 42% من مجموع الناخبين.
- وهو رقم يعادل تقريبًا الوزن الحقيقي للسنة بل الوزن المجتمعي لهم أكثر من ذلك.
- مما كشف زيف الحصة التي مُنحت لهم في مجلس الحكم ونظام المحاصصة (20%).
كما مثَّلت المقاطعة — للمرة الأولى — لحظة وحدة سُنيَّة سياسية، عبَّرت عن الرفض الجماعي للنظام الجديد.
. الدستور العراقي — نقطة الانقسام السُّنِّي الأولى:
اتفق السنَّة مبدئيًّا على رفض الدستور الذي صيغ تحت ضغط الاحتلال، وتحت تأثير مباشر للقوى الشيعية والكردية. لكن في اللحظة الأخيرة:
تراجع الحزب الإسلامي العراقي بقيادة طارق الهاشمي، وأعلن تأييده للدستور، ودعا أنصاره للتصويت بـ”نعم”!
هذا التراجع أحدث شرخًا عميقًا وخطيرًا داخل الصف السُّنِّي، وأضفى غطاءً سياسيًّا على دستور مرَّ بنسبة 78% بدعم الأغلبية الشيعية والكردية.
رابعًا: الواقع السياسي الراهن:
أشارت الورقة إلى أنَّ اعتماد نسبة 20% لتمثيل السنَّة في مجلس الحكم، ثم في نظام المحاصصة لاحقًا، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان مشروعًا سياسيًّا مقصودًا، يهدف إلى تثبيت أهل السنة كأقلية سياسية في خطاب الدولة، ومن ثمَّ جعلهم في مرتبة أقلّ من كونهم “مكوِّنًا أصيلًا وكبيرًا”.
وقد استخدمت هذه الآلية من خلال:
- تقسيم السنَّة إلى “سُنَّة عرب” و”سُنَّة أكراد” داخل الإحصاءات السياسية، بحيث يظهر الوزن السُّنِّي العربي مُنخفضًا مقارنة بالشيعة والأكراد.
- ويكون توزيع المناصب على أساس هذه النسبة المصطنعة، التي لا تعكس الواقع الديمغرافي الحقيقي.
واللافت أن هذه النسب لم تراع في تكوين المؤسسة العسكرية؛ حيث تم الدخول وفق قاعدة:
- 70% شيعة.
- 20% أكراد.
- 10% سنَّة إضافة لبقية المكوّنات.
وبذلك ترسَّخ البناء المؤسسي للدولة بما يضمن هيمنة مكوِّن واحد، ويجعل حضور السنَّة شكليًّا ومحدودًا ومجرَّدًا من القدرة على التأثير.
خامسًا: المحاور العربية الثلاثة الفاعلة داخل العراق:
رغم التراجع السُّنِّي، إلا أن عدَّة محاور عربية تحاول اليوم إدارة نفوذها داخل العراق، لكن تأثيرها يظل متراجعًا أمام القوة الإيرانية المتجذِّرة:
1. المحور السعودي — نفوذ اقتصادي يتنامى ببطء:
تُركِّز السعودية على أدوات القوة الناعمة الاقتصادية:
- مشاريع استثمارية، تعاون تجاري واقتصادي.
- بناء شراكات طويلة المدى.
لكن هذا النفوذ لا يمتلك بعدُ عُمقًا سياسيًّا قادرًا على التأثير في المعادلة الداخلية.
2. المحور الإماراتي — حضور اقتصادي واستخباراتي:
يظهر النفوذ الإماراتي في:
- النشاط الاستثماري داخل بغداد وأربيل.
- علاقات أمنية مع بعض الفاعلين.
- قنوات تواصل مع طبقة رجال الأعمال السُّنَّة الجُدد.
3. المحور القطري:
تركِّز قطر على:
- إدارة وساطات بين قوى عراقية متخاصمة.
- لعب دور في حلِّ أزمات أو إطلاق سراح معتقلين، ونسج علاقات مع أطراف من جميع المكوِّنات.
4.المحور الإيراني — القوة الأعمق والأكثر رسوخًا:
ورغم كل ما سبق، يؤكد الخبير أن المحور الإيراني يبقى الأقوى بفارق كبير عبر:
- مؤسساته الميدانية في العراق (الحشد الشعبي).
- فصائله المسلحة (كتائب حزب الله، العصائب، النجباء، بدر)، وغيرها.
- حضوره داخل الأجهزة الأمنية والوزارات.
- تغلغله في القضاء (مع رموز موالية).
سادسًا: نشوء طبقة سياسية سُنيَّة جديدة “المرتزقة السياسية”:
أحد أخطر التحولات في المشهد السني بعد 2010 هو ظهور طبقة سُنيَّة جديدة يصفها الخبير بأنها طبقة “مرتزقة سياسية“؛ وهي:
- غير مرتبطة بخطاب ديني أو مشروع وطني.
- تنتمي غالبًا لطبقة التجَّار وأصحاب المصالح الاقتصادية.
- دخلت السياسة بهدف البقاء داخل دائرة الحكم لا بهدف تمثيل أهل السنَّة.
وينبثق عن هذه الطبقة ثلاث مجموعات سنيَّة رئيسة تتنافس على:
- السيطرة على المحافظات، النفوذ داخل البرلمان، والموارد المالية.
ولغياب حاضنة شعبية مرتبطة سياسيًّا بهذه الكتل، استُخدمت أدوات مثل القبائل، والنزعات العشائرية، ومع تراجع حضور الأحزاب الإسلامية لم يعد هناك إطار سياسي جامع للسنَّة، مما فتح الباب لصراع المصالح على حساب القضايا الجوهرية.
وتراجعت المطالب السُّنيَّة الكبرى، وعلى رأسها تعديل الدستور الذي يتضمَّن بنودًا ظالمة لأهل السنَّة، وانشغل ممثلي السنَّة الجدد بالامتيازات بدل بناء مشروع سياسي!
في المقابل، خرجت نتائج الانتخابات الأخيرة لتمنح كتلة شيعية متماسكة النفوذ الأكبر، مستفيدة من غياب التيار الصدري، ومن تَشتُّتِ السنَّة وتنافسهم الداخلي بحثًا عن مصالح شخصية.
وبذلك أصبحت الطبقة السنيَّة الجديدة حريصة على استمرار النظام السياسي كما هو، لأنه يضمن بقاءها في المشهد، حتى لو أدى ذلك إلى تراجع حقوق المكوِّن الذي تزعم تمثيله!
مناقشات المحور الثاني:
السؤال الأول: ما مدى نجاعة المشاركة في العملية السياسية بعد خبرات السنين السابقة، ومع ضعف التأثير السُّنِّي طوال هذه المرحلة؟
إجابة الخبير السياسي:
أوضح الخبير أن التجربة الممتدة منذ 2003 وحتى اليوم أثبتت — بالواقع لا بالتحليل فقط — أن المشاركة السياسية بالشروط الحالية غير مجدية، وأن حصيلة أكثر من عقدين لم تقدِّم مكاسب حقيقية لأهل السنة، بل كانت المحصلة في الغالب:
تعميق التهميش السياسي، تآكل النفوذ المؤسسي داخل الدولة، خسارة الاستحقاقات الدستورية، وتحويل القوى السنيَّة إلى أطراف هامشية داخل منظومة مُحكَمة، تُدار لصالح القوى الشيعية المتماسكة والمنظومة الإيرانية الأوسع.
وأشار إلى أن العملية السياسية الحالية منظومة مغلقة يتحكم فيها:
الوزن العسكري للميليشيات، والهيمنة الشيعية على مؤسسات الدولة، النفوذ الإيراني المتغلغل، والقدرة المالية والسياسية للأحزاب المهيمنة.
لذلك أكّد الخبير أن الحلَّ السياسي في العراق لن يكون عبر المشاركة التقليدية، ولا عبر التنافس الحزبي بشكله القائم؛ لأن أدوات هذا التنافس، ونتائجه، وبيئته، كلها منحازة لبنية السلطة الحالية، ورأى أن أي مسار سياسي مستقبلي لأهل السنة يحتاج إلى صيغة مختلفة بالكامل.
السؤال الثاني: هل توجد كوادر سنيَّة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة؟
إجابة الخبير:
أكد الخبير أن لدى أهل السنة رصيدًا كبيرًا من الكفاءات، وأن هذه الكوادر تمتلك خبرات ممتدة منذ الدولة العراقية قبل 2003، وبعضها بقي داخل العراق، وبعضها الآخر يعمل في الخارج وينتظر لحظة مناسبة للعودة أو للتأثير.
وأكد أن هذه الكوادر قادرة على قيادة تغيير حقيقي عندما تتوفر اللحظة الفارقة، سواء من الداخل العراقي، أو بفعل تحولات إقليمية ودولية.
السؤال الثالث: هل هناك فرصة للتركيز على العمل الخدمي عبر مجالس المحليات والبلديات والمحافظات؟
إجابة الخبير:
أوضح الخبير أن هناك بالفعل فرصة واقعية للعمل السياسي السنِّي عبر القنوات الخدمية المحلية، خاصة في مجالس المحافظات والبلديات والمجالس الفرعية، ويرى أن هذه المساحة يمكن أن تتحول إلى منفذ عملي مؤثر بعيدًا عن تعقيدات السياسة المركزية ونفوذ الميليشيات.
وأكد أن عدَّة جهات سنيَّة—وفي مقدمتها هيئة علماء المسلمين—تدعم هذا التوجه بوضوح، وتعمل على إحياء هذا الدور.
وقد أكدت مداخلات بعض الحضور أن الواقع السياسي العراقي ما يزال انعكاسًا مباشرًا لتأثيرات الفاعلين الخارجيين—إيران والولايات المتحدة والمحاور الخليجية—وأن بنية الحكم وتوزيع النفوذ ما تزال محكومة بهذه التدخلات أكثر مما هي نتاج توازن داخلي.
وفي المقابل، شدَّد على أن البعد الطائفي اجتماعيًّا لم يعد حاضرًا كما كان في السابق؛ فالمجتمع تجاوز مرحلة الاحتقان الطائفي الحادِّ، وأصبحت العلاقات اليومية أكثر استقرارًا وأقل توترًا، بما يعكس تغيرًا مهمًّا في الوعي الاجتماعي، حتى مع استمرار استثمار الطائفية سياسيًّا في بعض السياقات.
وأكدت مداخلة أخرى لبعض الحضور على ضرورة تبنِّي قضية تعديل الدستور بوصفها قضية جامعة يمكن أن يلتف حولها المكوِّن السني، مؤكدين أنها قد تشكِّل منطلقًا فعَّالًا لإحداث تغيير في المشهد العراقي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تستغل العراق وتتعامل معه بوصفه “كانتونات” نفطية تُستنزف مواردها، ما يستدعي من أهل السنَّة رفع الوعي وتحريك القضايا الكبرى، التي تُعيد ترتيب أولوياتهم وتدفع باتجاه مسارٍ جامع لهم.
وفي النهاية أشار الخبير إلى طبيعة الواقع الديني في المشهد العراقي، لافتًا إلى تعدد التيارات بين الإخوان والسلفية والمدخلية وبعض الطرق الصوفية والتي باتت تميل في بعض جوانبها للتقارب مع الطرح الشيعي.
وأكد أنه رغم هذا التراجع السُّنِّي السياسي إلا أن العمل الدعوي يشهد نشاطًا لافتًا، وخاصة في مجال حلقات تحفيظ القرآن وانتشار المبادرات الدينية التربوية.
كما شدد الحضور على أن الشباب هم الشريحة الأكثر تضرُّرًا من التراجع السياسي والاجتماعي في العراق، ما يستوجب توسيع الجهد الدعوي والتربوي لتعزيز الوعي وبناء مناعة اجتماعية في هذه المرحلة.
وفي مداخلة ختامية لأحد الحضور نبه فيها على أهمية استحضار السنن الإلهية في المشهد العراقي كغيره، في ضوء القرآن والسنة، وإشكالية إغفالها وقصور النظر على جوانب من الحدث دون استيعابها واعتبارها.
فيما يتعلق بالوضع في العراق، فعلى الرغم من قتامة الصورة في الظاهر بسبب تسلُّط المفسدين على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي والقضائي؛ لكن يلوح أمل كبير وفق السنن الإلهية، إذ يتجه وضع أهل السنة الى التعافي بعد ما أصابهم من اعتقالات وتغييبات ومطاردات لكثير منهم بتهمة الإرهاب بسبب مقاومة المحتل الأمريكي!
وقد أشار إلى بعض مظاهر ذلكم التعافي والخير، ومنه الإقبال الكبير على المساجد وحلقات العلم والتحفيظ رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، وبخاصة شريحة الشباب بأعداد تفوق جدًّا النشاط الدعوي والعلمي!
في مقابل ذلك فإن الأسر الشيعية وصلت إلى مرحلة خطيرة من الانحراف والفساد على كل المحاور الدينية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها بمستويات يتعذَّر علاجها ويصعب وصفها.
وإن من السنن الجارية وطبائع الأشياء أن تصادم الميليشيات واقتتالها يقترب موعده في ظل ما لها من مرجعيات مختلفة وما تملكه من أسلحة كبيرة واموال طائلة ومصالح متعارضة وتنافس شرس.
وأشارت المداخلة إلى أن مرحلة أفول الهيمنة الشيعية في العراق قد بدأت بعد علوهم الكبير وظلمهم العظيم وتعارض مصالحهم، وتأثرهم المباشر وغير المباشر بالمتغيرات في المنطقة والصراعات العالمية.
في الوقت نفسه أكدت المداخلة على ضرورة الإعداد واستكمال أدوات الإصلاح والتغيير كلها؛ دعوية وتربوية وسياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وعلى كل الأصعدة لاستثمار أي فرصة تسنح.
الخاتمة:
يخلص هذا التقرير إلى أنّ المشهد العراقي الراهن هو نتاج تراكمي لانهيار الدولة بعد 2003، وهيمنة الفاعل الخارجي، وتراجع الحضور السُّنِّي سياسيًّا لصالح منظومات مسلَّحة تتجاوز مؤسسات الدولة.
ورغم تعدد المحاور المؤثرة، يبقى النفوذ الإيراني الأكثر رسوخًا، فيما تتسم المشاركة السياسية السنية بالهشاشة وعدم الجدوى في صورتها الحالية، كما يتبيَّن أن مساحة العمل الخدمي المحلي تمثل فرصة واقعية للحضور والتأثير.
ويؤكد النقاش كذلك وجود كوادر سُنِّية قادرة على المبادرة عند توفر اللحظة المناسبة، إضافة إلى نشاط دعوي متصاعد يمكن أن يسهم في ترميم البنية الاجتماعية واحتضان شريحة الشباب الأكثر تضررًا.
وبناءً على ذلك، تبدو الحاجة مُلحَّة لصياغة مشروع سُنٍّي جامع، يرتكز على القضايا الكبرى القادرة على تعديل الخلل في المشهد العراقي، والتهيئة لمسار واقعي للتغيير في المستقبل القريب.






