مأساة الفاشر بين صراع الداخل وتدافع المصالح الإقليمية

مقدمة:
شهد السودان خلال عامي 2024–2025 تطوّرات ميدانية أعادت تشكيل خريطة الصراع الداخلي وأعادت طرح أسئلة كبرى حول وحدة الدولة ومستقبلها السياسي.
ويُعدّ سقوط مدينة الفاشر، عاصمة إقليم دارفور، بيد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025، نقطة تحوّل مركزية في مسار الحرب الأهلية السودانية، إذ لم يكن الحدث مجرد انتصار عسكري لطرفٍ على آخر، بل تجسيدًا لمسار طويل من التشظي السياسي والعرقي، وتعبيرًا عن موازين قوى إقليمية ودولية متشابكة.
إن رسم خريطة تحليلية مركّبة للحدث، لا بد أن يكون من خلال قراءة خلفياته التاريخية، وبُعده العسكري والسياسي، ثم تبيان أبعاده الإقليمية والدولية، بالاستناد إلى المعطيات ومستجدات الأحداث.
فمنذ استقلال السودان عام 1956، تشكّلت الدولة السودانية على قاعدة واسعة من التنوّع الإثني والديني واللغوي، ثم تواصلت التمرّدات المسلحة والمتعاقبة.
دارفور تحديدًا شكّلت بؤرة صراع مركّبة منذ عام 2003، حين اندلع تمرّد واسع قادته حركات مسلّحة أبرزها حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان وردّت حكومة الرئيس السابق عمر البشير حينها بتسليح ميليشيات قبلية عربية عُرفت لاحقًا باسم الجنجويد، والتي تطوّرت مؤسساتيًّا إلى قوات الدعم السريع.
هذا التأسيس المزدوج –دولة مركزية منهكة وميليشيات محلّية مسلّحة– مهّد لاحقًا لانقسام الجيش السوداني نفسه بين ولاءات متضاربة.
من الجنجويد إلى الدعم السريع:
نشأت قوات الدعم السريع من رحم الصراع في دارفور، لتتحوّل تدريجيًّا إلى ذراع عسكرية ذات نفوذ مستقل داخل الدولة، فبعد أن كانت تحت إشراف جهاز المخابرات الوطني تحت مسمّى “حرس الحدود”، منحها نظام البشير صفة رسمية وارتباطًا مباشرًا بمكتبه الرئاسي، وأوكل قيادتها إلى محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي استطاع عبر السنوات بناء شبكة ولاءات قبلية واقتصادية ممتدة داخل وخارج السودان.
بعد سقوط نظام البشير عام 2019، أُعيد تشكيل السلطة عبر مجلس السيادة الانتقالي برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، ونائبه حميدتي.
غير أن الازدواج العسكري في مركز السلطة كان يحمل بذور انفجار لاحق، خصوصًا بعد خلافات حول دمج الدعم السريع في القوات المسلحة وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية. وفي أبريل 2023 اندلع القتال بين الجيش والدعم السريع، لتبدأ أطول حرب أهلية في تاريخ السودان الحديث.
ويمتدّ إقليم دارفور على مساحة تُقارب 500 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل ربع مساحة السودان، ويضم خمس ولايات رئيسة، وتكتسب دارفور أهمية استراتيجية لكونها بوّابة السودان الغربية نحو إفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا، فضلًا عن غناها بالموارد الزراعية والمعدنية، خصوصًا الذهب واليورانيوم.
ويتكوّن النسيج الاجتماعي في دارفور من مزيج من القبائل العربية الرعوية والقبائل الإفريقية الزراعية (الفور، الزغاوة، وغيرها…)، ما جعل الصراع في كثير من الأحيان يتخذ طابعًا هوياتيًّا – عرقيًّا أكثر منه سياسيًّا.
ثالثًا: سقوط الفاشر – العوامل الميدانية والعسكرية:
تمثّل مدينة الفاشر مركز الثقل الإداري والسياسي في دارفور، ورمزًا تاريخيًّا لسلطنة الفور التي دمجها الاستعمار البريطاني في السودان عام 1916، وبذلك فإن السيطرة عليها تُعادل السيطرة الرمزية على الإقليم بأكمله.
خلال عام 2024، تعرّضت المدينة لأكثر من 260 هجومًا متكررًا من قوات الدعم السريع في محاولة لاختراق دفاعات الجيش و”القوة المشتركة” التي كانت تضمّ عدة فصائل أُنشئت في الأساس لحماية المدنيين في دارفور، وبحلول أكتوبر 2025 انهارت دفاعات الفاشر بعد حصار طويل امتدّ لأشهر، تخلّلته عمليات قصف متواصل، ونقص حاد في الإمدادات، وانسحاب تدريجي للقوات الحكومية.
العوامل الحاسمة في سقوط المدينة يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:
- التفوّق التسليحي للدعم السريع:
تشير تقارير الأمم المتحدة ومصادر استخبارات مفتوحة إلى حصول قوات الدعم السريع على دعم خارجي نوعي شمل منظومات دفاع جوي صينية متطورة وطائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى، وقد أدّت هذه المنظومات إلى تحييد سلاح الجو السوداني بشكل كبير، وأفقدت الجيش قدرته على استخدام المسيرات الهجومية.
- انقطاع خطوط الإمداد:
الطريق البري بين كوستي – الفاشر قُطع منذ منتصف 2024، وهو الشريان اللوجستي الرئيس والوحيد تقريبًا الذي كانت القوات المسلحة السودانية والحركات المتحالفة معها تعتمد عليه في إيصال الإمدادات العسكرية (الذخيرة، الأسلحة) والإنسانية والغذائية إلى الفاشر، ما جعل المدينة شبه معزولة، وباءت محاولات الجيش لإنزال إمدادات جوية بالفشل في معظمها بسبب الحصار الكامل وخطورة المجال الجوي الذي سيطر عليه الدعم السريع.
- تفكّك التحالفات المحلية:
القوى المشتركة التي كانت تتولى حفظ التوازن بين الجيش والدعم السريع انقسمت داخليًّا؛ فبرغم أن بعضها انحاز إلى الجيش، التزمت مجموعات أخرى الحياد أو تفاوضت مع الدعم السريع، وقد كان الجيش يعتمد على كثير من هذه الشبكات والقبائل في مهام الإنذار المبكر وجمع المعلومات، لكن تحييد بعض الزعماء أفقده جزءًا مهمًّا من رؤيته الاستخبارية، فكان انهيار هذا التوازن المسمار الأخير في دفاعات الفاشر.
والنتيجة كانت تمكُّن قوات الدعم السريع من السيطرة على المدينة وسط انهيار إنسانيّ كارثي، إذ أشارت التقارير الأخيرة إلى وقوع عمليات تطهير عرقي على أساس الهوية القبلية، واستهداف مباشر للمدنيين العزل داخل المستشفيات ومراكز الإيواء.
الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع:
يتفق معظم المحللين على أن قوات الدعم السريع لم تكن لتصل إلى هذا المستوى من التنظيم والتسليح دون دعم خارجي متعدّد المصادر، إذ تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن ميزان القوة في الحرب السودانية شهد تحولًا حادًّا بفعل تدفقات السلاح الخارجي وتطور نوعية التسليح لدى هذه القوات.
فبينما حافظ الجيش السوداني على تفوقه العددي والتنظيمي التقليدي، استطاع الدعم السريع، عبر خطوط إمداد تمتد من تشاد وليبيا وبغطاء إماراتي، الحصول على منظومات دفاع جوي صينية ومعدات متطورة مكّنته من تحييد السلاح الجوي السوداني وتوسيع نطاق سيطرته الميدانية، كما أسهم وجود مرتزقة مدرّبين واستخدام تكنولوجيا حرب إلكترونية حديثة في رفع كفاءته العملياتية.
ومنذ بداية الصراع، رصدت تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة مسارات تهريب السلاح عبر تشاد وليبيا وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وأظهرت فحوص الأسلحة المصادرة أنها مستوردة من الصين وصربيا وروسيا ومبيعة رسميًّا إلى دول خليجية، ثم نُقلت لاحقًا إلى السودان لدعم قوات الدعم السريع بصورة غير مباشرة.
الجانب الأكثر حساسية هو الدور الإماراتي، إذ أظهرت التقارير رحلات شحن جوّي متكرّرة من قواعد في إفريقيا الوسطى وتشاد إلى مناطق سيطرة الدعم السريع، يُعتقد أنها تحمل إمدادات عسكرية.
في المقابل، سعت القيادة العسكرية السودانية إلى تعويض هذا الخلل عبر علاقات جديدة مع إيران وروسيا، وبالفعل أُعيد فتح قنوات لشراء طائرات مسيّرة إيرانية (طراز شاهد) وبحث إنشاء قاعدة روسية في بورتسودان على البحر الأحمر.
غير أن هذه التحركات قوبلت بتحفّظ أمريكي وغربي شديد، إذ تعتبر واشنطن أن أي وجود روسي على البحر الأحمر يشكّل اختراقًا استراتيجيًّا خطيرًا لمجالها البحري.
المواقف الدولية من صراع الطرفين:
رغم ضخامة الجرائم التي رُصدت في دارفور على مدار العام الأخير، فإن الموقف الدولي بدا غامضًا ومتردّدًا، فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا مقتضبًا بعد سقوط الفاشر، رحّبت فيه بإعلان الدعم السريع “محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات”، ما اعتبره مراقبون منحًا ضمنيًّا للشرعية لهذه القوات.
كما واصلت اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات) خلال الفترة الماضية جهودها لتيسير التواصل مع طرفي الصراع، ويعكس هذا الأمر توجهًا ملموسًا نحو التعاطي مع قوات الدعم السريع، إذ لم تعد تُعامَل فقط كقوة متمردة، بل كطرفٍ أساسيّ في أي ترتيبات سياسية محتملة.
البعد الإقليمي للصراع:
تحوّل السودان منذ بداية الحرب إلى ساحة تنافس إقليمي مكتوم بين محورين رئيسين:
- محور دعم الدولة (الجيش):
يضم هذا المحور بالأساس مصر والمملكة العربية السعودية، اللتين تتبنيان مواقف تميل إلى دعم مؤسسة الجيش السوداني، وتنطلق القاهرة في موقفها من اعتبارات استقرار حدودها الجنوبية وضمان تدفق مياه نهر النيل، في حين تركز الرياض على أمن البحر الأحمر الذي تطل عليه حدودها وتسعى إلى منع تحوّله إلى منطقة صراع، وتقود منذ عام 2023 (مفاوضات جدة) بين الطرفين.
- محور دعم (قوات الدعم السريع):
تمثّله بالأساس الإمارات العربية المتحدة وبعض الشبكات في ليبيا وتشاد، وتتبنّى أبوظبي رؤية تعتبر الصراع في السودان جزءًا من إعادة تشكيل الإقليم على أسس لا مركزية، على غرار دعمها للجنرال حفتر في ليبيا والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن.
ويبدو أن الدعم السريع أصبح بالنسبة لهذا المحور ورقة ضغط إقليمية توازن النفوذ المصري والسعودي في وادي النيل.
الموقف العربي المتباين من سقوط الفاشر:
برز تباين واضح في المواقف العربية عقب مجازر الفاشر:
- السعودية وقطر أدانت بوضوح ما جرى، ودعت إلى تحقيق دولي ومحاسبة المسؤولين.
- الإمارات التزمت الصمت ولم تُصدر إدانة رسمية، في حين اكتفت مصر بتأكيد “رفض تقسيم السودان” دون توجيه اتهام مباشر للدعم، مما يكشف عن تراجع واضح في الموقف المصري تجاه الأزمة السودانية، إذ التزمت القاهرة صمتًا دبلوماسيًّا لافتًا، ولم تُبدِ حتى إدانة صريحة لما جرى، على الرغم من ما تمثله التطورات في دارفور من تهديد مباشر للأمن القومي المصري من بوابة الجنوب!
ويعكس هذا التباين اختلافًا في مصالح الدول العربية ورؤاها تجاه مستقبل التوازنات في السودان، فلكل دولة حساباتها الخاصة المرتبطة بمصالحها، ويغيب البعد المتصل بمصلحة الشعب السوداني المباشرة عن صدارة أولويات الفعل العربي، لصالح مقاربات براغماتية تحكمها المصالح وموازين القوى.
- وبوجهٍ عام، أظهر سقوط مدينة الفاشر بصورة جلية حجم الإفلاس السياسي والمؤسسي في المنظومة العربية تجاه الأزمة السودانية، فكانت لحظة كاشفة لعجز المنظومة العربية عن إدارة أزماتها في ظل مطامع بعض الدول في ثروات السودان.
المشهد السياسي بعد سقوط الفاشر:
يمثل سقوط الفاشر، بعد حصار طويل، نقطة تحول إستراتيجية فارقة في مسار الحرب السودانية، فقد تُوِّجت سيطرة الدعم السريع على الفاشر اكتمال سيطرتها العملية على إقليم دارفور بالكامل (ولاياته الخمس)، مما يعزز نفوذها السياسي ويؤمن خطوط إمدادها الغربية المرتبطة بالحدود الدولية.
كما أن سقوط المدينة منح الدعم السريع موقعًا تفاوضيًّا قويًّا، في ظل نقل الجيش الحكومة المعيّنة حديثًا (برئاسة كامل إدريس) إلى الخرطوم تدريجيًّا، والذي قابله إعلان حميدتي تشكيل حكومة موازية في نيالا (جنوب دارفور).
ومع سيطرة الدعم السريع على الفاشر، يُفتح الباب أمام سيناريو “الحكومتين” المشابه للنموذج الليبي، إذ قد يتعامل المجتمع الدولي مع الدعم السريع كسلطة أمر واقع في الغرب، مقابل حكومة معترف بها في الشرق.
التداعيات الإنسانية والبعد الاجتماعي:
مع سقوط الفاشر، دخل ملايين من الشعب السوداني في مرحلة انهيار إنساني شامل، فملايين النازحين فرّوا إلى تشاد وجنوب السودان، فيما قُطعت الإمدادات عن مناطق بأكملها.
التقارير الحقوقية وثّقت جرائم اغتصاب جماعي، وإعدامات ميدانية على الهوية، وتدميرًا ممنهجًا للمستشفيات والبنى التحتية، وتحوّلت الفاشر إلى مطقة تفكّك داخل الدولة السودانية ونموذجًا لانهيار مؤسساتها.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن مدينة الفاشر يُحاصر داخلها نحو 260 ألف مدني، بينهم 130 ألف طفل بلا مساعدات منتظمة، وأنه منذ أكتوبر 2025 نزح أكثر من 70 ألف شخص، بينما يعاني 40% من الأطفال من سوء تغذية و11% من حالات حادة، كما أودت أوبئة المياه الملوثة بحياة 3,400 شخص في دارفور.
ورغم فداحة الكارثة وتوثيق فيديوهات تُظهر استهداف المدنيين والمستشفيات، ظل الموقف العربي باهتًا؛ بلا تحرك إنساني مؤثر، ما كشف عجز النظام العربي عن الاستجابة لمعاناة إنسانية هي الأخطر في السودان منذ عقود طويلة.
إن الطابع الانتقامي الذي اتسمت به عمليات الدعم السريع –استباحة المدن، واغتصاب النساء، وقتل الجرحى في المستشفيات– عكس منظومة عدائية، تستند إلى منطق الغنيمة والغلبة، فالسلوك الميداني لتلك القوات أظهر اعتمادًا على العنف بوصفه أداة للسيطرة والإخضاع ما يجعل من استمراره تهديدًا مباشرًا لبنية الدولة والمجتمع معًا.
خاتمة:
يُظهر الحدث أن سقوط الفاشر ليس نهاية الحرب، بل بداية إعادة تشكّل السودان في صورة جديدة.
فالجيش ما زال يحتفظ بشرق السودان وبميناء بورتسودان، بينما يسيطر الدعم السريع على الغرب والوسط، وتبقى مناطق الجنوب والشرق عرضة لاختراقات مستمرة.
الدعم الخارجي المتناقض، وازدواجية الموقف الدولي، وتداخل المصالح الإقليمية، تجعل من تسوية الأزمة السودانية رهينة موازين القوى الخارجية أكثر من إرادة الأطراف المحلية.
إنّ مأساة الفاشر تمثل تجسيدًا صارخًا لمعادلة خطيرة، حين تسيطر ميليشيا مسلحة على جزء من البلاد، ويسود فيها منطق الغنيمة، تتحول أرض الوطن إلى ميدان فوضى مفتوح، وتغدو سلعةً في مزاد المصالح الإقليمية والدولية، ويعاني المواطنون الأبرياء من آثارها المؤلمة القاسية.
وفي ظل هذا الواقع المأزوم، يصبح الدور السياسي والميداني للقيادة السودانية، ومن معها من قوى المقاومة الشعبية، محوريًّا في حماية وحدة البلاد، ومنع انزلاقها نحو التشرذم والانقسام.
ويبقى مستقبل المعركة مفتوحًا على احتمالين متناقضين: انتصار ميداني يرسخ وحدة الدولة، أو تسوية خارجية تُبقي الدعم السريع حاضرًا في معادلة التمدد والنفوذ السياسي والميداني.




